المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السياسة الكاذبة والطائفية الخادعة


عبدالناصر محمود
12-28-2014, 09:39 AM
إصلاحات العبادي بين السياسة الكاذبة والطائفية الخادعة
ــــــــــــــــــــــــــ

(جهاد بشير)
ـــــــ

6 / 3 / 1436 هــ
28 / 12 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8963.jpg

تشكلت حكومة العبادي ـ حكومة الاحتلال السادسة ـ في ظروف لم تكن أحسن من سابقاتها بأي شكل من الأشكال، بل ربما كانت الأحداث التي رافقت تشكيل حكومة المالكي الأخيرة أفضل منها، نظرًا لما يشهده العراق اليوم من أحداث كبيرة أثرت على كل المشاهد، ولكن أريد لهذه الحكومة أن تنجح بما يناسب هذه المرحلة، تمامًا مثلما سعى من يقف وراء تشكيلها لإنجاح الحكومات السالفة كل حسب ظرفه.

أبواق المجتمع الدولي لم تنفك ترحب بهذا التشكيل رغم أنه جاء ناقصًا كالذي سبقه، لكن سرعان ما تم تدارك النقص وفق صفقات سياسية تكشف عن تبادل المنفعة والمصالح بين أحزاب العملية السياسية من جهة، تحت لسعات عصا الولايات المتحدة التأديبية بثوب التحذير من جهة ثانية، في مؤشر له مقام خاص بالحديث يكشف مرة أخرى عن طبيعة رابطة الشركاء المتشاكسين الذين يشكلون العملية السياسية، بأن وجودهم فيها لا يعدو أكثر من كونهم أدوات مسيّرة بأجر، ومن يطمع منهم في الاستحواذ على أكثر من نصيبه؛ يجابه بالعقوبة التي تترجم إلى الواقع انهيارًا أمنيًا يدفع ثمنه العراقيون من أرواحهم ودمائهم.

وكان من نتاج ذلك؛ توظيف وزيري الداخلية والدفاع بما يخدم المشروع الميليشياوي بوضوح دون حياء أو محاباة ولكنه متقن ويلقى دعمًا من الجميع بما في ذلك دول من الجوار من المفترض أنها تكون ظهرًا وسندًا للسنّة في العراق، ونجح العبادي فيما فشل فيه المالكي، لأن الأخير كان مفضوحًا بعشوائيته الطائفية، أما الأول فهو مفضوح ولكن بشكل منمق يصب في صالح المشروع الصفوي ويعطيه مساحة أوسع للتحرك تحت مظلات وستائر متعددة، وقد تجلى ذلك بشخص وزير الداخلية ذي التاريخ المفعم بدخان الميليشيات، وتصريحات النفاق لوزير الدفاع الذي يتبجح سياسيو السنة بأنه يمثلهم.

وزاد الطين بلة أن هؤلاء باتوا أكثر لبنات العملية السياسية وهنًا، ولسنا نبالغ لو قلنا إنهم كانوا في عهد المالكي أقوى بحكم ما كان متاحًا لهم الاصطفاف إلى جوار أهليهم حينما فسحوا الفرصة لهم مدة سنة كاملة إبان الاعتصامات الشهيرة طوال 2013، ولكن الذل حينما يقيد امرئً ما؛ فلن يخرجه من سجن العبودية علو صياحه وكثرة نحيبه.

ما أجراه العبادي تحت مسمى "الاصلاحات" التي طار بها البعض ـ من سذاجته ـ فرحًا؛ ما هي إلا عملية تدوير نفايات ظاهرها سياسي وباطنها طائفي، فعلى الرغم من تسليط حكومة العبادي الضوء على الفساد والأموال المبددة والجنود الفضائيين وحالات إعفاء العشرات من الضباط والمسؤولين من مهامهم، وغير ذلك مما يظهره الإعلام المسيّر في خدمة العملية السياسية على أنه إصلاح، إلا أن شيئًا من عقوبة أو إحالة إلى القضاء لم يجر تجاه أي حالة من الحالات التي رقص لها داعمو الحكومة والعملية السياسية من أحزاب وإعلاميين وجهات دولية وإقليمية، بل ما حصل هو العكس، فمن يتابع مجريات الأحداث يجد أن جميع من شملهم "الإصلاح" تمت مكافأتهم كل حسب حالته، فمنهم من تسنم منصبًا جديدًا، ومنهم من يتقاضى راتبًا يكفي لإعانة مخيم كامل للنازحين الذين يبيتون ليلهم بين لجة مياه الأمطار وسياط الجوع والبرد.

وبينما فتح حيدر العبادي ذراعيه مبتهجًا بمن يثني على "إنجازه" الكبير، واستئصاله لأدوات الفساد وسعيه لإدارة الحكومة بشكل "صحيح وسليم ومتوازن"؛ أدار ظهره لسؤال العقل واستفسار المنطق؛ حينما طلبا منه جوابًا عن سبب موافقته على شرط المالكي استثناءه من المساءلة القانونية وتسليمه منصبًا يمنحه حصانة سياسية مقابل تنازله عن السلطة في الفترة التي رافقت عاصفة تشكيل الحكومة الهوجاء، وهو ما حصل بأن أعطي منصب نائب رئيس الجمهورية، ولوى برأسه صدًّا عنهما حينما أرادا تفسيرًا لظاهرة الفساد الذي كشفه دون أن ينال من تسبب به عقوبته التي يستحقها؟!

