المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : واقع مرير لماض أسود


عبدالناصر محمود
12-30-2014, 09:49 AM
لعنصرية في الولايات المتحدة واقع مرير لماض أسود*
ــــــــــــــــــــــــــ

8 / 3 / 1436 هــ
30 / 12 / 2014 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8969.jpg

صورة براقة لمجتمع يقف كنمر من ورق أو كخيال ظل لجبل عظيم القدر وهو سراب واهن، تقف الولايات المتحدة راعية الليبرالية في العالم والدولة التي تصدر للعالم كله أنها ترعى القيم الديمقراطية وإنها موئل الحرية التي نصبتها تمثالا جامدا لا حياة فيه، فالمجتمع الأمريكي وكحصاد لليبرالية يموج بحمم بركانية من الغضب المكبوت الذي يوشك أن يتفجر يوما بسبب ما يحمله هذا المجتمع من عنصرية بغيضة قديمة قدم إنشاء هذه الدولة عميقة متسعة اتساع مساحتها شديدة كصفة كل ما يأتي منها.

فالعنصرية البغيضة كانت ولا زالت داء يسري في أوصال المجتمع الأمريكي، يشعل نارا عظيمة تحت الرماد تنتظر فقط شرارة البدء في الإحراق والتدمير لتكون عواصف هوجاء لا تبقي ولا تذر، ولن يطول هذا الصمت الأسود، ففي تحركه بداية النهاية للدولة التي رعت وترعى الإرهاب والعنصرية في العالم كله.

ويمكن تعريف العنصرية بالممارسات التي يتم من خلالها معاملة مجموعة معينة من البشر بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا اقل من الباقين بدعوى أن هذه الجماعات أو الأعراق أدنى منزلة من جماعات أو أعراق أخرى، والولايات المتحدة ترزح تحت هذه العنصرية منذ زمن طويل، على الرغم من الأمم المتحدة التي تعتبر الولايات المتحدة اكبر راع ومستفيد منها والتي تقع أيضا مقرها على أرضها فان إعلانها العالمي لحقوق الإنسان يقول: إنه "لا فرق بين التمييز العنصري والتمييز الإثني أو العرقي"، ومع ذلك مستمرة الولايات المتحدة في التمييز العنصري بكل قوة وشدة.

فبعيدا عن *** الحقائق التاريخية للحقب السوداء التي عاشها الزنوج في الولايات المتحدة يمكن القول الآن بان العنصرية الأمريكية من البيض تجاه السود لم تتغير إلا قليلا، وإنها لازالت تمارس بكل قوة واستمرارية بطريقة ممنهجة ثابتة على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية.

فعلى مستوى التنظيمات والجماعات العنصرية المنتشرة – المعروفة بجماعات الكراهية - في الولايات المتحدة والتي يبلغ عددها حوالي 939 جماعة وحركة، وكل حركة لها أفرع ممتدة في معظم الولايات، فمنها منظمة تدعى بـ "المقاومة الآرية البيضاء" وهي تؤمن بتفوق البيض على سائر الأعراق، وتصف نفسها بـ "العنصرية"، وخصصت قسما في موقعها للنُّكات العنصرية، وقسما آخر للفيديوهات العنصرية.

كما تصدر جريدة باسم "المتمرد"، وشعارها: "الجريدة الأكثر عنصرية على الأرض"، وكذلك توجد منظمة تدعى بـ "الحركة الاشتراكية القومية" التي تتخذ شعارات عنصرية كثيرة من مقولات زعمائهم مثل: "هذا الدستور للبيض فقط "، "يجب منع المهاجرين غير البيض، نطالب كل من ليس أبيض أن يترك الولايات المتحدة فورًا ويعود إلى وطنه الأصلي". وكذلك من أكثر مقولاتهم عنصرية والتي قيلت على لسان رئيس المنظمة جيف شويب عام 2007: "عندما أتخذ كلب من فصيلة (جرمان شيبرد) وتخلطه بفصيلة (جولدن رتريفر)، عندها سيكون لدينا حيوان لا قيمة له، إن اختلاط الأعراق يدمر العروق الأصلية".

وذكرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن منظمة تدعى ب‍ "منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة" التي تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم تطهير الأراضي الأمريكية منهم على حد زعمها، وتشن المنظمة حملات دعائية على السود وتزعم أن 90% من الجرائم في أمريكا يرتكبها السود، واتهمت المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود.

