المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا وبناء جيش عراقي


عبدالناصر محمود
12-07-2014, 08:29 AM
أمريكا وبناء جيش عراقي… فزعة عشائرية وفزاعة ميليشياوية
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(حارث الأزدي)
ــــــــ

15 / 2 / 1436 هــ
7 / 12 / 2014 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8895.jpg

الهوى الأمريكي اليوم يسعى مجددا لإعادة انتاج تجربة الصحوات السابقة ومع أنها كانت تجربة مريرة لمن انخرط فيها وجرت الويلات على البلد بما مثلته من طوق إنقاذ لمحتل شارف على إعلان هزيمته في أواخر 2006 ومنتصف 2007.

ها هي اليوم تدفع باتجاه انشاء تجربة أخرى لإنقاذ نفسها من تقاطعات المشاريع الدولية والاقليمية في المنطقة وكذلك لانتشال العملية السياسية الجارية في العراق، فهي على شفير الهاوية، نتيجة ممارسات الجيش الذي لملمته من فلول الميليشيات، وعصابات الجريمة، وبعض الباحثين عن لقمة العيش ولو كانت على حساب الوطن ومغمسة بالدماء.

تلك هي صورة الجيش الذي رأت فيه أمريكا ملائمة لمشروعها لعشر سنوات تريدها تأسيسا لعشر قادمات بما تمثله جرائم هذا الجيش من أسباب موجبة للبحث عن حلول بحسب المنتمين لها والمؤمنين بحلولها لهذا الواقع المرير عند من صنعته ورعته (أمريكا) فكانت دعوة الإدارة الأمريكية لشخصيات سياسية مؤمنة بالمشروع الأمريكي وشيوخ عشائر معروفين بالبحث الدؤوب عن أعلى الأسعار لمواقفهم المعروضة والمحسوبة بدقة بارتفاع وانخفاض بحسب وتيرة التصعيد الإعلامي تصريحا وإحجاما، ولرب سائل يسأل كيف لهؤلاء الشيوخ والشخصيات الدخول في مشروع مشابه لمشروع الصحوات الذي تبين أنه مشروع للاستخدام لمرة واحدة؟ فكيف لهم تجريب المجرب أم ان السيناريو الجديد أعد بطريقة متوافقة بين أطراف اللعبة؟.

ربما مجموع المخططات المطروحة في الساحة العراقية والساحات المجاورة لها يؤدي سلوكها إلى هذه النتيجة التي تنطلي على السطحيين ويحبذها كثيرا الانتهازيون فيرسمون لافتة أمريكية تقول نتفهم مأزقكم ونحاول مساعدتكم ومن هنا يأتي الاقناع والاقتناع والخداع والانخداع؛ ولأن الأمريكان ليسوا بجمعية خيرية تقدم المساعدات مجانا فلابد من ثمن يراد أمام هذه المساعدة.

ولأن كل المجريات والاحداث تؤكد بما لا مجال للشك فيه أن الخط الاحمر الأمريكي في كل ما يجري انما يتمثل بالعملية السياسية التي رعتها منذ أكثر من عقد من الزمان وليس من الوارد فضها وانهاؤها أو استبدالها حتى؛ لما تمثله من صفحة مكملة للاحتلال لا يمكن التفريط بها وعلى هذا فليس بمجرد البوح والتفكير بصوت عال بين طرفين أحدهما الأمريكي وهو طرف أصيل في اللعبة مع طرف ثانوي لا يمكن عده سوى أنه عامل مساعد على تمشية المخططات وهو مجموع الشخصيات المرشحة لبيع المواقف؛ ان تتغير قوانين اللعبة الطائفية والعرقية لان ذلك يؤدي إلى نفرة أطراف مؤسسة في هذه اللعبة التي تستهدف العراق لا يمكن بحال الاستغناء عنهم.

مهمة بناء الجيوش تنطلق من هدف البلاد التي تسعى إلى حفظ هويتها وأرضها وتاريخها فيكون بناء الجيش منطلقا للدفاع عن ماضي البلاد وحاضرها وتأمين مستقبلها، لكن الأمر بمجمله من خلال ارسال الدعوة إلى اللقاءات المكثفة في أمريكا إلى المناكفات الاستفزازية التي يطلقها نواب في العراق بالضد من هذا التوجه يظنون أنهم مستهدفون بهذه اللقاءات وان مخرجاتها تهدد وجودهم؛ يمكن اجمال هذه اللقاءات بانها جلسات استماع للوضع الميداني من طرف لا يجد غضاضة في التعامل مع الطائفيين والتحاصصيين ويمكن ان يرضى بتحسين حصته إذا تضمنت امتيازات ومشاريع تعود عليهم بالجاه والمال والسلطان.

