المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مقامات النبوة


عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:08 AM
من مقامات النبوة (1)
---------------

**ـ بين يَـدي المقَـامَات ــ**
---------------------

(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


http://albayan.co.uk/photoGallary/Photo/Malffat/mkammat%20nobowa/n1.jpg


بين يَـدي المقَـامَات
لا يَزال المؤمن يجتَني أطَايب الحكَم، وجَوامع الكَلم، وكَرائم الأخْلاق، وفرَائد الآدَاب، كلمَا أعَاد النظَر في سِيرة الحبيْب صلى الله عليه وسلم وأمعَن القرَاءة فيها، فَهي بحَق مأدُبة فضَائل، ومَائدة شمَائل، ينهَل منها الكبَار، ويتَربى على مُثُلها الصِّغار، فليسَ لأحَدٍ الاستغنَاء عنهَا، عَالماً أو مُتعَلماً، صَغيراً أو كَبيراً، ذَكراً أو أُنثى، فَهي المعين الصَّافي، والسَّبيل الشَّافي، لكلِّ من أراد الأنسَ والسَّعادة والفَائدة . . .
لذَا فقَد عُني بها السَّلف والأئمَّة عنايةً شَديدة، فَهذا علي بن الحسَين -رحمَه الله- يقول " كنَّا نُعلَّم مغَازي النبي _عليه الصَّلاة والسَّلام_ كمَا نُعلَّم السُّورة من القُرآن " ويقُول إسماعيل بن محمَّد بن سَعد بن أبي وقَّاص " كان أبي يعَلمُنا مغَازي رسُول الله يعدُّها عَلينا، ويقول: هذه مآثر آبائكُم فلا تضيِّعوا ذكرَها ". ويقول الإمام ابن كَثير –رحمَه الله – :
" ولا يجمُل بأولي العِلم، إهمَال مَعرفة الأيام النبَويَّة، والتَّواريخ الإسْلامية" وبناءً على ذلك ورغبةً في الإسهَام في رشْفةٍ من رَحيق إمام هذه الأمة ونَبيهَا وقائدهَا، ذكَرت إشَاراتٍ وإلماحاتٍ، وإضَاءاتٍ وَوَمضَاتٍ، من عَبير تلك المقَامات، التي قامهَا - عليه الصَّلاة والسَّلام - ....
أسْأل الله أن ينفَع بها قارئهَا وكَاتبهَا . . . إنه جَوادٌ كريمٌ . . .
من مَقَامَاتِ النُّبُوَّة
لما أرَدت استِهْلال هذه المقَدمَة وكتَابتهَا، ووضَعت قَلمي على الورق، جَرى بسُرعةٍ ومضَى بخفَّة، يسَطر غَرامَه وأشوَاقه، وحُبه وموَدته، ولهفَتَه وحُرقَته وهو يلتَفت يَمنةً فيرى المحبِّين في لُهَاثهم، ويسْرة فإذا الغَارقون في شَهواتهم، وأمَامه فإذا اللاهُون في سُبَاتهم، فسَطر بمِداد الحُب حُروف الأشواق، وأخَذ يدبِّج العبَارات، ويصُوغ المقَامات، ويصْدح بهذه الكلمَات...
فمن شَاء فليَذكر جمَال بُثينَةٍ
ومن شَاء فليَغزل بحُب الرَّبائبِ
سَأذكُر حُبي للحَبيب محمَّدٍ
إذا وصَف العشَّاق حُب الحبَائبِ
ويبْدو محيَّاه لعَيني في الكَرى
لنفْسِي أفديْهِ إذاً والأقَاربِ
وتُدركُني في ذكرِه قَشعَريرةٌ
من الوَجد لا يحوِيه عِلم الأجَانبِ
إن لكِل رسَالة من الرسَالات وأمةٍ من الأمم أمجَاداً وحضَارات، ومزَايا ومآثر تتَشَرف بها وتتَبنى فضَائلها، وإن لهذه الأمَّـة مقَاماً خَاصاً، وشَرفاً رَفيعاً، ومنَاقب متَميزة؛ فلكُل فرد من أفرادها وسَام شَرف، وعلى جَبينه شَامة عِز، وفي طَريقه نُور يتلألأ ومِشعَل يُضئ، وآية تَهدي، وسُنةٌ تَشفي؛ ذاك أنها "تُوفِي وتُتِم سبَعين أمة يوم القيَامة، هي خيرها وأكرمُها على الله عز وجل" [1] .. بل جَعلها الله شَاهدةً وشهيدةً على الأمم قبلها، فعَلى كل مؤمن أن يسبِّح من أعمَاق قلبه، مغتبطاً مجتذلاً رافعاً أسمَى آيات الثنَاء والمدْح والتمجِيد، مبتهلاً إلى المالك الأحَد، قائلاً في صِدق وحب ووفَاء:
وممَّا زَادني شَرفاً وتيهَاً
وكدتُ بأخمُصِي أطَؤ الثُّريَّا
دخُولي تحْت قولك يا عبَادي
وأن صَيَّرت أحمَد لي نبيَّا
إذا أرَدت أن تجعَل يومَك عيداً، ولحظَاتك أنسَاً، وحَياتك سعادةً فلتكن مع محمد صلى الله عليه وسلم.
"عَزَفت الأقلام بسِيرته فكَانت أروَع ما كتبَت، وهتَفَت الشِّفَاه بصدقه فكانت أجمَل ما نطَقَت، وتنَاقل الأجيَال أخبَاره فكان أمتَع ما سمعَتْ؛ أُذن الخَير الذي استَقبل آخرَ رسَائل السَّماء لهدَاية الأرض، خير من مشَى على قدَم، وخَير من أُرسِل للأمَم، وخير من حَكم وعَدل، سبَّح الحصَى في يديه، وسَلم الحجَر عليه، وشَكا الجمَل إليه، وبكَى الجذع على فرَاقه، ونبع الماء بين أصَابعه، وشَهد الذئب لرسَالته، وكثُر الطعَام ببرَكته، وكلَّمَه ذرَاع الشَّاة، وظَلله الغَمَام، وحَدثه الطَّير" [2].
وله كمَال الدِّين أعلَى همَّةً
يعْلو ويسْمُو أن يقَاس بثَانِ
لما أضَاء على البَريَّة زانهَا
وعَلا بهَا في طاعة الرحمنِ
فَوجَدت كل الصَّيد في جَوف الفِرا
ولقِيتُ كُل النَّاس في إنسَانِ
مهمَا أوتي الأدَباء من أعنَّة الفَصَاحَة، وأزِمَّة البَلاغة، وجَوامع الكَلم، وبَديع النَّثر، وجَزيل الشِّعر، ورَوائع النَّظم، ومهمَا تبَارت القَرائح تشْدو أناشِيْد عَظمَته، فسَتَظل خَجْلى أمَام زكَاء سِيرته وصَفَاء سَريرته.
يَروحُ بأروَاحِ المحَامدِ حُسنهَا
فَيرْقى بهَا في سَاميَاتِ المفَاخِرِ
وإن فُضَّ في الأكْوان مِسْك ختَامهَا
تعَطرَ منهَا كُل نجْدٍ وغَائرِ
ما من نَبي من الأنبيَاء ولا مَبعُوث من الرُّسل إلا وأُيِّد بآية ثم ذَهبَت، ومعْجزَة ثم انصَرمت، وشَريعةٍ ثم نُسخَت؛ لكِن آيتَه ومعجِزته خَالدَةً تَالـدَةً باقيـةً ما بقي النيِّران، وما وجد في الأرضِ إنسَان.
جَاء النَّبيون بالآيات فانصَرمَت
وجِئتنَا بحَكيمٍ غَير مُنصَرمِ
آياتُه كلمَا طالَ المدَى جُددٌ
يزينهُن جَلالُ العِتق والقِدمِ
"جَاءت أخْلاقه بنَسَق متَكَافئ فَزهْده كَجُوده، وكرَمُه كصَبره، وشُكره كَحِلمِه، وهَكذا أرسَله الله- سُبحَانه وتَعَالى - ليصِيغَ منظُومَة الأخْلاق الأبَدية بأقْلام من نُور الهدَاية، ثم أسَّس أول مدرسَة لتَواضُع العظَمَاء، وقَف على جُثمَان كبريَاء النَّفس يوَدعه، وغَزَا الأفئِدة بتوَاضُعه، وأخَذ مكَانه بين البُسطاء والضُّعفَاء" [3].
كان يخصِف نعله، ويَحلب شَاتَه، ويكون في مهنَة أهْله، ويلبَس الصُّوف، ويركَب الحمَار بل ويُردف عليه..، ومع هذا فقد ميَّزه الله بكريم الخِلال وشَريف الخصَال، وشَرح صَدرَه، وأعْلى ذِكرَه.
وضَم الإله اسْم النَّبي إلى اسمِه
إذا قال في الخَمس المؤَذن أشهَدُ
وشَق له من اسمِه ليُجلَّهُ
فذو العَرش مَحمُودٌ وهذا محمَّدُ
جمَع في شَخصِه وبين جنبَيه أجَلَّ المقَامَات وأسمَى المرَاتب وأكمَل المنَاقِب، فإذا ذُكِرَ العُبَّاد وتهجُّدهم فهو إمامُهم، وإذا أشِير إلى العُلمَاء وفقههم فهو أستَاذُهم، وإذا امتُدح الشُّجعان وبسَالتهم فهو قَائدهم، وإذا تميَّز الدُّعاة بأسْلوبهم فهو قُدوتهم، فله في كُل منقُبةٍ أوفَر حَظ وأكمَل نَصيْب..
فلقَدسَرَت مسرَى النجُوم هُمومه
ومَضَت مُضي البَاترات عَزائمه
"ألقَى الله على كَلامه المحبَّة، وغَشَّاه بالقَبول، وجمَع له بين المهَابَة والحكمَة، فلم تَسقُط له كَلمة، ولا زَلت به قدَم، ولا بارَت له حُجة، ولم يقُم له خصْم، ولا أفحَمَه خَطيب، بل يبُذ الخُطب الطِّوال بالكَلام القصِير، ولا يلتَمس إسكَات الخَصْم إلا بما يعْرفه الخَصْم، ولا يحتَج إلا بالصِّدق، ثم لم يسمَع الناس بكَلامٍ قَط أعمّ نَفعاً، ولا أصْدق لفْظَاً، ولا أعدَل وزناً من كَلامه".
يا أيُّها الأُمي حَسبُك رُتبَةً
في العِلم أن دانَت لك العُلمَاء
وُلِدَ فلمَّا ظهَر للدُّنيا أضَاء الكَون، واستَبشر التَّاريخ، وسَعِدت البشَرية كُلها بمَولده، ورَأت أمه نُوراً خَرَج منها فأضَاء مَدَائن بُصْرى والشَّام، فللَّه ما أجمَل تلك اللحَظَات، وما أسعَد تلك البقعَة، وما أجَل ذلك اليَوم الذي ولدَ فيه.
يومٌ يتيه على الزَّمان صَبَاحُه
ومسَاؤه بمحمَّدٍ وضَّـاءُ
كانت لحَظَاتُ حيَاته وأيام ولادَته مِلأها البرَكَات والنفَحَات، فلم تَعرف البشَرية أكمَل خَلْقاً، ولا أنبَل خُلُقاً، ولا أكرَم نسَباً، ولا أشرَف حسَباً، ولا أعظَم برَكةً وصَفَاءً وطهراً وصِدقاً منه - عليه الصَّلاة والسَّلام- فقد كانَت سيرَته نبرَاسَاً وضَّاءً في طَريق كُل مؤمن، ونورَاً وهَّاجاً في درب كل مسْلم، فقَد نُقلت بأدق تفصِيل وأكمَل بيَان، وأوضَح حَال؛ كما قال أحَد النُّقاد الغَربيين:"إن محَمداً ( عليه الصَّلاة والسَّلام ) هو الوحيْد الذي ولد على ضَوء الشَّمس"؛ وقد شَهد بكمَال أخْلاقه وسُمو روحِه وصِدق لهجَته، القَريب والبَعيد، والموَالي والمعَادي، والموَافق والمخَالف، فدُونك صُورٌ من أقوال بعضِ المستَشرقين الذين ما ملكُوا أنفسَهم أمام تلك العظَمَة التي بهَرتهم إلا أن يسَطروهَا بأقلامهِم:
يقول أحَدهم وهو أديْب أيرلَنْدا (برنَارْدشُو):"ما أحوَجَنا اليوم إلى رجُل كمُحَمَّد يحُل مشَاكل العَالم وهو يحتَسي فنَجاناً من القَهوة".
ويقول السِّير مُوير:"لم يكُن الإصْلاح أعسَر ولا أبعَد منه منَالاً وقت ظهُور محمَّد، ولا نعْلم نجَاحاً وإصْلاحَاً تم كالذي تركَه عند وفَاته".
وقال ليونَارد: "إن كان رجُل على هذه الأرض قد عَرَف الله، وإن كان رجُل على هذه الأرض قد أخلَص له، وفَني في خدمَته بقصْدٍ شَريف، ودافع عَظيم فإن هذا الرجُل بلا ريْب هو محمَّد نبي العَرَب".
وفي دائرة المعَارف البريطَانية: "لقَد صَادف محمد النجَاح الذي لم ينل مثْله نبي ولا مصْلح ديني في زَمن من الأزمنَة".
وقال بوزَورث سميث:"إن محَمداً بلا نزَاع هو أعظَم المصْلحين".
فمحَمدٌ صلى الله عليه وسلم الذي هو في نظَر المسْلمين خَاتم الأنبياء والرُّسل ومعَلم الأبطَال، هو في نظَر المفَكرين من الملل الأخرَى، أكبَر المصْلحين على الإطلاق، فلا يحِق لنا أن نتحَدث عن سِيرة رجُل دون أن نشَرف حديثَنا به أولاً؛ فتَنَقل في بسَاتين هذا الكتاب لتَستَنْشِق من عَبيْر مقَامَاتِه، ولتَقطِف من زَهر أخْلاقه وحيَاته، ولتَتَذوق من مَعِين شمَائله وصفَاته
-صلى الله عليه وسلم- ؛ ولا يسَعني إلا أن أرَدد قَول مَن قَال:
ولئن مَدَحْت محمَّداً بمقَالتي
فلقَد مَدَحت مقَالتي بمحمَّدِ


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أحمد (33/219)، وقال ابن تيمية: حديث جيد. الجواب الصحيح (2/232).
[2] الزهاد مائة (ص7)، وانظر هذه المعجزات في كتابي: دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي.
[3] الزهاد مائة (ص14).
-------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:11 AM
من مقامات النبوة (2) مِيْلادُ الحَيَاة
ـــــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/812031433102656.jpg

مِيْلادُ الحَيَاة

مَضتْ الأَيام وانْصرَمت الأشهُر والَليالَي فأحَست آمنةُ بنت وهَب أنْ شَيئاً يتَحرك في دَاخلها وكأن مَولوداً يَعيش في أحشائِها، إلا أن آلام الحمل ومواجعَه لم يظهَر منها شيء، ولم يبد منها ما يدلُ على ذلك!!، ومع تَقدُم الشُهور ظَهر وكَبر الحمل في بطنِها حتى أتمْ التِسعة أشَهُر، وعِندها وضعت ذلك الطهر وتلك الشَمائل، بل وُلدت الحياة بأسرِها في أحضَان ذلك الطِفل الصَغير، الذي كانت الدُنيا تَنتظرهُ ليُغير مَسارها، ويُنير طَريقها، ويخرج مَن فيها مِن غَياهب الظُلمات إلى مَشاَعِل النُور والهِداية، كُل ذلك بإذن الحَكيم الخبير .
وعِندَما وضعَته وولدته رأت نوراً ساطعاً عظيماً ظَهر مِنها حَتى أنار قصور بُصرى والشَام، ولَقد كان لهذا الَنور فيما بعد حَقائِق سَطرها التَاريخ وشهدتْ عليها أطباق السماوات وبِقاع الأرضْ!!
دبّ هذا الطفل الصَغير على الأرضْ وجَعل يَبحث عن ثَدي يَلتقِمه كَغيره من الصِبية ليسكِن جُوعه ويُذهِب ظمأه .. ولكن تِلك الأُم التي يَملؤها الحَنان ويُحِيط بها البِشْر لم يكن فيها ما يسُد رَمق هذا الطِفل الصَغير، وفي هذه الأثَناء جَاء نِسوة من بني سَعد يلتمِسن الرُّضعاء يرضعنهم ومن بَينهن امرأةٌ تسمى حَليمة، فَلندَع القلم بيدِها لتُسطِر لنا حِكايتها وقصَتها مع ذلك الغُلام فتقول: خَرجت من بلدي مع زَوجي وابن لي صغير أرضِعُه مع نِسوة من بني سَعد نلتمس الرضعاء، وذلك في سَنةٍ شهباء لم تُبقِ لنا شيئا، فخرجت على أتان لي قَمراء، معنا شارفٌ لنا والله ما تَبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمعَ من صبينا الذي معنا من بُكائه من الجوع، ما في ثدييِ ما يُغنيه، وما في شَارفنا ما يُغذيه، ولكنا كنا نَرجو الغيَث والفَرج، فخرجت على أتاني وقد أدْمَت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قَدِمنا مكة فوالله ما علمتُ منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قِيل لها إنه يتَيم، وذلك أنا إنما كُنا نَرجو المَعروف من أبي الصبي، فكُنا نقول: يَتيم! وما عَسى أن تَصنع أمه وجَده! فَكُنا نكرهه لذلك.
فما بَقيت امرأةٌ كانت معي إلا أخَذت رضيعاً غيري، فلما أجمَعنا الانطِلاق قُلت لصَاحبي: والله إني لأكره أن أرجَع من بين صواحِبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهَبن إلى ذلك اليَتيم فآخذنّه! قال: لا عليك أن تَفعلي، عسى الله أن يَجعل لنا فيه بَركة!!
قالت: فذهَبت إليه فأخَذته، فو الله ما هو إلا أن جَعلته في حِجري فأقبل عليه ثَديي بما شَاء من اللبن، فشَرب وشَرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حَافل، فحلبَ وشَربنا حتى رَوينا، فبتنا شباعاً رواء وقد نام صِبيانُنا، قال أبوه: والله يا حَليمة ما أراك إلا قد أصَبت نسَمَةً مُباركة!! ثم خَرجنا، فوالله لقد خرجَت أتاني أمام الركب قد قَطعتهن حتى ما يتَعلق بها أحد، فقدِمنا مَنازلنا من حَاضرة بني سعد بن بكر، فقدمنا على أَجدب أرض الله، فوالذي نفسي بِيده إن كانوا لَيسرحون أغنامُهم ويَسرح راعي غنمي، فَتروح غنمي بطاناً لُبَّناً حُفَّلاً، وتَروح أغنامهم جياعاً، فيقولون لِرعاتهم: ويلكم ألا تَسرحون حيث يَسرح راعي حليمة؟! فَيسرحون في الشِّعب الذي يَسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لَبن، وتروح غنمي لُبَّناً حُفَّلاً.
وكان عليه الصلاة والسلام يَشِب في يومه شَباب الصبي في الشهر، ويَشب في الشهر شَباب الصبي في سنة، قالت: فقَدمنا على أمه فقلنا لها: ردي علينا ابنَنا فإنا نخَشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضَن شيء به مما رَأينا من بَركته، قالت: فَرجعنا به فَمكثْ عِندنا شَهرين، فبينا يَلعب وأخوه جَاءه رَجُلان فشَقا بطنه، فخَرجنا نشتْد فأتينَاه وهو قائم مُنتقِع اللون، فاعتَنقهُ أبوه وأنا، ثم قال: مَالك يا بُني؟ قال: أتاني رجُلان فأضجَعاني ثم شقَا بطني فو الله ما أدري ما صنعَا، فرجعنا به، قالت: فقال أبوه: يا حَليمة ما أرى هذا الغُلام إلا قد أُصيِب، فانطلقي فلنرُده إلى أهلِه!!، فرَجعنا به إليها فقالت: ما ردكما به؟ فقلت كَفلناه وأدينَا الحق ثم تخَوفنا عليه الأحدَاث، فقالت: والله ما ذاك بكما فأَخبِراني خَبركُما!!، فما زَالت بنا حتى أخبرناهَا، قالت: فَتخوفتم عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأناً! إني حَمَلت به فلم أحْمل حملاً قط كان أخَف مِنه ولا أعظَم بركة، ثم رأيت نوراً كأنه شهَاب خَرج مني حين وَضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى! ثم وضَعته فما وقع كما يَقعُ الصُبيان، وقع واضعاً يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السَماء!! اترُكاه والحقَا بشأنِكما.
بأبي هو وأمُي فلَقد كان حمَله خيراً ووِلادته نوراً، وصِباه بَركة، وشبابُه أَمانة وصِدقاً، ورِسالتهُ هُدىً ورَحمة، فما من لحظة مِن لحظات حَياته وسِني عمُره إلا وَهي النُّور والخيْر والبَركَة، ثم هو مع ذلك وهو في أحشاء أُمه يموت والده فَيخرُج إلى الحياة يَتيماً، ويَرضع اليتم منذ الولادة، ثم لم يُكمل السَادسة حتى فَقد أمه، ثم يَتبع ذلك جده في الثَامنة، لَكن رعاية الله ولطفه به كانت أعظَم من عِناية ورِعاية الأُم والأب والجد!!
يا يَتيمَاً واليُتْم ضَعْفٌ وعَجْزٌ
كَيفَ ذلّت لضَعفِك الأقويَاء
إن اليُتم ليس صِفة نَقص إذا كان الرجل عَظيماً، وليس جَانب ضَعف إذا كانت النَفس سامِقة تواقة، وليس إشارة عجز إذا كانت عِناية الله قد لَفته واحتَضنته ونَسجت عليه خِيوطها، فقد كان كَثير من الأنْبياء أيتام، وكذلك الكثير من الأئِمة والأعلام، كأمثال الشَافعي ومَالك وأحمد؛ فهذا اليُتم لم يَكُن حائِلاً بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين تَطلعَاته وهِمتِه، فها هو ابن الثَمان سنين يأتي إلى جده عبد المطلب في الحِجر وهو جَالس على مِفرش لا يجَلس عليه غَيره ولا يجَرؤ أحد على ذلك! فيَجلس على ذلك المِفرش فينتهره أعَمامه ليقيموه منه فيأتي فيقول جَده: دعوه فوالله ليكونن لابني هَذا شأناً!
وفي أحَد الأيَام وعندما كَان في صِباه في الرابعة من عُمره أَصاب قُريشاً جدبٌ وقحطٌ حتى هَزلت مواشيهم وسَغبت بطونهم، فخَرجوا يستَسقون فقال بعضهم: اِعتَمدوا اللات والعزى!، وقال آخرون: اعتمدوا لمناة الثَالثة الأُخرى!، فبينا هُم كذلك إذ أقبَل أبو طالب معه ابن أخيه ذاك الصبي فالتَزم به الكعبة، وألصَق ظَهره بها، ثم أخَذ بأصبعه فأشار به إلى السماء وما فيها قَزعة، فأقَبل السَحاب من ها هُنا وهاهُنا وأغدق واغدودَق، وانفجَر له الوادي، وأخصَب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيضُ يُستَسقَى الغَمَام بوَجهه
ثُمال اليتَامى عِصمةٌ للأرَامِلِ
يلوذُُ به الهُلاَّك من آل هَاشِمٍ
فهم عندَه في نِعمةٍ وفضَائلِ
ولما نَاهز الحلم وبَلغ ثنتي عَشرة سنة خرَج مع عمِّه أبي طالب في تجِارة إلى الشَام، فلما بلغ بُصرى ونَزلوا بها، وكان فيها رَاهب من أَعلم النصارى في صَومعة له يُقال له "بُحيرا"، فصَنع بحيرا لهم طعاماً ودَعاهم ولم يكن من عَادته ذلك، فقال له أحدُهم في تَعجُب! يا بحيرا ما كُنت تَصنع هذا فما شأنك؟ فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لأجل هذا سيدِ العَالمين ورسولُ ربِ العالمين! فقالوا له: وما عِلمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أقبلتم من العَقبة لم يبقَ شجرة ولا حَجر إلا خَر ساجداً، ولا يسَجدون إلا لنبي، وإنا نجَده في كتبنا؛ وسأل أبا طالب فرَده خوفاً عليه من اليهود؛ فتأمل خَطرهم على الإسلاَم حتى قبل قيَامه وقَبل الرسالة.
ثم شبَّ وكَبر وتَزوج بخديجة، وكان لا يأتي ما يأتيه قَومه من الأصنام وعِبادتها والخمر وشُربها، ثم حَصل شيء غريب وحَادث عجيب وهو!!

