المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجفة أثوابهم البيض ومعالم الاستراتيجية السردية


Eng.Jordan
03-01-2012, 09:11 AM
رجفة أثوابهم البيض ليوسف المحيميد
ومعالم الاستراتيجية السردية

مدخل: هذه الدراسة تهدف إلى استجلاء الصورة الكلية لمجمل الخطاب القصصي في سياقه المحلي، وهي –وإن بدت منفصلة عن بعضها البعض- ليست جزراً معزولة في بحر محيط، بل لابد أن تنتظمها في نهاية المطاف رؤية شمولية تمو وضعها في سياق واحد متصل هو الهدف الأساسي من هذا الجهد، والقراءة إذ تسعى للكشف عن الإمكانات الجمالية المذخورة في خطابنا القصصي لتدرك إدراكاً يقينياً أن أي ظواهر غير مندمجة في إطار البنية التشكيلية الكلية سواء في العل القصصي المفرد أو في النتاج بكاملة لا يمكن أن تعطي صورة حقيقية عن المنجز الجمالي.
ويوسف المحيميد الذي اخترت مجموعته الثانية "رجفة أثوابهم البيض" صوت من الأصوات القصصية المتميزة في اللوحة، وهو على الرغم من محافظته على نسق السرد متماسكاً ومتنامياً وغير مخترق بالأسطورة أو التاريخ أو الفانتازيا أو الفولكلور أو أي لون من ألوان التناص الذي يشكل في يقيني مدخلاً لفهم كافة الاختراقات في البنية السردية للقصة القصيرة، ويشكل حواراً من نوع ما مع التراث الإنساني والعربي والإسلامي ومع الخطابات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية والشعرية المعاصرة منفتحاً على كافة الاتجاه.
هذا اللون من ألوان السرد المحتشد والمتماسك والمحتفل بالخطوط والمنحنيات والزوايا فلسفة تشكيلية خاصة تقوم على التركيز والتقطير وإنتاج الدلالة على المستوى الواقعي والاستعاري والرمزي، وهو يقوم على إعادة إنتاج الواقع على نحو اصطفائي انتفائي يمسك بتلابيب الموقف وإعادة تشكيله ونمذجته اتساقاً مع ذلك التحديد الجمالي لمفهوم الأدب (موقف وتشكيله).
وإذا كان الكاتب قد سعى في نصوصه القصصية القصيرة في آخر هذه المجموعة إلى مغادرة المشهد الواقعي باستنطاق الأشياء، حيث جعل منها شاهداً يكشف عن جوهر الموقف وحقيقته فإنه لم يغادر هذا الواقع بتاتاً بل أوغل في تشريحه، وأعمل مبضع الجراح في أحشائه، وعمد إلى استلهام الموضوعية أقصى درجاتها حينما عمل على تغييب العنصر البشري وأخفى فاعليته أو رصده من حيث لا يحتسب، دون أن يصادر الفعل الإنساني أو يقتله حيث وظف الأشياء ومنحها الصلاحية الكاملة للبث المتصل بثاً مباشراً.
كنت لاحظت في قراءتي للمجموعة الأولى ليوسف المحيميد جملة ملاحظات منها أن هناك مناخاً عاماً يسيطر على الإبداع القصصي للشباب ممثلاً في الأجواء البائسة القاتمة التي تتكاثف تزداد مع كل قصة تراكماً في غير تنوع ولا ابتكار لمسارب جديدة، وكأننا أما جدار مصمت يحول بيننا وبين رؤية الواقع في تخلقه على أشكال متغايرة متكاثرة، وأشرت إلى النمطية في الاستخدامات اللغوية وفي التجريد، والإيغال في فضاءات هلامية لا ملامح لها. وقلت إن المحيميد نجح في إحداث بعض الثقوب في هذا الجدار الخرساني، ولكنه لم ينج تماماً من حصار القاموس السائد، وأشرت إلى سمة الإيجاز والتكثيف، كما أشرت إلى ظاهرة مشتركة بين قصص تلك المجموعة حيث اختار الكاتب أن تروى القصص كلياً من وجهة نظر ذاتية "ضمير المتكلم"، لذا كان السرد الانفعالي نتيجة طبيعية لوجود الراوي في هذا الموقع وهو يناسب الأجواء المأزومة التي تخيم على التجربة الإنسانية فيها.
