المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بداية صراع أم نهايته ؟!


عبدالناصر محمود
12-17-2014, 09:00 AM
الى .. تونس .. بداية صراع أم نهايته ؟!*
ــــــــــــــــــــــ

25 / 2 / 1436 هــ
17 / 12 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8922.jpg

تبدأ من صباح الأحد القادم وعند فتح باب التصويت في جولة الإعادة، يقترب إسدال الستار على فصول ومراحل اختيار ساكن قصر قرطاج، ومن الواضح أن المنافسة ستكون حامية الوطيس بين من بقي في السباق الرئاسي، وهما الرئيس السابق منصف المرزوقي الذي يسعى للتجديد له لإبقاء الحالة الثورية التي جاء إلى سدة الحكم المؤقت من رحمها، وبين الباجي قايد السبسي زعيم حركة نداء تونس ووريث الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وهو الذي يسعى في الاتجاه المقابل لإعادة تونس إلى ما كانت عليه بعيدا عن الشرارة التي أثرت في تونس وعدد من الدول العربية وغيرت عددا من أنظمتها والتي سميت بمرحلة الربيع العربي.

ولكل من المتنافسين على الرئاسة أسلحته الخاصة والمختلفة عن الآخر التي يدخل بها هذا المضمار، فالمرزوقي يعتمد على تجربته كرئيس انتقالي جاء إلى الحكم بتأييد شعبي للثورة واستفاد من وجوده واظهر قدرة على استيعاب الكثير من المشكلات والتداعيات والتوازنات، والسبسي يعتمد على تجربة نظام كان ولا يزال قويا بأركانه وتحكمه في مفاصل الدولة، ويحمل في جيناته الوراثية تجربة سياسية واسعة بعلاقات دولية وقدرة على إعادة تونس إلى ما كانت عليه قبل ما يعتبرونه –بحسب وجهة نظرهم – تخريبا للدولة ومقدراتها، وبالتالي يكون أكثر اعتماد المرزوقي على الشباب بينما يكون أكثر اعتماد السبسي على الفئات الأكثر عمرا والأكثر تأثيرا كقيادات لعدة قطاعات في الدولة.

وكما كانت الجولة الأولى اعتمد المرزوقي على لقاءاته المباشرة بالجماهير والذهاب إليهم في تجمعاتهم ومناقشة مشكلاتهم وجها لوجه وهو الأسلوب الأكثر حميمية بين المرشح والناخبين، إلا انه يظل محدود التأثير إذا قورن بما قام به السبسي من الاهتمام والتركيز على وسائل الإعلام التي يمكنها بالفعل توجيه الناخبين إلى أي منهما بصرف النظر عن صلاحيته وقدرته، فيظل الإعلام أكثر سطوة وحضورا.

الحرية مقابل الأمن

تختلف المعايير والشعارات التي رفعها المرشحان، وبدا كأنه حقيقة أن نجاح أي منهما سيؤدي إلى غياب القيمة الأخرى في لعبة الشيطنة الانتخابية التي اتهمت كل من حملتي المرشحين للجهة الأخرى بها، فركزت حملة المرزوقي على مداعبة الأحلام التونسية في حماية الحريات ومنع عودة الاستبداد وتحقيق التوازن السياسي وإنعاش الاقتصاد وتنمية المناطق المحرومة، بينما اعتمدت الحملة الأخرى للسبسي على إبراز أهمية النجاحات التي سيحققها عند اختياره على صون هيبة الدولة وتحقيق الأمن ودفع الاستثمار وتنمية المناطق المهمشة وتمتين وحدة المجتمع والدفاع عن حقوق المرأة والشباب.

ففي حرب المصطلحات تشيطن حملة السبسي وعود المرزوقي بالمحافظة على الحريات بأنها هدم لهيبة الدولة، بينما تشيطن حملة المرزوقي وعود السبسي بتحقيق الأمن بأنها عودة للاستبداد، لتضع الحملتان الكثير من أبناء تونس على شفا حيرة بينهما، ويساهم في هذه الحيرة غياب القدرة على التحليل عن الكثيرين ممن يتأثرون بالحملات الدعائية والذين لا يملكون القدرة الفعلية على قراءة الواقع الملتبس.

وبالتأكيد يلجا الكثيرون إلى من يثقون باختياراتهم بين المرشحين وسيكون لوسائل الإعلام دور كبير في مناصرة السبسي؛ حيث يحظى بدعم كبير من النخب العلمانية وأصحاب الرأي والنفوذ في تونس، بينما كان لموقف حزب النهضة الذي وصف من كثير من المراقبين بالمتخاذل في تأييده للمرزوقي حيث أعلن حزب النهضة بقيادة الغنوشي حياده في السباق الانتخابي حيث أعلن في عدة بيانات متتالية له عن قرار الحركة "مواصلة اعتماد الموقف الذي اتخذته في الدور الأول، والذي دعت فيه أبناءها وعموم الناخبين إلى انتخاب المرشّح الذي يرونه مناسباً لإنجاح التجربة الديمقراطية، وتحقيق أهداف الثورة في الحريّة والديمقراطيّة والعدالة"، وهو الأمر الذي لا يصب إطلاقا في مصلحة المرزوقي الذي يفترض به انه مرشح الثورة التي أبرزت حزب النهضة كحزب حكم البلاد في المرحلة الانتقالية.

ووصف كثير من المراقبين قرار النهضة بالحياد بأنه نوع من الغفلة السياسية وانه لا مسوغ له وأنه مبالغة في التقديرات والتحفظات والحسابات، وأنه ليس موقف بل خذلانا للثورة وللمرزوقي شريكهم فيها، وأنه قرار يتسم بالسذاجة ولن يحقق لهم أي نوع من الحصانة إذا ما فاز السبسي حيث لم ينس الجميع ان حزب نداء تونس استبعد النهضة تماما في خياراته لتشكيل الحكومة.

فقبل ثلاثة أيام فقط أعلن نداء تونس بلوغه أغلبية برلمانية تسمح له بتشكيل حكومة ليس بها أية مشاركة من حزب النهضة الذي حظي بالترتيب الثاني بحسب عدد المقاعد، إلا أن الطيب البكوش أمين عام نداء تونس أعلن إن حزبه أصبح يحظى بأغلبية تتراوح بين 115 و120 من إجمالي مقاعد البرلمان الـ217، أي أكثر من الأغلبية اللازمة قانونا لتشكيل الحكومة، وهي 109 مقاعد دون الاضطرار لاشراك النهضة فيها، وبالتالي فمجرد خروج النهضة من التأثير على الانتخابات التونسية خسارة للنهضة قبل ان تكون خسارة للمرزوقي.

وعادة في الحياة السياسية يكون الوقوف في جانب واحد مهما كانت كلفته اهون بكثير من سياسة إمساك العصي من المنتصف، وان الاختيار الواضح يكون نوعا من الثبات على المواقف التي ربما تتسبب في أضرار اليوم لكنها تثمر حتما ولو بعد حين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