-------------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:14 AM
من مقامات النبوة (3) مَقَامُ الرِّسَالَة
ــــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/819031433114412.jpg


مَقَامُ الرِّسَالَة
----------

في إِحدَى ليالي الصَيف القائظة شديدة الحَر حيثُ كانت تُسيطَر على فجاج مَكة وسُهولهَا رَمضاء شديدة التوهج والحَرارة، وكان رجال مكة في هذه اللحظَات كلٌّ مُنهمِك في عَمله وشُغلِه، وأما النِساء في تلك القَرية الصَغيرة المحُاطة بالجِبال والتِلال والحِجارة فَبعضهن يخَبزن ويعجِن، والبعض قد أشغَلت يديها في الخِياطة وغَزل الصوف، ومنهن من هي في صراخ وضَجيج مع صِبيانهَا وأطفالهَا، كان ذلك اليوم كما سبقه من الأيَام معتاداً على نمط المعيَشة المعَروفة، ونهْج الحيَاة السَابق، بالنسبة لأهَل مكة ورجالها فلا جَديد ولا غَريب في هذه الأَثناء!! ولكن البَشرية كُلها، والتَاريخ بأكملِه، والكَون بأَسرِه يتطلع إلى ذلك الجَبل الشَاهق الطَويل، الذي سَينعقد فيه ويحَدث عِنده أعَظم لِقاء وأجَل حَدث مَر على الحياة الدنيا بأطوارها، أتدريْ من المؤسس لهذا اللِقاء؟ وهل تَعرف تلك الشخصيات التي ستَلتقي فيه؟ وهل تَعلم شئياً عن المادة والسبَب الذي عُقِد من أجْله؟ إنها أسئلةٌ كَثيرة تتهَافت إلى الذِهن، وتتَسابق إلى الفؤاد لتبَحث لها عن إجابة في واقع الحِس المُشاهد!!
لقد كان المؤسس لهذا اللِقاء والآمر به في ذلك الزمان وفي تلك البُقعة من المكان هو " الله " خَالق الأكوان ومُصرِف الشَهور والأَعوام، وأما شَخصيات اللِقاء فهي بين أَزكى وأشرف رَجل من البشر، وأكرم وأجل مخلوق من الملائكة!! إنه بين روح القُدس جِبريل الوسِيط بين الله ورسله وأَعظم الملائكة خَلقَاً وأقربهم من الله، وبين محمد بن عبدالله سيد الثقلين وخَير المرسلين وخاتمهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم مُتحنثاً في غَار حِراء في جَبل النور المجاور لمِكة فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له: اقرأ . فقال: ما أنا بقارئ! فأخَذه فَغطه وضَمه ضَمة شديدة ثم قال: اقرأ ثلاثاً .. ثم قال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [1] فعندَ ذلك خَرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسرعاً إلى بيته يَرجف فؤاده، فلقي زوجهُ خديجة فحاورته ثم انطلَقت به لورقة بن نوفل ابن عَمها فكلمته في ما حَدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شَيخاً كبيراً قد كتب الإنجيل وعرفه، فأخبرها أن هذا هو النَاموس الذي أُنزل على موسى، وأعلمه أن ذلك علماً على نُبوته، وجلّى له ما يحَصل لأهل هذه المَقامات من البلاء، وأنهم يُضطَهدون ويخُرجون من دِيارهم، وتحُارب هذه الدَعوة وهذه القيم التي يحَملون، ثم تمثل وَرقة بعد ذلك بأبيات يخُاطب بها خديجة فيقول:
إن يكُ حَقاً يا خَديجة فاعلَمي
حَديثَك إيانَا فأحمَد مُرسَلُ
وجبريل يأتيه ومِيكَال معهُمَا
من الله وحْي يَشرحُ الصَّدر مُنزلُ
يَفوز بها من فَاز فيهَا بتوبةٍ
ويَشقَى به العَاني الغَوي المظَللُ
فسُبحان من تهوي الرِّياح بأمرِه
ومن هو في الأيَّام ما شَاء يفعَلُ
ومن عَرشُه فوق السَّماوات كلهَا
وأقضَاؤه في خَلقِه لا تُبدَّلُ
وذَهبت الأيام بعد ذلك اللقاء، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في غَار حراء قد تحَنث فيه شهراً، فلما قَضى تعبُده ونَزل من الغار واستَبطن الوادي ونَزل فيه سمِع صوتاً يُناديه، فالتفت يمنةً ويسرةً فلم يَر شيئاً!! ثم نَظر أمَامه وخلفه فلم يرَ شيئاً!! ثم رفعَ رأَسه إلى السماء فإذا جبريل على عَرش في الهواء، بين الأرض والسماء، فَخاف ورُعب من ذلك الموقف وهَلع من ذلك الجسم العظيم فأتى تَرجِفُ بوادِرهُ إلى بيته فدَخل على زوجه وهو يقول: دَثِّروني دَثِّروني!! فغَطوه بِلحَاف وصَبوا عليه ماءً، [2] وفي تلك اللحظة في ذلك الخوف نزل الوَحي السَماوي، والأمر الرباني من الله – عز وجل – بتبَليغ الرِسالة وتحَمُّل أعبَاء الدعوة:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4} "إنه النِداء العلوي الجَليل، للأمر العظيم الثَقيل، نذارة هذه البَشرية وإيقَاظها، وتخَليِصها من الشَر في الدُنيا، ومن النَار في الآخرة، وتوجيههَا إلى الخَلاص قبل فوات الأوان.
إنه واجبٌ ثقيلٌ شاقٌ، حين يُناط بفردٍ من البشر، مهما يكن نبياً ورسولاً، فالبشرية من التَمرد والعصيان والضَلال والعتو والعِناد من هذا الأمر ما يجَعل من الدَعوة أصعب وأثقل ما يُكلّفَهُ إنسانٌ من المهامِ في هذا الوجود، لاسيمَا وأنها مهمَّةٌ تمتَد إلى قيَام السَّاعة، وتتكَفل بعلاج مشَاكل البشَرية كُلهَا في كل زمَان ومكَان إلى حين زوال الدُّنيا وفنَاء البشَرية.
ربـَّاه أي مقَامٍ هذا؟!! من يُطيـقه؟!ومن يَقدر عَليـه؟!
ولكن: " الله أعْـلم حَيث يجْـعَل رسَالتَـه "
إن كلَّ أحدٍ، وكل شيءٍ، وكل قيمةٍ، وكل حقيقةٍ صغيرٌ!! والله وحده هو الكبير.
وتتوارَى الأجَرام والأحجَام، والقُوى والقيم، والأحدَاث والأحَوال، والمعَاني والأشكَال، وتنَمحي وتَزول في ظِلالِ الجلالِ والكمالِ لله الواحد الكبير المتعال.
إنّ هذه الآيات توجيهٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ليوَاجه نذارة البَشرية، ومتاعبها وأهوالها وأثقَالها، بهذا التَصور، وبهذا الشعور فيستَصغر كلَّ كَيد، وكل قوة، وكُل عَقبة، وهو يستَشعر أن ربه هو الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة" [3].
لقد قام صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر خيرَ قيام، فبدأ بِزوجه فكانت أول من آمن به وصدّق، وفي هذا بيان تأثير المرأة في الإسلام، وذلك أن أول من صدق بالرسالة، وتابع وواسى الرسول صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها.
ثم عَرض ذلك على أبي بكر فما تَردد ولا تَلكأ، بل سُرعان ما آمن وصدّق وآزر النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه يَدعو إلى الله، فما ذَهب على إسلامه بِضعة أيام حتى أسَلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة، ثم أسلَم علي وزيد وبلال، ثم أتى الأمر الإلهي {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فقَام – صَلوات الله وسَلامه عَليه – على الصَفا وهتَف بأعلى صوته ليوصِل دعوة الله ورسَالته إلى كُل إنسان، يا صَباحاه!! يا صَباحاه!! فتَجمعت حوله قَبائل قريش ورِجالها ونِساؤها، فجعل يناديهم قبيلةً قبيلة، حتى وَصل إلى قبيَلته فجعل يُنادي بأسماء أعمَامه ليرى الناس أنه لا محاباة في دين الله فيقول: يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، بل هتف باسم ابنته ومهجة فؤاده فقال: يا فاطمة بنت محمد أنَقذي نفَسك من النار لا أُغني عنك من الله شيئا، [4] وفي هذه الأثنَاء وفي أول مَقام يَقومه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أول خِطاب يُعلنه على الملأ، وهو يَقوم أمام البَشرية كُلها وهي تتخبط في ظُلمات الشِرك والأصنَام والعِصيان، ليدعُوها إلى تَوحيد العبادة لله، وأنه لاَ معبود ولا مألوه ولا مُطاع بحقٍّ إلا الله!! في هذه اللَحظات الحَرجة التي ينَتظر فيها رسَول الله ردّ الجماهير التي تِقف أمامه وتسَمع كَلامه، يقَوم عَمه وأَقرب النَاس إليه، الذي كَان من فرَحه بولاَدته أن أعَتق أمته عندما بَشرته بمولده، فماذا تَظن موقفه في هذه اللحظات وأمام هذه الكَلمات؟!! هل تظن أنه مؤيدٌ لذلك؟ أم مُصدق ومُناصر لهذه الدعوة الجديدة؟! لقد قام وهو ينفض الترَاب من يديه ويقول: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا!! فكَان لمقَام عَمه صَدمة مُفاجئة! ولكنّ عُمق الإيمان، ورسُوخ المبدأ، وصِدق الهَم الذي كان يحَمله جعَلته لا يعبؤ بمثل هذه المواقف التي تعترضه وتقف له في طريقه.
ولك أن تتَأمل وتتَفكر في حَاله بهذا المَقام الذي قَامه على الصَفا، وما حَدث له، وكيف أنه قَام وحيداً بلا أتباعٍ ولا أنصارٍ ولا أعوانٍ، وبحالِه بعد ثلاثٍ وعشرين سنة حِينما قَام في نفس ذلك الموطن وفي ذات البُقعة ولكنه هذه المَرة أمام ناظِرَيْه وبين يَديه مائة ألف رَجل كُلهم يلهجون بالتَلبية والوحدَانية لله!! وكل فَرد منهم يستنُّ بفعله ويأتم بتصرفاته!! فكيف تحَقق ذلك؟! وكيف وَصل إلى هذه الحال؟! وماذا كان بين هذا المَقام وذاك المَقام من الأحدَاث الجِسام والمَقامات العِظام!! هذا ما سَنُترجم بعضه في هذه الصَفحات التي صورت شيئاً من مقاماته، وبَذله، وتَضحِيته، وتَعبُده، ودَعوته، وشفَاعته، ورَحمَته، وتَربيَته، وشَجاعَته، وعنَاية الله به...!!

-------------------------------------

[1] أخرجه البخاري (6581) مسلم (160).
[2] أخرجه البخاري (464) مسلم (2570).
[3] في ظلال القرآن (6 / 3754).
[4] أخرجه البخاري (3335) مسلم (348).

------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:17 AM
من مقامات النبوة (4) مَضَى عَهْدُ النَّوم
ــــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/826031433073348.jpg

مَضَى عَهْدُ النَّوم !
مع أول ندَاءٍ علويٍ رَبَّاني {قم فأنذر}، قام -عليه الصلاة والسلام- فلم يعرفِ الرَّاحة ولم تعرفه، وحمل هم إبلاغ الأمانة التي تعجز عن حملها الجبال الرواسي، فبدأ بأقاربه ومن حوله، ووطن نفسه على تحمل الأذى، واحتمَال المكاره، "إنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يُنشئ من الأمة المُشركة المُتفرقة الجاهلة أمةً واحدةً مؤمنةً عالمةً، فليَصنع كما يصنع البناء: يَضع الحَجر على الحَجر فيكون جِداراً، وكذلك فعل محمد صلى الله عليه وسلم: بنى أُمّةً صغيرة من ثلاثة، من رَجل وامرأة وصبي، من أبي بكر وخديجة وعلي، فكانت نَواة هذه الأمة الضخمة التي ملأت -بعدُ- الأرضَ، وكان أسلوباً يخَلق احتَذاؤه بكل مصلح.
ثم صَار المُسلمون عشرة، ثم تمَوا أربعين، فَخرجوا يُعلِنون الإسلام بمُظاهرة لم تكن عَظيمة بِعددها، ولا بأعلامِها وهِتافها، ولكنها عظيمة بِغايتها ومعنَاها، عَظيمة بأثرِها، عَظيمة بمن مَشى فيها، محمد وأبو بكر وعمر وعلي وحمزة، أربعون لولا كرم الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم لعَاشوا ولمَاتوا منُكرين مجهُولين، فلما لاَمسوه وأخذوا من نُورِه، وسَرت فيهم روح من عَظمتِه صاروا من أعلام البَشر، وأصبحت أسماؤهم مَناراً للسَالكين.
فلما كانوا ثلاثمائة خاضوا المعركة الأولى في الدِفاع عن الحَق، مَعركة بَدر. فلما بَلغوا عَشرة آلاف فَتحوا مَكة وطهّروا الجزيرة العربية.
فلما بَلغوا مائة ألف فَتحوا الأرض!
نعم! فَتحوها، وفَتحوا معها القُلوب بالعَدل، والعُقول بالعِلم، فما عَرفت هذه الدُنيا أنبَل ولا أكرَم، ولا أرأف ولا أرحَم، ولا أرقَى ولا أعلَم، ولا أجَل ولا أعظَم منهم" [1].
لقد قاَمت جاهلية قُريش أمامه وواجَهوه بالسُخرية والأذى، ووقفوا حَجر عَثرة في طرَيق دعوتِه، وحَذروا الناس مِنه، ووصفوه بأبشَع الأوصاف والألقَاب، حتى كان الرجُل إذا أرادَ الحَج حذَّره قومُه من فتى قُريش أن يسحَره ويغَير قلبه، فهَذا الطُّفيل بن عَمْرو كان من سَادات دَوس وعقَلائهم يقول: لما قَدمت مَكة تلقَّاني رجال قُريش وحَذروني من محمد! وقالوا: إن له قَولاً يسحَر به الناس، حتى يفَرق بين الرجُل وولده والمرْأة وزوجهَا، فما زالوا بي يحذرونَني حتى وضَعت في أذُني الكُرسُف - وهو القُطن - لئَلا أسمَع كلامه فيسْحَرني!.
وهذا أبو لهَب يتبَعه ويلحَقه وهو يدعُوا إلى الله - عَزَّ وجَل - ويعْرض نفسَه في الموَاسم وفي أسوَاق مِجنة وعُكاظ وذي المجَاز فيحثو عليه الترَاب ويقول: يا أيها الناس إن هذا قد غَوى فلا يُغوينكم عن آلهة آبائكُم.
وكَانت أم جميْل بنت حَرب بن أمَية تحمِل الشَّوك في طريقه، حتى إذا خَرج تَعثر به وهي حَمالة الحطَب.
وكان أمية بن خلف يلمزه ويهمزه وهو " الهُمزة اللُّمزة "، وبلغ الأمر أن جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فألقاه فوقه وهو ساجد.
وكان النضر بن الحَارث كلمَا قام من محله قعَد مكانه وحَدثهم من حديث مُلوك فارس وقال: حديثي والله أحسَن من حديث محَمد.
ولما نزلَت عليه {لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جَهل ضاحكَاً ساخرَاً: يا معشر قريش، زبانية جهَنم التي يخوفكم بها محَمد تسعَة عشر فهل يعجز كل مائة منكم عن رجُل منهم!!!
فلم تؤثر هذه الأهوَال كلها في عزيمته، ولم تنقص من إيمانه بدعوته، والصدع بها والثبَات عليها، فلما يئسوا من رده عن تبليغ هذه الرسالة عن طريق الأذَى والسخْرية والتهكم والاستهتَار، لجؤوا إلى الوسيلة المقابلَة لثنيه وصده عن دعوته، وهي التي قل أن يثبت أمامها ويصمُد تجاهها أحد، وهي وسيلة الإغراء!! وشراء تلك المبادئ بحطَام دنيء من الدنيا، فأرسلوا له عتبة بن ربيعة وهو جَالس عند الكعبة ليفَاوضه، فلما جلس إليه قال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من البسطَة في العشيرة، والمكان في النسَب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جمَاعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتَهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمَع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبَل بعضَها. فقال صلى الله عليه وسلم: " قل يا أبا الوليْد "، فقال عتبة: إن كنت إنما تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من أموَالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سَودناك علينا، حتى لا نقطَع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجُل حتى يداوى منه!! ... "عجَباً لقريش! يدعوهم محمد صلى الله عليه وسلم ليعطيهم سيادة الأرض وزعَامة الدنيا، ويضَع في أيديهم مفاتيح الكنوز، كُنوز المال وكُنوز العلم، ويمنحهم ما يملك كسرى وقيصر، وهم يدعونه ليعطُوه إمارة هذه القَرية النائمة بين جبَلين وراء رمال الصحرَاء؟!" [2].. فلما فرغ عتبة قال له صلى الله عليه وسلم: أفرَغْت يا أبا الوَليْد؟ فقال نعم . فقال: اسمع، ثم قرأ عليه سورة فصِّلت فقام وقد أيس منه!
ولم تنته هذه المحاولات والإغرَاءات والتهديد، بل جاؤوا إلى عمه أبي طالب، وقالوا له: إن ابن أخيك سفّهَ أحلامنا، وذم آلهتنا، وعاب ديننا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخَلي بيننا وبينه؟ فدعَاه أبو طَالب، وأخبَره بما قاله سادة قريش ثم قال له: فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق، فظن صلى الله عليه وسلم أنه خَاذله ومُسلِمُه، ولكن هذا لم يجعله يتردد في الإجابة أو يتلكأ في الرد، وإنما قال في الحال: "والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار" فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا راشدين.
فلما رأى صناديد قرَيش مناصَرة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم تسليمه لهم، اجتمعوا واتفقوا على أن يقاطعوا بني هاشم، فلا ينَاكحوهم، ولا يبايعوهم، وحصَروهم في الشعب، فجَلسوا فيه ثلاث سنوات حتى أكلوا فيها ورق الشجر، وكان الصبيَان يتضَاغون في الليل من الجوع ما يجد أحدهم ما يأكل، فلما مضَت السنون الثلاث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبو طالب فقال: إن الله قد بعَث الأرضَة على الصحيفة التي تعاقدوا فيها فأكَلَت كل ما فيهَا من شركٍ وظلمٍ وأبقَت ما فيها من اسمٍ لله، فانطَلق أبو طالب بعصَابة من بني عبد المطلب إلى المسجِد وهو حَافل من رجَال قريش، فقال لهم: إن ابن أخي أخبرني أن الأرضَة أكلت كل اسم لله في الصحيفة وبقي فيها غدركم وقطيعتكم، والثَّواقب ما كذبني! فإن كان ما قال صحيحَاً فو الله لا نسلمه أبداً حتى نُقتل عن آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فصَنعتم فيه ما بدا لكم، فرضوا بذلك؛ فلما فتحوا الصحيفَة وجدوها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فرفعوا الحصر ومزقوا الصحيفَة.
ثم تتابعت الأحزَان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاك العام الذي أطلق عليه عام الحزن، فتوفي فيه أبو طالب عضُده وساعده وأعظَم الناس مناصرة له، ثم بعده بثلاثة أيام لحقته أول مؤمنة ومصدقة ومتبعة للرسالة، فتوفيت خديجة -رضي الله عنها- فاغتنم ذلك كُفار قريش فصَبوا جام غضبهم من السخرية والأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، حتى كانوا يخرجون ببلال - رضي الله عنه - إلى رمضَاء مكة في شدة وهَج الظهيرة في حمأة القَيض فيجردونه من ثيابه ويضعون ظَهره على الأرض ويضعون صخرة على صَدره وهو يهتف ويقول:" أحَدٌ أحَد .. والله لو أعلم كلمة تغيظهم غير هذه الكَلمة لقلتها"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بسُمية وزوجها ياسِر وابنهما عَمار وهم يعذبون فلا يستطيع أن يقدم لهم إلا قول: صَبراً آل ياسر فإن موعدَكم الجنة! [3]فلما أيس أبو جَهل من ردهم عن دينهم أخذ الحربة فطَعن بها سمية في فرجهَا فماتت، فحَازت على وسَام " أول شَهيدَة في الإسْلام "، وكل ذلك بمرأى زوجها، ولم يهُد شيئاً من ثباته وإيمانه، ولم ينقِص ذرةً من إرادَته وعزيمته.
وفي يوم اجتمَع فيه كفار قريش فذكَروا ما أصابهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه لآلهتهم وسَب دينهم، فقام أبو جَهل زعيم القَوم فأعلن أمام الملأ: أنه قاتل محمداً إن صلى ثانية بجوار الكَعبة!، فلما كان الغَد اجتمعت قريش في مجالسهَا ونواديهَا وكان يوماً مشهُوداً وهم ينتظرون تلك اللحَظات الحاسمَة في هذه القضية التي طالما أرقتهم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ثم توجه للحِجر فاستلمه، ثم أقبل يصَلي فلما سجَد أقبل أبو جهل بصَخرة عظيمَة في يده فاشرَأَبت أعناق القوم وخَيم الصمْت وأطبق على الجميع، وحَانت ساعة الصفر، وأصَاخ الكون، وانتَظر التاريخ نهاية تلك اللحظَة ليسَطرها في سجِل أوراقه، فلما وقف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صخرته ورفعها وأراد قذفهَا انتفَض منتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجَر من يده، فقام إليه كفار قريش يقولون: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه فلما دنوت لأقتله عرَض لي دونه فَحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هَامته ولا أنيابه لفَحل قط، فهم بي أن يأكلني!! فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك جبريل لو دَنا لأخَذه!.
ثم تتابع مشْوار الأذى والسُّخرية حتى مشى أُبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد أرْفت، فقال يا محمد أتزعُم أن الله يبعث هذا بعد ما أرِم؟ ثم فته في يده ثم نفخَه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا ثم يدخلك النار!، فأنزل الله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }، وكان أبي بن خَلف هذا صَاحباً وصديقاً حميماً لعقبة بن أبي مُعيط، وكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه فعَلم بذلك أُبي فقال له: وجهي من وجهك حَرام إن أنت جالسْت محمداً أو سمعت منه، أولم تأته فتَتفل في وجهه . فَفَعل ذلك عدو الله عقبة فأنزل الله فيهما {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا}
"ولما انتَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصَاولة أهل مكة ودعوتهم، فلم يستجيبوا وآذوه أشد الإيذاء، وحارَبوه، وبلغ الأذى غَايته، وقد أوصَدوا أبواب الهداية عن نفوسهم في طَريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حَريص عليهم، وعلى نجاتهم وفَوزهم، فلا القَريب يرحَم، ولا البَعيد يستَجيب، ولا صاحب الرأي يحمله رأيه ليفاوض هذا النبي الأمي . فماذا يفعَل؟! وهو لا يعرف اليأس والإحبَاط، وهذا شأن الداعيَة الناجح، كلما أغلق باب يلج في باب آخر، وإذا لم يستجب له شخص بحَث عن غيره، وإن أعرضَت عنه قبيلة توجه إلى أخرى، وإن طُرد من قرية انتقل إلى ثانية، فلا يضعف أو يتخَاذل بل يستمر ويواصِل، ولما لم تستجب مكة لهذا النور، ولم تقبل هذه الهداية، ورَدت أمر الله ونداءه، انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، حيث إنها أقرب القُرى إلى مكة"!
يا طَريدَاً مَلأ الدُّنيا اسمُه
وغدَى لحْناً على كُل الشِّفَاه
وغَدَت سِيرته أنشُودةً
يتَلقَّاهَا رُواة عَن رُواة
ليتَ شعْري هل درَى من طَارَدوا
عَابدوا اللاتِ وأتبَاع مَنَاة
ليتَ شعْري هل درَى من طَارَدوا
عَابدوا اللاتِ وأتبَاع مَنَاة
هل درَت من طَارَدتْه أمَّة
هُبلٌ معبودهَا شَاهَت وشَاه
طَاردت في الغَار من بوأهَا
سُؤدَدَاً لا يبلُغُ النَّجم مَدَاه
طَاردَت في البِيد من شَاد لهَا
دينُه جَاهاً أي جَاه
سُؤدد عَالي الذُّرى ما شَاده
قيصَرٌ يوماً ولا كِسْرى بَنَاه
"ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً بلا خدم، ولا حشَم، ولا قافلَة، ولا مرَاكب، ولا موَاكب، ولا رفاق، إلا الواحِد الأحَد، ذهب يمشي على قدميه الشريفتين، وهذا والله غاية الجهَاد، وغاية البذل، والتضحيَة والعطاء للدعوة والمبدأ الحق، ولكنه في نهاية المرحلة وآخر المطَاف، نصره ربه وآزره وأيده، وانتَشَر نوره وهداه في العالمين، ومن حكمة الله - جَل وعَلا - أنه لم يُنزل معه جنوداً من السماء، ولا جَيشاً عرَمرَماً يحميه، ليلقى الأذى بشخصه الكريم، وليكون قُدوةً لكل داعية، وإمَاماً لكل مجاهد، ومثالاً لكل عَالم، فيدعو ويصبر، ويتحَمل ويواصل" [4] ويعطي في سبيل الله وطاعته ومرضَاته ورضوَانه ..
فلما وصَل إلى الطائف، ودخل على سَادة ثقيف لينير قلوبهم بعد ظلامها، وليحيي أرواحهم بعدَ موتها، وليُسلِمَهم سعَادة الدنيا والآخرَة، فما حُيي بحفاوة، ولا قُوبِل بتكريم، بل ما إن عرَض عليهم دعوته ورسالته حتى قام أحدهم فقال: أما وجَد الله أحداً يرسله غيرك؟، وقال الآخر في ازدراء واحتقَار: والله لا أكلمك أبداً!، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظَم خطراً من أن أرد عليك كلام!، ولئن كنت تكْذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك!، وقال الثالث: أنا أسرق ثياب الكَعبة إن كان الله بعثك بشيء قط!.
فقام صلى الله عليه وسلم ولهيْب الحزن في كبده، وحاله تتفَطر لها القلوب، أحزان تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. تُذكره بخديجة وأبي طالِب، ودعوةٍ مطاردةٍ!! وأتباع تتخَطفهم أيدي الطغاة!! وقلوب أمامه قاسية لا تحمل معناً من معَاني الإنسَانية .. فلما أراد الخروج من الطائف، وسلك طريق العودة إلى مكة، لم ينته مسَلسَل الأذى والإهانة بعد! بل أغرَوا صبيانهم وغلمانهم بمطاردته، فصَفوا له صفين ورموه وأذلقُوا عقبيه بالحجارة، حتى خرج من حدود وربوع الطائف، فيا لله ما أعظَم ذلك الموقف، وما أجَل ذلك الخطب، رسول رب العالمين وخليله، وأشرَف مخلوق وأزكى مرسَل، يسب ويؤذى ويدمى ويهان!! فو الذي نفسي بيده: إن القَلم ليعجز عن تسطير ذلك المشهد، وإن اللسَان ليعيى أن يجلي تلك التضحيَة وذلك البذل وذاك الثبَات!! .. خرج صلى الله عليه وسلم كسيراً حزيناً فما يفيق إلا على أبعد من (50 كيلومتراً) وذلك في قرن الثعَالب، فيرفع في تلك الحال يديه إلى ربه وخَالقه في أجَل صُور الانكسَار، وأقصى حالات الافتقَار، وأسمَى حالات الذل والخضُوع فيقول:" اللهم إليْك أشكو ضَعف قوتي، وقلة حيْلتي، وهَواني على الناس، يا أرحَم الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عَدو يتجهمني! أم إلى قريب ملكتَه أمري؟ إن لم يكُن بك سخَط عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرَقت له الظلمَات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضَبك أو يحل بي سخَطك، لك العتبى حتى ترضَى، ولا حَول ولا قوة إلا بك" [5].. وفي هذه الأثناء يرسِل الله - عز وجَل- ملك الجبَال يستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطبق عليهم الأخشَبين -وهما الجبَلان المطبقان على مكة-! فقال وهو يبعث رسالة إلى أمته أن الدعوة ليسَت عبئاً ثقيلاً على ظهر الداعي يريد أن يرميه، بل هو همٌّ يخالج النفس، ويخالط القَلب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور:
" بَل أستأني بهم لعَل الله أن يُخرج من أصْلابهم من يعبد الله لا يشرك به شَيئاً " [6].
"أمرٌ عجيب! الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحال من الشدة، وفي هذا الموقف الذي يقنط أجلد الرجَال بسببه، رأى بادرة قبول للدعوة عند عبد ضعيف يقال له "عدَّاس"، فلم يمنعه كل ما لقي من أن يبلغه دعوة الله، وينصَرف إليه، وينسى ألمه وتعبه، فما زال به حتى أسلم! هذا موقف صغير بالنسبَة للرسول العظيم، ولكنه عظيمٌ عَظيم بالنسبة إلى دعَاة البشر في كل تواريخهم!!، ولا يستطيع باحث أن يلقى في الإخلاص لله في الدعوَة ونسيان الذات في سَبيلها، موقفاً مثله لرجُل آخر غير محمد صلى الله عليه وسلم "..
وصَل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فطاف بالكعبة وهو في جوار المطْعم بن عَدي، وقد رفضته مكة بأشرَافها وسَادتها، ورفضته الطائف بعظمَائها وزعمَائها، ورفضَه أهل الأرض، فاستَقبَلته السمَاء وتلقاه الملأ الأعلى، رفضه الناس فاستقبله ربُّ الناس، وكل يوم يمر عليه يكون أحسَن وأفضَل وأعز وأجَل وأكرَم من اليوم السابق .. وفي هذه الليالي شرف صلى الله عليه وسلم بحال أرفَع، ومآل أفضَل، ومنزلة أعظَم، حيث أُسري به إلى المسجد الأقصَى فأمّ النبيين فيه ثم عُرج به إلى السمَاء، فصعد فوق أطباق السمَاوات حتى بلغ سدرة المنتَهَى، وفي تلك الحال رأى جبريلَ -عليه السَّلام- على صورته التي خلقه عليها.
أسْرَى بك الله ليلاً إذ مَلائكُه
والرُّسل في المسْجد الأقصَى على قَدمِ
كنتَ الإمَام لهم والجَمع محتفِل
أعظِم بمثلك من هَادٍ ومُؤتممِ
لما حَضَرت به التفوا بسَيدهم
كالشُّهب بالبَدر أو كالجُند بالعَلمِ
وقيْل كل نَبي عنْد رُتبتِه
ويا محمَّد هذا العَرش فاستَلمِ
حَتى وصَلت مكَاناً لا يُطار له
على جَناحٍ ولا يُسعَى على قَدمِ
ثم رجع صلى الله عليه وسلم من ليلته تلك إلى مكة، فلما أصبح مر به أبو جهل، فسأله عن الجديد من أمره فقال: أُسري بي البَارحة إلى بيت المقْدس، فضحك أبو جَهل وقال: إن أنا دعيت قريشاً تقول لهم ما ذكرت لي؟ فقال:نعم! فدعَاهم فلما أخبرهم سَخروا وضَحكوا!، وارتد قومٌ ممن كان أسلم معه، ثم جعلوا يسألونه عن أشياء في بيت المقدِس، فجلّى له الله بيت المقدس، فجعلوا لا يسألونه عن شيء إلا أخبَرهم به .. وفي غُضون هذا التعجب والسخرية أتوا أبا بكر صدّيقَ هذه الأمة فقالوا له لعله يرجع عن إيمانه: إنّ صاحبك يزعُم أنه ذهب البارحة لبيت المقدس ورجع من ليلته؟ فقَال: أَوقَد قال ذلك؟! فَفَرحوا بسُؤاله وظنوا أنها فرصَتهم السَّانحة لرده عن دينه وإسْلامه فأجَابوا: نعَم لقد قال ذلك! عندها قال في ثبَاتٍ ويقين : إن كان قاله فقَد صَدق!! فبُهتوا وبهذا استَحق شرف هذا اللقَب فلا يصْدق على أحَد سواه –رضي الله عنه-..
وبدأت إرهاصَات الهجرة بعد ذلك، وسمعَت قريش قائلاً يقول في الليل على أبي قيس:
فإن يُسلم السَّعدَان يُصبِح محمَّدٌ
بمَكةَ لا يخشَى خِلاف المُخَالفِ
فلما أصبَحوا قال أبو سفيان: من السَّعدان؟ سعد بن بكر وسعد تميم؟ فلما كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:
أيا سَعْد سَعْد الأَوس كُن أنتَ ناصِراً
ويا سَعْد سَعْد الخَزرَجَين الغَطَارفِ
أجيبَا إلى دَاعي الهُدَى وتمنَّيَا
على الله في الفِردَوس مُنيةَ عَارفِ
فإن ثَوابَ الله للطَّالب الهُدَى
جِنَانٌ من الفِردَوس ذَات رَفَارفِ
فقال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ، وسَعد بن عبَادة!
بعد هذا التقَى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصَار فآمنوا به وصدقوا، فكان لقَاء العقبة الأولى والثانية، وأظهَروا استعدادهم لاستقباله، ووعَدوه بنصرته، فأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فخرجُوا زرافات ووحدَاناً، فكان أول من هاجَر أبو سَلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم تتابع بعده الصحَابة – رضوان الله عليهم أجمعين –
وبهَذا ابتَدأت مرحَلةٌ أخرَى ورحْلةٌ مبَاركة . . إنهـَا . .

