المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب ؟


عبدالناصر محمود
01-13-2015, 09:25 AM
من المسئول عن الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب ؟*
ــــــــــــــــــــــــــــ

22 / 3 / 1436 هــ
13 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_9016.jpg

جاء التعامل الغربي مع حادث – شارلي ابيدو - الذي يراه الكثير من المراقبين تمثيلية مدبرة بإحكام وامتياز مثلها مثل الحادي عشر من سبتمبر لإلصاق التهمة بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ولاتخاذ السبل لمحاربتهم والتضييق عليهم ولاحتلال المزيد من بلادهم ولتكريس وجودهم في البلدان التي احتلوها باختلاف أسماء ومظاهر وأشكال الاحتلال، جاء هذا التعامل معه بطريقة سير الأحداث بعده كتأكيد على أن وراء الأكمة ما وراءها، وان عهدا جديدا من محاربة المسلمين قد بدا وعلى أن هناك مخططات وترتيبات ستعلن قريبا، وستوجه فيها كل السهام للإسلام وللمسلمين ربما بصورة جديدة مختلفة عن الصورة النمطية للتعامل مع المسلمين أو ربما بصورة أكثر حدة وشدة وتربصا.

ورغم أننا - وللأسف الشديد - لازلنا نسبح في بحار ردود الأفعال، ودائما ما ننتظر الفعل لنقرر كيفية الرد عليه، فوضعها كعرب وكمسلمين في خانات المفعول به دائما إلا إننا لابد وان نطرح على بساط البحث والتفكير العميق بعض الأسئلة على أنفسنا، ولابد وان نطرحها في مؤتمرات علمية جادة وقوية على العديد من المهتمين بالشأن الإسلامي من الأكاديميين المتخصصين في كافة المجالات، بل ويمكننا الاستفادة أيضا من كل الأطروحات التي تأتي من غير المسلمين أو حتى من الكارهين لكل ما هو إسلامي فتطرح كلماتهم على مائدة النقاش والدراسة للاستفادة من سمينها وتنحية غثها جانبا.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحا والذي يجب أن نتوقف أمامه كثيرا، والذي بني على قواعد ثابتة وفرضيات كاملة صحيحة وهو، من المسئول عن الصورة غير الصحيحة والبغيضة للمسلمين في الغرب ؟، وهل هذه الصورة الشديدة السلبية عن المسلم في الذهن الغربي عامة ناتجة عن تقصير شخصي من المسلمين أم عن عمل مدبر وبإحكام من غير المسلمين ؟ وبالتالي يكون السؤال الناتج عن هذه الدراسات والاطروحات؛ كيف يمكن البدء في محاولة تغيير الصورة النمطية عن المسلمين في أعين الغربيين عامة.

ويمكن باستقصاء مبدئي تحديد عدة مسببات لهذه الصورة النمطية السيئة للإسلام وللمسلمين في الغرب، وتحتاج بالطبع للتوسع في المناقشة والطرح والأخذ والرد، وما هي إلا محاولة لدراسة الأمر بصورة جادة وحقيقية، ومن هذه الأسباب:

- العداء العقائدي للإسلام في الغرب

فمنذ ان جاء الإسلام وهو يتعرض للتشويه عموما نتيجة عدم الرضا اليهودي والنصراني عنه ولا عن رسوله ولا عن منهجه، وقد قال ربنا سبحانه: " وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..."، فعداؤهم للإسلام ورغبتهم في تشويهه أزلي وابدي، وكما يقول الدكتور ناصر العمر :" ولعل تلك العداوة الدينية التي يكنها اليهود والنصارى للمسلمين من أهم العوامل التي تدفع لتشويه صورة الإسلام في الغرب، وإلاّ لو كان هناك عدل وإنصاف لم يؤاخذ الإسلام والمسلمين بأخطاء فردية وتجاوزات توجد في كل الأديان والشعوب مثلها بل أضعافها على مر التاريخ "[1].

