المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عصمة ومعجزات الأنبياء


عبدالناصر محمود
12-31-2014, 09:23 AM
عصمة ومعجزات الأنبياء عند "القرآنيين"*
ـــــــــــــــــــ

9 / 3 / 1436 هــ
31 / 12 / 2014 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/8948.jpg

من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بعصمة الأنبياء جميعا من ارتكاب الكبائر، أو الوقوع في الخطأ عمدا أو سهوا في كل ما يتعلق بتبليغ الرسالة، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الاعتقاد بأن الله تعالى أيد الأنبياء والمرسلين بالآيات الدالة على صدقهم، والتي يعجز عن الإتيان بمثلها الإنس والجن المخاطبين بالرسالة، وأن للنبي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة أشهرها معجزة القرآن الكريم.

وفي مواجهة هذا الاعتقاد الحق المنصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تحاول بعض الفرق والفئات المنتسبة للإسلام الميل عنه إفراطا أو تفريطا، فبينما يجنح الصوفية مثلا إلى المغالاة في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، يجنح من يسمون أنفسهم "القرآنيون" إلى نفي وقوع المعجزات من خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم – اللهم إلا معجزة القرآن -، ناهيك عن تشويههم لعقيدة عصمته صلى الله عليه وسلم بكلام وآراء ما أنزل الله به من سلطان.

وفي هذا التقرير سأحاول تسليط الضوء على موقف "القرآنيين" من معجزاته صلى الله عليه وسلم – وكذلك الأنبياء والصالحين قبله - ومن عصمته صلى الله عليه وسلم، مع محاولة الرد على شبهاتهم وآرائهم الباطلة حول هذين الأمرين قدر الإمكان والله المستعان.

موقف "القرآنيين" من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

يجمع من يسمون أنفسهم "القرآنيين" على إنكار وقوع خرق العادة من النبي صلى الله عليه وسلم – المعجزة - ومن أمته من بعده – الكرامة – ما عدا معجزة القرآن الكريم، وفي ذلك يقول الحافظ أسلم: "لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم معجزة سوى القرآن، بينما الأحاديث ذكرت له معجزات حسية كثيرة، منها انشقاق القمر، وطغى بعض الناس في إثباتها من القرآن، غير أن ذلك الانشقاق علامة من علامات قرب الساعة، وسياق القرآن لا يربط صلته برسول الله صلى الله عليه وسلم، تصريحا ولا إيماء" (1)

كما يزعم الخواجة من القرآنيين "أنه لم يرد في القرآن الكريم لفظ المعجزة أو خارق العادة، بل ورد مكانهما "سنة الله" وأنها لا تتبدل ولا تحيد عن مكانها لتحل في مكان آخر" (2)

الرد على إنكار "القرآنيين" لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم

الحقيقة أنه يمكن القول بأن "القرآنيين" انفردوا بإنكار وقوع المعجزات من خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى الرغم من وجود الاختلاف بين عقيدة أهل السنة, وبين عقيدة كل من المعتزلة والصوفية في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن أحدا من هذه الفرق لم ينكرها إلا "القرآنيون".

ومن المعلوم أن معجزاته صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها ما هو مذكور في القرآن الكريم والصحيحين، مثل نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وتكثير الطعام القليل، وحنين الجذع...الخ.

والعجيب أن ينكر "القرآنيون" معجزة انشقاق القمر كما فعل "أسلم"، بينما هي مذكورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} القمر/1 وهو ظاهر في الإخبار، وأنه وقع لأنه بلفظ الماضي، وحمله على ما سيكون خروج عن الظاهر من غير دليل.

كما أن قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} القمر/2, نص على أن هذا الانشقاق آية على صدق ما ادعاه صلى الله عليه وسلم من النبوة أمام قريش.

ناهيك عن أن الآية الثالثة تؤكد وقوع التكذيب لهذه المعجزة الحسية من قريش بقوله تعالى: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} القمر/3 فتكذيبهم للآية يستلزم وقوعها في الماضي لا في الأزمنة الآتية.

ومع وجود الأحاديث الصحيحة بوقوع هذه المعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن "القرآنيين" ينكرون السنة النبوية جملة وتفصيلا.