وفي هذه المجموعة التي صدرت بعد ما يقرب من أربع سنوات نعثر فيها على بعض الملامح المشتركة، فما زال جو الأزمة سائداً في عالمه القصصي، ولكن الكاتب نجح في الخروج من الأجواء الانفعالية إلى آفاق موضوعية أرحب، وهو يحلق في آماد شعرية تنأى به عن تلك القتامة الصلدة. وما زال التركيز والتكثيف سيدي اللعبة السردية، وكذلك النزعة الوصفية التي تبدو تراكمية الطابع في المجموعة الأولى، ولكنها هنا ليست كذلك، إنها تنمو في إطار اللوحة الإنسانية لتقود إلى مواقف متماسكة مؤطرة بإطار ذلك الموقف الرحب دون أن تنحشر في مجرى ضيق محدود، ثمة لون من ألوان الاسترخاء في الوصف الذي كان يشكل في المجموعة الأولى في تلكؤه وبطئه عنصراً من عناصر الأزمة، إن الاتجاه إلى الخارج أوضح وأبين بعد أن كان الداخل هو الذي يحدد مسار الموجات الوصفية، ثمة توازن واضح.
في هذه المجموعة رؤية أكثر شمولاً، أطر يندرج فيها أكثر من موقف، وتنداح في دوائر متداخلة دلالياً وجمالياً، ثمة إنتاج مستمر للدلالة، وسياق متواصل نتكامل فيه كل الدلالات، يتعامد المحور الاستبدالي للنصوص على المحور الأفقي، هناك معجم لغوي تتواشج فيه الأصوات وهناك منحى صياغي، وأسلوب تشكيلي ينتهي بالمشهد القصصي الذي ينمو من قلب الموقف إلى إضاءات تنساب بشكل عفوي وطبيعي تفرزها هذه العدسة الوصفية المرهفة التي تستفيد من الرسم والنحت- الشعر، وهناك البطولة المكانية المضمرة، وكل ذلك لا يتضح إلا من خلال التدقيق بين السطور.
يستوقفنا قبل أن نلج إلى رحاب العالم القصصي لهذه المجموعة أمران الأول العنوان، والثاني تقسيم المجموعة إلى ما يشبه الأبواب التي يندرج تحتها فصول، فثمة عنوان رئيس لكل باب وعناوين فرعية لكل فصل، ولهذا دلالته بلا ريب كما سنلاحظ. أما فيما يتعلق بعنوان المجموعة فهو يتكون من مصدر، والمصدر اسم معنى مطلق الدلالة، مضاف إلى اسم ذات مجموعة مضاف إلى ضمير الجمع للغائب، وصفه هي البياض لون متعدد الدلالة. أما المصدر ممثلاً في الرجفة فهو موحٍ بإحساس داخلي ينعكس على الجوارح ذو دلالة على الخوف المصحوب بالقلق، ومن غير المألوف إضافته إلى الجماد، غير أن هذه الإضافة مقصودة لإيحاء بأمرين: الأول يغيّب العنصر الإنساني، والثاني تماهي هذا العنصر في مالا يحس ولا يعقل، وهذا تأكيد لمسألة الغياب والاختفاء، وأما البياض فيدل على الموت مذكراً بالكفن مؤازرا لدلالة الغياب ، أو النقاء مؤكداً معنى البراءة أو الخلو عكس الامتلاء، وكل هذه المعاني يمكن أن تشكل ضفيرة دلالية تتراسل فيما بينها وتصلح مدخلاً لفهم النصوص القصصية.
والكاتب يعمد إلى اختيار عناوين رئيسة تبدو منفصلة عن بعضها البعض في دلالاتها الظاهرة، ولكنها مترابطة أشد الترابط في بنيتها العميقة، فهي تقوم على صيغة الجمع المنكّرة الموصوفة أو المضافة يمتزج فيها الحسي بالمعنوي مما يثير ألواناً من التأويل. وتبدو الدلالة في هذه العناوين هامشية الطابع مفتوحة غير محددة، فالأسباب والأسئلة والصباحات والتفاصيل والأرواح والأشياء والقصص، وهي العناصر المحورية لعنوانات القصة تبدو منتشرة انتشاراً أفقياً هامشياً، بمعنى أنها –وخصوصاً في صيغة الجمع المنكّرة- تفاصيل متناثرة يحاول الكاتب أن يرسم من خلالها لوحة فسيفسائية تكتسب قيمتها من تضامها، وذلك عبر صيغة تأليفية شبه محايدة.
