المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل رحلت مشاريع الديمقراطية في العالم العربي في حقائب بوش؟


Eng.Jordan
02-29-2012, 11:14 PM
كتبها محسن مرزوق

كان العرب في أغلبهم متفقين على رفض مشاريع إدارة بوش الراحلة في إحلال الديمقراطية في العالم العربي من خلال الضغوط والإرغام، ورغم ذلك فقد تسابقت الحكومات في إظهار نواياها و»إنجازاتها» الديمقراطية.. وتنافست على حضور منتدى المستقبل، خاصة عندما تكون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، حاضرة فيه.

لم يكن الخطاب طبعا متوافقا مع الممارسة، وفي أحسن الأحوال حصلت بعض «اللبرلة» هنا وهناك.. أما مسار «الدمقرطة» فقد أوكل في أغلب البلدان للمغنّين والشعراء وكل أصناف المداحين.

أتذكر تلك الجملة التي أطلقها عمرو موسى حول ضرورة الإصلاح في تلك الفترة، قائلا: «بيدي لا بيد عمرو»، ومرت السنوات.. فلا عملت اليد الأولى ولا سوت اليد الثانية، وحدها أيادي الأمن وعضلاته بقيت مشتغلة وفاعلة.
كان الأمر كله يبدو بمثابة مسابقة مفتوحة في النفاق السياسي: الأميركيون يتباكون على ضرب الحريات بينما يمارسون أعتى أنواعه، وأغلب السلطات العربية لم تتخل أبدا عن قمع الناس بينما تتفاخر بمساره الإصلاحي الخصوصي المتجذر في «سياقه الثقافي والحضاري» إلى حد الغرق في مفهومٍ عنه متجمدٍ وتقليدي.

في تلك الفترة كانت الحروب تتوالى علينا، 3 حروب خارجية رئيسية خلال 5 سنوات فقط، و3 حروب داخلية رهيبة في نفس الفترة أيضا، أنظمة تتفكك وسلطات جمهورية تورث، أما التنمية وأمن الإنسان فحالها المحزن معروض بالتفصيل في تقرير التنمية الإنسانية العربية الأخير.

ثم ذهب بوش وجاء أوباما، وتخلى الرئيس الجديد عن أسلوب سلفه وعمل على تطوير رؤيا جديدة حول العالم العربي تربط خطابيا بين مجمل قضاياه من منظور لا يزال غائما يقوم على تبادل «المصالح».. ولا يزال أيضا حبيس التحالف الأبدي مع إسرائيل.

ويبدو أن هذا التغيير قد نزل بردا وسلاما على أغلبية الأنظمة العربية التي اعتبرت بشكل عام أن «التاريخ الأميركي المعاصر» قد أنصف نظرتها الإرجائية للمسألة الديمقراطية. هكذا ستبقى المشاكل هي ذاتها قائمة، وفي غياب حلول الإصلاح الحقيقية السلمية لم يبق للملاحظ سوى أن يقول «الله يستر من مفاجآت المستقبل».

والخوف كل الخوف أن تصل العدوى لبعض الأنظمة الشجاعة التي أعلنت صراحة بالقول ونسبيا بالممارسة أنها معنية فعلا بالإصلاح الديمقراطي، فقد تغري تعقيدات آنية، داخلية أو سياقية، بالانضمام لمسار الجمود، وهو تراجع، إن حصل لا قدر الله، سيلغي مكاسب مهمة، وسبقا ملموسا لم يكن إنجازه سهلا ولا بسيطا ولا رخيصا.

هناك قيم وإنجازات لا يمكن أبداً أن ينزل ثمنها في عالمنا الحديث.. بل يتصاعد دائماً مثل أي منتج ثمين، والديمقراطية إحدى هذه القيم الثابتة، فالاستثمار فيها لا يمكن إلا أن يكون مربحا على الصعد القصيرة والمتوسطة والبعيدة.

فعلى المستوى الداخلي لأي بلد، يمنح الإصلاح الديمقراطي تجديدا لدماء الدولة وإطلاقا لقدرات الحكام والنخب والمجتمع لحل قضايا التنمية والتحرير والسيادة الوطنية وأمن الإنسان، وعلى المستوى الخارجي تعطي صفة الالتصاق بالديمقراطية صورة ناصعة عن البلد المعني بين الأمم وتحسن إلى أبعد صورة من قدرته على المنافسة السياسية وتحقيق المكاسب الدولية.

ذلك أن العالم الحديث يختلف في كل شيء بقدر ما يتفق على علوية قيمة الحرية وأولوية النظام الديمقراطي على غيره.

فمن المنظور الأخلاقي، الديمقراطية ضرورية، ومن المنظور السياسي.. أيضاً.. ومن المنظور الاجتماعي كذلك.. ومن المنظورين الاقتصادي والمصلحي زائدا.

لذلك، فالذي يمسك سلاحا من هذا النوع لا يجب أن يتخلى عنه.. حتى لا يصير أعزل أو ممسكاً بأسلحة أخرى (اقتصادية أو تحالفية) أقل قيمة أو يملك مثلها من يحيط به، فمسار الريح مهما تغير سيهب لصالحه، وإلا فسيبقى كما قال الشاعر (بتصرف):
على قلق كأن الريح تحتي
توجهني يمينا أو شمالا


نشرت بتاريخ 15/10/2009 في صحيفة العرب القطرية.