- السياسات الاستعمارية القديمة المتجددة

الطمع الغربي في كل ممتلكات العرب والمسلمين طمع قديم متجدد، ودائما ما يحاولون وأد أي يقظة للمسلمين تدعوهم للمدافعة عن حقوقهم التي يغتصبها الغربي الذي يرى انه لابد وان يعامل على انه السيد الغربي القديم وان العرب والمسلمين ليسوا سوى خدم وعبيد له وان ممتلكاتهم مستباحة له على الدوام، وان الجريمة كل الجريمة في أن يدافع العربي والمسلم وخاصة في العالم الثالث عن أية ممتلكات له، ولهذا يشن الغرب حملة تشويهية تدعو لحصر العرب والمسلمين دائما في خانة الجاهل السفيه الذي رزق أموالا وثروات لا يقدر قيمتها، وبالتالي عاث فيها فسادا، ولهذا كما يكررون ينبغي على أهل العقل والحكمة - الغربيين بالقطع - سلبه هذه الأرزاق، لأنه لا يمكن أن يكون إلا مستهلكا لمنتجات الغرب لا مالكا ومُصنعا لجهله بقيمة كل شئ ولإفساده لكل شئ، ومن هنا لابد وان تظل صورة العربي والمسلم في الغرب هي نفس الصورة الدائمة حتى لا يخرج من بينهم منصفون يطالبون حكوماتهم بالابتعاد عن نهب هذه الشعوب.

- الحرب الإعلامية الغربية الممنهجة

كنتيجة لما سبق جاء السلاح الأقوى في هذه المعركة وهو السلاح الإعلامي الذي اتجه بقوة لتشويه المسلمين في بكافة أذرعه، فيقول الدكتور جاك شاهين أستاذ وسائل الاتصال الجماهيري - في لقاء له على قناة الجزيرة في برنامج " في العمق" - ، وهو صاحب كتاب "العرب الأشرار" وكتاب " كيف تشوه هوليود شعباً" وهما دراسة لأكثر من 1200 فيلم من إنتاج السينما الأمريكية "هوليود" فخلص بعدهما لنتيجة أن الصورة التي رسختها تلك الأفلام في الثقافة الأمريكية أن " العرب يساوون المسلمين يساوون الشر، وهم المعنى الدائم بكلمة "العدو أو الشخص الآخر " في الثقافة الأمريكية حاليا ".

ويؤكد ذلك لنفس البرنامج الباحث ماثيو داس وهو باحث في مركز التقدم الأمريكي، فيقول: "هناك مجموعات جوهرية وناشطون سياسيون وحتى وسائل إعلام تساهم في نشر رواية مفادها أن الإسلام عدوٍ وهو دين عنف، والأمريكي العادي يفتقر إلى المعرفة فمعظم الأمريكيين لم يلتقوا عرباً أو مسلمين، ومع غياب المعلومة الصحيحة يتلقفون ما يسمعونه في الإعلام "

- أخطاء المسلمين في الغرب وخلافاتهم الفكرية

من يمثل الإسلام الصحيح أمام الغرب، هل هم المسلمون الذين لا يؤدون الفرائض ويرتكبون معظم المحرمات من زنا وخمر وميسر ؟ أم هل هم أصحاب الأفكار الخاطئة عن الإسلام من يتبنون العنف والتشدد والغلظة والتنفير ؟ أم هم الشيعة بخرافاتهم وباطلهم والصوفية بموالدهم وبدعهم ؟ أم الفرق المنتسبة زورا للإسلام كالبهائية والقاديانية والاسماعيلية والبهرة وغيرهم من الفرق الضالة ؟ أم الفرق الأمريكية التي يجمع أصحابها كافة العقائد الباطلة وينسبون خرافاتهم وضلالاتهم إلى الإسلام ؟ أم القلة القليلة أصحاب الدين الصحيح على منهج أهل السنة والجماعة الذين لا يجدون الدعم الكافي من الحكومات والمؤسسات ؟

إن الميدان الأول لتصحيح الصورة الإسلامية هو تخليص صورة الإسلام والمسلمين من هذه النماذج المشوَّهة والمشوِّهة للإسلام والمسلمين، ويجب دعم الصورة الصحيحة للإسلام وتنقيتها من الشوائب العالقة بها.

- أخطاء المسلمين في الداخل ووجود بعض الأفكار الخارجة عن وسطية الإسلام.

لاشك أن الوضع الإسلامي في الغرب وصورة الإسلام فيه يعكس بالضرورة نفس الوضع داخل العالم الإسلامي، فالصورة التي يصر الغرب على طرحها من الداخل الإسلامي هي صورة الخلافات والتفجيرات والمناطحات الفكرية بين المسلمين فرقا وجماعات، فمن يرد أن ينقل غليان البراكين في الداخل بين المسلمين ويضخمها ويبرزها للغرب على أن الإسلام دين عنف وإرهاب، يمكنه أن يفعل ذلك، فأوضاعنا الإسلامية الداخلية يمكنها أن تؤدي هذا الدور بامتياز، ولهذا فنحن مسئولون بالأساس عن الصورة الإسلامية المشوهة في الغرب.