أما العناوين الفرعية فتميل إلى الإفراد لفظة واحدة مفردة في الأغلب الأعم، أو لفظتان متضايقتان أو صفة وموصوف في عدد قليل من القصص، وهذا الإفراد يكرس منهج الحياد وتعويم الدلالة، ويركزها في بؤرة إشعاعية قادرة على البث من ناحية أخرى، فهو يستدعي بوساطتها عدداً كبيراً من الدلالات على المحور العمودي لأنه يغيّب المحور الأفقي تماماً، وهذا التغييب يتم لصالح التوليد المستمر للمعنى، فيكون العنوان أشبه بسهم بشير إلى السياق القصصي برمته، وهذا يمنح المبنى فعاليته، إذ تنحسر الدلالة المباشرة لصالح الفضاء الأوسع عبر سياقين: الأول يتصل بعنوان رئيس يحتوي على مجموعة من العناوين الفرعية، أما السياق الثاني فيتمثل في النصوص التي تحمل تلك العناوين مجتمعة تارة ومنفردة أخرى.
فحينما نقرأ –على سبيل المثال- العنوان الرئيس الأول (أسباب عديدة لسفر وحيد) ونقرأ العنوان الفرعي الأول الذي يندرج تحته "الحشرة" فنتجه إلى سياق النص الأول مستعينين به لفهم ما توحي به القصة ومرجعيتنا في ذلك العنوان الأكبر وبقية النصوص والعناوين التي تندرج تحته "الحشرة"، الريش، القارب" فالحشرة –في محورها العمودي- تردنا إلى مرجعيتها اللغوية، ممثلة في الحشر (الضيق والضغط والتجمع في مكان محدود وما إلى ذلك)، وهذا أحد الأبعاد الدلالية التي يتمخض عنها المعنى اللغوي: أما البعد الآخر فيومئ إلى الأذى والاحتقار والصغر والتفاهة وما إلى ذلك، وهي معان اصطلاحية ومجازية؛ أما البعد الثالث فيتمثل في سياق النص، حيث تبدو الشخصية الرئيسة كالحشرة. إذ تحشر داخل صندوق السيارة، ولكن البث لا ينقطع عند هذا البعد الإيحائي البسيط الذي لا يفضي بأكثر مما تفضي به الصورة البلاغية التقليدية، هناك منظومة من القرائن تأتي عبر "الاستراتيجية السردية" التي اختارها الكاتب ويلجأ الكاتب إلى منحى سردي يختزن فيه السياق لوناً من ألوان الثنائية التصويرية إذا صح التعبير تجمع بين وصف الصورة والأصل، وهو محاولة لاختراق جدار التقليد في "السردية" المعتادة، يمكنه ذلك من أن يبرز عبر المقارنة بعض الملامح التي يود التركيز عليها: "البورتريه" الذي يعمد إلى رسمه عبر انتقاء الزوايا والخطوط يشحنها بطاقة تصويرية مستقاة من القوة المجازية المستعارة من التشبيه المفاجئ، مختاراً إطاره المكاني بهدوء، فأنت أمام فنان تشكيلي يجمع بين الأصل واللوحة الفنية يوجه ريشته بعناية وانتقائية، وهو لا يكتفي بهذه الثنائية التي تتوحد فيها تضاريس الوجه بين الشخصية المشكلة في اللوحة والوجود الحي فيما عدا بعض اللمسات التي تميز بينهما، بل يلجأ إلى ثنائية من نوع آخر تجمع بين النموذج والمكان، كلاهما ينمو بموازاة الآخر، فالنموذج وأشجار الكينا الضخمة صنوان، والكاتب يشحذ كلاً منهما بحركة هادئة تضفي عليهما وجوداً متناغماً، وهو لا يجمد على تلك الثنائية الموشاة بكلمات منمنمة ذات مسحة شاعرية ترهف ذلك الوجود، ولكنه يفجر حركة تفاعل واسعة النطاق تجمع بين الأشياء والأحياء والأمكنة مستثمراً أسلوباً أقرب إلى الكولاج السينمائي الذي يراكم المشاهد، ويراوح بين الحلم والواقع، يجمع بين المتناثرات ليعيد ترتيبها في تشكيل جديد، وإذا كان ثمة اختلاف هنا بين هذا المنهج وبين المنهج السينمائي فهو يتمثل في أنه لا يعمد إلى الرصد المقصود لجذاذات منتقاة من الواقع أو الحلم، ولكن ثمة انتقالات سريعة مقصودة وغير مبتورة عن محيطها