وأما ما ذكره الخواجة من أن لفظ "المعجزة" أو "خارق العادة" لم يرد في القرآن الكريم فهذا أمر لا مراء فيه، وقد سبقه إلى هذا التنبيه شيخ الإسلام ابن تيمية بما هو أوسع وأشمل، حيث ذكر أن لفظ "المعجزات" لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء مكانها "الآية" و "البينة" و "البرهان"، وتحاشى - رحمه الله - تسمية الخوارق بالمعجزات، وإنما أطلق عليها اسم "دلائل النبوة وأعلامها". (3)

وما ذكره الخواجة من أن السنة لا تتبدل ولا تتغير هو أمر مسلم به أيضا، وهو لا يتعارض بطبيعة الحال مع آيات الأنبياء، لأن تأييدهم بالأمور الخارقة سنة من سنن الله في أنبيائه، فالمعجزات أمور معتادة بالنسبة للأنبياء في سنن الله تعالى، ولا تعتبر الخوارق لتأييد الأنبياء خوارق لسنة الله، ولا نقضا للمعتاد من مسلكها، وقد ذكر القرآن الكثير من الأمور التي انحرفت عن سننها المرسومة كولادة المسيح ابن مريم من غير أب، وقصة الإسراء وانشقاق القمر لتأييد أنبيائه.

موقف "القرآنيين" من معجزات الأنبياء والرد عليهم

إذا كان موقف "القرآنيين" من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم الإنكار بالإجماع باستثناء معجزة القرآن، فإن موقفهم من معجزات الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم يختلف، حيث انقسموا في ذلك إلى قسمين:

الأول: اعترف بخوارق العادات السابقة المذكورة في القرآن الكريم للأنبياء والصالحين، وعلى رأس هؤلاء الحافظ أسلم ومؤسس حركة أهل القرآن. (4)

الثاني: منع الخوارق بالكلية، وحمل الوارد منها في القرآن على المعاني المجازية، أو صرف السياق على وجه الدلالة لا يدل على الخارق أصلا، فيعود الأمر إلى طبيعته. وهو مسلك "برويز" والخواجة أحمد الدين، وفي ذلك يقول الأخير في قصة إحياء المقتول بضرب لحم البقرة الوارد بسورة البقرة: "إن ذلك المقتول أصيب بنوبة قلبية فتوقف نفسه، وفي مثل هذه الحالة من المعروف أن المصاب يوقف وتحرك أعضاؤه وجوارحه، وبهذا العمل قد يعود النفس إلى طبيعته أحيانا، وهذا ما فعل بهذا المصاب فأثمر هذا العمل، وهو ما عبر عنه القرآن بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا...} البقرة/72- 73. (5)

والحقيقة أنه كما انفرد "القرآنيون" بإنكار معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، انفردوا أيضا بإنكار الخوارق كلية، وانضموا بذلك إلى البراهمة والفلاسفة الذين تبنوا أفكار الفلسفة الأرسطية، فأنكروا جري المعتاد على غير عادته أو منعه من عادته. (6)

والجدير بالذكر أن المنكرين الجدد لخوارق العادة للأنبياء والمرسلين والصالحين، المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية، لا يقلون خطرا عن الباطنية، إذ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن القتل يحمل في آية البقرة على السكتة القلبية والفارق بينهما كبير، إذ القتل يقتضي وجود من يباشره بعكس السكتة القلبية، ولو حمل الأمر على ما زعمه "القرآنيون" لكان القرآن الكريم متهما أناسا أبرياء لا صلة لهم بالموضوع البتة - تعالى الله عن ذلك -.

موقف "القرآنيين" من عصمته صلى الله عليه وسلم

بينما اتفقت كلمة الأمة على أن الله تعالى قد عصم نبيه صلى الله عليه وسلم وحفظه من شياطين الإنس والجن، من أن يحولوا دون تبليغ ما أمره الله به، أو يحملوه على تغييره أو الافتراء على مرسله. (7)

نجد أن بعض "القرآنيين" من أمثال عبد الله وخليفته حشمت علي يريان أن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الحج/52، دل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن لسانه عن الدين الإسلامي مثل غيره من الرسل شيئان:

1- كتاب الله تعالى

2- ما يملي فكره ويتمناه قلبه، وهذا لا يخلو من إلقاء الشيطان، غير أن الله تعالى ينسخ ذلك ويحكم آياته، والأماني التي صدرت عنه صلى الله عليه وسلم – حسب علم عبد الله وحشمت - لا تتجاوز ثمانية عشر أمنية ذكروا منها: حلفه صلى الله عليه وسلم على شيء حلال لتحريمه تلبية لرغبة زوجاته، وقوله بالحرمة لمن ظاهر منها زوجها، وإعراضه عن الأعمى لانشغاله بنصح قريش" (8)

والحقيقة أن الرد على هذا الزعم الباطل إنما هو من القرآن الكريم أولا، والذي يزعم هؤلاء أنهم يلتزمون به، فقد قامت الأدلة الكثيرة على أن الأنبياء معصومون من الكذب في التبليغ عن الله تعالى أو التقول عليه، وأن الشياطين لا سلطان لها على عباد الله فضلا عمن اصطفاهم بالرسالة: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...} الحجر/42، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم/3-4، {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} الحاقة/44-45-46

إن نصوص الآيات السابقة وغيرها تدل على أن الأنبياء معصومون بعصمة الله عن التكلم بدين الله بما تتمناه وتهواه لا عمدا ولا جبرا ولا سهوا، لأن التكلم على الصفة الأولى كفر والأنبياء معصومون منه، ولا على الوجه الثاني لأن الشياطين لا سلطان لهم على عباد الله تعالى، ولا على الصفة الأخيرة لأن الأنبياء معصومون من الكذب في تبليغ الرسالة. (9)

وإذا سلمنا بأن الشيطان له سلطة الإلقاء على ألسنة الرسل – حسب زعم بعض القرآنيين – لزالت الثقة عن الشرع، إذ يحتمل أن ما ادعاه الرسول عن الله لم يكن منه لتسلط الشيطان عليه وتمكنه من نفسه، وعلى ذلك تزول الثقة حتى عن القرآن الكريم – تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا -.

والحقيقة أن المعنى الصحيح للآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ..} هو أنها مسوقة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأن السعي في إبطال الآيات أمر معهود، فما أرسلنا من قبلك رسول ولا نبي إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاءهم به رسول الله، فيبطل الله ما يلقي الشيطان من الشبه، ويذهب بها بتوفيق الله للنبي بردها، أو بإنزال ما يردها بإتيان آيات محكمة لا تقبل الريبة بوجه من الوجوه. (10)

وأما ما ذكره "القرآنيون" من الحوادث الثلاثة تطبيقا لما توهموه، فهو أمر مرفوض على الإطلاق وغير مقبول، لأن نصوص القرآن في تلك الحوادث وغيرها، ليس فيها أي إيماء أو تصريح على أن الشيطان كان له ضلع عند حكم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمور، بل هي بمجملها – عدا حادثة المجادلة – تشير إلى عتاب الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التحريم/1، {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} عبس/1-2، فلو كان للإلقاء الشيطاني دخل في الحكم على هذه الحوادث لما عوتب النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الذي يمحص ويدقق في مزاعم "القرآنيين" فيما يخص عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، يدرك أن القوم لا يستندون إلى أي دليل معتبر من القرآن الكريم الذي يزعمون أنهم أهله وأتباعه، وإنما يلوون عنق النصوص حتى تناسب أوهامهم وأباطيلهم التي يزعمونها، بطريقة فجة وخارجة عن نطاق علم التفسير أو العقل السليم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

(1) تعليمات قرآن ص150

(2) مجلة البيان ص38 عدد يوليو 1951م

(3) الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية 4/67

(4) تعليمات قرآن ص133-135 وترجمة القرآن 3/171

(5) تبويب القرآن 3/1256 و تفسير بيان للناس 2/523

(6) التمهيد للباقلاني ص112 ونهاية الإقدام للشهرستاني ص417

(7) النبوات ص235 وعصمة الأنبياء ص338

(8) المباحثة ص42 نقلا عن إشاعة السنة 19/293

(9) تفسير الرازي 23/52

(10) روح المعاني للألوسي 17/173
ــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ

مطر وقمح
01-03-2015, 02:17 AM
بارك الله بك