-------------------------------------------------

[1] سيد رجال التاريخ (ص51).
[2] سيد رجال التاريخ (ص59).
[3] أخرجه الحاكم (3/ 388)، وصححه، وصححه الألباني في (فقه السيرة).
[4] سيد رجال التاريخ (ص60).
[5] رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (13/73/181)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (6 / 487).
[6] أخرجه البخاري (3059) مسلم (1795).
-------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:20 AM
من مقامات النبوة (5) رحلة النور
ـــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/808041433110015.jpg


رِحْـــلَةُ النُّــــور
لما تكاثر عَدَد المسْلمين وازدادت أعدَاد المؤمنين، وقويَت شوكة الإسلام خصُوصاً بعد مبايعة الأنصَار وإسلامهم، أقلق ذلك قريشاً وأقض مضجعَها، كما هو ديدَن أعداء الله في كل زمن، فاجتمَع الكفر وتآمر الشرك لوأد الإسلام والقضَاء على الرسول الخاتم ونسْف الدين، فاجتمعوا في دار الندوة من أجل النظَر في شأن محمد وأتباعه.
حضَر اللقاء إبليس في صورة رجل جَليل من أهل نجد، فتشَاوروا في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشَار كل واحد منهم برأي، وإبليس يرده ولا يرضَاه، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غُلاماً نهِداً جلداً، ثم نعطيه سيفاً صَارماً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبَائل فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ماذا تصنع؟! فيرضَون بالدية!! فقال الشيخ: لله در الفتى! هذا والله الرأي! فجمعوا أولئك الفتية، وجاء يقودهم أبو جَهل حتى وقفوا على باب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلوا يرقبونه وينظرون إليه من ثُقب الباب، وجاء الخطَر على أشد صوره وأشكاله! وتألب أولئك النفر على أكبر جريمة في التاريخ لو تمت! جريمة لو تمت لما كان في التاريخ دمشق، ولا بغداد، ولا القَاهرة، ولا قرطبة، ولا كانت للراشدين دولة! ولما قامَت الحضَارة التي قبست منها أوروبا حضارتها! ولكنا اليوم على حال لا يعلمهَا إلا الله! فله الحمد والمنة من قبل ومن بعد.
وهنا تتجَلى شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبات أعصَابه، وهنا يظهر نصر الله لأوليائه، حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب! وخرج يشق صفوفهم ويقتَحم الجموع التي جاءت تطلب دمه! فأرادوا قتله وأراد الله حيَاته، فتم ما أراد الله وروعتهم المفاجأة وأعمت أبصارهم؟ وما عادوا لأنفسهم حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم قد مضى، وصَحوا وكأن حلماً مر بهم! وشقوا الباب ونظروا ليتَوثقوا فرأوا فراش محمد وفيه رجُل نائم!! ففركوا عيونهم وتنفسوا الصعداء ..
أدرَكت قريش الحقيقة بعدما مضَى، وعم الصراخ مكة وضواحيها، وخرج الكفار فرسَاناً ومشَاةً يركضون خيولهم ويعدون في كل ناحية يتلفتون مذعورين، ووضعت قريش الجوائز لمن يأتي به وبصاحبه حيين أو ميتين، حتى رصدوا أضخم جائزة لمن أتى بهم وهي مائة من الإبل مقدمة من "المركَز الشركي لعِداء الرسَالة المحمَّدية"!!، فتحركت القبائل، وسار الرجال، وبحث الصغار قبل الكبَار ليحوزوا قصب السبق في هذه الجائزة، "ومشى الموكب المحمدي المكون من رسول الله صلى الله عليه وسلموا أبو بكر إلى الدنيا الواسعَة .. موكبٌ صغير! لكنه أجَل من أعظم موكب أحست بوطأته هذه الكرة التي نمشي على ظهرها، ولم تعرف موكباً أنبَل منه قصداً، وأبعدَ غايةً، وأخلص نية، وأعمَق في الأرض أثراً، موكبٌ صغير يمشى في الصحراء الساكنة، لا رَايات! ولا أعلام! ولا أبواق! ولا طبُول! ولا تصْفيق! ولا تصفير! ولا جنود عن يمين وشمَال!، ولكنّ الرمال تصفق فرحاً بالذي سيضفي عليها ثوب الخصب والنمَاء، وتزهو الجبال طرباً بالذي سيقيم عليها أعلام النصْر والعز، وتبرز من بطن الغيب جحَافل القادة والعلمَاء الذين أنبتهم مسير محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الصحَاري.
أشرف الموكب الشريف على المدينة، فأقبلت جموعٌ كالجمُوع التي خلفوها في مكة، ولكن تلك للشر، وهذه للخَير، وتلك تنَادي بالموت لمحمد، وهذه تنادي بالحيَاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه نقطَة التحول في التاريخ الإسلامي، كل ما قبلها ظاهره الهزائم، وما بعدها إنما هو نصر إثر نصْر" [1].
وها نحن أولاء الآن على أبواب المدينة، وقد خَرج الأنصار يتستقبلون محمداً صلى الله عليه وسلم ولو استَطاعوا من الحب لفرشَوا له الطريق بقطَع أكبادهم حتى يمشي عليها.
أقْبِل فَتلك ديَارُ طَيبَةَ تُقبِل
تُهدِيك من أشْوَاقهَا مَا تَحملُ
القَومُ مُذ فَارقتَ مَكةَ أعْينٌ
تأبَى الكَرَى وجَوانحٌ تتَمَلمَلُ






وهَاهم الناس يسألون: أيهم رسُول الله؟ أيهم هو؟ لا يعرفونه! لأنه لم يكن ملكاً، بل كان عبداً لله متواضعَاً، يلبس ما يلبَس الناس، ويأكل ما يأكلون، ويجوع إن جاعوا، ويشبَع إن شَبعوا.
ولقد كان في أصحابه الأغنيَاء الموسِرون، ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم أحب أن يعيش بسيطاً، وأن يموت عزيزاً!!
لبَسَ المرَقَّع وهُو قائِدُ أمَّةٍ
جَبَت الكُنُوزَ وحَصَّلتْ أغْلالهَا
"لقَد مشى محمد صلى الله عليه وسلم من الغار إلى مَكة، ثم مشَى من مكة إلى المدينة، ثم مشَى أصحابه وأتباعه يحمِلون العدل والعلم والإنسَانية إلى الشَّام، ومشوا إلى العراق، ومشَوا إلى مصر، وبلغوا أقصَى المشْرق وأقصَى المغرب، ونصبوا راية الإسلام على روابي الصين، وعلى بطَاح فرنسَا، ومشوا شمالاً وجنوباً حتى ملؤوا الأرض رجالاً وعدلاً ونوراً وفضائل وأمجَاداً، وكانوا خلاصَة البشر، فأحنوا الرؤوس لذلك الرجُل الذي دخل المدينة لا يحُف به موكب، ولا يحرُسه جند، ولا تلوح فوق رأسه راية، ولا يزين صدره وسَام، ولا يلمع على هامته تاج، ولا يقرع عند رأسه طبل، ولكن تحف به الملائكة، وترفرف فوقه رايات الإيمان والقرآن، ويلمَع على جبينه نور النبوة، ويحرسُه الله سبحانه وتعالى" [2].
دخل صلى الله عليه وسلم المدينة فصار النسَاء والصبيان يركضون ويهتفون: الله أكبر! الله أكبر! جاء محمد جاء رسول الله!! وثار بنو النجار إليه وأتوه وهم متقلدو أسلحتهم، فجعل لا يمر بحي من أحياء الأنصَار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العَدد و العدة، والعزة والمنعَة، فيقول: دعوها -يقصد ناقته- فإنها مأمُورة! فلما مر ببني النجار خرج فتيات صغيرات ينشدن واصفَات حبهن ومحبة جوار النبي صلى الله عليه وسلم لهم فيقلن:
نَحْن جَوارٍ من بَني النَجَّار
يَا حَبَّذَا مُحمَّدٌ من جَارِ
فوقف عندهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في تواضُع وحنو: والله إني لأحبكن وأحب جِوَاركُن! ثم مشت به ناقته حتى بركت به في مكان مسجده، فأتى أبو أيوب الأنصاري فأخذ متَاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله إلى بيته فكان أول عملٍ عمله هو بناء مسْجده وغرف أزواجه، راسماً في أذهان أصحابه عِظَم العبادة في الإسْلام، جاعلاً المسجد منبعَاً روحياً صافياً، واجتماعياً راقياً تقوى فيه أواصر المحبة بين المسلمين وتزداد، فصلاة الجماعة، والجمعة، والعيدين، مظهرٌ قوي من مظاهر اجتمَاع المسلمين، ووحدة كلمتهم وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى! لا جرم إن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، ففيه تُوحد الصفوف، وتُهذب النفوس، وتُوقظ القلوب والعقول، وتُحل المشاكل، وتظهر فيه قوة المسلمين وتماسكهم، "ولقد أثبت تاريخ المساجد في الإسلام أنّه انطلقت منه جحافل الجيوش الإسلامية لعمارة الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت! وهل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسَة المحمدية التي كان مقَرها المسجِد النبوي!!
وميزة أخرى للمسْجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسْبوع كلمة الحق مدوية مجلجِلة على لسَان خطيبه، في إنكار منكر، أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، ويوم يعتلي منَابرها ويؤم محاريبها دعَاة أشداء في الحق، علمَاء بالشريعة، مخلصُون لله ورسوله، ناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم، يعود للمسجد في مجتمعنا الإسلامي مكان الصدارة، ويعود ليعمل عمله في تربية الرجال، وإخراج الأبطال، وإصلاح الفساد، ومحاربة المنكر، وبناء المجتمع على أساس من تقوى الله ورضوانه، وذاك عندما تحتل هذه الطليعَة الطاهرة من شبابنا المؤمن العالمة بدين الله، المتَخَلقة بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم منابره وأرجَاءه" [3].
بدأ العَمل بعمَارة المسجد والحُجُرات وكان الصحَابة كاليَد الواحدة، وكالساعد للمرفق يشده ويؤازره، وكان في مقَدمة العاملين في هذا البناء هو محمد – صَلوات الله وسَلامه عَليه – وهو يرتجز:
اللهُم لا عَيشَ إلا عَيش الآخِرة
فَاغفِر للأنصَار والمهَاجِرَة
والصحابة يعملون ويرتجزون فيقولون:
لئن قَعَدْنا والنَّبي يعمَل
لَذَاك منَّا العَمَل المضَللُ[4]

----------------------------------
[1] سيد رجال التاريخ (ص62).
[2] سيد رجال التاريخ (ص82).
[3] السيرة النبوية لمصطفى السباعي (ص85).
[4] أخرجه البخاري (6051) مسلم (1804).

------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:22 AM
من مقامات النبوة (6) العناية الإلهية
ـــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/815041433110749.jpg



العناية الإلهية
في لحظات عصيبة، وسَاعَات حَزينة، وأيام كئيبة، وزَفَرات من الآهات والتوجعَات تركتها وخلفتها معرَكة بدْر الكُبرى، التي سحق فيها معسكر الإيمان وكتَائب الرحمَن غطرَسة وكبرياء قريش, فلا تسَل ولا تحدث عن مدى أثر تلك الصدمة والفجيعة في قلوبهم، وفي لحظَات الأنين وحر نار المصيبة، اجتمع اثنان من سَادات قريش تحت ميزاب الكعبة في هدوء وسكون الليل الذي تطيب فيه نفثَات التشَكي، ويُلقى فيه فيض الهم والألم، كانا يتذاكران ويتحَدثان فيما أصيبوا به من فقد أشرَافهم، ومقتل ساداتهم، وكَسر شَوكتهم، فقال عُمير بن وَهب - وكان من شيَاطين قريش -: والله لولا ديْنٌ علي ليس له عندي قضاء، وعيَال أخشى عليهم الضيعة، لركبت إلى محمد حتى أقتله..!!، فقال صَفوان بن أميَّة -وكان قد قُتِلَ أبوه وأخوه في معركة بدر-: عليّ ديْنك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء وأعجَز عنهم!، ففرح عمير واستبشَر وقال لصَفوان: فاكتُم عني شأني وشأنك.
ثم انطلق عُمير لبيته وأخذ سيفه وشحذه سماً حتى يبلغ أثره ويتمكن بثقة من القتل، وركب ناقتَه مُسرعاً متعَجلاً إلى المدينة يريد أمراً ويريد الله غيره، فلما دخَل المدينة أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأناخ ناقته عند بابه، وكان لعمير ابنٌ قد أُسِر في بدر، فكان يتَذرع أنه جاء لفك أسره، فلما أناخ رآه عمَر بن الخطاب فاروق الأمة، وكان في جمَاعة من الصحَابة يتحدثون عن كرَامة الله لهم في بدر، فقَام مسرعاً إليه - ووهَج الفراسة يشتَعل في عينيه-، فدخل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقَال: يا رسول الله هذا عدو الله عمير قد جَاء متوشحَاً سيفه..!، فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ. فأقبل إلى عمير فلبّبه بحُمالة سيفه فأدخله, وقال لفتية من الأنصَار: ادخلوا عند رسول الله واحذروا عليه من هذا الخبيث! وفي هذه الأثناء كان صَفوان بن أمية يقول لأهل مكة: أبشِروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيْكم وقعة بدر!، وكان يخرج كل يوم يتلقى الركبَان ويسألهم عما استجَد من الأخبار، فلما دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنعموا صَباحاً. فقال النبي – صَلوات الله وسَلامه عَليه-: قد أكرمَنَا الله بتَحية خير من تحيتك يا عُمير، بالسَّلام تحية أهْل الجنة. ثم قال: ما جَاء بك يا عمير؟! فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنُقك؟ فقال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شَيئاً يوم بدر؟ فقال: اصدُقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك!! فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل قعدت أنت وصَفوان بن أمية في الحِجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْنٌ عليّ وعيَال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً فتحَمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حَائل بينك وبين ذلك!!
فقال عمير: أشهَد أنك رسُول الله، قد كنا نكذبك يا رسول الله بما كنت تأتينا من خَبر السمَاء, وما ينزل عليك من الوحي, وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصَفوان! فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله! فالحَمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا السيَاق ثم تشهد شهادة الحق. فقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخَاكم في دينه، وأقرؤوه القُرآن، وأطلقوا له أسِيره.
فعَاد هذا الغيظ وذلك الحنق والغضَب، رحمةً وأمناً وسلاماً، ورجع ذلك العدو داعياً إلى الله – عَز وجَل – محملاً بالبشر والنور والقرآن، فلما علم صفوان أقسَم بالله لا يكلمه ولا ينفعه بنفع أبداً.
فلما وصَل عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام , فأسلَم على يده بشَر كثير.
وإذا العِنَاية لاحَظَتك عُيونها
نَم فَالحوَادث كُلهُن أمَانُ
وفي مَعركَة أحُد، أتى عبد الله بن شهَاب الزهري وكان من فرسَان قريش فجعل يصُول ويجُول وهو يقول: دلوني على مُحمَّد، فلا نجوت إن نجا..!!، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَانبه، ما معه أحَد، ثم جاوزه ولم يعلم به ولم يره، فعاتبه في ذلك صفوان وهو يرى أنها فرصَة نادرة ذهَبية، فسيفٌ صارمٌ، وفارسٌ شجاعٌ، ومحمد خال ليس معه أحد، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
ومن يكُن الإلَه لَه حَفيْظَاً
فَحَاشَا أن يُضَيِّعهُ الإلَه
ونعيش في هذا الحدث مع ألمع أناس سطروا أروع الأمثلة وأبرز الوسَائل في الخيانة والغَدر، فتاريخهم حَافل وناصِع بخياناتهم وغَدرهم، وكذبهم وبهتانهم، فهم أعلام هذا الميدان فلا مسَابق ولا مجاري لهم في ذلك، ولعلهم سبقوا إلى الذهن فلا أسبق منهم في هذا المجال.
وبدايَة القصة أن عَمرو بن أمية الضَّمْري وكان صَحَابياً عدّاءً لا يُسبق، خرج من المدينة فلقي رجلين نائمين فقَتلهما وظنهما مشركين ولم يعلم بإسلامهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المال لديتهمَا، فأتى إلى يهود بني النَّضير ليعينوه في الدية وكان ذلك من بنود المعَاهدة التي عاهدهم عليها، فلما دخَل عليهم وجلس معهم فأخبرهم لما أتى إليه فأبدو اسْتعدادهم وتهيؤهم وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب دار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعَدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.
وخَلا اليهود بعضُهم إلى بعض، وسَول لهم الشيطَان الشقَاء الذي كتب لهم، فتآمَروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحَى، فيصعد فيلقيها على رأسه فيشدَخه بها؟ فقال أشقاهم وهو عَمْرو بن جِِحَاش: أنا. فقال أحد عقلاءهم وهو سلَّام بن مِشْكم: لا تفعلوا فو الله ليُخبَرنَّ بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، ولكن إبليس جثَم على قلوبهم فأبوا إلا إمضَاء خطتهم!! وقربت سَاعة التنفيذ، وأخذ عمرو الرحى، وتأهب ليقوم بأداء دوره ومهمته، ووجَم اليهود انتظاراً لما سيحدث، وترقباً لما ستنتهي عليه هذه الخطة الماكرَة... وفي هذه اللحظة الفاصِلة نزل رُوح القدس – عليه السَّلام – إلى ****** صلى الله عليه وسلم يخبره بما همّ به القوم من الغدر، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحَابه وقد فجَأهم قيامه وذهابه، فقالوا: نهضتَ ولم نشعر!، فأخبرهم بما همت به اليهود. ثم قدم عليهم بجُند الله في موكب تحفُّه الملائكة ويحيط به الأبرَار ويؤيده الله، فزلزلت حصونهم هيبةً ورعباً حتى نزلوا على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلاهم من المدينة.
كَأنه وهو فَرد في جَلالَتِه
في مَوكِب حين تلقَاه وفي حَشَمِ
عِنَاية الله أغنَت عن مُضَاعَفَة
من الدرُوْع وعَن عَال من الأُطُم
وهذا شَيْبة بن عُثْمان بن أبي طَلحة يقول: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللِّواء!، فلما فتح الله مكة أيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخَلت العَرَب في دينه فمتى أدرك ثأْري منه؟! فلما اجتمعت هوَازِِن في حُنَين قصدتهم لأجد منه غرَّة فأقتله، فلما انهزم الناس عنه وبقي مع من ثبت معه جئت من ورائه، فرفعت السَّيف حتى كدت أحطه بين كتفيه فغشي فؤادي، ورفع لي شواظٌ من نار فلم أُطق ذلك، وعلمت أنه ممنُوع فالتفت إلي وقال: أدنُ يا شيب فقاتل. ووضع يده في صدري فصار أحبَّ الناس إلي، وتقدَّمتُ فقاتلتُ بين يديه ولو عَرَض لي أبي لقتلته في نصرته، فلما انقضى القتال دخلت عليه فقال لي: الذي أراد الله بك خَير مما أردته لنفسِك!، وحدثني بجميع ما زوَّرتُه في نفسي، فقلت: ما اطلع على هذا أحَدٌ إلا الله!! فشَرح الله صَدري للإسْلام فأسلمْت.
وفي غَزْوة تَبُوك كان الجيش الإسْلامي يسير في شدَّة حرارة الجَو، وفي جَهْد ومشَقَّة وجُوع، حتى كانوا يستظلون بأيديهم من حَرارة الشَّمس، وكانوا إذا نزلوا وادياً تركوا الشجرة العظْمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسْتَظل بها، ولو استطاعوا أن يحجُبوا أشعَّة الشَّمس عنه بأيديهم لحجبوها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة لتقيه حر الظَّهيرة والقَائلة، فنزع ثوبَه وبقي في إزار وردَاء، وعلَّق السَّيف عنْد رأسه ونام، فجاء رجل مشرك فظٌّ غليظ يتربَّص الدَّوائر برسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتنم هذا الموقِف فرسول الله نائم، وليس عنده أحَد من أصحَابه، وسيفُه معلَّق، فاخْتَرط تلك اللحظة وبخفَّة سيفه وأيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فتح عينيه وإذا بلمعان السَّيف يكاد يخطِف بصَره، وإذا العدُو محتَرز متمكن فقال:
من يمنعك مني يا محمَّد؟!! فقال وهو سيد المتَوكلين:"اللَّـه" فاهتَز الأعرابي وانتفَض وسقط السَّيف منه، ثم أخذه عليه صلوات الله وسلامه فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ يا محمَّد!! فعفا عنه – عليه الصلاة والسلام – فأثر ذلك الموقف في روعَته على ذلك الأعرابي مع غلظَته وفظاظَته. فنطق الشهادتين وأسلم لله رب العالمين.
يا مادحاً تبَّعاً أو سيف ذي يزن
دعهم وخل بني شَدَّاد في إرم
دعْ عنك كسْرى ومن حازوا جوائزَه
وكل أصْيد أو ما قيل في هَرِم
واكتُب على مفرِق التَّاريخ رائعة
من القَريضِ فدتك النَّفس من قدم
وامدَح بها أحمَد في كل قافيَة
واملأ بها في قَوافي الشِّعْر من حِكم