بين عناصر عالمه، وهو يستعيض عن جمع الأشتات باقتناص الصور التي تظل في إطارها البلاغي القديم، ولكنها –في ذات الوقت- تشكل عالماً جديداً موازياً تتسق فيه على نحو جديد مع موجودات العالم القصصي الذي يعيد الكاتب إنتاجه، إنه يعيد تأليف الأشياء، وهو إلى جانب ذلك يستثمر أسلوباً سينمائياً آخر متمماً هو المونتاج الزماني الذي يمضي باتجاه زمن محدد هو الماضي، ويلم بأشتاته، فبعد أن آلف بين الصورة والأصل والإنسان والمكان جاس عبر "عليشة" مستثمراً التشبيه الذي يقوم على الأنساق المماثلة التي تجمع بين عالمين مختلفين "يتقافز كأرنب بري موحش" يستجمع مواقف من الماضي في تفاصيلها ويضم بعضها إلى بعض ويوازي بينها وبين الحاضر من مفصل التناظر وبؤرة التماثل وعلى منحنى نصف دائري تتبدى لنا "صورة الكاتب" المتناثرة عبر الزمان والمكان تلك التي فجرت قطار الأسئلة والوصف المحايد المتزمن بزمن: وصف ينتقي عناصره الحسية والبشرية بعناية موزعين في المكان الذي حرص الكاتب على وضعه في بؤرة الاهتمام من خلال تحديد الحجم واللون والمواصفات والحركة، أما العناصر البشرية فتتماهى في غيرها وتتعالق مع الأشياء، وتتحول بعض الحالات والسمات إلى مجسدات كالنوم الذي يتدلى والحركة منتقاة ومسيطر عليها. ثمة بطء في التقاط المشهد، وثمة اختيار للزوايا وتحديد للإطار الكوني والزمان سواد الليل وبياض الفجر، وفي لقطات بعينها يتلبث كثيراً، فعملية إحكام الإغلاق عبر شد الحبل من خلال العراوي النحاسية، وهو في وصفه للوجود الخارجي عبر الحلقة النحاسية الوحيدة يدقق كثيراً في رصد حركة الاستيقاظ ويقدم مسحاً شبه شامل لتلك الحركة بجزئياتها الدقيقة في لقطات منتقاة ويعبث بالنسب فيقدم صورة تعبيرية "ووجه أمي كبيراً يغطي الحي" وهو يقيم حواراً مضمراً بين المشهد الداخلي (صندوق السيارة) والمشهد الخارجي في الحارة، الانحشار في حيز ضيق محدود والانفتاح على أفق النهار: الأغنية الخفيضة والمحرك القوي، هذه الضفيرة من المتقابلات تهوي تدريجياً بجدار الحياد وتتفصد عن رؤية وموقف، ويتحول المشهد الواقعي تدريجياً إلى عالم من الفانتازيا والحلم، ولكن دون أن يتخلى عن واقعيته، فالمطر يدق الشراع الأخضر لصندوق السيارة بهدوء ثم تأتي الريح الشديدة.
ويتسع العالم وتتكاثر العناصر الجديدة، العنصران: صوت الراوي وصوت المحرك ثم صوت الريح وصوت المطر، يتحول العالم إلى ضفيرة من الأصوات، ولكن الصوت الأبرز هو الغناء، ولهذا دلالته الواضحة عبر منظومة السرد هذه التي تحتشد في داخلها تلك البانوراما الصوتية في تحولاتها وترددها بين اليقظة والنوم والحركة والسكون والصراخ والصمت والضيق والاتساع والقلة والكثرة والامتلاء والخلو: هكذا سلسلة من المتقابلات وجديلة من المتناقضات تمر عبرها حلقات من التحول الداخلي، هذا التشكيل عبر السرد شبه المحايد التي تبرز فيها الأشياء والمعاني والأشخاص والمساحات ككائنات تتحاور عبر شبكة من العلاقات في إطار الظهور المفاجئ والاختفاء المفاجئ: آلية السرد هذه عبر السياق الممتد للقصة مجال حيوي للدلالة الأفقية المغيبة في العنوان، الحشّرة أو الحشرة مع العنوان الرئيسي الذي يتمثل في جملة مكتملة الأركان، من بين عناصرها اللفظية عنصران لهما حضور سردي في القصة هما السفر والوحدة، أما المبتدأ فيجد خبرة في السياق، الأسباب العديدة للسفر كامنة في تلك البانوراما، وهكذا، ولكن الرؤية