المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمام المجدِّد ومفهوم الفرقة الناجية


عبدالناصر محمود
01-03-2015, 08:12 AM
الإمام المجدِّد.. ومفهوم (الفرقة الناجية)
ـــــــــــــــــــــ

(مجاهد حسين نعناع)
ـــــــــــ

12 / 3 / 1436 هــ
3 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/831122014030937.png


الفرقة الناجية.. مصطلح شهد تجاذبا واسعا بين علماء الأمة حول مفهومه وكُنهه، وهو المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، وفي رواية: "هي الجماعة".. أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وقيل: صحيح على شرط مسلم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث محفوظ.
وقد أورد الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام فيما يخص تحديد الفرقة الناجية، خمسة أقوال، هي:

1- السواد الأعظم: قال: (فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة، وعلماؤها، وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم).

2- أئمة العلماء المجتهدين: والمقصود بهم العلماء الأعلام من أئمة الهدى المتبعين للكتاب والسنة. قال الشاطبي: (فمن خرج على علماء الأمة مات ميتة جاهلية).

3- الصحابة على الخصوص: يقول الشاطبي: (فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أنا عليه وأصحابي"، فكأنه راجع إلى ما قالوه، وما سنوه، واجتهدوا فيه حجة على الإطلاق).

4- جماعة أهل الإسلام: إذا أجمعوا على أمر وجب على بقية أهل الملل اتباعهم. قال الشاطبي: (وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر).

5- أنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير وجب على بقية الأمة لزومه. ويقول الشاطبي في بيانه: (وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم).

وبعد هذا الاستعراض السريع لاختلاف علماء الأمة في تعريف (الفرقة الناجية)، ندلف إلى موضوعنا الأساسي الذي خُصِّص لأجله هذا المقال، وهو مفهوم الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب للفرقة الناجية، وقد ورد عنه – رحمه الله – في أكثر من موضع شرحٌ وافٍ للمراد من (الفرقة)، أطوله ما جاء في رسالته إلى أهل القصيم ردا على سؤالهم حول عقيدته، حيث قال: (أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمانُ بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميَّ له ولا كفؤ، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ . وَسَلامٌ عَلى المُرْسلين . والحمْدُ لله رَبّ العالمين}).
وأضاف – رحمه الله -: (والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية؛ وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج).
وقد علَّق الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في كتابه (شرح رسالة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب) على ما ورد في رسالة الإمام سابقة الذكر قائلا: (وقوله: «أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية»، عقيدة الفرقة الناجية هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»).
وأضاف: (سميت الناجية لأنها نجت من النار، كل هذه الفرق في النار إلا هذه الفرقة، فهي الناجية من النار، وهذه أوصافها:

أولا: أنها الناجية.
----------

ثانيا: أنهم أهل السنة الذين يأخذون بالسنة، وهي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي تعني القرآن، وتعني الأحاديث الصحيحة، ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، ولم يأخذوا بمذهب الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج أو غيرهم من الفرق، إنما أخذوا منهج أهل السنة المتمسكين بالسنة.

ثالثا: «والجماعة»، سموا بالجماعة؛ لأنهم مجتمعون على الحق، ليس بينهم اختلاف، لا يختلفون في عقيدتهم، إنما عقيدتهم واحدة، وإن كانوا يختلفون في المسائل الفقهية والمسائل الفرعية المستنبطة، فهذا لا يضر، الاختلاف في الفقه لا يضر؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد، والاجتهاد يختلف، والناس ليسوا على حد سواء في ملكة الاجتهاد، أما العقيدة فإنها لا تقبل الاجتهاد، بل يجب أن تكون واحدة؛ لأنها توقيفية، قال تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، هذه أمة واحدة لا تقبل الاختلاف، تعبد ربا واحدا، وفي الآية الأخرى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 52، 53]).
وتابع الشيخ الفوزان قائلا: (ذمَّ الذين اختلفوا؛ لأن الاختلاف في العقيدة لا يجوز، فالله أمرهم أن يكونوا أمة واحدة فعصوه، {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا}، أي: كتبا؛ كما قال قتادة ومجاهد، كل واحد عنده كتاب، وكل واحد عنده عقيدة، وعقيدة هذا غير عقيدة هذا، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، كل يرى أنه على الحق وغيره على الباطل، لا يقول: نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]، بل كل يقول إنه على الحق وحده {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ومقتنع بما لديه، بل ومتعصب له، ولا يرى أن قوله عرضة للخطأ والصواب).
ونُقل عن الإمام ابن عبد الوهاب حديثا آخر عن مفهوم الفرقة الناجية ضمَّته رسالتُه إلى شيخه عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي، أحد علماء الأحساء، قائلا: (وتأمل ما في كتاب الاعتصام للبخاري، وما قال أهل العلم في شرحه؛ وهل يتصور شيء بما صرح مما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على أكثر من سبعين فرقة، أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التي على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه).
وأجد من المفيد هنا إيراد المنهج الذي اتّبعه شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد النطاق العملي للفرقة في الإسلام، حيث إنه يعتمد بالدرجة الأساسية على نظرته الواسعة للأدلة الشرعية، وفهمه الواسع للكتاب والسنة، وهو عندما يبحث في تحديد مفهوم الفرقة لا يبتعد عن هذين الإطارين، فهو ينظر إلى حديث الافتراق باعتباره حديثا مشهورا كثر كلام العلماء حوله، ومع ذلك فإن تحديد الفرقة عنده يتعدى تعداد هذه الفرق إلى بيان الفرقة الناجية، إذ يقول في تعليقه على حديث الافتراق: (ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها).
ونبَّه شيخ الإسلام إلى ضرورة التحري في إطلاق تسمية (الفرقة الناجية) جزافا ومن دون دليل، فقال: (وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الاثنتين والسبعين لا بد له من دليل، فإن الله حرم القول بلا علم عموما، وحرم القول عليه بلا علم خصوصا)، وهذا البيان الذي يقدمه شيخ الإسلام يبيّن نظرة أهل السنة والجماعة إلى الفرق الأخرى، إذ إن الغالب في تعاملهم معها التحري والتدقيق، في حين أن الفرق الأخرى تطلق هذه المصطلحات جزافا ودون ورع.
ولذلك؛ فكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الفرقة الناجية وأن ما عداها في ضلال وغواية، قال ابن تيمية: (فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
كما اعتنى شيخ الإسلام ابن تيمية عناية كبيرة في تحديد الفرقة الناجية والأدلة الدالة على ذلك، ومن خلال تناوله لحديث الافتراق يحرص على تحديد الفرقة الناجية بالمفهوم الصحيح لها، وذلك بالاستشهاد بالكلام النبوي، فيقول: ((إنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الفرقة الناجية قال: (من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي، وفي رواية أخرى قال: هم الجماعة)، وهذا التحديد للفرقة الناجية هو الراجح من خلال النظر إلى الأدلة الشرعية)). ويعد شيخ الإسلام أهل السنة هم الفرقة الناجية، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع الفرق الأخرى هالكة، فيقول: ((وهذه الفرقة الناجية (أهل السنة) وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل))، وبعد هذا التقرير يستند إلى الحديث نفسه.
وبناء على ما سبق من كلامَيْ الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية، يمكن القول بأن المقصود بالفرقة الناجية هم من عصمهم الله تعالى من الاختلاف في أصول الدين وكلياته وقطعياته، وهم القائمون على الحق، الآخذون بالكتاب والسنة، السائرون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في الاعتقاد والسلوك والعمل؛ فهم أهل السنة والجماعة.

-------------------------------------------