-------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:25 AM
من مقامات النبوة(7) مقام التربية
ـــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


مَقَامُ التَّربيَة
قبل أن تتصفح هذا المقَام، وقبل أن تبحر في كلمَاته ومقاصِده، أجِل فكرك واسبَح بخاطِرك، واسترجع ذكرياتِك وذاكرتك وحياتك، ثم استخرج من ذلك الكم الهائل، والعَدد الضَّخم من البشر الذين جمعتك بهم وموافقات الحياة وأيام الدُّنيا!! ثم عليك بعد هذا أن تصَفي تلك الوجوه وتنتقي منها أبرز شَخص ورجُل جمعك به لقَاء في هذه الحياة، وعش لحظَات في سر إعجابك به في أخلاقه وسُمُو روحه، وفي عذوبة منطقه!! جُل بذاكرتك جميع المحاضن والمدارس والمجمَّعات والدورات التَّربوية، والصُّروح التي تشَاد من أجل إعداد الأجيال وتهذيبهم وتربيتهم، فلن تجد من خلال تلك الأعداد التي استخلصْت منها ذلك الرجل مع كثرتها ووفرتها رجلاً جمع خصَال الحمْد، ومزايا الخُلُق، وعذوبة المنطق، وفصَاحة اللسَان، ولين الجانب، وبسَاطة التواضُع، وسمُو الرُّوح، ونبل الغَاية، وإخلاص العمَل، كما اجتمعت لنبينا صلى الله عليه وسلم ..!!
هو أمَّة الأخْلاق شيدت فيه من
كَرَم ولُطْفٍ للإلَه حبَاه
ولن تَجد في تلك المحَاضِن والمدارس منهَج تعَلم، وخطَّة عمَل، وسَلامة منهَج، وكمَال تنظِيم، وجَلالَة هدَف، وصدْق انتمَاء، كما كان في المدرسَة المحمَّدية التي خرَّجت الأبْطال الفاتحين، والقَادة الميَامين، والدعاة المخْلصِين، والأسخيَاء الباذلين، والأعْلام الصَّادقين، فقد كانت بحقٍّ تصفية روح، وتهذيب خُلق، وتريبة نفْس، وتنمية مهَارة في كل ما يخدم هذا الدين ويرضي رب العالمين. وإذا علمت بأن المعلِّم هو محمَّد صلى الله عليه وسلم ، والمسَاعد هو أبو بكر، والمدرِّب عمر، وصاحب الخزينة بلاَل، وكامن السر حُذيفة، والدَّاعم عثمان، والفِدائي علي، والتلاميذ سعْد وطلْحة ومصْعب والزُّبير وأُسَيد وأنس، والمكان والمدرسة في مسجِد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقرر للمنْهج والدَّرس هو "اللَّـه"-جل جَلاله-، ومبلغ المنهج للمعَلم "جبريـْل" مع كوْكبة من الملائكة يحفُّون تلك المدرسة ويلفونها بأجنحَتهم..!!
لقد بنيت على تقوى من الله ورضْوان، فلو اجتمعت جامعَات الدنيا وأسَاتذة العصر وعباقرة العالم، على أن يخرّجُوا مثل تلك القيَم وتلك المبادئ، وذلك السُّمو، لما استطاعوا أن يقاربوه أو يُدانوه لا أن يصلوا إليه، وتأمل كيف أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من رعاة الغَنم قادةً للأمم، ومن عبدة الأوثان وسدَنة الأصنام دُعاةً للإسلام، ومشاعل للإيمان، حتى تربعوا على قصور كسْرى وقيصَر، وهيمنوا على ملكهم.
ولتعرف شيئاً من نسِيم تلك التربية، وتشم شيئاً من عبيرها مُدَّ بصرك في بعض رياض تلك المُثل، وانظر قبل كل شيء إلى الميْزان والمعيار الذي كان يربيهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة الرجال وقدرهم.
ففي أحَد الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسَاً وعنده رجل من أصحابه فمر بهم رجُل يلوح عليه شارة الغنى، وعلامة الثراء، قد لبس من أجمل الثياب وتعطر بأعتق الطيب، فسأل رسولُ الله الرجلَ الذي بجانبه فقال: ما تقُول في هذا الرَّجل؟ - يقصد الرجل الثري - فقال: يا رسول الله هذا رجل من أشراف الناس حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفّع، وإن قال أن يُسمع، فسكت عليه الصلاة والسلام وجلس قليلاً فمر رجل آخر، رثُّ الحال، متواضع الهيئة، قد ظهرت عليه آثار الفقْر وقلة ذات اليد، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله قبل قليل: ما تقول في هذا الرَّجل؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من أوسَاط الناس، حَري إن خطب ألا يُنكح، وإن قال ألا يُسمع لقوله، وإن شفع ألا يُشفّع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يرسم ميزان الرجَال ومقياسهم في الإسلام -: هذا خَير من ملئ الأرض من مثْل ذاك!![1] هكذا هو معيار الإسلام فلا مظَاهر، ولا أشكال، ولا بطر، وإنما هو ما يقوم في القلب من تعظيم الله وحرماته، وما تصدقه الجوارِح بعد ذلك.
وفي إحْدى رحلات النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مرّوا ببستَان فصعد عبدالله بن مسعود على نخلة ليخْتَرف منها، وكان الصحابة تحت النخلة فنظروا إلى دقة ساقيه وحَمَشهما وسوَادهما وكان دقيق الجسْم أسْود اللوْن، فضحكوا من دقتهمَا وسوادهمَا، فقال صلى الله عليه وسلم : أتعجَبون من دقَّة ساقيه؟! والله لهما أثقَل في الميزان من جبَل أحُد!![2] فكم من رجل جميل اللَّون، حسن الجسم، ولكنه مقطوع الصلة بربه سبحانه، فهذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما في الصحيح: "يؤتى بالرجل العظيم السَّمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جنَاح بعوضَة"[3]
وماينفع الفتْيان حُسْن وجوههم
إذا كانَت الأخْلاق غَير حسَـان
وفي موقف ومقام آخَر يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية والهدف من هذا الوجوْد، ويربطهم بالآخرة حين تغريهم زهْرة الحياة الدُّنيا.
أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من حرير، فأخذها بعضُ الصَّحابة – رضي الله عنهم – وجعلوا يقلبونها ويعجبون من لينها ونعومتهَا، وكانت غايةً في الحسْن والجمَال والنعومة، فنظر إليهم المربي في تلك الحال فقال: أتعجبون من ليْن هذه؟ لمنَاديل سعد في الجنَّة ألين منها!![4] فزهدت فيها نفوسهم، وارتفَعت هممهم، وسمَت أهدافهم، وهم يرون أن مناديل سعد فقط ألين من هذا الحرير، فكيف يكون لبَاسه! وكيف سريره وفراشه وهندامه!
ولم يعرف اليأس إليه طريقاً عند الشدائد، ولا عرف التنَازل عن مبَادئه، بل كانت الشِّدة تزيده عزماً ومضياً وتفاؤلاً، وكان يبعث هذه الروح في أصحابه رضي الله عنهم ويربيهم عليها، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجُلان أحَدهما يشكو العَيلة، والآخَر يشكو قَطع السَّبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسَلم: " أما قَطع السَّبيل: فإنه لا يأتي عَليك إلا قليل، حتى تخرج العِير إلى مكة بغَير خفِير، وأما العَيلة: فإن السَّاعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبَلها منه"[5].
وفي إحدى المحن الكبرى التي حوصرت فيها المدينة وطوقت بلفيف المشركين، تعرض صَخرة في مكان من الخَندق، لا تأخذ فيها المعَاول، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فوضع ثَوبه ثم هبَط إلى الصَّخرة، فأخذ المِعول فقال: "بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا" . ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا"[6]. فما أسمى هذا التفاؤل الفذ في أحرج الأوقات وأصعبها.
وإن أردت أن ترى موقفاً أعْمَق وأكمَل، ومقاماً أسمَى وأجمل، فعِشْ في أكنَاف هذا اللقاء الذي تخرس أمام فصَاحته مصاقع الخطَباء، وتشْدَه أمام أدبه ولطْفه أبصار المربين والمعلميْن، ذاك أنه لما انتهت غزْوة حنين وأظفَر الله فيها المسلمين بهوازن بعد ما كانت الصَّولة في بادئ الأمر لعدوهم، وكان الجيش قد فر أكثره وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلَّـة من أصحابه فأمر العبَّاس وكان جهوري الصوت فنادى أصْحاب بيعة الرضْوان فأسرعوا إليه كما تسرع الأمهات إلى أولادها، ثم خص الأنصار بالدعاء، فأقبلوا ملبين النداء فأبلوا بلاءً حسناً، فلما انتهت المعركَة وجُمِعت الغنائم فإذا أودية الإبل، وإذا الشعاب قد غصَّت بالغنم والشاء، فجاء أبو سفيان فقال: أعطني يا رسول الله من الغنائم، فقال: خذ مائة ناقَة، فقال صفوان: وأنا؟ فقال: ولك مائة، فعند ذلك قال حكيم بن حزام: وأنا يا رسول الله!! فقال: ولك مائة. فقال الأقْرَع بن حَابِس وعُيَيْنة بن حِصْن وهم يرون هذه الأعطيَات: ونحن يا رسول الله!! فقال: ولكُما مائة. فاجتمع عليه العرب وكل يقول: أعطني يا محمد، حتى اضطروه إلى سمرة فخُطفت رداؤه فوقف –عليه الصلاة والسلام – وقال: " أعطوني ردائي فو الله لو كان لي بعَدد هذه العِظَاه نعَما لقسَمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً " فللَّه دره! ما هذا الكرم؟ وهذه العظمة؟ وهذه الشجَاعة؟ قبل ساعات يصمُد أمام الجيش ويهزم عشرين ألفاً، ويحثو في وجوههم التراب، ويدوْس الكتائب أمامه، والآن يقسم لهم الغنائم ولا يبقي لنفسه شيئاً.
وفي هذه اللَّحظات ورسول الله يقسم الغنائم، ويعطي رؤوس قريش وسادة القَبائل. مئَات الإبل، على مرأى الأنصَار الذين وجه لهم النداء قبل قليل في المعركة، والذين آووه ونصَروه وآزروه فلم يعطهم شيئاً، فوجدوا ذلك في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقيَ والله رسول الله قومه! فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه فأخبره فقال: اجمع لي هذا الحَي من الأنصار في الحظيْرة، فجمعهم ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى فدخل عليهم، فحَمد الله وأثنى عليه ثم قال:" يا معْشَر الأنصَار، ما مقَالة بلغَتني عنكم، وجِدة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهَداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى الله ورسُوله أمَن وأفضَل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصَار؟ فقالوا: بماذا نجيبُك يا رسُول الله؟. فقال: أما والله لو شئتُم لقلْتم فلصَدَقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً فنصَرناك، وطَرِيداً فآوينَاك، وعائلاً فآسينَاك، أوجدتم يا معشر الأنصَار في أنفسكم في لعَاعَة من الدُّنيا، تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامِكم؟ ألا ترضَون يا معشر الأنصَار أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحَالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهِجرة لكنت امْرَءاً من الأنصَار، ولو سَلَك النَّاس شعباً وسَلَكت الأنصَار شعباً لسَلَكت شعب الأنصَار، اللهم ارحم الأنصَار، وأبناء الأنصَار، وأبناء أبنَاء الأنصَار، الأنصَار شعَار والناس دثَار، سوف تلقون أثرة بعدي فاصْبروا حتى تلقَوني على الحَوض " فبكى القَوم حتى أخضَلوا لحَاهم، وقالوا: رضينا برسُول الله قسَماً وحَظاً..![7]
في هذا المقَام تظهَر روعَة الأخْلاق، وسُمُو الرُّوح، وعظَمة هذا النبي، وكمَال تلك الإنسَانية التي يحملها في قلبه، فيا للجَلال! ويا للجَمَال! ويا للكَمَال! فهل سمعت بأرَق من هذا العِتَاب، أو قَرَأت ألطف من هذا الخطَاب، وكيف كان يربيهم – عليه الصَّلاة والسلام –على رسُوخ الإيمان، والصدْق في الغَاية، والاعتراف بالفضل، والنظر في العقبى والآخرة، وعَدم الاغتِرار والركون لحُطام الدنيا وزخْرفهَا، فقارن بين ناقة وجمَل وشاة تأوي بها إلى رحْلك، وبين أن تصحب خيرة الله من خلقه، وأمينُه على وحيه، وكذلك هو الحال في أتباع هديه وسنته، فإذا انصرف الناس لمتاعهم ودينارهم، فليكن همك هو تحصيل سنة رسول الله والنَّهل من سلسَالها والرشْف من رحيقِهَا.
تحدَّث ولا تخرُج بكل عجيبَة
عن البَحر أو تلك الخِلال الزَّواهِر
ولا عيْب في أخلاقِه غير أنهَا
فرَائد در ما لهَا من نظَائر
يُقِر لها بالفضْل كل منَازع
إذا قيل يوم الجَمع هل من مفَاخر
وتأمل كيف كان يتعامل مع الخطأ، ويحوره لأن ينقلب إبداعاً وتميزاً، في بحث عن زوايا الخير والإبدَاع لدى المخطئ، فلندع القلم لأبي محذورة رضي الله عنه ليحدثنا عن مجريات هذا الخبر قائلاً:
قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُنين، فلقينا ببَعض الطريق، فأذَّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسَمعنا صوت المؤذن، ونحن متَنكبون فصرَخنا نحكيْه، ونسَتهزئ به، فسمع رسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنَا بين يديه، فقال: " أيكم الذي سمعت صَوته قد ارتفَع؟ " فأشَار القوم كلهم إلي، وصدقوا فأرسَلهم كلهم، وحبسَني، فقال: " قم فأذن بالصلاة " فقُمت، ولا شيء أكره إلي من رسُول الله صلى الله عليه وسَلم، ولا مما يأمُرني به، فقُمت بين يدي رسُول الله صلى الله عليه وسَلم، فألقَى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّأذين هو نفسه، ثم دعَاني حين قضيت التأذين، فأعطَاني صُرة فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصيَة أبي محذُورة، ثم أمارها على وجهه مرتين، ثم مر بين يديه، ثم على كَبده، ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرة أبي محذُورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بارك الله فيك "، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: " قد أمَرتك به "، وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعَاد ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم[8].
ولم يكن _عليه الصَّلاة والسَّلام_ يحصُر مواهبهم وقدُراتهم في مجال واحد، بل كان يوظِّف كل واحد بالمكان الذي يناسبه، فبلال بن رباح وابن أم مكتوم في الأذان، وحذيفة بن اليمان أمين للسر، وخَالد بن الوليد على مقدمَة الجيش وقيادة السرَايا، ومعاذ بن جبل للقضاء وتعليم الناس في اليمن، وأبو هُريرة لروايـَة الحديث، وأنَس بن مالك في الخدمَة وقضَاء الحاجَة، وفي وصيَّة لأبي ذَر: "إني أراك ضعيفا، وإني أحِب لك ما أحب لنفْسي، لا تأمرَن على اثنَين، ولا تولين مَال يتِيم"[9].
وفي ظِلال هذه التَّربية، ومن أحضَان المدرسَة المحمدية تخرّجَ أبو بكر الذي يخيَّر يوم القيامة من أبواب الجنـَّة الثمانية أيها شاء، وعمر فارُوق هذه الأمة الذي لو رآه الشَّيطان سالكاً فجَّاً لسلك فجاً غير فجِّه، وسعْد بن معَاذ الذي اهتَز لموته عرشُ الرحمن، وسعْد بن أبي وقاص الذي كبّر في القادسيَّة، وركب البحر بالخيل هو وجيشه فما غطَّى الماء الخيل إلا إلى الركب، وفي هذا يقول إقبال:
من ذا الذي رفع السُّيوف ليَرْفع اسمَك
فوق هامَات النجُوم منَارَا
كنا جبَالاٍ في الجبَال وربما
سرْنا على موج البحَار بحَارا
بمعابد الإفرنْج كان أذاننَا
قبل الكتَائب يفتَح الأمصَارا
ندعُو جهاراً لا إله سوى الذي
خلَق الوجُود وقدَّر الأقْدَارا
ومنها تخرج العَلاء بن الحضْرمي الذي لو أقسَم على الله لأبَره، وعبد الله بن عمرو بن حَرام كليم الرحمَن بلا ترجمَان، وغيرهم ممن يتألَّق في سماء العظَمة، ومنابر العز، وهامَات المجـْد. فما بال أمتنا لم تعد تخرج مثل ذلك الطِّراز، وعلى ذلك النسَق، وعلى غرار تلك المثُل!!
يا أمتي كنَّا شعَاع هدايَة
للنَّاس في الدنيَا لها أنْوار
كنا على الأيَّام صوْت مؤذن
فرحَت به الأمصار والأسْحَار
كنا هطِيل الغيْث ما سقيَت بنا
أرض فماتَت بعدَها الأزهَار
سلْ كل أرض قَد وطئْنا سهلَهَا
ستُجيبُك الأمجَاد والآثَار
ما عدْت أجزِم أننَا من أمَّة
تاهت بها الأمجَاد والأقمَار
يا رب إنا قد أتينا نشتَكي
ظلما وأنْت الوَاحِد القَهَّار

-------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري (4803).
[2] أخرجه أحمد (7 / 99)، وصححه ابن جرير الطبري في مسند علي (رقم 163).
[3] أخرجه البخاري (4452) مسلم (2785).
[4] أخرجه البخاري (3076).
[5] أخرجه البخاري (2 / 109).
[6] أخرجه أحمد (30 / 626)، وحسنه ابن حجر، وضعفه ابن كثير بميمون أبو عبدالله، وهو الأظهر فالأكثر على تضعيفه. ينظر: فتح الباري (7/397)، البداية والنهاية (4/102).
[7] أخرجه البخاري (6818) مسلم (1061).
[8] أخرجه أحمد (24 / 98). قال البوصيري: إسناده صحيح. مصباح الزجاجة (1 / 89).
[9] أخرجه مسلم (3 / 1457).

