المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شارلي إيبدو؛ الحيثيات والمآلات


عبدالناصر محمود
01-09-2015, 05:26 PM
حادثة جريدة "شارلي إيبدو"؛ الحيثيات والمآلات..*
ــــــــــــــــــــــــ

18 / 3 / 1436 هــ
9 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8998.jpg

صح عن النبي الأكرم- صلى الله عليه وسلم- قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فحب النبي- صلى الله عليه وسلم- شرط لازم لإيمان من آمن من المسلمين، وهو من شروط الإيمان الصادق، وعلى هذا الأمر لا يختلف مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان.

ولهذا فأشد ما يؤذي المسلمين في كافة أنحاء العالم- على اختلاف وجهاتهم وانتماءاتهم- أن يتعرض نبيهم الأكرم للإيذاء، سواء بالسخرية أو السب أو أي مظهر من مظاهر الإيذاء التي تنتشر هذه الأيام في غالب دول العالم، سيما العالم الغربي- الذي أنهكته اللادينية- تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير.

وما حدث من قبل جريدة "شارلي إيبدو" الفرنسية طيلة السنوات الماضية مثل عنصر إيذاء واستفزار للمسلمين الفرنسيين وغير الفرنسيين، حيث اعتادت هذه الصحيفة على رسم رسوم كاريكاتورية للسخرية من الإسلام ومن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما أدى إلى تحرك المسلمين في فرنسا بدعاوى قضائية ضد هذه الجريدة، لكن القانون الفرنسي رفض هذه الدعاوى، وأقر أن الأمر راجع إلى حرية الرأي، ولا وجه قانوني يدين ما قامت به الجريدة!!

كلما كانت الجريدة تنشر رسماً مسيئاً للنبي الأكرم- صلى الله عليه وسلم- كانت تزداد الردود عليها، بل تعرض مقر الجريدة في إحدى المرات إلى التفجير من بعض العناصر المجهولة ، لكن لم يسفر الأمر عن أية إصابات، إلى أن قام مجهولان الأربعاء الماضي باقتحام مقر الصحيفة، وقتل ما يزيد عن عشرة عاملين بها، وعلى رأسهم رئيس تحريرها...

والسؤال الآن: هل انتهي المشهد وأُسدل الستار، وانتهت الإساءات للنبي- صلى الله عليه وسلم- وانتهى دور جريدة "شارلي إيبدو" وما هو الموقف الشرعي من ذلك العمل ؟





- أولا أننا برغم غضبتنا الشديدة مما فعلته هذه الجريدة؛ من الإيذاء الشديد لسيد الخلق أجمعين،صلى الله عليه وسلم مما يعتبر إيذاء لكل مسلم في ذاته ومقدساته ودينه وهو أمر غير مقبول على أية حال , إلا أن الموقف الصحيح من مهاجمة الجريدة، وقتل من فيها، ينبغي أن يكون الرفض الكامل لها والاستنكار الواضح، والإدانة لهذه الفعلة شرعاً وواقعاً، خصوصاً وأنها لن يترتب عليها أي نفع، بل كلها شر وضرر للفاعل وللمسلمين جميعاًولن يجني منها المسلمون سوى الضرر والخسارة , وستتسبب في زيادة كراهية الإسلام عبر العالم وتشويهه ونعته بأوصاف الكراهية والإرهاب وغيره مما يعتبر خسارة كبيرة للإسلام والدعوة الإسلامية والمسلمين في فرنسا وفي أوربا بل وفي العالم

- حقيقة الأمر أن القضية لم تنته بعد، بل نجمت عنها آثار في منتهي السوء يُسمع صداها الآن في الإعلام الغربي والعربي على السواء، ولو استطاع الغربيون استثمار هذه الحادثة، ستتحول إلى 11 سبتمبر آخر، ليُزهق بموجبها الآلاف من المسلمين، بل قد تُحتل بسببها دول إسلامية كاملة، بحسب تحليلات خبراء ومراقبين .

- على الصعيد الفرنسي يعاني المسلمون في فرنسا منذ حدوث هذه الحادثة- ومن قبلها- معاناة شديد، سيما وأن اليمين الفرنسي في فرنسا يحمل من العداء ما يكفيه لتحويل مثل هذه الحادثة إلى ملحمة "مظلومية"، سيكون الخاسر الأول والأخير فيها هم المسلمون، وجدير بالذكر أن الإسلام في فرنسا يمثل ثاني أكبر ديانة بعد المسيحية، فتخيل مدي الفساد الحاصل من وراء هذه الحادثة لو تم توظيفها بشكل سيئ.

- سياسة هذه الجريدة لا تعادي الإسلام فحسب، بل تعادي كافة الديانات، وعلى صفحاتها أهينت المسيحية وأهين رجالها، فقد سخرت من بابا الفاتيكان أيضًا، بشكل لا يقل عن سخريتها من الشخصيات الإسلامية، لكن للاسف فالتصرف الخاطىء غير المدروس والفردية وضبابية الهدف وعدم فهم الواقع وضعف الرؤية الإسلامية الشرعية قد تُحول هذه الجريدة إلى منبر دائم لمهاجمة الإسلام والمسلمين , بل قد تؤدي الى تعاطف إعلامي غربي تام مع الجريدة ضد الإسلام ودعاته.

- من ناحية أخرى , فحادثة القتل لم تحدث عقب نشر رسوم مسيئة للنبي- صلى الله عليه وسلم-، بل كانت هناك شبه هدنه من قبل الجريدة، فلم تنشر منذ زمن أية إساءات للنبي- صلى الله عليه وسلم-، وهو ما يضع أمام هذه الحادثة عدة علامات استفهام وتساؤلات لا إجابة لها , حتى إن بعض المراقبين تحدثوا عن تخطيط سياسي ومخابراتي دولي للحادثة مستدلين بأدلة مختلفة , والأمر معقود ببيان الأدلة على كل رأي يقال , وقد يقال ههنا إن مفتاح الحل هو البحث عن المنتفع من الحادثة , وليس هذا مقام الحديث في ذلك .

- عقب هذه الحادثة زاد التعاطف الغربي تجاه رسامي الجريدة المسيئة، وفي المقابل بدأت تتشكل صورة ذهنية مشوهة لدي الغربي عن الإسلام والمسلمين أسوأ مما كان في السابق.

- ادان العلماء الحادثة , ورفضوها , كما أدانوا بالطبع اي إيذاء يصدر من أفراد أو مؤسسات تجاه النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم , وطالبوا المجتمع المسلم وأفراده أن يكون السلوك الإسلامي منطلق من رؤية أهل العلم , لا من مجرد عاطفة مندفعة غير مستندة على رؤية علمية صحيحة .... تلكم كانت وقفات سريعة مع حادثة جريدة "شارلي إيبدو" المسيئة علها تكون سبيلاً لفهم القضية وأبعادها، فعلى القارئ تدبر تلك النقاط قبل تبني أية آراء عاطفية أو وجهات لا تلتفت إلى المآلات والتداعيات.

__________________________________________________ ____
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