وعلى مستوى السلطة الحكومية تشتد وطأة العنصرية فيها رغم ادعاءاتهم بالحرية والليبرالية وغيرها من الشعارات البراقة الزائفة، فلم ينس السود قيام ضابط الشرطة الأبيض "دارين ويلسون" بقتل الشاب ذي الثمانية عشر عامًا "مايكل براون" في فيرجسون بولاية ميزوري، والذي تسبب في اندلاع موجة من الغضب وأعمال شغب عقب مقتله، وارتفعت الموجة أكثر عندما برَّأت المحكمة الضابط المتهم بالقتل.

ومن مطالب السود في الولايات المتحدة المساواة بينهم وبين البيض، فيكفي ان نعرض للهيكل الإداري لضاحية من الضواحي فيها لنرى هذه العنصرية التي تتجلى في أعلى وأقسى صورها، فضاحية سانت لويس الأمريكية مثلا يبلغ عدد سكانها 21 ألف نسمة، ثلثهم من الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية، لكن رئيس بلدية هذه المنطقة أبيض البشرة، وكذلك خمسة أعضاء من مجلس مستشارية المنطقة هم بيض، من أصل ستة مستشارين. ويوجد في المنطقة 50 شرطيا أبيض من أصل 53، فكيف يمكن ان يفسر هذا إلا بوجود عنصرية تجاه السود ؟.

وهكذا يرى السود الأمر حينما يرصدون أن حالات التفتيش التي تقوم بها الشرطة في صفوف السود أكثر منها لدى البيض كما يقول الخبير الاجتماعي هانت [1]: "لا نسمع عن حالات يتم فيها استهداف شباب بيض البشرة"، ويضيف :"ثمة رأي بأن الرجال السود يشكلون تهديدا ينبغي ترصده ومراقبته، ولكن في الواقع فإن البيض تكون لهم تجارب مختلفة عن السود لدى الشرطة"، ويؤكد أنه قد بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود 92% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى 93%، في العام الماضي 2013، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي ارتكبها البيض (نسبتها 34%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (نسبتها 22 %). وهذا التفاوت في النِّسَب ليس حصريا على مدينة فيرغسون، بل يتجاوزها إلى مدن أخرى. كما أن عدد حالات تفتيش الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية في شوارع نيويورك أكثر مقارنة بعدد حالات تفتيش الأمريكيين البيض.

ويرى المتخصص هانت أن ظاهرة عنف الشرطة الممارَس على السود لها جذورها وخلفياتها فيقول: "لدينا رئيس أسود لكن معظم الأمريكيين السود يعانون حاليا من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما". إنهم مهمشون في جميع مجالات الحياة: فنسبة البطالة بينهم زادت خلال عقود إلى ضعف نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة، ونسبة السود الفقراء أكثر بثلاث مرات من البيض، كما أن الاعتقالات والعقوبات في أوساطهم أكثر منها لدى البيض.

ان مشكلة التفرقة العنصرية تؤكد أن الليبرالية الغربية والأمريكية مجرد اوهام يروجها الغرب كخدعة تنطلي على العرب والمسلمين وحدهم، أما هم فلا يطبقون شيئا منها وانها معدة للاستهلاك الخارجي فقط، وهذا ما أكده الرئيس أوباما حيث لم يستطع نفي وجود العنصرية في الولايات المتحدة بل قال فقط انه عمل على التقليل منها.

فقد اعترف أوباما بوجود عنصرية في بلاده وزعم انها تحسنت، فقال في مقابلة مع الإذاعة العامة الوطنية الأمريكية (إن بي آر) بمناسبة نهاية العام: "إن العلاقات بين الأمريكيين البيض والملونين تحسنت خلال السنوات الست التي مكث خلالها بالبيت الأبيض"، ونفى أن تكون أمريكا أصبحت أكثر انقسامًا على أساس عنصري عما كانت عليه قبل توليه الرئاسة عام 2009.

إن هذه العنصرية البغيضة ثمرة من ثمار الرأسمالية المتوحشة والعولمة التي يراد فرضها على الأمم وخصوصا امة الإسلام، وهي ثمرة لليبرالية التي يبشرنا بها من يدعون عندنا بالنخبة، فهل استطاعت هذه العلمانية أن تطفئ النيران المشتعلة في النفوس الأمريكية بعد خمسة عقود كاملة من الاعتراف بالأمريكيين من أصول إفريقية كمواطنين كاملي الأهلية ؟ وهي هذه هي الليبرالية التي يزعمون انها الحل لمشكلاتنا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

[1] الأخصائي الاجتماعي دارنيل هانت، مدير مركز الدراسات الإفريقية-الأمريكية في جامعة كاليفورنيا.

ــــــــــــــــــــ
*{التأصيل لللدراسات}
ـــــــــــ