--------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:28 AM
من مقامات النبوة (8) وللحب مداد
ـــــــــــــــــ


(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/828041433104920.jpg


وللحبِّ مِداد
-----------

لقد كان لتلك التَّربية التي غرَسها رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظَم الأثَر في زرع أسمَى غايات الحُب، وأنبل معاني التضحيَة، وأرفع مقَامات الصدْق، في قلوب أصحابه له، فهم يتفَانون من أجل خدمَته، ويتنافسُون في سبيل رضاه، وهَا هو – عليه الصلاة والسلام – يأتي مثخَناً في جرَاحه، قد فَقَدَ جملةً من أصحَابه في غزوة أحُد، فلما أقبل على المدينَة وقد سبقته أنبَاء المعرك ة إليها، فخرج الناس يسْألون عن أولادهم وأزواجِهم وأقَاربهم، وكان من بين تلك الجمُوع امرأةٌ خرجت لكنها لغَاية أخرى، ومقصد مغَاير، فلما أقبلت أخبرت باستشهاد ابنين لها في المعركة، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا، هو بحمد الله صالح على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه! فما شفى غليلها إلا أن تنظر إليه بعينها وتطمئن على صحته، فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل!! -أي: هينة يسِيرة.
فهل ترى في زخَارف الحب أصدق من هذا الحب؟! وأسمَى من هذه المشَاعر!! وأصدق من هذا الإيمان!!
وصورة أخرى يسطِّرها زيد بن الدَّثِنَة وهو يقدم للقتل في مكَّة، وقد خرج الرجَال والنسَاء لحضُور ذلك المشهَد، فيقول أبو سفيَان: يا زيد أنشُدك بالله، أتحب أن محمداً الآن عندَنا مكانك تضْرب عنقُه، وأنك في أهْلك؟! فأجَابه زيد بصَوت عَالٍ سمعه الجميْع: والله ما أحِب أن محمَّداً الآن في مكَانه الذي هو فيْه، تصيبُه شوكَة تؤذيه، وأني جَالس في أهْلِي!! وتعجَّب الناس أشد العجَب من هذا الجَواب، فقال أبو سفيَان لمن حولَه: ما رأَيتُ من النَّاس أحَداً يحب أحَداً، كحُب أصحَاب محمَّدٍ محمَّدا!!
قومٌ سمَت بهم العَوَارف والنُّهى
أن يرغبوا في كُل فَان قَالي
قوم أبَت بهم المفَاخر والعُلى
أن يشْتروا غَير النفِيْس الغَالي
وفي صُلح الحديبيَة أرسَلت قريش عُروة بن مَسعُود الثَّقفي ليفَاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى إليه بهَرته عظَمة الرسُول وحُبُّ أصحابه له، فرجع إلى قريش فقال: والله لقَد دخلت على كسْرى في ملكه، وقيصَر في ملكه، والنجَاشي في ملكه، ورأيت مُلوك اليمَن، والله ما رأَيت قومَا يعظمُون صاحبهم ويحبُّونه كحُب أصحَاب محمَّد لمحمَّد، والله ما التفَت في جهَة إلا التفَتوا جميعاً في الجهَة التي نظَر إليها، ولا تكَلم إلا سَكتُوا كأن على رؤوسِهم الطَّير، والله إن تنخَّم نخَامة إلا وقعَت في كف رجُل منهم فدلك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتَدروا أمْره، وإذا توَضَّأ كادوا يقتتلُون على وَضُوئه، وما يحِدُّون إليه النظَر تعظيماً له [1].
وهكذا هي سواقي الإيمان إذا نبعَت في القَلب، أنبتَت جنَاناً حسَاناً من الكَمال، وثمَاراً يانعَةً من العَزْم، وقطُوفاً دانيَـةً من الحكمَة.
ألا يا مُحب المصْطَفى زد صَبابةً
وضَمِّخ لسَان الذكْر منك بِطيْبه
ولا تعْبَأن بالمبطلِين فإنما
عَلامة حُب الله حُب حَبيبِه
وهذا حَبيْب بن زَيد أرسَله النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسَيلمة الكَذاب في اليمَامة، فلما دخَل عليه وكلمَه، جمع مسيْلمة أهل اليَمامة وأوقف حبيْب أمَامَه ثم قال: أتشهَد أن محمَّدا رسُول الله؟ فقال: نعم، فقال أتشهَد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمَع. فأعَاد عليه: أتشهَد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم، فقال: أتشهد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمع! فغضب مسيْلمة عند ذلك ودعَا السَّياف فأمره فقطَع يده ثم سَأله: أتشهَد أن محمدَا رسُول الله؟ فقال حبيب: نعم!! فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع!! فغضِب أشَد من غضبتَه الأولى وأمر السَّياف أن يقطع يده الأخْرى فقطَعها، وأهْل اليمَامة كلهُم ينظُرون ويتأمَّلون هذا المشهَد! ولكن من لم يجعَل الله له نُورا فما له من نُور. فأعَاد عليه مسَيلمة السُّؤال ثالثَة، فرد بنفْس الجَواب، فأمَر السَّياف أن يضرب عُنقَه، فقتَله، فطَار رأسه طَاعة لله والرَّسُول، ولكأن الحَادي يحدُو به فيقول:
واهتِف بهم أنا من جُنُود مُحمَّد
بايعتُه فيمَا يُريح ويتْعبُ
رايَاتهَا خفَّاقَة وسُيُوفها
صَفَّاقة وجُنُودُهَا لا تُغلَبُ
واهتَزَّت الدُّنيا لصَوت محمَّد
الله أكْبَر شَرقُها والمغْربُ
وهذا صدِّيق هذِه الأمَّة يلِح على رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهَروا أمَام قرَيش في الكَعبة لما بلَغ عددُهم ثمانيةً وثلاثيْن رجُلا، فقال: " يا أبا بكر إنَّا قليْل " فلم يزَل أبو بكر يلِح حتى ظهَر رسُول الله وتفرَّق المسْلمون في نواحي المسْجد كل رجُل في عشْرين، وقام أبو بكر في النَّاس خطيبَا، ورسول الله جَالس، فكَان أول خطيْب دعا إلى الله وإلى رسُول الله، وثَار المشْركُون على أبي بكر فوطؤوه وضَربوه ضَربا شَديدَا، ودنا منه الفَاسق عُتبة بن رَبيعَة فجَعَل يضربُه بنعلين ويحرفُهمَا في وجْهه، ونزَا على بطنه، حتى حَملُوه ولا يشُكون في موته وقال بنو تيم قبيْلتُه: والله لئن مَات لنقتُلن عتبَة بن ربيعَة، فجَعلوا يكلمُون أبا بكر حتى كان آخِر النَّهَار فأجاب، فكان أول ما قال: ما فعل رسول الله؟ فتكلموا عليْه وعَذلُوه وقاموا عنه، فجَاءته أمه أم الخَير بطَعَام فقال: إن لله علَي أن لا أذُوق طعَامَا ولا أشرَب شَرَابَا حتى أرى رسُول الله، فلما جَن الليْل وسَكن النَّاس خرج يتكئ علَى أمه وأم جَميْل بنت الخَطَّاب حتى أتى رسول الله فأكَب عليه يقبِّله، وأكب عليه المسْلمون يعانقُونه – رضي الله عنه وأرضاه –.
------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري (2581).

--------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:31 AM
من مقامات النبوة (9) مقام الدعوة
ــــــــــــــــ



(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/806051433100940.jpg

مقَامُ الدَّعْوَة
----------

إذا أرَدت أن تعيش في ميدَان السبَاق والتضْحيَة، وأحببْت أن تشَاهد همَّاً رسَخ في القَلب، وتغَلغَل في الرُّوح، وسَرى في الأعمَاق، وتشَربه الجَسَد، وجَرى مجْرى الدَّم، وتخَلل شُريان العُروق، وقَام مقَام الطعَام والشَّراب، فاقرأ وقلِّب صفحَات سِيرة الحبيْب صلى الله عليه وسلم ودعْوته، وانظر إلى حيَاة حفَلَت بالصدْق، وامتَلأَت بالعَدل، وازدَهَرت بالبَذل، وتجَمَّلت بالكَرم، وأينَعت بالجُود، واكتَمَلت بهدَاية البَشَرية
تبْني الفَضَائل أبرَاجَاً مُشَيَّدةً
نصْب الخِيام التي من أََروَع الخيَمِ
إذا مُلوك الوَرَى صَفوا مَوَائدَهَم
عَلَى شَهِي من الأكْلات وَالأُدُمِ
صَفَفْتَ مَائدَةً للرُّوح مَطعَمُها
عَذبٌ من الوَحي أو عَذْب من الكَلمِ
إن كَان أحبَبْت بعْد الله مِثلَك في
بَدو وَحَضْر ومن عُربٍ ومن عَجَمِ
فلا اشتَفَى ناظِري من مَنظَر حَسَن
ولا تَفوَّه بالقَول السَّديْد فَمِ
لقد استَغَل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل لحظَة من لحَظَاته، وكُل فرصَة في حيَاته، لدَلالَة الأمة على الخَير، ودَعْوة الناس إلى الرُّشْد، وهدَاية البشَرية إلى النُّور، "فقد دعَا في جميع الأمَاكن والأحوَال والأزمَان، ودَعَا جميْع أصنَاف النَّاس، واستخدَم جميع الأسَاليب المشْروعَة.
دعَا فوق الجبَل، وفي المسْجِد، وفي الطَّريق، والسُّوق، وفي منَازل الناس بالموَاسم، وحَتى في المقْبَرة، ودعَا في الحَضَر والسَّفَر، وفي الأمْن والقتَال، في صحَّته ومَرضِه، وحينمَا كان يزُور أو يزَار. دعَا من أحبُّوه، ومن أبغضُوه وآذَوه، ومن استمَعوا إلى دعْوته ومن أعرضُوا عنها. وبعَث الرسَائل والرسُل إلى الملُوك والرؤسَاء، ممن لم يتمَكن من الذهَاب إليهم بنفسه" [1].
وتأمَّل كيف كَان يستغِل كل فرصَة ولحظَة وحدَث، كل ذلك تبليغَا لرسَالة الله، ورحمَة ورأفَة في الأمة أن تهْوى في شفِير جهنَّم، فهذا صبي يهُودي كان يخدِم النبي صلى الله عليه وسلم فمَرض ذاتَ مرَّة، فأتاه النبي يعُوده، فقعَد عند رأسِه وإذا هو في لحظَات الاحتِضَار وآخر سَاعَات الدُّنيا، فقال له: "أسْلِم" فنظَر الصبي إلى أبيه وهو عندَه فقال له: أطِع أبا القَاسم، فأسْلم، ثم مات فخَرج النبي صلى الله عليه وسلم مسْتبشِراً فرحاً وكأنما حيِزَت له الدنيَا بحذافيْرها وهو يقول: "الحمْدُ لله الذي أنقَذَه بي من النَّار" [2].
فانظُر كيف أنه اجتمَعت فيه خصْلتَان تجعلان المرْء لا يعبؤ به، الصغَر واليهُودية، إضافة إلى كونه على فراش الموت فلو أسلم لما انتفع به المسلمون بشيء، ومع ذلك لم يزدَري ذلك – عليه الصَّلاة والسَّلام – ولم يحتَقره بل حَاول حتى شَرَح الله صدرَه، ليعلم النَّاس أن هذا الدين قَام على طلب الهدى والخير لهم، لا لمصالح شخصية، أو مطامع سياسيَّة.
وفي موقف مشَابه يدخُل رسول الله على عمِّه أبي طَالب الذي آزرَه ونصَره، وهو في سَكَرات الموْت فلم يَيأس من دعوَته، مع أنه عَاش يدعُوه عشرَ سنين فلم يسْلم، فوقف على رأسِه وهو يقوْل: "يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال رأسُ الشرك أبو جهْل وعبد الله بن أبي أُمية دعَاة إبليس على أبواب جَهنَّم:يا أبا طالب أترغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسُول الله يعرضُها عليه، ويعودَان بتلك المقَالة حتى كان آخرَ ما قال: هُو على ملة عبد المطلب. ثم أنزَل الله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[القصص:56] [3] ولم يكُن – عليه الصَّلاة والسَّلام – يحقِر أحداً أو يبْخل في علم على أحَد، ففي أحَد الأيام كان يسيْر على حمَارٍ له وقد أردَف خلفه عبد الله بن عبَّاس وكان غلامَا صغيرَا، فقال: "يا غُلام إني أعلمك كلمَات: احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سَألت فاسأَل الله وإذا استَعَنت فاستَعن بالله، واعلَم أن الأمة لو اجتمعُوا على أن ينفَعوك لم ينفعُوك إلا بشئٍ قد كتبه الله لَك، ولوا اجتَمعوا على أن يضُروك، لم يضُروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله علَيك، رفعَت الأقلام وجفَّت الصُّحُف" [4].
وهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحَدث عن دعوته فيقول: لبِث رسُول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنِين يتبع الناس في منَازلهم في الموَاسم ومِجنَّة وعُكَاظ ومنازلهم في منى فيقول: "من يؤويني؟ ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة" فلا يجِد أحدا ينصُره ولا يؤويه، حتى إن الرجُل يرحَل من مصْر أو اليمَن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومُه فيقولون له: احذَر غُلام قرَيش لا يفتنَنك [5].
وقال رجُل من كنَانة: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسُوق ذي المجَاز يتخللها يقول: "يا أيها النَّاس قولوا: لا إلَه إلا الله تفلحُوا" وأبو جَهل يحْثي عليه التُّراب ويقول: لا يغْوِيْكم هذا عن دِينِكم، فإنما يُريْد لتترُكوا آلهتَكم، وتتركوا اللات والعُزَّى، وما يلتفِت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم [6].
وفي أحَد أسفَاره وهو يمشِي أقبَل عليه أعرابي فلما دنا منه قال له: "أين تُريد؟" فقال الأعرابي: إلى أهْلي. فقال: "هل لك إلى خَير؟" قال: وما هُو؟ قال: "تشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شَريك له، وأن مُحمَّدا عبده ورسُوله" فقال الأعرابي: هل من شَاهد على ما تقول؟ قال: "نعم هذه الشَّجَرة" فدعاها صلى الله عليه وسلم وهي على شَاطئ الوادي، فأقبَلت تخُد الأرض خدَّاً، فقامَت بين يديه، فاستَشهدَها ثلاثَا فشهدَت أنه كمَا قال، ثم إنها رجَعَت إلى منبتِها، فرجع الأعرابي إلى قومِه فقال: إن يتبعُوني أتيتُك بهم، وإلا رجَعت إليك وكنت معَك [7].
بل بلَغ من حرصِه – عليه الصلاة والسلام – أنه كان يرجُوا هداية أجيَال من آذَوه أشَد الأذَى وطردُوه وسخِروا منه، فعندما رجَع مردودَا من الطائف أرسَل الله له مَلك الجبَال فخَيره إن شَاء أن يطبِق عليهم الأخشبين جبَلي مكة فيموتوا فقال علَيه الصَّلاة والسَّلام: " بل أسْتَأني بهم لعَل الله أن يُخرج من أصْلابهم من يعبُد الله [8].
ولما تُوفي أحَد أصحابه ووضعوه ليُلحدوه في قبره، انتهَز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفرصَة، ولحظَة التأثر من أصحَابه، وفرصَة اجتمَاعهم، فوعَظهم موعظة جَليلَة عظيمَة وعلمهم فيها ما يحصل للميت من نَزْع الرُّوح وحضُور الملائكة، وصعُود الرُّوح إلى السَّماء، وماذا يحصُل له بعد مماته في قبره وسؤَال الملكَين له [9].
بل إنه – صَلَوات الله وسَلامه عليه – لم يترك دعوَة هذه الأمة حتى وهو في مرَض الموت فقد كان يقول: "قاتَل الله اليَهود والنصَارى، اتخذوا قبُور أنبيَائهم مسَاجِد" يحذر من صنيعِهم [10]، بل الأعظَم من ذلك أنه كان وهو يجُود بنفْسه، وفي غَرغَرة حُلقُومه، يدعو الأمة فيقُول: "الصَّلاة الصَّلاة، وما مَلكَت أيمانُكم" [11].
لتحْمِل هذه الرسَالة الخَالِدَة على أكتَافها، ولتخْرج العبَاد من عبَادة العبَاد إلى عبَادة الله وحدَه، ولتكون مشْعَلاً ونبراسَاً يضئ في ديَاجي ظُلمَات الجهْل والشِّرك.
وكان يراعي نفسياتِ الآخرين وجوانب التَّأثير فيهم كلٌ بما يناسبه، ففي صلح الحديبية أرسلت قرَيش رجلاً من بني كنَانَة ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أشرف قال صلى الله عليه وسلم: "هَذَا فلَان، وَهُوَ من قوم يعظمون الْبدن، فابعثوها لَهُ" فَبعثت لَهُ، واستقبله النَّاس يلبون. فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا يَنْبَغِي لهَؤُلَاء أَن يصدوا عَن الْبَيْت، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه قَالَ: رَأَيْت الْبدن قد قلدت وأشعرت، فَمَا أرى أَن يصدوا عَن الْبَيْت.
ولما أسلم أبو سُفيان قال العَباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: "نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ".
وعلم تأثُّر سادة القَبائل بالمال فأعطاهم يتألفُهم ليقوى إيمَانهم، وليؤثروا فيمن تحتَ أيديْهم من العَامة.
وهكذا كان يكسب النَّاس بما يرغبونه ويحبونه.
فعلى كل مؤمِن أن يسيْر على خُطا حَبيبه، ويسْلك منهَج نبيه وقدوَته، ويرفَع شعَار:
هي دعوَة لله أقبَل فجْرهَا
بالنُّور يخفِق مُشْرقَا وضَّاءا
ضَربَت بأعمَاق النفُوس جُذورُها
وسَمَت منَاراً للهُدى ولوَاءَا
وسيُزهر الحُلم الذي نصْبو اله
أرضَاً تعانقُ في الوجُودِ سمَاءَا
ياللعزائِم حين تنهَض حرَّةً
وتُحطِّم النَّير البغِيْض هَبَاءَا
تمشي علَى هَام النجُوم عَزيزَةً
تذكي النُّفوس تَوثُّباً ومضَاءَا
"لقد فرغ رسُول الله صلى الله عليه وسلم من أمْر بطنِه، فما يفَكر أجَاع في سبيْل الدعوَة أم شَبع، وفرَغ من أمر جِلدِه فما يبُالي ألبِس أكسَية الصُّوف أم ارتدَى برُود اليمن، وفرَغ من أمر الجَاه فما يعيقُه أن يُلقى في طريقه الشَّوك، ولا يزدَهيْه أن يفرَش بالوروْد، لم يفَكر في أن يستَغِل دعوته لينَال زعَامَة، ولو أرادَها لكانت طَوع يدَيه، أو ليَجمَع مَالا، أو ليَقتني ضَيعة، أو ليمُد يَده إلى أتبَاعه ليقبلوها ويملؤوها فيَعيش معظمَاً" [12] مبجلاً مرفهاً مخدوماً، ولكن جاهد وناضَل وحمَل الأذَى، ولم يميِّز نفسه عن أصغَر واحِد من أتباعه في مطعَم أو ملبَس ولا متعةٍ ولا جاه , بهذه الحكمَة وبهذا التدبيْر أرسَى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوَاعِد مجتمع جَديْد، كانت صورتُه الظاهرَة بياناً وآثاراً للمعاني التي كان يتمتَّع بها أولئك الأمجَاد، وكان يتعَهدهم بالتعليْم والتربيَة، وتزكيَة النفُوس، والحث على مكَارم الأخْلاق، ويؤدبهم بآدَاب الوُد والإخَاء والمجْد والشرَف والعبَادة والطاعَة، سأله رجُل: أي الإسلام خَير؟ فقال: "تطعم الطعام وتقرؤ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" [13].
كما كان يبين لهم ما في العبَادَات من الفضَائل والأجْر والثوَاب عنْدَ الله، وكَان يربطهُم بالوحْي النازِل من السَّماء ربطاً موثقاً، فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه، لتَكون هذه الدرَاسة إشعاراً بما عليهم من حقُوق الدعوَة وتبعَات الرسَالة، فضْلا عن ضرورَة الفَهم والتَّدبير، وهكَذا هذَّب تفكيرَهم، ورفع معنوياتهِم، وأيقَظ مواهبَهم، وزودَهم بأعلَى القيَم والأقدَار، حتى وصَلوا إلى أعلَى قمَّة من الكمَال عرفت في تاريْخ البشَر بعد الأنبياء.

------------------------------------
[1] سيد رجال التاريخ (ص15).
[2] أخرجه البخاري (5333).
[3] أخرجه البخاري (1294) مسلم (24) .
[4] أخرجه الترمذي (2516) وصححه.
[5] أخرجه أحمد (14694)، وصححه البوصيري. إتحاف الخيرة المهرة (7/352).
[6] أخرجه أحمد (16654)، وصححه ابن الملقن. البدر المنير (1/680).
[7] أخرجه ابن حبان (6505)، والدارمي (6)، صححه البوصيري، وجود إسناده ابن كثير. إتحاف الخيرة المهرة (7/106)، البداية والنهاية (6/130).
[8] أخرجه البخاري (3059) مسلم (1795 ).
[9] أخرجه أحمد (18557)، وصححه البيهقي، في شعب الإيمان (1/300).
[10] أخرجه البخاري (1265) مسلم (531).
[11] أخرجه أحمد (44 / 84)، وصححه البيهقي في دلائل النبوة (7/205)، وجوده ابن الملقن في شرحه للبخاري (21/645).
[12] سيد رجال التاريخ (ص81).
[13] أخرجه البخاري (5882) مسلم (39).

------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-14-2015, 10:34 AM
من مقامات النبوة (10) مقام الإقدام
ــــــــــــــــــــ