فجلسات الاستماع هذه توفر للأمريكان والقائمين على المشروع السياسي لهم في العراق معرفة سبل المعالجة لتدارك الانهيار الوشيك بعد أن كان الانهيار المذهل للجيش الذي صرفت عليه أمريكا وخصصت له المليارات من الدولارات من ميزانيات العراق على مدى سنوات فاذا به نمر ورقي سرعان ما انهار في اول مواجهة في الموصل وصلاح الدين وقبلهما الأنبار، ولربما ينظر الأمريكان إلى هذه الجلسات من باب انها تمثل دراسة معمقة جديدة بالوقوف على الاسباب التي ساعدت على هذا الانهيار كالظلم والقهر والتنكيل والتعذيب والإهانة والترحيل القسري وما إلى ذلك من قائمة الانتهاكات بحقوق المواطنة بغض النظر عن البحث في المسألة العددية لهذا المكون أو ذاك لتتمكن من التحكم بخيوط اللعبة شدا وإرخاء بحسب مقتضيات منافعها.

وحين يطرح مراقبون لما يجري من أحداث أن الفعل الأمريكي المتمثل بدعوة هذه الشخصيات من دون الرجوع إلى الحكومة ببغداد انما يمثل انتهاكا صارخا للسيادة إن وجدت لكنه مع ذلك يمثل أيضا وهو المهم أن الادارة الأمريكية غير واثقة من طروحات الحكومة وان تقاريرها عن الوضع سواء الميداني أو السياسي ينطلق من وجهة نظر ايرانية لاسيما ان الواقع العراقي يؤكد أن الايرانيين على الأرض في العراق أقدر من الأمريكان الذين حددوا مهمتهم في الجو ولما لم يكن للجو في هذه المرحلة الأثر الذي كانوا يرجونه انحازوا إلى حل أرضي لكن أيضا بغير جنودهم إنهم يبحثون عن جنود بدلاء لجنودهم يعيدون ترتيب الأوراق وليست كل الأهداف المعلنة من هذا الاتفاق هي محل تطبيق فبعضها يطبق وبعضها الآخر للاستمالة وثلثها الأخير للاستهلاك الإعلامي وذر الرماد في العيون.

ولعل فيما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن عزم الولايات المتحدة تغيير استراتيجيتها في عملية بناء الجيش العراقي، عقب انهيار أجزاء كبيرة منه نتيجة تقدم ما سمتهم المتطرفين يفتح المجال لسؤال أكبر من هذا الكشف، هل محتوى التغيير وطريقة تنفيذه وضماناته الدستورية يندرج في إطار «الفزعة العشائرية» لإنقاذ المشروع الأمريكي أم أنه يتعداها لترتيبات مستقبلية؟ وهل أن الأمر بيد أمريكا حصرا أم أن ثمة تفاهمات يتحكم فيها الاتفاق النووي المؤجل لستة أشهر قادمة مع توفير الدعم المالي بسبعمائة مليون دولار لإيران شهريا؟ ناهيك عن الشرط التركي للتسوية في المنطقة.

هل هذا الاتفاق مع العشائر وهم اليوم يصورون على أنهم ركن مكافئ لركنين آخرين هما ايران وأمريكا قابل للاستمرار أم أنه مرحلي؟ واذا كان مستمرا فما هي اماراته وعلاماته؟ تلك الأسئلة وغيرها لا اتصور أن احدا من الحاضرين في هذا الاتفاق بمقدوره الإجابة عنها، فهو قد اكتفى بدور الأداة المنفذة مقابل نتيجة جزئية وحل مرحلي، ويكفي أن نعرف ان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقضي بإنشاء جيش عراقي أكثر طواعية، عبر تدريب مجموعات صغيرة منه تصل إلى 9 ألوية، لا يتخطّى تعداد عناصر اللواء الواحد 45 ألفـاً، حسبما نقلت صحيفة الواشنطن بوست عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى، وذلك بدل العمل على إعادة بناء الجيش العراقي برمته، وهو أمر وصفته الصحيفة بغير المجدي، لاسيما بعد حجم الفساد الذي نخر الجيش الحالي وجعله ينهار هذا الانهيار المذهل المشهود.

وبمعنى أكثر وضوحا إنما يريد الأمريكان جيشا سنيا يقاتل «تنظيم الدولة» كبندقية مستأجرة ويكون نواة على المدى البعيد للتقسيم فيما إذا ساءت الأمور في تنفيذ الخطة (أ) ليعتمدوا على الخطة (ب) في تنفيذ مخطط التقسيم والتشظية.