- العلمانيون العرب ودورهم في تكريس الصورة المشوهة للإسلام وللمسلمين

كما صدرهم الغرب وأراد لهم أن يكونوا معول هدم للإسلام من الداخل قاموا هم بالمهمة على الصورة التي يتمناها الغرب وأكثر، فصدرت كتاباتهم للعالم صورة ذهنية شديدة السوء عن الإسلام والمسلمين، وأثاروا بكتاباتهم الشعوب، وتعرضوا – بخطة موضوعة – لإثارة المشاعر الدينية، فتنوعت ردود الأفعال تجاههم حتى وصلت إلى تكفيرهم بكلماتهم، فتلقفهم الغرب وزاد في الصورة الذهنية لنشويه الإسلام، فكان دور العلمانيين مزدوجا، ومن هنا نرى احتفاء الغرب بالعلمانيين وبكتاباتهم الضحلة، فيمنحهم الأوسمة ويعطيهم الحصانات يمنحهم حق اللجوء والحماية إذا لزم الأمر.

- عدم وجود كيان حقيقي وقوي يرسم وينفذ ويتابع تنفيذ سياسة إسلامية طويلة النفس لتصحيح الصورة، والعشوائية التي يتناول بها المسلمون قضية تغيير الصورة الإسلامية

يجب أن نساءل أنفسنا وبصدق، هل هناك دولة تهتم بالإسلام خارج حدودها ؟ وهل تهتم بالمسلمين من جنسية غير جنسيتها ؟ ومن يهتم بتصحيح الفكرة الذهنية عن الإسلام والمسلمين ؟، فالدول التي ترعى الأديان كثيرة وتقدم دعمها بشكل مباشر ومعلن وقوي إلا الإسلام الصحيح، فلليهودية دولة ترعاها وللنصرانية دول وللبوذية دولة ولكل ملة ونحلة دولة ترعاها، حتى الشيعة ترعاها إيران في كل مكان على الأرض، فمن لأهل السنة ؟

وبالتالي، هل هناك خطط مدروسة طويلة الأجل قامت أو تقوم على تصحيح الصورة الذهنية السلبية ؟ وهل هناك ميزانيات تنفق عليها لتعينها على أداء مهمتها ؟

أسئلة كثيرة لابد وان نضعها نصب أعيننا إذا أردنا مناقشة هذه الأسباب انه بالفعل ليست هناك جهة رسمية أو حتى شبه رسمية تضع في أولوياتها هذا الاهتمام، ولا توجد أيضا ميزانيات مرصودة لهذا العمل الهام والكبير، فالوسائل متاحة ويمكنها أن تفعل بإمكانيات قليلة – مع وضع قيمة الإمكانيات الكبرى في مكانها الصحيح- لكن الأمر يحتاج إلى خطة مدروسة ومتقنة وتحتاج لجهود كبيرة بدلا من هذه العشوائية التي يعاني منها أهل الإسلام، وتحتاج إلى استمرارية فلا يمكن ان تمحى هذه الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين بفكرة الهبات التي تفور ثم تغور وخاصة بعد كل حادث إساءة للإسلام أو للمسلمين.

وهناك جهد يمكن أن يصب في نفس المصب ويمكن الاستفادة به وهو جهد المسلمين أنفسهم عبر شبكة الانترنت، فكل منهم يمكن أن يقوم بدور ايجابي لتصحيح الصورة عن الإسلام والمسلمين لمن يحادثهم أو يراسلهم أو يتعامل معهم وبكل اللغات الموجودة على الشبكة، وبالتالي لابد من مشروع ضخم تتبناه دولة أو هيئة كبرى للقيام بهذا الدور والدعوة إليه، وحينها ستحقق الكثير من النتائج الملموسة، فالغرب يرى بأذنيه، ولا يمكننا أن نلومه إذا كانت القضية رابحة ولكن محاميها فاشل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

[1] مقال : أسباب أدت لتشويه صورة الإسلام في الغرب، الدكتور ناصر بن سليمان العمر، موقع المسلم | 26/2/1427 هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