(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/813051433120021.jpg


مَقــَامُ الإقـدَام

إذا حَمَل كُل كاتبٍ قَلمَه، ووضَع كل مُؤلفٍ يده ليسَطر كتَاباً، أو يكتبَ مقَالاً، أو يبعَث رسَالة، ترَدد وتحَير وتَوقفَ كثيراً؛ لينظُر بم يفتَتح ويبتَدئ مقَاله وكتَابته، فتَراه ينمِّق العبَارة، ويتفَنن في الصِّياغة، ليَجْذب القَارئ ويشَوقه لمتَابعة أسْطُر المقَالة، أو صفَحَات الكتَاب، ولكن عُنوَان هَذا المقَـام لا يحتَاج في نظمِه وسَبكه لتزويْق العبَارات، ولا لحشْو الكلمَات، ولا لبهرَجة الألفَاظ، ذاك أنه يبعَث في رَوْع قارئه من أول وهْلة معاني العزِّ والإباء، والشُّموخ والجسَارة، فيحَرك كوامن النَّفس، ويلهب عَوَاطف الحس، في المضي قُدماً لكل مَا يقَرب إلى المولى - عزَّ وجَل- ويصْرف عن معصيَته.
فكَيف بك إذا كَان هذا المقَام يتحَدث عن إقدَام أبسَل الشُّجعان، وصَانع الأبطَال، وكاسِر هامَات الفرسان، عمَّن وصَفه أصحَابه وصَحَابته _رضْوان الله تعَالى عليهم_ فقال متحَدثهم واصفَاً إقدامَه وشَجَاعته، وبذله وتضحيَته، " كنَّا والله إذا احمرَّ البأس نتَّقي برسُول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشُّجَاع منا للذي يحَاذي به" [1]، وقال علي – رضي الله عنْه – " لقَد رأيتنَا يوم بَدر ونحْن نلوذ برسُول الله صلى الله عليه وسلم وهُو أقربُنا إلى العَدو، وكان من أشَد النَّاس يومئذٍ بأسَاً" [2].
ملك الشَّجاعَة فهي طَوع زمَامه
ولغَيره جَمَحَت وليسَت تُركَبُ
ومهمَا تحَدثَت الأخبَار، ونقَلت السِّير والآثَار، جُرأتَه وإقدامَه وشَجَاعته، فلن تَستَطيع أن توفي ذلك البَذل، أو تُقوِّم ذلك العَدل، أو تَسِم تلك التضْحِية؛ التي قَام بها عليه الصَّلاة والسَّلام.
وعَلى تفَنُّن واصِـفيه بوَصْفِـهِ
يفـْنَى الزَّمان وفيه مَالم يوصَفُ
إن الإقدَام والشَّجَاعة في حَياته -عليه الصَّلاة والسَّلام- سمةٌ ظاهرَة، وعَلامةٌ بارزَة، فأعْلامُه خفَّاقة، وسُيوفُه برَّاقة، وصَولته في الحقِّ ثَائرة، وجُيوشه في العَدل سَائرة، فتُربة الأرض، وصُخور الجبَال, وأديم السَّماء, تُنبئك عن دَويِّ صَوته، وثبات جأشه، في خمسٍ وعشْرين غَزوةً سَار فيهَا بنفسه، منَاهضَاً لأعدَاء الله الذين جَعَلوا معه شَريكاً في عبَادته وألوهيَّته.
واستَمع إلى أنسِ بن مَالك – رضي الله عنْه – في أحَد مجالسِه وهو يحَدث أصحَابه عن هذه المثُل فيقول: " كان رسُول الله صلى الله عليه وسلم أحسَن النَّاس, وكان أجْود النَّاس, وكان أشجَع الناس، ولقَد فزع أهل المدينَة ذات ليلة، فانطَلق ناس قبل الصَّوت, فتَلقاهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم راجعَاً وقد سَبقَهم إلى الصَّوت، وهو على فرَسٍ لأبي طلحَة عُرْيٍ, وفي عنُقه السَّيف, وهو يقُول: "لم ترَاعُوا لم ترَاعُوا" [3].
ولا غَرْو في ذلك ولا عجَب فهُو القائل " وددت أن أقتَل في سَبيل الله ثم أحيَا ثم أقتَل, ثم أحيَا ثم أقتَل, ثم أحيَا ثم أقتَل" [4]، والقَائل كذلك " لأن أقتل في سَبيل الله أحَب إلي من أن يكون لي أهْل الوَبَر والمدَر" [5].
فلقَد كان بأبي هو وأمي – صَلوات الله وسَلامه عَليه – من أجَلِّ أمانيْه أن يسيل دَمه, وتتَنَاثر أشْلاؤه, في طاعة مَولاه, وفي سَبيل رضَاه.
فَرْد التَّواضُع فرد الجوْد مَكرُمَـةً
فَرد الرجَال عن الأشبَاه والنُّظرَا
أعْلى العُلا في العُلا قَدراً وأمنعُهُم
دارَاً وجَاراً وإسماً في السَّماء ذُرَا
ومن أيامه التي حَفَلت بصِدق إرادته, وثبَات عَزيمته, غَزوةُ بَدرٍ الكُبرَى, التي خرَج فيها مُسرعاً يحُث السَّير, ويستَبق الخطَى, في ثلاثمِائة وأربعَة عَشَر رجُلاً من أصحَابه, يعتقِب بعيراً هو وعَلي ومَرثَدٌ الغنَوي, فلمَّا بلغ الروحَاء أتاه خَبر النفير الذي قامَت به قرَيش لحمَاية قافلتهَا التي كان رسُول الله يريد الاستيْلاء عليها؛ فجَمع عند ذلك رسُول الله صلى الله عليه وسلم أصحَابه يستَشيرهم, وهو الذي ماكان يقطَع أمراً دونهم, فقَام أبو بكرٍ فتكلم فأحسَن, ثم قام عمَر فتكلم فأحسَن, ثم قام المقدَاد فقال: يارسُول الله, امضِ لما أراك الله فنحْن معك, والله لا نقول كمَا قال بنو إسْرائيل لموسَى: اذهَب أنت وربك فقاتلا إنا هَاهنَا قاعدون, ولكن: اذهب أنت وربك فقَاتلا إنا معَكم مقَاتلون.
فَطفق رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أشِيروا عليَّ أيها النَّاس" وإنما يريْد الأنصَار, لأنهم لما بايعوا ليلة العَقَبة بايعوه على أن يمنَعوه مما يمنعُون منه أبناءهم ونسَاءهم مادام بين أظهُرهم, ولم تكن المبَايعة على القتَال خَارج المدينة, فقَام سَعد بن معَاذ فقال: لقَد آمنا بك وصَدقناك, وشَهدنا أن ماجئت به هو الحق, وأعطينَاك على ذلك عهُودنا ومواثيقَنا على السَّمع والطاعَة لك, فامض لما أردت فنَحن معك, فوالذي بعثك بالحق لو استَعرضت بنا البَحر فخضتَه لخضنَاه معك ماتخَلف منا رجُلٌ واحِد, ومانكره أن نلقى عَدونا غَدا, إنا لصُبر في الحرب, صُدق عند اللقاء, لعل الله أن يريك منا ما تقَر به عينك, فَسر بنا على بركة الله, فَسُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " سِيروا وأبشِروا, فإن الله وعَدني إحدى الطَّائفتين, والله لكأني أنظر إلى مصَارع القوم" ثم مضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نَزل عند آبار بَدر فأمطرَت السَّماء تلك الليلة, فكان على المشْركين وابلاً شَديداً وكان على المسْلمين طَلاً طهَّرهم الله به, وأذهَب عَنهم رجْز الشَّيطان, ووطأ به الأرض وثبَّت به الأقدام, ومهَّد به المنزل.
فلما كان الصَّباح بنى الصَّحَابة له عَريشَاً يُطل به على ميدان القتال, فَنزَل إلى سَاحة المعرَكة وجَعل يشير بيده "هَذا مصْرع فلان" ويضَع يده على الأرض هَاهنَا وهَاهنَا, فما تبَاعد أحَدهم عن موضع يد رسُول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي إشَارته هذه لفتَة مهمَّة في جانب تَعزيز الثقَة بالنفْس لدَى الأتبَاع، وأن الظفَر لهم وحليفُهم، من غير مبالغَة في الموعُود تحققه.
وفي ليلة المعرَكة أصَاب المسْلمين نعَاس ألقي عليهم فناموا, وقام أكمَل الخلق إيماناً, وأرسخِهِم يقيناً, وأصدَقهم عبَادةً, يوحِّد خَالقه ويَدعوه ويتَمَلقه, ويَسأله النَّصر والتمكين, ويُلح عليه, ويتضَرع بين يديه, فأجَاب له الله ماطلَب, ويسَّر له ما أرَاد, وأمَده بجُندٍ من الملائكَة يتقَدمهم ويقودهم رُوح القُدس – جبريل – عَليه السَّلام, وفي ذلك يصْدح حسَّان بأفخَر بيتٍ قالته العرَب واصفَاً ذلك الشَّرف وتلك المكرمة.
وبيـَوم بـدرٍ إذ يرُد وجُوهَهُم
جبْـريل تـَحْت لـوائنَا ومحمَّد
فلما نشَب القتَال, والتحَمَت الصُّفوف, قام - عليه الصَّلاة والسَّلام – يدعو ربه ثانيةً حتى سَقَط الرِّداء من ظهره وهو يقول: "اللهُم إن تهلك هذه العصَابة اليَوم, لا تعبَد في الأرض أبدا" فأشفَق عليه الصِّدِّيق– رضي الله عنه – فجَعل يرفَع الردَاء على عَاتقه ويقول: يارسُول الله بعض منَاشدتك لربِّك, فإن الله منجزٌ لك ماوعَدَك, فأخَذَت رسُول الله صلى الله عليه وسلم سِنة من النوم, ثم استَيقظ مبتَسماً, فقال: " أبشِر يا أبَابكر هَذا جبريل على ثنَاياه النقْع " ثم خَرَج من باب العَريش وهو يتلو {سيهزم الجمع ويولون الدبر} فأعزَّ الله جُنده, ونصَر عبده, وكسَر كبريَاء قريش, فقُتل منهم سَبعون, وأُسرَ سَبعون آخرين.
ولما رجَعت قريش في غَزوة أحُد, لتثأر لقتلاها في معركة بَدر, خَرج رسُول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبسَ الدرع والمغفَر, في ألفِ رجُل من أصحَابه, للقَاء المشركين, فلما كان ببَعض الطريق رجَع عبدالله بن أبي بن سَلول بثلث الجيش, وقال بمَنطق النفَاق الذي مازال يردده تلامذته عَبر العصُور إلى هَذا الزمَن, {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ }، فلم يثن ذلك شَيء من عَزم المصْطَفى وعَزيمته صلى الله عليه وسلم بل تقَدم حَتى نزل أحُدا, فصَف الجيش وعَبأ الصُّفوف, ووضَع الرُّماة فوق الجبَل خَلفه لئلا يبغَتَهم العدو من خَلفهم, وقدمَت قريشٌ بحَدِّها وحَديدها وكبريائها, تحَاد الله ورسُوله, فنشب القتال, وحَمي وَطيس المعرَكة, فكانت الغَلبة للمسْلمين وفَر المشْركون على أعقابهم, فنزَل الرمَاة وخَالفوا أمرَ القائد، فَكرَّ خالد بن الوليد من خلفهم بكتيبَة من المشْركين, فقتَل من بقي من الرمَاة على الجبَل, ودَارة الدَّائرة على المسْلمين, فشَرف الله منهم رجَالاً بالشَّهادة واصطَفاهم, فبينَما هم كذلك إذ سمعَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم صَوتاً يقول: أين محمَّد لانجَوت إن نجا.فإذا هو أُبي بن خَلَف , وقد كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم عندي فَرس , أعلفهَا كل يوم فَرَقاً من ذُرة , أقتلك عليهَا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أقتُلك عليها إن شَاء الله". فلمَّا رآه يوم أحُد , شَد أُبيٌ على فرَسه على رسُول الله صلى الله عليه وسلم , فاعترَضه رجَال من المسْلمين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيَده هَكذا, أي خَلوا طريقَه , وتنَاول الحربَة من الحارث بن الصِّمة , فانتفَض بها انتفَاضةً تفرَّقوا عنه تفَرق الحمُر قد باغتهَا الأسَد , وطعنَه في عنقِه طعنةً تَدَأدَأ فيها عن فرسه مرَاراً , فرجَع إلى قريش يقول: قَتلني محمَّد , وهم يقولون: لا بأس لم يصبْك أذى , فقال: لقَد وعدني أن يقتلني بمكة والله لو بصَق علي لقتَلني , فمَات عدُو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة . وانتهَت تلك الغزوَة بما فيها من دروسٍ وعبَر , وجَاءت غَزوة الأحزَاب , فقام فيها رسُول الله صلى الله عليه وسلم وصحَابته – رضي الله عنهم – أعظَم قيام , وصَمَدوا أمام طوفان التحَزب المشْرك البالغ عشرَة آلاف رجل بأمنع سلاح , وأجوَد متَاع , وهم لايجاوزون الثلاثة آلاف مع ضعفٍ في العتَاد , وشَظفٍ في العيش , ورفع الله مَنار الإسلام بعد ذلك اليوم, فجَعل المسلمون بعدَها يَغْزون ولا يُغزَون , ثم جَاءت سَنة الحديبيَة فأشِيع فيها مقتل عثمَان , فهَب رسُول الله صلى الله عليه وسلم في ثبَاتٍ , وشمَّر في عَزيمة, وصَاح في أصحَابه فتواثبوا إليه يبايعونه على الموت , وهو مستَظل تحْت شجَرة , فأنزل الله – جَل في عُلاه – رضَاً بما صَنعوا , وإكراماً لهم على ماقدموا , آياتٍ فيها الرضى منه عليهم , والثناء والمدح , تتلى وتُردد إلى أن يَرث الأرض ومَن عليها , وأخبَر النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه " لن يدخُل النار أحَدٌ بايع تحت الشَّجَرة "[6], ورجَع عثمَان ولم يكن الخبر صَحيحَاً فتم الصُّلح الشهير مع قريش , فلم يكن المشركون ليوفوا بذمَّة , ولا ليفُوا بعهْد , فنقَضُوا ما أبرموا مع رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فنفَر إلى مكة بين يديه جَحَافل الإيمان, وعسَاكر الإسلام, في مَقْدمٍ لم ترَ الأرض في ذاكَ الزمَن أبهى ولا أجَل مَنظراً منه, فدَخَل مَكة التي أُخرج منهَا, وطَالما طَارده رجَالها, ووقفوا عَثرةً في طريق دعوته, فاتحاً عَزيزاً, مُكرماً مبَجَّلاً, فلم يلهِه بهجَة الفتْح , ونشوَة النصْر , وعزَّة الموقف , عن الشُّكر والحمْد للمنعِم المتفضِّل , فدخَلها في غَاية الذُّل , وكمَال الخضُوع لربه, متخَشعاً، ذقنه على راحلته, فكادت جبَال مكة أن تميل طرباً, وهضَابها أن تميد فرَحاً, وأرضهَا أن تعَانق السَّماء, أنسَاً وبهجَةً ...
في خير من حَمَلت أنثَى ومن وضَعت
وخَير حَافٍ على الدُّنيا ومنَتعلِ
ثم جمَع أولئك الذين آذوه ولمزوه وأخرَجُوه , عندَ الكعبة التي كان قَبْل سنَوات يوضَع على ظهْره عندَها من قِبَلهِم سَلا الجزُور, ويُنصب بين يديه فيها الأصنَام عنَاداً وتعَنتاً , فما تُراه يصنع بهم؟! وبمَ تظن عقَابهم سَيكون؟! لقَد قام فيهم وعلى وجوههم علامات الخَوف والوجَل , وقسَمَات الحيَاء والخجَل , فقال في هُدوء الصَّمت الذي يُخيِّم عليهم: "ما تظنُّون أني فاعلٌ بكُم؟!" فقَالوا: خَيرا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كَريم! فقَال صلى الله عليه وسلم في منطقٍ يهتَز نضرةً ويتَألق عَظمةً: "اذهَبوا فأنتُم الطُّلقَاء"
- خـُلقٌ أرقُّ من النـَّسيم ونفحَةٌ
تُغـني العـَديم وتنجِدُ المجهُودَا
- وسَـريـْرَةٌ مَـرضيَّةٌ وعَـزيمةٌ
عُـلويـَّةٌ سمَت السَّمَاء صُعُودَا
- ذا البَحر علمَاً ذا النجُوم طلائعَاً
ذا الصَّخْر حِلمَاً ذا الغَمَامةُ جُودَا
ثم انطَلقَ بعد فتح مَكة إلى هوَازن وقد اجتمَعوا في حُنين في عشْرين ألف رجُل , فلمَّا نزلوا وادي حُنين مع انبلاج الصُّبح , فجَأتهم هَوازن في كَمينٍ في فم الشِّعب , وكانوا رجَالاً رمَاةً , فَفَر المسْلمُون , ولم يبق مع رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبوسُفيان بن الحارث آخذٌ برأس بغْلته , ونفَر قليل من أصحَابه، فجَعَل يقول وهو الذي لا يعْرف الهزيمَة: "أين أيها النَّاس؟ هلمُّوا إلي أنا رسُول الله , أنا محمَّد بن عَبدالله " ثم جَعَل يقاتل ويُركِض بغلته نحْو العَدو وهو يقول:
أنـَا النـَّبي لا كَـذِب
أنـَا ابن عَـبْد المطَّـلـبْ
ثم أمرَ العباس وكان صَيتاً جَهورِي الصَّوت , أن ينَادي الأنصَار , وأصحَاب بيعَة الرضْوان , فكَروا إليه , وتجمَّعوا حَوله , فاشتَد النِّزال , وتقَارع الأبطَال , فقال صلى الله عليه وسلم وهو ينظُر إلى شدَّة البأس , وحَمْأة المعرَكة , " الآن حَمي الوَطيس " ثم نزَل على الأرض , فأخَذ حفنَة تراب فرَمَى بها وجُوههم وقال:" شَاهَت الوجُوه " فمَا خَلق الله منهم إنسَاناً إلا ملأ عينيه ترَاباً بتلك القبضَة , فوَلوا على أدبَارهم مدبرين , ونصَر الله رسوله والمؤمنيْن [7].
ومَع هذا كُله فقَد كَانَت شَجَاعته صلى الله عليه وسلم شَجَاعةً من غَير بطش، وقتَالاً من غَير تعَد أو ظُلم، وإقدَاماً من غَير حِقدٍ أو انتقَام، فلا يبتَدئ بقتَال أحدٍ حتى يُعذره ويُنذره، ثم يخَيره بين الإسْلام أو الجزية، فإن أبى قاتلَه ونازَله، وكان يأمر سَراياه وبعُوثه وجُيوشه، ألا يغلُّوا ولا يغدرُوا، ولا يقتلوا صَغيراً أو امرَأة، أو راهبَاً في صَومعته، أو شَيخاً كَبيراً، وكان يأمُرهم بالإحسَان إلى الأسْرى، ويُرسِّخ ذلك عمَلياً أمام أعينهِم، كمَا في قصَّته مع ثُمامة بن أُثال، وكان مع أعدائه خَير من الناس مع أصحَابهم وأحبَابهم، فهكذا كانت هي سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وحَياته وشَجَاعته، مع البعيد والقَريب، والعدو والصَّديق، فشَاهت وجُوه عبَّاد الصَّليب، الذين أظلمت وانعَكسَت في أعينهم الحقَائق، فرَأو الحق باطلاً والباطل حَقا.
------------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم (1676).
[2] أخرجه أحمد (2 / 81).
[3] أخرجه البخاري (2751) مسلم (2307).
[4]أخرجه البخاري (2644) مسلم (1876).
[5] أخرجه النسائي (6 / 33)، وحسنه الألباني.
[6] أخرجه أبو داود (4653)، والترمذي (3860) وصححه.
[7] أخرجه البخاري (2728)، ومسلم (2498) .

------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 07:59 AM
من مقامات النبوة (11) رحمة للعالمين
ــــــــــــــــــ

(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/819051433125210.jpg


رحْمَةً للعَالميْن

لقد امتزَجت الرحمَة، وخالط الكرم، وضَوَّعت المحبة خَلايا دمه، ومنَاسم عُروقه، _عليه الصلاة والسلام_ فلم يعُد يبالي وينظر أوقَف من أجل مشكِلة ناقة وجمل، أم من أجل جَارية ضاقت بها الحيَل، وانقطعَت عليها السُّبل، أم لأجل صَبي أحب أن ينفُث مشَاعره، ويبُث هموم صبَاه، أم لأعرابي خلِق الثوب، متطَاير الشَّعر، جاف الطبَاع، كل ذلك في ميزانه سوَاء؛ وأن يقف لأجل قبيْلة بكاملها، أو سادَات قوم، أو فرسَان بواسِل، أو خطَباء مفَوهين، فلم يكن شرَف النبوة، وكَرَم الرسَالة، ورفعَة الجَاه، وعزُّ الجنَاب، يحول بينه وبين أن يمشي في حاجَة الصغِير قبل الكبير، والجَارية قبل السَّيد، والحيوان والبهيمَة والطيْر، ففي أحَد أسفاره ومعه أصحابُه – رضوان الله عليهم – ذهَب – عليه الصلاة والسلام – لحاجَة له، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من فجَع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: «من حَرق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا ربُّ النار» [1].
جَاءت إليه حَمَـامةٌ مشـتَاقة
تشْكو إليه بقَلب صَبٍ واجِفِ
من أخْبَر الوَرْقاء أن مكَانه
حَرَم وأنَّك ملجَأٌ للخَائفِ
ودخَل ذاتَ مرةٍ في نفَر من أصحَابه بستَاناً لرجل من الأنصَار، فإذا فيه جمَل: فما إن رأى رسُول الله حتى حَن الجمَل وذرَفَت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسَح ذفْرَاه فسَكن، ثم قال: "مَن ربُّ هذا الجمَل؟ " فقال فتى من الأنصَار هو لي يا رسول الله، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: ألا تَتقي الله في هذه البَهيمة التي مَلكك الله إياها، فإنه شكَا إلي أنك تجيعُه وتدئِبُه !! [2].
حنَّت له النُّوق من وَاد العقِيق بكَت
تجْـري بأحمَالهـا شَوقاً للقيَـاه
وفي حَجة الودَاع لما أرَاد – عليه الصلاة والسلام – أن ينْحَر الإبل للهَدْي كانت الإبل والنُّوق تتسَابق، وتتصَارع، أيهَا تتشرف وتحظى بنَحر رسول الله لها بيَده الشَّريفة [3]، فإذا كانت هذه نوق وجمَال تَدافعت وبادَرَت لتحْظى بشرف النحْر باليَد فقط، فأين رجَال الإسْلام، وفتيَان الإيمان، وأحفَاد الكرَام، من بذل الغَالي والنفِيس، وإزهَاق الأرواح والمهَج، وتسْخير الأوقات والأموَال، طاعة لله واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم!! وأين من ادعَوا أنهم فدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بآبائهم وأمهَاتهم وأنفسهم، فلم تُتَرجم ذلك أعمَالهم، ولم تقم شاهِدة على ذلك أفعَالهم، "فإن محَبة رسول الله ليسَت دعوى باللسَان، ولا هُيَاماً بالوجدَان، ولا عبَارات ترَدد، ولا كلمَات تقال، ولا شعَارات ترفَع، ولا مشَاعر تجيْش، ولا شعَائر تقَام فحسب"[4]، وإنما هو مع ذلك انقيَاد لله وللرسول، واتباع للمنهج الذي يحمِله الرسول. ولما كان عليه الصلاة والسلام يخطُب على جذْع شجَرة فصنع له منبَر ليخطُب عليه، فلما صَعد على المنبر بكَى ذلك الجذع الذي كان يقُوم بجَانبه، حزْنا على فراق ذاكَ الجسَد الطَّاهر،، واللسَان الصَادق، واليَد الشَّريفَة، وحزن كذلك على موَائد الوَحي، ورياض الجنَّة، وبسَاتين الإيمان التي كانت تقَام بجَانبه، فنزَل الشفيق الرحيْم إلى ذلك الجِذع فاحتضَنه فجعَل يئن ويخفت صَوته كالصبي الذي يُسكَّت، حتى هدَأ وسَكن، فقال عند ذلك نبي الرحمَة: "والله لو تركتُه لحَن إلى يوم القيَامَة! [5]. وكان الحسَن البصْري إذا حَدث بهذا الحديث بكَى وقال: يا أهل الإيمان جذع يحِن إلى رسول الله، أفلا تحِن إليه قلوبُكم!!.
وكان يخفف الصلاة التي هي قرة عينه وأنس روحه من أجل بكاء صبي؛ لئلا ينشغل قلب أمه عليه.
وجاءه أحد أصحابه يسأل عن شفقة ورحمة يجدها في قلبه للبهيمة عند ذبحها فكان من سؤاله: يا رسول الله إني لأذبح الشاة، وأنا أرحمها - أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها - فقال: "والشاة إن رحمتها رحمك الله" [6].
وخرج صلى الله عليه وسلم في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال: أين صاحب هذا البعير؟! فابتغي فلم يوجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها صحاحا، واركبوها سمانا" كالمتسخط آنفا [7].
ومر على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبل هذا! أتريد أن تميتها موتتين؟! [8].
فإذا كانت هذه رحمته ووصيته بالحيوانات والبهائم التي لا تعقل، فكيف سيكون حاله مع من كرمه الله بالعقل من البشر؟! ولهذا اكتفيت بذلك عن ذكر حاله مع الناس ورأفته بهم.
كل القـُـلوب إلى ****** تميل
ومعي بذلك شَاهد ودلــيل
أما الدلــيل إذا ذكَرت محمداً
ارت دمُوع العاشِقين تسِيل
هذا رسـُـول الله هذا المصطَفى
هذا لرَب العَـالمين خليْل
هذا الذي رد العُــيون بكفه
ابدت فوق الخدُود تسِـيل
هذا الغمـَامة ظللته إذا مشَى
كانت تقيل إذا الحبـيْب يقيل
صلّى عليك الله يا عَـلم الهدى
ما حَن مشتَاق وسـَار دليـْــل

--------------------------------------------------
[1] أخرجه أبو داود (4 / 367)، وصححه ابن الملقن، وقال ابن مفلح: إسناده جيد. البدر المنير (8 / 689)، الآداب الشرعية (3 / 357).
[2]أخرجه أبو داود (2549)، وأحمد (1754)،وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي والألباني.
المستدرك على الصحيحين (2 / 109).
[3] الخبر عند الإمام أحمد (190986) وصححه شعيب الأرنؤوط.
[4] ينظر: في ظلال القرآن (1 / 387).
[5] أخرجه البخاري (875).
[6]أخرجه أحمد (24 / 359)، وصححه الحاكم وابن القيم. المستدرك (4 / 257)، جلاء الأفهام (1 / 167).
[7] أخرجه أحمد (4 / 180 - 181)، وابن حبان (844) وقال الألباني: سنده صحيح على شرط البخاري. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1 / 63).
[8]رواه الطبراني في المعجم الأوسط (4 / 54)، والحاكم (4 / 257)، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي والألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1 / 64).

--------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 08:02 AM
من مقامات النبوة (12) دلائل النبوة
ــــــــــــــــــ


(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/827051433113636.jpg



دَلائِـــل النُّبَوَّة
-----------

في كلام الله وإعجازه غُنية عن كل آيَة وكرامة، ومع ذلك فقَد أيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمعجزات وآيات بهَرت كل من رآهَا، ثبتت بها الأخبَار، ونقلها الصحابَة الأخيار رضي الله عنهم، ومما ورد مما صح به النقل حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً أفْيَح، فذهب رسول الله يقْضي حاجَته، فلم يَر شَيئاً يستَتر به، وإذا بشَجَرتين في شَاطئ الوَادي، فانطَلقَ إلى إحدَاهما فأخَذ بغصن من أغصَانها، فقال: "انقَادي علي بإذْن الله" فانقَادَت معه كالبَعير المخْشُوش – سريْع الانقيَاد – الذي يصانع قائدَه، حتى أتى الشجَرة الأخْرى فأخذَ بغصْن من أغصَانها، فقال: "انقَادي علي بإذن الله" فانقَادت معه كذَلك، حتى إذا كان بالنصْف مما بينهمَا قال: "التَئما علي بإذن الله"، فالتَأمتَا، فجلسْت أحدث نفسِي، فحَانت مني التفَاتة، فإذا برسول الله مقبِلاً، وإذا بالشجَرتين قد افتَرقتَا كل واحدة منهما على سَاق!! [1].
ومن المعجزَات التي أيده الله بها، أن المشْركين سأَلوه أن يريهم آية، فأراهم القَمَر، فانشَق حتى صار فرقَتيَن نصفَه على جبَل أبي قُيس ونصفَه الآخر على الجبَل الذي أمَامه [2]، وهو المرَاد بقوله سبحانه "اقترَبَت السَّاعة وانشَق القمر" ونبَع الماء من بين أصَابعه غير مَرة، وسَبح الحصَى في كَفه، ثم وضعَه في كَف أبي بكر، ثم عمَر، ثم عثمَان فسبَح، وكانوا يسمَعون تسبيْح الطعَام عنده وهو يؤكَل، وسلم عليه الحجر والشجَر ليالي بعِث، وكلمَته الذراع المسمُومة، وأصيبَت رجْل عبد الله بن عتِيك الأنصَاري، فمسَحهَا فبرأَت من حينهَا، وأخبر أنه يقتُل أبي بن خَلف في أحُد، فخدشه خدشَاً يسيراً فمَات، وأخبر يوم بَدر بمصَارع المشرِكين فقال: "هذا مصْرع فلان غداً إن شَاء الله، وهذا مصْرع فلان" فلم يعْد واحد منهم مصْرعه الذي سمَّاه، وأخبر أن طوَائف من أمته يغزُون البحْر، وأن أم حَرَام بنت مِلحَان منهم، فكَان كما قال. وقال لعثمَان: "إنه سيُصيبُه بلوَى" فقتِل. وأخبر بمَقتل الأسْود العنسي الكَذاب ليلة قُتل وبمن قتله وهو بصنعَاء اليمَن، وبمثل ذلك في قتل كسْرى، ودعا لأنَس بن مالك بطول العمُر وكثرة المَال والولَد، وأن يبارك الله له فيه، فولد له مائة وعشرون ذَكراً لصُلبه، وعَاش مائة وعشْرين سنة. وكان عُتبة بن أبي لهَب قد شق قميصَه وآذاه، فدَعَا عليه أن يسَلط الله عليه كلبَاً من كلابه، فقتَله الأسَد بالزرْقاء من أرض الشَّام، وشكي إليه قحُوط المطَر وهو على المنبَر، فدعا الله عز وجل، وما في السَّمَاء قزَعَة فثَار سحاب أمثَال الجبَال، فمُطروا إلى الجمعَة الأخْرى، حتى شكي إليه كثرة المطَر، فجعل لا يشِير للسحَاب إلى ناحية إلا ذهَب إليها، وأطعم الله أهل الخندق – وهم ألف – من صَاع شعير وبهيمَة، فشبعوا وانصرفوا والطعَام أكثر مما كان، وكان نائمَاً في سَفَر، فجَاءت شجَرة تشُق الأرض حتى قامَت فلما استيقَظ ذكرت له فقَال: "هي شَجرَة استأذنَت ربها أن تسَلم على رسول الله فأذن لها" ومسَح ضرْع شاة حَائل لم ينزُ عليها الفحل، فحَفل الضَّرع فشرب وسقَا أبا بكر، وبدَرت عَين قتَادة بن النعمَان حتى صارت في يده فرَدها، فكانَت أحسَن عينيه وأحَدهما، وتفَل في عيني علي بن أبي طالب وهو أرمَد فبرأ من سَاعَته، وأطعَم في منزل أبي طلحَة ثمانين رجُلا من أقرَاص شعير جعَلها أنس في إبطه، حتى شَبعوا كلهم، ثم رَد ما بقي فيه.
ورمى الجَيش يوم حنين بقبضَة من تراب، فهزمَهم الله –عز وجل– وقال بعضُهم: لم يبق منا أحَد إلا امتَلأت عينَاه ترابا وفيه أنزَل الله: }فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ وكان هنَاك رجل أعرابي في البَادية عند غنَمه فهجَم ذات يوم الذئْب على الغَنَم فأخذ شَاةً، فلحقه الراعي فأخذها منه، فأقعَى الذئب على ذنَبه وقال: أتحرمُني رزقاً ساقه الله إلي!! فقال الرَّاعي: واعجَباً ما رأيت كاليوم ذِئب يتكَلم بكَلام الإنْس!! فقال الذئب: ألا أدلك على أعجَب من ذلك؟ فقال الراعي: بلى، فقال: رجُل بيثْرب يخبر الناس خَبر الأمَم السابقَة، فأتى الراعي فدخَل المسْجد فأسلم ونطَق بالشهادتين، وحَدثه بقصة الذئب، فأمرَه النبي عليه الصلاة والسلام أن يقُوم على المنبَر فيحَدث بها الصحَابة، فقَام وأخبرهم به [3]، وله صلى الله عليه وسَلم معجِزات باهِرَة، ودَلالات ظَاهِرة، وأخْلاق طَاهِرة، أكثر وأعظم مما ذكرت، اقتصَرت على ذكر بعْض منها، وقديما قيل: حسْبك من القِلادة ما أحَاط بالعُنُق.