لم تكتمل، هذه الاستراتيجية السردية الجديدة تحيلنا إلى النصوص الأخرى: عنصر الوحدة ما زال ماثلاً ولكنه يأخذ أبعاداً أخرى، ولكن ثمة تحولاً طرأ على زاوية السرد، فقد حل ضمير الغائب محل ضمير المتكلم، عنصر الضيق والمطاردة والضغط كلها ماثلة، اتسع نطاق الوحدة: الشاب النحيل الباحث عن الآخرين، المرأة تطير ببضاعتها الخفيفة ملاحقة بالعصي، سيارة النقل تغادر: تجل آخر من تجليات الوحدة والسفر والحشرة والانتظار، ولكن الكاتب يستبدل اللوحة الرمزية التي تقترب من حافة الأسطورة لعنصر الحلم في النص السابق: "في ازدحام الممرات الضيقة سقطت فاشتعل جلدها الأسمر، ولم يبق في مكانها سوى نعلين أصفرين وعباءة مدعوكة ونثار ريالات مبتلة بعرق الكف المحناة.. تنتشر فوق الأرصفة"، هذه الصورة تعطي معنى الوحدة بعداً إضافياً وتتضافر مع معنى "الحشرة"، كما تتعالق مع عنوان هذا النص "الريش" حيث يوحي عمودياً بمعانٍ متضادة: الانتفاش والغرور، الجناح المهيض المنتوف الريش. الحمائم المذبوحة التي لا يبقى لها إلا الريش: وهكذا يبدو السفر مع الوحدة لأسباب أخرى جديدة كما يقول العنوان وتكتمل النصوص المنضوية تحت العنوان الرئيسي في النص الثالث "القارب"، وعلى الرغم ن اختلاف السياقات في النصوص، حيث لا تبدو أي علاقة بين محمولات هذه السياقات، فإن ثمة عناصر مشتركة كونية (المطر) وإنسانية (التفرد والتوحد) و (الخوف والحصار)، ومكانية (الضيق والاتساع) حيث الانتقال من رحابة المكان إلى ضيقه والحركة ممثلة في (السفر) على تعدد أشكاله الأداة الخاصة به (السيارة والقارب).
ثمة حوار بين المكان والإنسان، وهذا الحوار يبدو واضحاً منذ النص الأول حيث يتطور الموقف بتطور الانتقال من مكان إلى آخر: {غرفة النوم –الممر الضيق، صندوق السيارة النقل الحمراء الشارع-الحارة-الظلمة الموحشة (غياب المكان)}.
في النص الثالث: ساحة المدرسة-برك المطر الصغيرة-الدرج الصفوف الدراسية-الممرات-الشوارع الفسيحة شوارع الحارات الضيقة-أبواب المنازل الوطيئة-القارب الورقي-بركة المطر (غياب المكان)وكلها تبدأ من التجمع وتنتهي إلى التوحد وتمر بالمأزق، غير أن هذا قد يكون تبسيطاً مخلاً للأشياء، فالعنصر المكاني بالإضافة إلى كونه ساحة الحدث يؤثر في تشكيله ويعبر عن طبيعته يعكس (الداخلي والنفسي)، لهذا تبدو الأزقة الضيقة دائماً تعبيراً عن الموقف الإنساني، عن المطاردة التي تتخذ أشكالاً متعددة ويبرز المكان في تشكله متكيفاً مع موقع الشخصية ودلالتها وتطورها: السقوط في الممرات الضيقة، الانتشار فوق الأرصفة الكثيرة، صورة المرأة بأشيائها الدالة على البؤس والتعاسة، ويعمد الكاتب إلى استكمال ملامح الصورة، وإلى التعبير الحدثي الرمزي الموازي، فسقوط المرأة يقابله الريش الأبيض على الفم (القتل والاختفاء)، وقبلها المطاردة والسقوط في مقابل الحمائم البيضاء ونواحها الحزين، ثمة مسحة شاعرية خفيفة لا تصادر سمة السرد الوصفي البطيء المحايد، وهكذا تبدو فسيفسائية الوصف السردي مناسبة لاستنطاق المكان، والحركة داخل المكان هي على نحو ما حركة داخل الشخصية، والمكان يبدو ملمحاً من ملامح الشخصية: الضيق والانفراج على سبيل المثال، الظلمة والضوء والإشراق في تفاصيلها كما لاحظنا في النص الأول الحشرة حيث تنطوي الشخصية على هواجسها وأحلامها بعد أن يحكم إقفال الشراع، ويصبح الصوت واهناً ضعيفاً حين يتلاشى الشارع الواسع.
