المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المستفيد الأكبر من هجوم باريس


عبدالناصر محمود
01-12-2015, 08:53 AM
المستفيد الأكبر من هجوم باريس*
ــــــــــــــــ

21 / 3 / 1436 هــ
12 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_9009.jpg

رغم الإدانة الواضحة لهجوم باريس من قبل جميع المسلمين في العالم، دولا وشعوبا ومؤسسات ومراكز إسلامية في أوروبا والعالم العربي والغربي، ورغم الرفض التام والاستنكار الواضح من قبل العلماء والحكماء والمفكرين الإسلاميين لكل ما يمت إلى العنف والقتل وإراقة الدماء بصلة كرد فعل غير شرعي ولا مدروس على إساءة صحيفة شارلي إيبدو للإسلام والمسلمين، إلا أن ذلك لا ينفي إعادة النظر في الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوث هذا الهجوم، ومن هو المستفيد الأول والأكبر منه.

إن تنامي خطاب الكراهية الذي ازداد بشكل كبير وملحوظ في الأونة الأخيرة في معظم الدول الغربية، والذي تدعمه على ما يبدو الأحزاب اليمينية المتشددة هناك، وبعض الحركات المناهضة للمسلمين كحركة "بيغيدا" الألمانية وغيرها، هو الذي يمهد الأجواء لنمو ظاهرة التشدد المقابل عند بعض المسلمين.

وإذا أضفنا إلى ما سبق الطعن المتكرر من قبل بعض الصحف الغربية – وعلى رأسها صحيفة "شارلي إيبدو الفرنسية" – لرموز ومقدسات المسلمين، من خلال الرسوم المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وللإسلام بشكل عام، باسم "حرية الصحافة والتعبير عن الرأي" المغلوط والخاطئ في الغرب، دون أن يوقفها أحد حفاظا على التعايش والسلم المجتمعي – على الأقل - بين جميع الأديان والمذاهب هناك، فإن اللوم لا ينبغي أن يقتصر على من نفذ الهجوم فحسب – وإن كان الهجوم مدان ومرفوض - بل إلى من تسبب بحدوثه بممارساته الخاطئة والمستفزة.

لم يكن هذا التحليل لأسباب حادثة باريس والمستفيد الأول منها من قبل بعض الصحف العربية أو الإسلامية حتى يُطعن بها أو يُقال أنها منحازة، بل هو تحليل لكبرى الصحف الغربية المشهود لها غربيا وعالميا بالحيادية والمهنية.

فها هي صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية تحمل صحيفة "شارلي إبدو" مسئولية الهجوم الأخير، حيث وصف الكاتب بالصحيفة "توني باربر"، الخط التحريري لمجلة "شارلي إبدو" بالسخيف وغير المسئول لأنها تعتبر نفسها قد انتصرت عبر استفزاز مشاعر المسلمين، بالرسوم الكاريكاتورية التي تتهكم على الدين الإسلامي.

وقال "باربر": إن "شارلي إبدو" لها سجل حافل بالسخرية وإغضاب المسلمين واستثارتهم، فقبل عامين نشرت كتابا من 65 صفحة يحتوي على رسوم كاريكاتيرية ساخرة عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مضيفا أن حرية التعبير لا ينبغي أن تمتد إلى رسم صورة ساخرة للدين.

كما أن صحيفة الجارديان البريطانية تدعو الى عدم إلقاء اللوم على مسلمي فرنسا، بسبب الهجوم الذي تعرضت اليه صحيفة "شارلي إيبدو الفرنسية" مشددة على أن المجرمين قد روعوا المسلمين في فرنسا، ولاسيما بعد أن وجدوا أنفسهم يواجهون رد فعل عنيف.

وعزت الصحيفة سبب الهجوم إلى رواسب تاريخية قبل نحو نصف قرن، وأنه لا يزال هناك شعور قوي بالإستياء بين المجتمعات المغتربة الإسلامية، الذين يشكون من أن التمييز ضدهم يمتد إلى كل ميادين الحياة، من السكن والعمل إلى حق التعبير الديني.

وأشارت الصحيفة إلى أن خطاب الكراهية ضد الدين الإسلامي ساد في فرنسا الحديثة ويتم التلاعب به لأغراض سياسية من قبل اليمينيين واليساريين.

كما نشرت الصحيفة صباح اليوم السبت تقريرا بعنوان " اليمين المتطرف يستخدم الهجمات لإشعال فتيل الروح المناهضة للإسلام،" أعدته كيت كونولي في برلين وأنجيليك كريسافيس في باريس وستيفانس كيركغاسنر في روما.

حيث أشار التقرير إلى استغلال منظمات يمينية متطرفة مثل منظمة "البديل من أجل ألمانيا"(أيه اف دي) وكذلك تجمعات حليقي الرؤوس ما حدث من أجل لفت انتباه الشعب الألماني إلى أنهم كانوا محقين في تحذيرهم من الخطر المستفحل للإسلام والمهاجرين المسلمين.

وكذلك الأمر في باريس حيث دعت زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليمين المتشدد ماري لوبان إلى الاستعداد للرد على الحرب التي بدأها الإسلاميون، بينما كرر الهولندي خيرت فيلدرز - الذي يخضع للمحاكمة بسبب تحريضه على الكراهية - تصريحه القائل بأن "أوروبا تخوض حربا"، ناهيك عن قول "وولتر وبومان" زعيم "حزب الشعب السويسري" : "إنه حان الوقت لمنع دخول بعض المهاجرين المسلمين"، ودعوة السياسي الإيطالي المعادي للهجرة والمسلمين "ماتيو سالفيني" لمنع بناء المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية.

كما أشارت الصحيفة إلى أن مساجد ألمانيا شهدت يوم الجمعة صلوات وخطبا للتنديد بالهجوم على المجلة الساخرة "شارلي إيبدو"، وأن جهود المسلمين تجري وسط أجواء يحاول فيها اليمين المتطرف في أوروبا استخدام هجوم يوم الأربعاء على "شارلي إيبدو" لإشعال الكراهية ضد المسلمين.

ولم يقتصر الأمر على الصحف البريطانية فحسب، بل تعداه إلى الصحف الأمريكية، فقد انضمت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى الرأي القائل : بأن المستفيد الأكبر من هجوم باريس هو اليمين المتطرف في الغرب عموما.

فهل سينظر الغرب إلى أسباب الحادثة الجوهري ألا وهو خطاب الكراهية للمسلمين المتنامي في الغرب منذ زمن ليعمل على معالجته؟! وهل سيلاحظ أن الأحزاب اليمينية المتشددة هي المستفيد الأكبر من أمثال هذه الحوادث فيحاول وقف تصعيد خطابها المعادي للإسلام والمسلمين؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