-------------------------------------------

[1] أخرجه مسلم (3012).
[2] أخرج البخاري بعضه (6 / 142)، وأحمد (27 / 314).
[3] الأحاديث السابقة مما حسن إسناده أهل العلم أو صححوه، ولم أخرجها لئلا تكثر الحواشي، ينظر: "دلائل النبوة" و "صحيح السيرة النبوية" و "أعلام النبوة".
----------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 08:05 AM
من مقامات النبوة (13) أخرجني الجوع
ــــــــــــــــــ


(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/804061433024112.jpg



أخْرَجَني الجُوْع
في يوم قَائظ شديْد الوَهَج والحرَارة، أشعَلت فيه حَرَارة الشَّمس جنبَات المدينة وأرضَها، وبعْد الزوال حين قَام قَائم الظَّهيرة، إذا برسول الله يخْرج في هذه الأثناء على غَير عادته، فبينما هو يمشي إذا بصِديق هذه الأمة أبو بكر ومعه عمر رضي الله عنهما قد لقيَاه في بعض الطُّرق، فتعَجب كل منهم من صَاحبه وخُروجه في هذا الوقت، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع يا رسول الله،، قال: «وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا» ، فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة، قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك، والحلوب» ، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعمر: «والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» [1].
فتَأمل مَنْ هَؤلاء الجَوعى الذين أخرجهم الجُوع فلم يجدوا طعَاماً يأكلونه، ولا شَيئا يسُد مخمصَتهم!! إنهم من لَو وزن إيمان كل واحدٍ منهم من غير صاحبيه لوزَن كل إيمان هذه الأمة بعلمَائها وعُبَّادها وشهَدائها وصَالحيهَا!!.
مَضَت حياته صلى الله عليه وسلم بسيطَة تضرِب أروع الأمثلَة في الزهْد وشَظَف العَيش، وخُلو اليَد من حطَام الدنيا، يأكل يوماً ويجُوع أياماً، وهو سَيد الخَلق الذي كانت تجبى له الأموال فلا يبقي منها شيئاً في يده.
وَراودَته الجبَال الشُّم من ذَهَبٍ
عن نفسِه فأرَاهَا أيمَا شَمَمِ
وأَكدَ الزهْد فيهَا من ضَرورَته
إن الضَّرورَة لا تعْدو على العِصَمِ
دخَل عليه ذاتَ يوم عمَر بن الخطَّاب في غُرفة له، فوجَدَه مضطَجعاً على حصير بالٍ أكل الفَقر أطرَافه، قد أثر في جَنبه، وتحْت رأسه وسَادة محشُوة ليفَاً، وفي ناحية الغُرفة قبضَة من شعير نحو الصَّاع، فانخرَطت دموع ابن الخطاب وغَلبه البُكاء لرِقة حاله صلى الله عليه وسلم، فقَال – عليه الصَّلاة والسَّلام – وهو ينظُر إلى دمُوع عمر: " ما الذي يُبكيْك يا ابن الخَطَّاب؟ " فقال عمر: يا نبي الله وما لي لا أبكي، وهَذا الحصِير قَد أثر في جَنبك، وهذه خزَانتك لا أرى فيها إلا ما أرَى، وكسْرى وقَيصَر على سرُر الذهَب وفُرش الديبَاج والحَرير، وفي الثمَار والأنهَار وأنت نبي الله وصَفوته!! فقال صلى الله عليه وسلم: " أولَئك قوم عُجلَت لهم طَيباتهم، أما تَرضى أن تَكون لهَم الدُّنيا ولنا الآخرَة؟!" فقال: بلَى ولكن لو اتخَذت فراشَاً ألين من هذا؟ فقال: " مَالي وللدُّنيا ما مثَلي ومثَل الدنيَا إلا كَرَاكِب سَار في يوم صَائفٍ، فاستَظَل تحْت شجَرَة سَاعة ثم رَاح وتَركَها " [2].
وهذه عائشَة أم المؤمنيْن – رضي الله عنها – دعَاها عُروة ابن الزبَير ابن أختها للغَداء فلمَّا قدم ونظَرت إليه، التَفتت ناحيَة الجدَار وأجهَشَت بالبكَاء، فقال لها عُروة: ما بك يا أماه فقَد كَدَّرت علينا الطعَام، فقالت: يا ابن أخْتي إن كنا لنَنْظر إلى الهِلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثَة أهِلة، وما أوقدَت في أبيَات رسول الله نار، وما شَبع ثلاثَة أيام من طعَام بُر حتى فارَق الدُّنيا، فقال عروة : فما كان عَيشُكم؟ قالت: الأسْودَان التمر والماء [3].
يقول عُقبة بن الحَارث: صلى بنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم العَصر فأسرَع وأقبَل يشق الناس من سُرعته، ودخل إلى بيَته، ثم لم يكن بأوشَك من أن خرَج فقال:"ذكرت شيئا من تبر كان عندي فخشيت أن يحبسني فقسمته"[4] ، هذا الذي قسَم التبْر بين الناس هو الذي تقُول عائشَة عن حال أهْله: ما شَبع آل محمَّد من خُبز البُر ثلاثا حتى مضَى لسَبيله، وما أكَل آل محمدٍ أكلتَين في يومٍ واحدٍ إلا إحدَاهما تمَر، ويقول أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقَد أخفْت في الله ما لم يخَف أحد، وأوذيْت في الله ما لم يؤْذ أحَد، ولقد أَتى علي ثلاثون ما بين يومٍ وليلَة، ومالي ولبِلال من الطعَام إلا شيءٌ يوارِيه إبِطُ بِلال "[5].
كان سَيد العَرب، ومالك الجَزيرَة يملؤ بالأموَال صَحْن المسجِد، فيقسمها على الناس إلى آخرِ درهَم، فإذا دَخَل إلى بيته نام على جِلْد محشوٍ بليْف كما تقول عائشَة، كان فراشه من أدمٍ حشْوه ليْف.
يقول السِّير وليم مُوير : كانَت السهُولة صُورته من حَياته كلهَا، وكان الذَّوق والأدَب من أظهَر صفَاته في معَامَلته لأقل تابعيْه، فالتواضُع والشفَقَة، والصبْر والإيثَار، والجود، صفَات ملازمَة لشَخصه، وجَالبة لمحَبة جميع من حَوله، فلم يعرَف عنه أنه رفَض دعوَة أقَل الناس شَأناً، ولا هديةً مهمَا صغُرت، وما كان يتعَالى ويبرز في مجلسِه، ولا شَعر أحَد عنده أنه لا يختصه بإقبَاله وإن كان حَقيراً.
ولسنَا في سيرة رسول الله بحَاجة إلى أحَد فقد اختَصه الله من بين الرسُل بوضوح حيَاته وجَلائها من جميْع النواحي، وإنما ذلك لبيَان تلك العظَمة وذلك السمُو الذي بهَر الأعداء قبل الأصدقَاء، حتى أقَرت به أقلامهُم ونطقَت بذلك ألسَنتهم، وذلك يحفِز العَزائم، ويثير الكَوامن، لدرَاسة سيرَته ليكون حَياً في قلوبنا كما كان حياً بين أصحَابه، وليعيْش المؤمن في كل حَركة ونبضَة وفكْرة من حيَاته وفق ما عاشَه رسول الله صلى الله عليه وسلم، متبعاً مقتفياً آثاره وسنتَه، كما قال أبو علي الرَّوذَباري: رَوائح نسِيم محَبة الرسُول تفُوح من المحبين وإن كتمُوها، وتغْلب عليهم دلائلهَا وإن أخفَوها، وتدل عليهم وإن سَتروهَا [6].
فإن فضْل رسول الله ليس له
حدٌّ فيعـرب عنه ناطـقٌ بفَـم
كالشمس تظهر للعينين من بعدٍ
صغـيرةً وتكل الطرف من أمـم
وكيف يدرك في الدنيا حقيقَته
قومٌ نيامٌ تســلوا عنه بالحلـمِ
أكـرم بخَلق نبيّ زانـه خُلقٌ
بالحســن مشتمل بالبشر متَّسم
كالزهر في ترفٍ والبدر في شرفٍ
والبحر في كـرمٍ والدهـر في همَم

--------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم (3 / 1609).
[2] أخرجه أحمد (2744)، قال ابن كثير: إسناده جيد. البداية والنهاية (5/248).
[3] أخرجه البخاري (6094) مسلم (2972).
[4] أخرجه البخاري (1163).
[5] أخرجه أحمد (12233) وصححه ابن القيم. عدة الصابرين (ص299).
[6] طبقات الأولياء (1 / 58).
-------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 08:07 AM
من مقامات النبوة (14) مقام التعبد
ــــــــــــــــــ

(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/812061433112612.jpg



مقـــَــام التعَـــبُّد
---------------

حينما تعيْش مع سِيرَة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتنَقل بين رياضهَا وحُقولهَا، وترى جهَاده وبذلَه وتضحيتَه، ثم تقَلب صفحَات دعوَته وهمِّه وتعليْمه، ثم تتَمَعن في قيامه بأموْر الناس وقضَاء حاجَاتهم وحَل مشَاكلهم، ثم تنظر في مقَامه مع أهله وقضَاء حَاجَاتهم والقيَام بخدمَتهم، وكل واحدٍ منها لَو أنيطَت على شُم الجبَال، وكَرام الرجَال لما أطَاقوا حملَها، فتَظن عند ذلك أنه قد مَضى وقتُه للناس فلم يبق منْه شَيء، وتنسَى عندها أبرَز صفَة كانت تعيش بين جنبَيه من النسُك والتعَبد والافتقَار والإلحَاح والتضَرع إلى ربه، فقَد كان يَجد في العبَادة قُرة عينه، وطمَأنينة نفسِه، "وإنك لتَقف مشدُوهاً أمام ذلك الجَمع العجيْب بين النسُك الذي بلَغ أرقَى مَراتب التعَبد، وبين القيَام على أمُور الدنيَا التي كان يعيْش فيها بكَده، ويعُول كثيراً من الأهْل والفقَراء، وينَاضل أمة بكَاملهَا، ويسُوس دولةً فتيةً في وجه العَالم، يوفِد إلى المُلوك ويدعوهم، ويستَقبل الوفُود ويكرِمهم، ويبعَث السرايا ويقُودها، ويجَادل من حَوله من أهْل الأديَان وأهل السلطَان، ويهيء للنصْر، ويحتَاط للهَزيمة، ويبعَث العمَّال، ويجبي الأموَال، ويقسمها بنَفسه ويشرع للناس دين الله فيفصِّل المجمَل من الوَحي، ويوضح الغَامضَ، ويرسُم السنَن، وهو في كل ذلك يؤدي عَمَله اليَومي، وبين هذه الهمُوم والمشَاغل يتجَلى محمدٌ الناسِك العَابد الذي هو أعظَم انقطَاعاً إلى الله واتصَالاً به ممن انقطعوا إليه في رؤوس الجبَال"، كانَت الصلاة أنسَه وميدَانه، وروحَه وريحَانته، ونزهَتَه وبستَانه،ونعيمَه وعُنوانَه، فكان إذا حَزبه أمرٌ صَلى، وكان يقُول: "جُعلت قُرة عَيني في الصَّلاة"، ويقول لبلال: "أقِم الصَّلاة أرحْنَا بها ".
دخَل عَطَاء وابن عمَر على عَائشَة رضي الله عنها فقال ابن عمَر: حدثينَا بأعجَب شيء رأيتِه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبَكَت وقالت: كُل أمره كان عجبَاً دخل علي ليْلةً من الليَالي فقال: "يا عائشَة ذريني أتعَبد لرَبي" فقلت: والله إني لأحِب قُربَك، وأحب أن تعَبد لرَبك، فقَام إلى القِربة فتَوضأ ولم يكْثر صَب الماء، ثم قام يصَلي، فبكى حتى بل لحيتَه، ثم سجَد فبكى حَتى بلَّ الأرض، ثم اضطَجع على جنبِه فبكَى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصَلاة الصبْح، قال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبَك ما تقدم وما تأخَّر فقال:"ويحَك يا بلال وما يمنَعني أن أبكي وقد أُنزل علي الليْلة{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } الآيات، ثم قال: "وَيل لمن قَرأَها ولم يَتفَكر فيهَا" [1].
صَلى مَرةً في قيام الليل فافتَتَح البقَرة يقول حُذَيفة: فقُلت يركَع عند المائة فمَضَى، فقلت: يصَلي بها في ركعَة فمَضَى، فافتتَح النسَاء فقلت: يركَع بها فافتتَح آل عمران حتى ختَمَها، يقرأ متَرسِّلاً إذا مَر بآية سُؤال سَأل، وإذا مَر بآية تعَوذ تعَوذ، ثم رَكَع فكَان ركوعُه نحواً من قيَامه، ثم سَجَد فكان سجُوده نحواً من ركوعِه [2].
وهذا ابن مَسعود يقول: صَليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ حتى همَمت بأمر سُوء! فقالوا له: وبماذا همَمت؟ فقال: هممت أن أقعُد وأدَعَه [3].
نَفْس المحِب إلى الحَبيْب تطَلع
وفُؤَاده من حُبه يتقَطَّعُ
عزُّ الحَبيب إذا خَلا في ليلِه
بحَبيبه يَشْكو إليْه ويضرَعُ
وَيقُوم في المحْرَاب يشْكُو بثَّه
والقَلْب منْه إلى المحَبَّة يَنزعُ
ولقَد سرَت نسَمَات الإيمَان في كل ذَرةٍ من جسَده – عليه الصَّلاة والسَّلام – فعَلق قلبَه بالله في كل شيء، فَهو يذكُره على كل أحيَانه، واثقٌ بوَعده، مرَاقبٌ له، مُطيعٌ، خَائف، مُحب، خَاشِع آناءَ الليل وأطرَاف النهَار، معَظم لحُرماته، فإذا جاءه أمْر يحبُّه قال: "الحَمد لله الذي بنعْمته تَتم الصَّالحَات" [4]، وإذا أرَاد الأكل والشُّرب قال: "بسْم الله" [5]، وإذا فرَغ منه قال "الحَمد لله كَثيرا طيباً مباركاً فيه غيرَ مكفيٍ ولا مُودع،ولا مسْتغنى عنْه ربنَا" [6]، وإذا أوَى إلى فرَاشه قال: "اللهم أسلَمْت نفسي إليك ووجَّهت وجهِي إليْك، وفوَّضت أمري إليْك، وألجَأت ظَهري إليك، رَغبةً ورهبةً إليْك، لا ملجَأ ولا منجَى منك إلا إليْك، آمنت بكتَابك الذي أنزَلت، ونبيك الذي أرسَلت" [7] ، وإذا استيقَظ قال: "الحَمد لله الذي أحيَانا بعدَما أماتَنَا وإليه النشُور" [8]، وإذا لبسَ ثوباً جديداً قال: "الحَمد لله الذي كسَاني هذا الثَّوب ورزقَنيه من غَير حَولٍ مني ولا قُوة" [9]، "وإذَا عطَس قال: "الحَمد لله" [10]، وكان إذا استوَى على بَعيره خَارجاً إلى سفَر كبر ثلاثاً ثم قال: "سبحَان الذي سخَّر لنَا هذا وما كنا له مقْرِنين...." [11]، وإذا رَأى مبتَلى قال: "الحَمد لله الذي عَافَاني مما ابتَلاك به، وفضلَني على كَثير ممن خَلَق تفضيْلا" [12]، وكان إذا عَلا ثنيةً كبَّر الله، وإذا هبَط سبَّح. وإذا نزَل منزلاً قال: "أعُوذ بكلمَات الله التامَّات من شر ما خَلق"[13] ، وإذا سمع المؤذن قال مثْل ما يقُول فإذا فرَغ قال: "أشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شَريك له، وأن محمداً عبْده ورسُوله، رضِيت بالله رباً، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام ديناً" [14] ، وإذا حَزبَه أمرٌ صلى [15]، وإذا قَام من الليْل قرَأ الإحدَى عشْرة آية الأخِيرة من سُورة آل عمرَان "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب" [16]، وإذا أصبَح قال: "اللهم بك أصبَحنَا وبك أمسَينا، وبك نحيَا وبك نمُوت، وإليك النشُور "وإذا أمسَى قالهَا كذلك: "اللهم بك أمسَينا..." [17]، وإذا كَرَبه أمرٌ قال: "يا حَي يا قَيوم، برحمَتِك أستَغيْث" [18] ، وإذا رأى ما يكْره قال : "الحَمد لله على كل حَال" [19]، وهكذا كان – عليه الصَّلاة والسَّلام – في جَميع أحوَاله وأوقَاته، يتَنقَّل في ريَاض الذكْر وبسَاتين المعْرِفة، فإذا فرَغ من عبَادة شرَع في ذكْر، فإن فرغَ منه وجَدته في برٍ وصدقةٍ وإحسَانٍ، وهو في سفَره وجهَاده يُعلم ويدعوا إلى الله، فإذا لم يكن في هذه وجَدته مع أصحَابه يمازحُهم ويحُل مشكلاتهم، فإذا قَام منهم دخَل فكان في خدمَة أهله، فلم تَمض لحظَة ووَمضَةٌ من حياته إلا في خَير وطَاعَة وقربةٍ من الله – عز وجَل – ويصف عبدالله بن رواحة ليله فيقول:
يبيْت يُجافي جَنبه عن فرَاشِه
إذا استَثقَلت بالمشْركين المضَاجعُ
لقد ربّى نفسَه على تلك الحَال فَتربى عليها أصحابه -رضوان الله عليهم- فهذا فاروق هذه الأُمة عُمر بن الخطَاب يقال له: ألا تَنام؟! بعد أن تولى الخِلافة فيقول: إن أنا نمِت في النًهار ضيّعتُ رعيتي، وإن أنا نمِت في الليل ضيّعتُ نَفسي! فكان إذا جنَّ الليل أصبحَ كالعصفور المُبلل باِلماء.
إذا قُلتَ ليْث فهو أمْضَى عزيمةً
وإن قلتَ غَيثٌ فهو أندَى وأجوَدُ
هُو المقتَفي أمرَ الإلَه وإنَّه
ليَصدُر عن أمرِ الإلَه ويُوردُ
منَاقب تحصَى دونَها عَدد الحَصَى
بهَا يغبَط الحُر الكَريم ويحسَدُ
------------------------------------------
[1] أخرجه ابن حبان (260)،وقال المنذري: إسناده صحيح أو حسن. الترغيب والترهيب (2/316).
[2] أخرجه مسلم (772).
[3] أخرجه البخاري (1084) مسلم (373).
[4] أخرجه ابن ماجه (3803) وصححه الألباني.
[5] أخرجه البخاري (557).
[6] أخرجه البخاري (5142).
[7] أخرجه البخاري (244) مسلم (2710).
[8] أخرجه مسلم (2711).
[9] أخرجه أبو داود (4023) وحسنه الألباني.
[10] أخرجه البخاري (3115) مسلم (2162).
[11] أخرجه البخاري (1342) مسلم (532).
[12] أخرجه الترمذي (3431) وصححه ابن القيم في الزاد (2/418).
[13] أخرجه مسلم (2708).
[14] أخرجه مسلم (386 ).
[15] أخرجه أبو داود (1319) وحسنه ابن حجر في الفتح (3/205).
[16] أخرجه البخاري (1200) مسلم (620).
[17] أخرجه أبو داود (3868) وصححه ابن القيم في زاد المعاد (2/337).
[18] أخرجه الترمذي (3524)، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (1/313).
[19] أخرجه ابن ماجه (3803)وجود إسناده النووي في الأذكار (ص399).