والتيمات الرئيسية تتكرر داخل المجموعة على هذا النحو، وتتضافر المنظومة الدلالية عبر خيط ممتد بين العناوين الرئيسة، فثمة عنصر رئيس يتمثل في مفتاح دلالي واضح، فالوحدة في السفر والخفة في الأجنحة وتشتت الجموع المنكرة (صباحات، شوارع، مكاتب) يوحي بالهامشية وعدم جدوى التفاصيل، والوحشة وما إلى ذلك، كل ذلك مفتاحه الضعف والهامشية والتنكير تنسحب على العنصر البشري كما تنسحب على المكان، وهن يلف العالم القصصي ويوحي بأقصى درجات العجز.
ومفردات هذا العالم الدالة على أشيائه ومجرداته توحي بما يصفده ويثقل كاهله:ثمة عباءة سوداء وحقيبة جلدية ثقيلة وعينان مضمختان بالنعاس تصبان سواء ما على السور العالي وكف ضخمة عنيفة تشكل المداميك اللغوية والسردية الأساسية في النص الأول من القصة الثانية التي تحمل عنوان "انكفاء" وهو عنوان يوحي بالهزيمة والتراجع.. وفي داخل هذا الإطار الاستهلالي مفردات لا حصر لها ترصع اللوحة المكانية التي تبدو الحركة داخلها خروجاً من عالم يتشكل بعناصره البشرية من الضيق وهبوط السقف مكانياً، والانحناء والجرح والسواد إنسانياً، إلى الصعود والانفتاح والاسترخاء على المتاكئ الخضراء، ودورة الهبوط والصعود والمعاناة ثم الموت، هذه الدورة التي يتحول فيها الإنسان إلى آلة والحياة إلى موت، ومن ثم يصبح الموت لوناً من ألوان الانفراج حيث ينتصب السؤال بأجنحته الواهنة التي لا جواب لها، وكأن الكاتب يسأل من خلال عنوان النص الذي يحمل "انكفاء" لم الانكفاء؟ ولم هذه الدورة؟ أما النص الثاني فهو يسهم في إكمال الدائرة الدلالية، فإذا كان نص الانكفاء يوحي بالتقابل بين لوحتين بشريتين وحالتين إنسانيتين من خلال عدسة محايدة، فإن هذا النص يتسع بدائرة التقابل، وليس سوى الأشياء طريقاً لتلوين هذين المشهدين، ولكن النموذج الذي بناه الكاتب في النص الأول وانتهى به إلى الموت والغياب، بدا في نص (الاغتسال) كائناً أسطورياً حيث الصلابة إذ "لم يتقوس كنهر فضي وهو يلم طفله بضفتيه الخضراوين، غير أن هذا الكائن الأسطوري واجف مرتبك اليدين مكسور الحاجبين يسحب قدميه دون أن يرفعهما، يتحسس بيده الجدران والأشياء تتمازج الألوان في هذه اللوحة وتبهت ويبقى الإطار فحسب مما يدفع إلى التماهي في الآخر، ويفجر شلال الأسئلة الواهنة، وعبر حديث النفس والمونولوج نتعرف على حقيقة الفارق بين النموذجين والمشهدين. وإذا كان السرد قد بدا محايداً فإن الكاتب نثر في سياقه منظومة إشارية بسيطة تكشف عن المفتاح الدلالي ليس عبر الأشياء والأمكنة فحسب وإنما عبر سيل، الأسئلة: أيضاً، "لفظتني قاعات المدارس إلى الممرات ووجدتني بغتة خارج الأسوار العالية، لكنني بقيت وحدي أمضي في الطرقات وأسأل" هذه العبارة الختامية إضاءة مشعة للنص تستجمع إشاراته وتربطه بما قبله، ويمعن الكاتب في اصطياد أدق التفاصيل مدققاً في المنحنيات والزوايا وكأنه يرسم "كروكي" دقيقاً، أو يعمد التسجيل المتفحص حاشداً تلك النعوت الحسية، يسلط عدسته لتلم بكل صغيرة وكبيرة تستقصي بعين الباصرة كل حركة ونأمه من أجل أن يقتضي لفتة ما، يغلف بعض عبارة بمسحة شاعرية محتشدة بالإيحاء:
"صغيراً كان، عندما قالوا له إن الهواء أخذ أمه إلى الأعلى لحظة أن بدأ يسأل عنها في النهار، ويبكيها في مساءات الشتاء الطويلة". ينتقل بشكل استطرادي إلى شذرة من شذرات الماضي يولفها مع أخرى: جذاذة جريدة، مشهد من الذاكرة، مشهد آخر من الباصرة، وهكذا إلى أن ينتهي إلى إضاءة لا يقود إليها تسلسل الحدث بل يقود إليها تراكم تلك الشذرات المجدولة في توليفة لا تفتقد الترابط، لكنها تفتقد التجانس الظاهري.