من هنا يتبين أن الوعود الأمريكية كثيرة لكن الفعل مرتبط بإيران تنفيذا وترتيبا لاسيما أن ساحة الصراع تشمل العراق وسوريا وتغيير الاستراتيجية يدخل فيه التوافق مع تركيا التي تصر على إزالة الأسد من الواجهة السياسية فالحديث عن تنشيط العشائر من دون التوافق الايراني والموافقة التركية لن يكون مجديا ناهيك عن رؤية استراتيجية يراها مراقبون للشأن العراقي أن مثل هذه المعالجات المجتزئة لن تفيد في معالجة الامر هذا إذا كانت أمريكا راغبة في الحل أصلا إن لم تكن مصرة على استمرار الفوضى وصولا إلى شرقها الأوسط الجديد.

وثيقة من وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» معدة لرفعها إلى الكونغرس تكشف عن المهمة التي تريدها أمريكا من العشائر السنية في العراق وتتلخص في مواجهة تنظيم الدولة حصرا من خلال شراء الأسلحة وتزويدهم بها للمساعدة في الدعم في معركتهم ضد تنظيم الدولة في محافظة الأنبار وتظهر الوثيقة أيضا خطة لإنفاق 24.1 مليون دولار، تمثل مجرد جزء صغير من طلب إنفاق أكبر، حجمه 1.6 مليار دولار، ما يعني ان المطلوب من العشائر لاسيما ممن حضر في الوفد العمل على معالجة العرض وترك السبب فهل خرجت العشائر قبل أكثر من عام من أجل مواجهة التنظيم الذي لم يكن موجودا أصلا في المشهد ساعة انتفاضة العشائر ضد الظلم والتهميش والاعتقالات أم أن هذه العشائر انتفضت من أجل رفع الظلم الذي أصاب أبناءها قتلا واعتقالات ومضايقات لم تسلم منها حتى نساؤها.

قد يكون التفاهم الثلاثي الجاري اليوم بين الأمريكان والعشائر وحكومة العبادي يمثل طوق الإنقاذ لأطراف العملية السياسية ولكن من المؤكد لن يكون للعامل المساعد أي بقاء بعد ظهور نتائج المعادلة لاسيما أن الاكراد الذين يتمتعون بعنوان معروف يجري تسليحهم والتعامل معهم كدولة داخل دولة، أما الأمريكان فيحتاجون اليوم مساعدة المستهدفين بمشروعهم بوعود لن تتحقق، أمريكا تقدم المال والسلاح وتمنح سلطان لمن دخل بمشروعها على مناطق ستعود تحت السيطرة الامريكية ومن بعدها حكومة العبادي التي سوقوا كثيرا للتغيير فيها إلا أنها أبت الا أن تدلل انتماءها الحقيقي للطرف الإقليمي المتمدد إيران.

بقي أن نقول إن بناء مجاميع الإنقاذ الأمريكي من مقاتلي العشائر السنية لن يكون بناء لجيش عراقي مؤهل لحماية العراق والذود عن حدوده، بل سيكون جيشا للإقليم الذي تداعب طروحاته كثير من الذاهبين إلى أمريكا، وإن مدح العبادي لجيشيه والميليشيات المرافقة له لا يدل البتة على أن تغييرا سيطرأ على برنامج الحكومة وأن الأمريكان بمخططاتهم الجديدة يسعون لتدجين مزيد من القوى الداخلية غير الداجنة واستمالة بعض القوى الإقليمية وحشد التأييد الدولي فالشعار محاربة الإرهاب والتنفيذ مخطط ترتيب القوى على الأرض بما لا يدع لهذه القوى مجالا للخروج عن الإطار الاستراتيجي وفق الرؤية الامريكية.

ولعل معترضا يقول ما الذي يمكن أن يمثل حلا عراقيا خالصا فنقول ان انتفاضة العراقيين وخروجهم بالملايين لعام كامل كان ينبغي ان تتبلور عنه فكرة وتلتئم فيه قوة لكن أمورا كثيرة حالت دون إتمام هذا الأمر منها عروض البيع الداخلية ومنها التدخلات الخارجية، ولعل توصيفا دقيقا لجموع القوى التي تربت على موائد الاستئجار الاقليمي والدولي أنها تشترك جميعها بصفة أنها لا تحترم عدوا ضعيفا والضعيف هو من له حق ويعجز عن إقامته ولو قدر لهذه الجموع انتظامها بفكرة وانبثقت عنها قوة لاستطاعت إعادة كفة التوازن الذي تحرص الإدارة الأمريكية على فقدانه لتبقى على تحكمها بهذا الطرف لحساب الطرف الآخر لتضمن بقاء العراق ساحة للتصفيات والتفاوضات وتنفيذ المخططات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