---------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 08:10 AM
من مقامات النبوة (15) مقام الشفاعة
ـــــــــــــــــــ



(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/828061433105238.jpg



مَقَامُ الشَّفَاعَة
--------

لقَد كانَت جميْع المقَامَات التي مَر ذكرُها، وأجَلت النظَر فيهَا، وتنَقلت في بسَاتينها، تحْكي وتبسُط ما بَوأه الله من منزِلة، وشَرفَه من مكانَة وأعلاه من مرتَبة في الدنيَا، وأما هذا المقَام فيصَور ذلك اليَوم الذي ترسَم فيه لوحَات الشَّرف، وتقَسم فيه تيجَان الوَقَار، وترفَع فيه لأقوَام مرَاسم العِز، ويعْلو أنَاس فيه على منَابر النُّور، وتنثَر فيه الأعطيَات والهبَات والرحمَات والنفَحَات، هذا لمن أحَب الله ورسوله، وأطَاع الله ورسُوله، وأما من أتبَع نفسَه هواهَا وأمضَى حيَاته في اللهْو والغَفلة والمعصيَة، فتقَام له الزَّبانية، وتسَعر له النار، ويقَام في الشَّمْس حتى يلجمَه العَرق، ويصَب عليه تبكيت التقْرِيْع والتَّوبيخ، ويُكوى بلهَب الذُّل والعَار، ففي ذلك الموطِن وذاك المقَام يذِل أقوَام ويعِز آخَرين، ويرفَع أُناس، ويُذل غيرهم، لأنه لا عَزيز إلا من أََعَزه الله، ولا شَريف إلا من رَفَعَه الله، ومن يهن الله فمَاله من مكْرم.
وفي تلك اللحَظَات، وعند ذلك الجَمع، تنقَطع جميع العَلائق والأنسَاب والأسبَاب، فلا أحَد يتَكلم إلا بإذن المالك الجبار، ولا يشفَع إلا بأمره، وتنقَطِع عنده موَازين الأرْض، ومقَاييس الدنيَا، فلا آمر ولا ناهي، ولا مُدبر، ولا مُصَرف، ولا قَادر ولا قَاهر، ولا أمِير ولا مَلك، ولا سَيِّد ولا مُطَاع، إلا الملك الوَاحد الصمد، ولما أن تدْرك عظَمَة ذلك الموقف وخطُورَته، وتعرِف معَايير العُلو والسُّمو فيه، فاعلم أن لنَبينا أجَل وأعظَم مقَام فيه، وأرفَع مرتبَةٍ ومنزلةٍ، فلا أحَد من الخَلائق يدَانيه ولا يضَاهيه...
يا مَن له عزُّ الشَّفاعة وحدَه
وهو المُنَزه مالَه شُفَعَاءُ
عَرش القيَامة أنت تَحْت لوَائه
والحَوض أنتَ حيَاله السَّقاءُ
تروي وتَسْقي الصَّالحين ثَوابهم
والصَّالحَات ذخَائرٌ وجَزَاءُ
أنت الذي نَظَم البريَّة دينُه
ماذا يقُول وينْظِم الشُّعَراءُ
واستَمع إليه وهو يحَدث عن ذلك المقَام: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ - يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك وعلمك أسماء كل شئ اشفع لنا إلى ربك! ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته،، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح! إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك! ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك! ألا ترى إلى ما نحن فيه، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى: فيقولون يا موسى! أنت رسول الله فضلك الله برسالته، وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك! ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إني ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك! ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله –ولم يذكر ذنبا – نفسي نفسي نفسي ! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. ففي هذه الحَال، وعند هذا المقَام، الخَلائق كلهَا مشْرئبَّة تنظُر في هذا الموقِف!! وتتَأمل هذا المشهَد!! ورب العِزَّة يفتح أبوَاب الإجَابة أمَام هذه الدعَوَات التي يبتَهل فيها سيد الثقَلين!! فما تَظن أن تكون هذه الدعَوَات؟! وما ذَاك الطلَب الذي سيطلبه؟ ولأجْل من سَيشفَع ذاك اللسَان؟! إن أول كلمَة ينطق بها ويتفوه بهَا لسانه هي: "أمتي يا رب! أمتي يا رب! " فلم ينس فداً له نفسي ومالي وأهلِي في ذلك الموقف العَظيم، والجَمْع الهَائل، والكَرب الشَّديد، والمقَام المذهِل، أمته – عليه أزكى صَلاةٍ وسَلام – بل كانت أول دَعْوة وشفَاعةٍ قالهَا وسأل الله إجابتها، هي الدعوة لأمته، فهَل رأيت حُباً ورحمَةً وصدقَاً أعظَم وأجَل من هذا؟! فيَقول عند ذلك ربُّ العِزة والجَلال: " يا محمَّد! أدخل من أمتك من لا حسَاب عليهم من البَاب الأيمَن من أبوَاب الجنَّة، وهم شُركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبوَاب " ثم قال: " والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وبُصرى " [1].
وهذا هو المقَام المحمُود الذي وعدَه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}

---------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري (3162) مسلم (327).
--------------------------------

عبدالناصر محمود
01-15-2015, 08:13 AM
من مقامات النبوة (16) ورحل ******
----------------------

(نايف بن محمد اليحيى)
ــــــــــــ

24 / 3 / 1436 هــ
15 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/828061433105232.jpg



وَرَحَل الحَبِيْب!!
------------------

لما تكَامَلَت الدَّعوة، وكمُلت الرسَالة، وسَيطَر الإسْلام على جَزيرَة العَرَب، ودخَل الناس في دين الله أفواجَا، بَدأَت طَلائع التَّوديع، ومَلامح الفرَاق، ومعَالم الودَاع تَظهر وتلُوح، وأنزل الله – عز وجل – على نبيه سُورة النصْر ليبَلغه قرب أجَله، ودنُو رحيْله، فبدَأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتوديْع الأموَات قبل الأحيَاء، فعن أبي مُويهِبة مولى رسول الله قال: بعَثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جَوف الليْل، فقال: "إني قَد أمِرت أن أستَغفِر لأهل هَذا البَقيْع، فانطَلق معي" فانطَلقْت معه فلما وقَف بين أظهُرهم قال: "السَّلام عليْكم أهل المقَابر، ليهنَأ لكم ما أصبَحتم فيه مما أصبَح الناس فيه، أقبَلت الفتَن كقطَع الليل المظْلم، يتبَع آخرُها أولَها، الآخرَة شَر من الأوْلى" ثم أقبل علي وقال: "يا أبا مُويهِبَة، إني قد أوتيْتُ مفَاتيح خزَائن الدنيَا والخُلد فيهَا ثم الجنَّة، فخُيرت بين ذلك وبين لقَاء ربي والجنَّة" قال: فقلت: بأبي أنتَ وأمي، فخُذ مفَاتيح خزَائن الدنيَا والخُلد فيها ثم الجنَّة، فقال: "لا والله يا أبا مُويهبَة لقد اختَرت لقَاء ربي والجنَّة" ثم استَغفر لأهل البَقيع وانصَرف[1]. وذهَب لشُهداء أحد فسَلم عليهم ودعَا لهم وَفَاء لما بذَلوه وقَدمُوه من أرواحهِم، تقول عائشَة: لما رجَع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البَقيْع وجدَني وأنا أجِد صُداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارَأسَاه، فقال: "بل أنا – والله يا عائشَة – وارَأسَاه" قالت: ثم قال: "وما ضَرك لومُت قبلي، فقُمت عليك وكفنتُك، وصَليت عليْك ودَفَنتك" قالت: فقلت: والله لكَأني بك لو قد فعَلت ذلك لقد رجَعت إلى بيتي فأعرَسْت فيه ببعض نسَائك! قالت: فتَبَسم رسُول الله صلى الله عليه وسلم[2].
ثم ثَقُل به المرَض فجَعَل يسأل أزواجَه: "أَين أنا غَداً" يُريد بيت عائشَة ففَهمْن مُراده فأَذنَّ له حَيث شَاء، فانتَقَل إلى بيَت عائشَة يمشي بين الفَضل بن عَبَّاس وعلي بن أبي طَالب، عاصبَاً رأسَه، تخُط قدَمَاه في الأرض، حتى دخَل بيتها. فقَضَى عندَها آخرَ أسبُوع من حَيَاته، وكانت تقرأ عليه المعَوذَات والأدعية التي حفظَتها منْه، فكانَت تنفُث على نفسِه، وتمسَحه بيَده.
فلمَّا كان السَّبت أمَر رسُول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصَلي بالناس فأمَّهم، فكَان الصحَابة رضي الله عنهم يأتون للصَّلاة ويمرون في مجالس المدينة ولا يَرون حبيبهم فتوَافدوا عليه يعُودونه ويسلمون عليه، ويطمئنون على صِحته، فلما كان يوم الأحَد أقبَلت فاطمَة ابنته تَمشي كأن مشيَتهَا مشيةُ النبي صلى الله عليه وسلم فدخَلَت عليه وكَان إذا دَخَلت عليه قام وسَلم عليها ورَحب بها وأجلَسَها مكانه، وإذا دخَل قامَت وسَلمَت عليه ورحبَت به وأجلسَته مكانها، ولكنه هذه المرة لم يستَطع القيَام، فرَحب بها وهو جَالس وأجلسَها عن يمينه، ثم أسَر إليها حَديثا فبَكت، ثم أسَر إليهَا حَديثاً فضَحكت، تقول عَائشَة: فقلت: ما رَأيتُ كاليَوم فَرَحاً أقرَب من حُزن، فسألتها عَما قال لها فقالت فاطمَة: ما كنتُ لأفشِي سرَّ رسُول الله! فلما قُبض النبي سألتها فقالت: أسَر إلي "إن جبريل كان يعَارضُني القُرآن كل سنَة مرة، وإنه عَارضَني العَام مرتين، ولا أُراه إلا حَضَر أجَلي وإنك أول أهل بَيتي لحَاقاً بي " فبكَيت، فقال: " أمَا تَرضين أن تكوني سَيدةَ نسَاءَ أهْل الجَنة أو نسَاء المؤمِنين" فضَحِكت لذَلك "[3].
ودَخَل يوم الاثنَين: فبينَا أبو بكر يصَلي بالصحَابة صَلاة الفَجْر إذا بالسِّتر يرفَع فأَطَل الحَبيب منه وهو يبتَسم، يقول أنس: فهَمَمنا أن نفتَتن من الفَرح، فنَكص أبو بكر على عَقبَيه ليصِل الصَّف ويتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشَار إليه أن أتموا صَلاتكم.
وكان قَبل ذلك قد اتقَدت حَرارة الحمى في بدَنه، واشتَد عليه الوجَع فقال: "هَريقُوا علي سَبع قرَب من آبارٍ شَتى، حَتى أخرُج إلى الناس فأعهَد إليهِم" فأقعَدوه في مخضَبٍ وصَبوا عليه الماء حتى طَفِق يقول: "حَسبُكم" وعند ذلك أحَس بخفَّة، فدَخَل المسْجِد مسْدِلاً ملحفَةً على منكبَيه، قد عَصَب رَأسَه بعصَابةٍ حتى جَلس على المنبَر، ثم قال: "أيها النَّاس إلي" فثَابُوا إليه، فخَطبَهم فكان مما قال: "إن عَبداً خيره الله بين الدُّنيا وبين ما عندَه، فاختَار ما عندَ الله" فبَكى أبو بكر وقال: فدَينَاك بآبائنا وأمهَاتنا، فعَجب الناس من بُكاء أبي بكر وجعَلوا يقولون: ما لهذا الشَّيخ يبكي! ولم يعْلموا أن المخَير هو رسُول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَبك يا أبا بكر، إن من أمَن النَّاس علي في صُحبته أبو بكر، ولو كُنت متَّخذاً خَليلاً لاتخذته خَليْلا، ولكن أُخُوة الإسْلام ومودتُه، لا يَبقَى في المسجِد خَوخَةٌ إلا سُدت غير خَوخَة أبي بكر "[4] ، ثم عرَض نفسَه للقصَاص قائلا "من كُنت جَلدت له ظَهراً فهذا ظَهري فليستَقد منه، ومن كُنت شتَمت له عرضَاً فهذا عرضي فليستقِد منه"
ورجَع – عليه الصَّلاة والسَّلام – فجعَل يزدَاد عليه الوجَع وهو يطرَح خميصَة له على وجهِه فإذا اغتَم بها كشَفَها عن وجهه فقال وهو كَذلك "لَعنة الله على اليَهود والنصَارى، اتخَذوا قبُورا أنبيَائهم مسَاجِد" يحَذر ما صَنعوا[5]. ودخل عليه في تلك الحَال عبد الله بن مسْعود فإذا هو يُوعَك وعَكَاً شَديداً فقال: يا رسول الله إنك توعَك وعَكاً شَديداً؟ فقال: "نعم إني لأُوعَك كمَا يوعَك الرجُلان منْكم" فقال: ذاكَ أن لكَ أجرَان؟ فقال: "نعَم"[6]، وكان أيام مرضه يوصِي أمتَه بأعظَم شَعيرة من شعَائر الدين فيقول "الصَّلاة... الصَّلاة وما مَلكَت أيمانُكم "[7]، حتى جَعَل يجَلجِلُها في صَدره وما يَفيضُ بها لسَانه.
نَسينا في ودَادكَ كُل غَالٍ
فأنتَ اليَوم أغلَى ما لَدَينَا
نُلامُ على مَحَبتِكم ويكْفِي
لنَا شَرَفٌ نُلامُ وما عَلينَا
ولما نَلقَكُم لكِن شَوقَاً
يُذَكرُنا فكَيفَ إذا التَقَينَا
تسَلى النَّاس بالدُّنيا وإنَّا
لعَمْرُ الله بعدَك ما سـَـــلَينَا
وأزِفَت السَّاعة التي يذل فيها الجبـَّار، ويُذعن فيها المتَكبر، ويضعُف فيها القَوي، ويفتَقر فيها الغَني، وبدَأت لحَظَات الاحتضَار، وقرُبت سَاعَات الرَّحيْل، وحَانت لفتَة الوَدَاع، فوالله لو سَالت الأقْلامُ بحِبرِهَا، ونطَقَت الشِّفَاه بألسنَتهَا، وأُعطي الأدَباء أزِمَّة الفَصَاحَة، وأَعنَّة البَلاغَة على أن يصَوروا عظَمَة تلك اللحظَة، وكُربة ذلك الخَطْب، وفَدَاحَة تلكمُ المصِيبة، وجَلالَة ذاك الحَدَث، لما جَاوزوا أورَاقهُم وآذانهم، فبأيِّ قلَم وبأيِّ عبَارة، وبأيةِ كَلمَة، أُسطِّر خَلجَات الفُؤاد، وما يحيْط بالمشَاعر، وما يثير كَوَامن النفْس، وعَوَاطف الحِس، أمَام فِراق تلك الشَّمائل، وذلك الجسَد الطاهِر، فرحَمَات ربي على تلك العين التي طالما سَهرَت وبكَت من خَشيَة الله، وتلك اليَد التي بطَشَت وجَاهَدَت في سبيل الله، وتلك القَدَم التي ورمَت في عبَادة الله، وذلك اللسَان الذي ما فتئ من ذكْر الله والدَّعوَة إلى الله، وذاكَ الجسَد الذي حمَل المَكَاره من جمَيع أبوابها فسمى بها للمَجد حتى بلغَ غَايتَه، ورَكز فيه رايتَه.
فأسندَته عائشَة عليهَا، ووضَعَته بين سَحْرها ونحرِها، فجَعل يتغَشَّاه الكَرب، وبين يدَيه رَكوَةٌ فيهَا ماء، فجَعَل يدخِل يدَيه في الماء فيَمسَح به وجهَه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للمَوْت لسَكَرَات "[8].
وما عَدا أن فرَغ من السِّواك الذي بيَده، رفع أصبعه وشَخَص بصَره نحو السَّقف، وتحَرَّكت شَفتَاه، فأصغَت إليه عائشَة فإذا هو يقول: "مع الذين أنعَمت عليهم من النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين، اللهُم اغفِر لي وارحَمني، وألحِقني بالرَّفيق الأعلَى، اللهم الرَّفيق الأعلى، اللهم الرَّفِيق الأعلَى، اللهُم الرَّفيق الأعلَى "[9]، وكان الأنبيَاء يخَيَّرون عندَ الموْت بين البَقَاء والوَفَاة.
رُوحٌ دَعَاهَا للوصَال حَبيبُها
فَسَعَت إليْه تُطيعُه وتُجيبُهُ
يا مُدَّعي صِدقَ المحبَّة هكَذَا
فعِْل الحَبيْبِ إذا دَعَاهُ حَبيبُهُ
ولما كَان يتَغشَّاه الكَرب كانت ابنتُه فاطمَة عند رَأسِه فقالت: واكَربَ أبَتَاه! فقال لها: "ليسَ على أبيْك كَربٌ بَعدَ اليَوم" فلما مات قالت: يا أبَتَاه أجَاب ربـَّاً دعَاه! يا أبَتَاه إلى جبريْل نَنعَاه! فلما دُفن لقيَت أنسَاً فقالت: يا أنَس كيفَ طَابَت أنفسُكم أن تحثُوا على رسُول الله صلى الله عليه وسلم التُّراب!![10].
وتسَرَّب الخَبر فأظلَمَت المدينَة على أهلهَا واجتَمَع النَّاس في المسْجِد، وقد بلَغ بهم الهَوْل والذُّهول مبلغَه، فجَاء أبو بكر وكان في مزرَعَته، فدَخَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغَطى، فَكشَف عن وجهِه ثم قَبله وقال: واصَفيَّاه! ثم قبَّله ثانية وقال: واحَبيبَاه ثم قبَّله ثالثة وقال وانَبيـَّاه! ثم قبـله وقال: بأبي أنتَ وأمي طبْتَ حَياً ومَيتَاً، ما كان الله ليُذيقَك الموت مَرتين، أما الموتة التي كُتبَت عليك فقَد مِتها، ثم خرَج ودخَل على الناس في المسْجِد، فإذا عمَر قَائم يخطُب ويقول: إن رجَالاً من المنَافقين يزعمُون أن رسُول الله قد تُوفي، وإنه ما مات، لكن ذهَب إلى ربه كمَا ذهَب موسَى بن عِمرَان، وَوَالله ليَرجعن فليَقطَعن أيدي رجَال وأرجُلهم يزعُمُون أنه مَات، فقال: اجلِس يا عمَر، فأبى عمَر أن يجلس، فتشَهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتَركوا عمَر، فقَال أبو بكر: أما بعد فَمَن كان منْكم يعبُد محمداً فإن محمَّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله: {و َمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} يقول عمَر: والله، ما هو إلا أن سمعْت أبا بكر تلاها، فعَرفت أنه الحَق، فعُقِرت حتى ما تُقلِّني قدَمَاي، وحَتى أهوَيت إلى الأرْض، وعَلمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مَات، ويقول ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزَل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتَلقاهَا منه الناس كُلهم، فما أسمَع بشَراً من الناس إلا يتلوهَا[11].
كَذَا فليَجل الخَطْب وليفدَح الأمرُ
فلَيسَ لعَينٍ لم يغِضْ مَاؤهَا عُذرُ
تُوفيت الآمَال بعْدَ محمَّدٍ
وأصبَحَ في شُغلٍ عن السَّفَر السَّفْرُ
ثَوى طَاهرَ الأردَان لم تبَقَ رَوضة
غَـدَاةَ ثَوى إلا اشْتهَت أنَّها قَبْرُ
عَليْك سَلامُ الله وَقفَاً فَإنني
رَأيتُ الكَريم الحُر لَيْس له عُمرُ
ثم اجتَمَع الأنصَار في سَقيفَة بني سَاعدة وَأرادوا أن ينُصبوا الخَليفَة منهم، فدَخَل عليهم أبو بكر وعمَر وأبو عبيدَة، فاستَقَر أمرهم على أبي بكر فبَايعوه، فلما كان يوم الثلاثاء وأرادوا غَسْله قالوا: والله ما نَدري أنُجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجَردُ مَوتانا أم نغَسله وعَليه ثيَابه، فلما اختَلفُوا ألقَى الله علَيهم النَّوم حتى ما منهم رجُل إلا وذِقنُه في صَدره، ثم كلمَهم مكَلم من ناحيَة البَيت لا يدْرون من هو: أن اغسِلوا نبي الله وعَليه ثيَابه، فقَاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغَسلوه وعليه قَميصٌ، يصُبون الماء فَوق القَميص، ويدْلكُونه بالقَميص دون أيديهم ثم تَولى دفنَه: علي والعبَّاس والفَضل وصَالح مولى رسُول الله، فلما دفَنوه دخَل عليه الصحَابة أرسَالاً يصَلون عليه كلٌّ يصَلي وحدَه فيقفُون عليه ويقولون: اللهُم إنا نشهَد أن قَد بلغَ ما أُنزل إليه، ونصَح لأمتِه، وجَاهدَ في سبيل الله، حَتى أعزَّ الله دينَه، وتمَّت كلمتُه، وأُومن به وحده لا شريك له، فاجعَلنا إلهنَا ممن يتبِع القَول الذي أُنزل معَه، واجمَع بيننا وبينه حتى تعرفَه بنا وتعرفنَا به، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبغي بالإيمان بدَلاً، ولا نشتري به ثمناً أبداً، وصلى عليه الرجَال ثم النسَاء ثم الصبيَان. وكانت عائشَة قد رَأت رؤيا فعرضَتها على أبي بكر وكان من أعْبَر الناس قالت: رأيتُ ثلاثَة أقمَار وقعْن في حجرَتي فقال: إن صَدَقت رؤياك يدفن في بيتك من خَير أهل الأرض ثلاثة، فلما قُبض رسول الله ودُفن في حُجرتها قال أبو بكر: هذا خَير أقمَارك يا عائشَة.
يا خَيرَ من دُفنَت في القَاع أعظُمهُ
فَطَاب من طيبهِن القَاع والأكَمُ
نَفسي الفِدَاء لقَبرٍ أنتَ ساكنهُ
فيه العَفَاف وفيه الطُّهر والكَرمُ
وانطَلقَت قَرائح الصَّحَابة تُسطر عِظَم المصيبَة، وجَلالةَ الخَطْب، وهولَ الفَاجعَة التي حلت ونزَلت بهم، ونثَروا حُزنهم وألمهُم على فقْد حبيبهِم وقُرة عيونهم وبهجَة صُدورهم فكان في مقدمتهم حسَّان بن ثابت الذي طالما نثَر الشِّعر في مَدح الرسُول صلى الله عليه وسلم، وفي هجَاء أعدَاءه فقَام ومرارة المصيبَة تكوي قلبَـه وهو يقول:
بطَيبةَ رَسمٌ للرسُول ومعهَد
مُنيرٌ وقد تعفُو الرسُوم وتهمُدُ
ولا تَنمحي الآيَات من دَارِ حُرمةٍ
بهَا منبَر الهادي الذي كَان يَصْعدُ
بها حُجُراتٌ كان يَنزل وسْطهَا
منَ الله نُورٌ يُستضَاءُ ويُوقَدُ
فَبورِكتَ يا قَبر الرسُول وبُوركَت
بلادٌ ثَوى فيهَا الرَّشيد المسَدَّدُ
تُهيل عليه التُّرب أيدٍ وأعُينٌ
عليه وقَد غَارَت بذلك أسعُدُ
لقَد غيَّبوا حِلماً وعِلماً ورَحمَةً
عشيَّة عَلوه الثَّرى لا يُوسَّدُ
وَراحُوا بحُزنٍ ليسَ فيهم نَبيهُم
وقَد وَهنَت فيهم ظُهور وَأعضُدُ
يبكون من تَبكي السَّموات يَومَه
ومن قَد بَكتْه الأرْضُ فالنَّاس أكمدُ
وهَل عَدَلت يَومَاً رَزيةُ هَالكٍ
رَزِيةَ يومٍ مَات فيْه مُحمَّدُ
وقال أخُوه وابن عَمه أبو سُفيَان بن الحَارث:
أَرِقتُ فبَات ليْلي لا يَزُولُ
وليْل أخي المصِيبَة فيْه طُولُ
وأَرَّقني البُكاءُ وذَاكَ فيمَا
أُصِيبَ المسْلمُون به قليْلُ
لقَد عظُمَت مُصيبَتنَا وجَلَّت
عَشيَّة قيْل قد قُبضَ الرَّسُولُ
فَقدنَا الوَحْي والتَّنزيْل فينَا
يَروحُ به ويغْدو جِبرئيلُ
فَلقَد كان فَقْده ووَفَاته – عليه الصَّلاة والسَّلام – أجَل وأخطَرَ مصيبَةٍ مَرت على تاريْخ الأرض، فَفَقد العُلمَاء والأوليَاء والكُبراء، والمجَاهدين والقَادة، والدُّعاةَ والمصْلحِين، لا يسَاوي ذرةً من ذَرات فَقد الحَبيب صلى الله عليه وسلم، ولا شَعرة من شَعَراته، فمن أصِيب بمصيبَةٍ بعدَه فليتَعَز بمصَابه به – عليه الصَّلاة والسَّلام – فإنه سِلوٌ له عن كل مصِيبَة، ومع ما هو فيه من جَلاله القَدر، وعظَم الجَاه، واتسَاع الملك، ونُفوذ اليَد، فقَد رحَل من هذه الدنيَا كلها ودرعُه مرهُونةٌ عند يهُودي، فلَم يخَلف قصُوراً ولا أموَالاً، ولا حَدائق، ولا خَدَم، ولا تجَارة، وإنمَا خَلف شَريعةً سمَاوية، وسُنةً ربانية، وجيْلاً يعبُد الله ويوحِّد الله، ويتلوا آيَات الله، ويَدعوا إلى الله، ويجَاهد في سَبيل الله، وَرجَالاً ينشُدونَ المجْدَ، ويطلُبُون المعَالي، ويسُوسُون الأمَم، ويحَررون من الرِّق والعُبودية لغَير الله، ويَسيرُون في الأرْضِ بالعَدل، ويُقيمُون القِسْط بين النَّاس، فنَسأل الله بأسمَائه وصفَاته أن يجمَعنَا به في جنَّته، وأن يجعَلنَا ممن ينَال شفَاعتَه، وممن يرد حَوضَه، ويقتَفي أثَره وسنَّته . . . . . إنه جواد كريم.

------------------------------------------------------
[1] أخرجه أحمد (25 / 376)، وحسنه ابن عبدالبر في الاستذكار (2/647)، وفيه ضعف. ينظر: دلائل النبوة للبيهقي (7/162).
[2] أخرجه أحمد (25156)، وحسنه الألباني.
[3] أخرجه البخاري (3426) مسلم (2450).
[4] أخرجه البخاري (3691) مسلم (2382).
[5] أخرجه البخاري (1265) مسلم (531).
[6] أخرجه البخاري (5342) مسلم (2571).
[7] أخرجه أحمد (44 / 84)، وصححه البيهقي في دلائل النبوة (7/205)، وجوده ابن الملقن في شرحه للبخاري (21/645).
[8] أخرجه البخاري (4184).
[9] أخرجه البخاري (4184).
[10] أخرجه البخاري (4193).
[11] أخرجه البخاري (1184).
------------------------------------