وفي النصوص المشهدية المحضة يحرص الكاتب على التطريز البطيء، حيث تنهض أسماء الإشارة المكانية كعامل ربط أساسي، وتأخذ الأشياء طابعاً فسيفسائياً، وهو في تتبعها –وإن بدا محايداً إلى أقصى حدود الحياد، حيث يترك عين الكاميرا تجوس خلال المكان- فإنه لا يتخلى عن اللمسة الاستعارية في تشكيله اللغوي، حيث التعبير عن الفعل في تجسيده المتباين من حقل إلى آخر، ويسند الفعل الحسي إلى المجرد في زحمة التفاصيل الوصفية مما يبدو معه الفعل حقيقياً لا مستعاراً أو ربما كوفية تضمد وحشة أكتاف الرجل الخشبي: إنه مولع بمطاردة الأشياء الصغيرة، حتى إذا فرغ من ذلك حرص على تأطيره بفعل مفاجئ حي كما فعل في نص "ممعنات في أعمالهن" إذ بدأ يرسم اللوحة بأدق تفاصيلها كما تبدو في غرفة التدبير، فإذا به في نهاية النص عقب أن صور السيدة المشرفة وهي تطمئن على إغلاق النافذة العليا بعد أن غزا الغبار الحجرة يقول "فأدارت وجهها مرعوبة نحو البنات الصغيرات ممعنات في أعمالهن".
هذه التقنية السردية القائمة على أسلوب الومضة المباغتة التي تتجسد في العبارة الختامية بعد التكثيف الوصفي الدقيق المكتظ بالتفاصيل مستقصية المكان والأشياء والبشر متوقفة عند شرائح بعينها متلبثة عند مواقف خاصة تتفصد منها الإيحاءات الدلالية عبر الأفعال الاستعارية الخفيفة، وكذلك الصفات التي تخرج العدسة المحايدة عن طورها يبدو أسلوب الجمع المقصود بين شذرات يجمعها إطار زماني أو مكاني رغم تشتتها وانتمائاتها إلى حقول متعددة أسلوب الكاتب في بناء عالمه القصصي، وهو يحرص كل الحرص على السمة الواقعية، وكأنه ينحو منحى تسجيلياً خالصاً مخفياً انتقائيته المدروسة خلف هذا التدفق السلس لجمله الوصفية بأفعالها الاستعارية ونعوتها الموجبة، لذا فإن أسماء الأماكن لها حضورها الواضح: عليشه والجرادية وجسر الخليج وما إلى ذلك.
ثمة نهج أقرب إلى حديث الذات إلى نفسها، مناجاة تبدو أقرب إلى القصيدة الغنائية في بوح شفيف دون مغادرة المنزع الوصفي بل من خلال الفعل المضارع وياء المخاطبة قوام النهج الصياغي.
أسلوب البورتريه: اللوحة التشكيلية تنصب على "الشخصية" التي تتخذ طابعاً مشهدياً بما يعتمل داخلها من حركة وصخب حيث يعرف الفنان كيف يستفيد من أسلوب الرسام ويزاوج بينه وبين أسلوب الكاتب القاص.
تغريب الشخصية بمعنى إخراجها عن المألوف وتوظيفها كدال أو مدخل دلالي من الملامح الجمالية الواضحة في بعض قصص المجموعة ففي "حياة أخرى" يشير الكاتب باستمرار إلى "امرأة غريبة وبدينة" في يدها سكين كبيرة تلتمع في الضحى، هذه المرأة لافتة في مظهرها، وقد استثمرها الكاتب في المقطع الختامي الذي خرج فيه عن مألوف عالمه الواقعي إلى غرائبية تخلفت في رحم هذا العالم، لم تنفصل عنه في الحقيقة، ولكن الكاتب هو الذي عمل على تصويره وكأنه عالم فانتازي كاشفاً عن حجم التحول الهائل الذي ألم بالواقع: "أفقت في صباح اليوم التالي، وفتشت عن نفسي فلم أجدها، بينما رجل لا أعرفه يستلقي فوق سريري، تقف على رأسه امرأة غريبة وبدينة أسفرت عن وجهها السمين للمرة الأولى وابتسمت في وجهه..الخ".