يتحدث البعض مازحًا بأن العقل والمنطق في المشهد العراقي لا مجال لهما لمزاولة عمل، ولن يجدا فضل مكان يمارسا فيه صلاحياتهما، فالعبادي "المصلح" الذي طرد آلاف الجنود الفضائيين ـ ممن كسروا ظهر الميزانية ـ من باب الأجهزة الحكومية، عاد وأدخلهم من شبّاك الحشد الشعبي وهيئته التي شكّلها مؤخرًا وهي بحد ذاتها مدعاة لانهيار تام لاقتصاد البلد، وقد بدت بوادر ذلك بحديث نوّاب وسياسيين عن تخفيض رواتب الموظفين وأساتذة الجامعات إلى النصف، فضلاً عن مشروع فرض الضرائب على العراقيين، دون مساس بما يتقاضاه أعضاء مجالس النوّاب والوزراء والرئاسة، وجوقة الصف الثاني من أقاربهم الذي يديرون شركات ويتحكمون بالأسواق وخطوط التجارة وعقود النفط وغير ذلك.

الظاهر السياسي الكاذب من الإصلاحات المزعومة، يخفي تحته باطنًا طائفيًا أشد خطرًا مما كان يجتاح العراق على مدى العقد المنصرم، ولهذه الخطورة وجهان؛ أحدهما؛ أن الجرائم الطائفية التي يتم ارتكابها تجري ضمن "إطار قانوني"يلاقي دعمًا دوليًا وإقليميًا، تتم محاولات التعمية عليها سياسيًا، ونعني بذلك أعمال ميليشيات الحشد الشعبي، التي على الرغم من أنها تشكيلات لا تمت إلى القانون بصلة، لكننا أطلقنا على أعمالها صفة القانونية نظرًا لأن الحكومة أولاً والعملية السياسية ثانيًا وصنّاع القرار السياسي على مستوى العالم ثالثًا يتبنون ما يصدر عنها من أفعال بحجة محاربة ما يسمونه "الإرهاب"، كل ذلك ضمن الدائرة التي أشرنا إليها آنفًا بشأن إنجاح حكومة العبادي، وبالتالي نجاح المخطط الاحتلالي للمرحلة الراهنة في العراق.

لقد اتخذ هذا الوجه من الدعم المذكور غطاءً ليبرمج مشروعه إلى ما يتعدى "حماية المقدسات" حسب تعبير مرجعياتهم، إلى الاعتداء المباشر والصريح، الذي طال المساجد وأملاك المدنيين، وتمادى إلى إزهاق الأرواح بشكل إجرامي وسافر مؤطر بترديد الشعارات الطائفية، وما يزال يواصل منواله بتصاعد ليصل إلى الإساءة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضي الله عنهم أجمعين، بطريقة مبتذلة ورخيصة لا تَنُم إلا عن عقلية مغيّبة طغى عليها الحقد والغل الناجم عن الأكاذيب التاريخية، الأمر الذي جعل أحد أهداف هذا الحشد هو معاقبة كل سنّي بتهمة جاهزة وشمّاعة معروفة.

وبموازاة ذلك يظهر الوجه الثاني متمثلاً بالشخصيات والأحزاب السنيّة المنتمية للعملية السياسية، والذين صادروا ألسنتهم بمنعها عن إدانة الميليشيات فضلاً عن أن يكون لهم قرار عملي ودور فعلي في الحد من استهداف أهلهم بالقصف والاعتقال والتهجير والقتل وجرائم تصفية المعتقلين وغير ذلك مما كان سائدًا طوال السنوات الماضية واستفحل أمره منذ أحد عشر شهرًا، وبدلاً من ذلك يظهر وزير الدفاع في تصريح أقل ما يمكن أن نصفه بسببه أنه منافق، ليقول إن الميليشيات غير متورطة بتفجير وإحراق مساجد ديالى وتمزيق مصاحفها وتشريد أهلها.

بينما ترجم هذا التصريح عمليًا رئيس مجلس النوّاب الذي عاد من طهران هاشًّا باشًّا ليقول إن علاقاتهم مع إيران قائمة على التعاون والمصالح المشتركة.

لم يكتفِ هؤلاء بالموقف السلبي تجاه الحرب الطائفية المعلنة عليهم، فقد ذهبوا بعيدًا وبشكل مبالغ فيه بإدانة "الإرهاب" ـ وهم يعلمون بيقين تام أن هذا المصطلح يُستخدم لوصف أهل السنّة في العراق باعترافهم أنفسهم سابقًا ـ والدعوة إلى محاربته وتنظيم مؤتمر لاستقطاب مشروع الصحوات مجددًا، والأدهى والأمر من ذلك كله دعوتهم الصريحة دون خجل إلى تدخل الاحتلال لحسم المعركة، ومعاتبة الولايات المتحدة عندما تتأخر بالضغط على الحكومة في بعض الإجراءات المتعلقة بتسليح العشائر المزعوم.

إن صورتي الإصلاح المكذوب في حكومة العبادي، تعكسان منظومة جديدة يجري استعمالها في هذه المرحلة من مشروع الاحتلال القائم على التعاون المشترك مع إيران، فإذا كان حال الصورة الأولى أنها ركن ثابت في المشروع، فإن حال الثانية يؤكد أنها قابلة للصقل والتغيير وربما حتى إعادة التلوين، حسب مقتضيات المصلحة، ما يجعل وضع سنّة العملية السياسية في حكومة العبادي؛ كمن اشترى ميتة بثمن باهض، فهم بين عقد باطل وعين مُحرّمة ومال مهدور، ومن سخرية الحال تراهم يتبجحون بأن لديهم "فقهًا سياسيًا"!!.

--------------------------------