ويحاول الكاتب أن يصور شخصيته المحورية على مهاد لوحة طبيعية يبدو فيها وكأنه امتداد لهذا المشهد، يتراسل معه وتتداخل حركته مع حركة الكائنات حوله لتصبح عنصراً من عناصر المشهد الكلي، حيث يمضي في نسيج خيوطه الدقيقة ملحاً على الصفات اللونية بشكل خاص، ومع هذا التداخل والتناسج البانورامي يلتقط عنصراً محورياً يوجه إليه عدسته التي تتلبث عنده مجنداً حشداً من "الأحوال" يهوي به سريعاً عنيفاً تجاه الصدر المندلق أوله، فينغرس القلب بغتةً مغموراً بالدماء..الخ" في قصة (القلب).
إن تكنيك القص عنده يصدق عليه ما أشار إليه أحد نقاد القصة القصيرة من أنه مراكمة الصغائر، الأقوال والأفعال والالتفاتات الصغيرة لكي تتخلق من هذه الصغائر نفسها قيمة ثقيلة وكبيرة، هي ليست فقط سقوط العالم بل تجاوز هذا السقوط إلى الموازاة بين الباصرة والذاكرة من التقنيات التي يلجأ إليها الكاتب على مستوى الأمكنة والمشاهد، فهو يوازي ما تفرزه الذاكرة مع ما تبصره تعبيراً عن ذكرى يلتقطها وجدانياً ويختزنها كما في قصتي (الوحشة) و (المشي) التي تبدو نصوصها قائمة على وقائع ترقد في الذاكرة مدخرة في أرشيف رحلاته (أعني الكاتب) إلى مصر، من هنا أتت ذات نكهة حميمة خاصة.
وفي نصيه الأخيرين "الماء" و "الحذاء" من "شغب الأشياء" يتفحص هذه الأشياء ويستنطقها، يجعلها تتحدث، من خلال شهوة الوصف التي تهيمن على عالمه، ولكنه عبر هذا الاستنطاق يلمس معنى كبيراً يهجس به الأحياء، الماء المحتجز بين الجدران الأسمنتية الأربعة الذي يتوق إلى الخضرة والنماء والشمس ويتسلل في توقه الأزلي للحرية رغم صاحب المنزل الذي يمارس الحجر عله وكذلك صاحبة المنزل متمرداً فائضاً ملامساً بنثارة الأشياء مؤذياً..الخ، هذا القص الذي يبدو غرائبياً على لسان الماء، ولكنه واقعي في ملامسته لحقيقة الحال وفي إيحاءاته الرمزية في المستوى الآخر من الدلالة، ذلك المستوى الذي تضمره البنية الفنية، والعبارة الختامية التي يستثمرها المحيميد في هذه المجموعة استثماراً جيداً "ثم أسقط فوق البلاط، أغسل البلاط أغسله جيداً".
وبنفس الأسلوب، يعالج الكاتب نص "الحذاء" حيث يستنطقه ويظل ذات الهاجس الذي شغله في "الماء" يشغله، هاجس الانعتاق من ربقة القيود، انظر إليه وهو يتحدث عن القسوة التي قذف بها الآخرين لدرجة أنه يتوق إلى الاعتذار عن هذه القسوة، فهو القامع المقموع الذي تنحني عنده الهامات، وهو يستثمر ذلك في إبراز حسه الاجتماعي الشفيف، والتعاطف مع تلك الطبقات البائسة من المجتمع، وكالعادة فإن العبارة الختامية تأتي مضيئة: "فشعرت بفرح عظيم، وأنا أتذكر الذي يلكز الأرصفة فلا تستجيب، فأحس أنني أكفّر عن خطيئتي، لحظة أن انحنى وبر السجاد لهيئتي، وأنا اضغط عليه بشدة تؤازرني فيها قدم مفلطحة سوداء، وعنيفة".
حافظ الكاتب على تماسك أسلوبه السردي، ولكنه ضخ فيه إشعاعات وإيحاءات في أنساق صياغية جعلته على درب التجديد والتحديث بعيداً عن التشتت واصطناع بعض الظواهر التي شاعت لدى بعض القصص القصيرة ممن خاضوا غمار التجربة.

الهوامش:

(1)صدرت هذه المجموعة للمؤلف عن دار شرقيات، القاهرة 1993م.
فصل من كتاب "آفاق الرؤيا وجماليات التشكيل" محمد صالح الشنطي

نشر بتاريخ 27-08-2007