المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسوم المسيئة والعقلية المتغطرسة


عبدالناصر محمود
01-17-2015, 08:41 AM
الرسوم المسيئة...والعقلية المتغطرسة
ــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

( من أرشيف البيان ـ صفر 1427 - مارس 2006 )
ـــــــــــــــــــــــــــ



إن شانئك هو الأبتر
ـــــــــ


دارت بنا الدنيا، تفطَّرت نفوسنا، وتزلزلت الأرض من تحت أقدامنا .
الغضب يملأ قلوب المسلمين في المشرق والمغرب، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونساءهم، صالحيهم وفساقهم .. أوَ يتجرؤون على مقام النبوة ؟!
أوَ يستهزئون بسيد ولد آدم .. ؟!
يا لله .. أتدرون بمن تسخرون .. ؟!
ويحكم أتدرون من هو محمد - صلى الله عليه وسلم - .. ؟!
ألَمٌ شديد هزَّ كيان الأمة وصدَّع أركانها، وجعلها تنتفض، تستنفر خفافاً وثقالاً، تغضب .. ترفع صوتها بكل حميَّة : ( إلا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) .. !
والذي زاد من هول الواقعة ذلك الصلف والتعالي والمكابرة، أخذتهم العزة بالإثم، فأبوْا أن يتراجعوا، بل تسارعوا للتناصر .. { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } الأعراف : 202] .
وزادها فجيعةً أنَّ مِن بني جلدتنا سمَّاعين لهم، فراح بعض الصحفيين في بعض البلاد العربية والإسلامية يعيد نشر تلك الصور الآثمة لحجج تافهة باردة، ونظر بعض أهل الأهواء ومن يسمون أنفسهم بالليبراليين نظرة لا مبالاة للحدث واثَّاقلوا عن نصرة نبيهم، بل اجتهدوا في التهوين منه، وتفيهقوا علينا بالدعوة السمجة إلى الصفح والتسامح .. !!
لكن الرد على هؤلاء جميعاً من أرض الحرمين، من مصر و السودان، من الجزائر و المغرب، من أندونيسيا و الباكستان، من نيجيريا و السنغال .. من كل أرض ينادَى فيها بنداء التوحيد .. جاء الرد بعفوية مذهلة وبفطرة صادقة بعيدة عن الشعارات السياسية أو المزايدات الإعلامية، قال الناس بصوت واحد : { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر : 3 ] .

هذه المشاعر تدل على فطرة صالحة، وأرض خصبة تستحث الدعاة لتأسيس محبة صادقة، واتِّباع مخلص لسيِّد الأولين والآخرين، إنها فرصة لنتجاوز خطابات الإدانة والشجب لندعو إلى التعظيم والاتِّباع والاستسلام لأمره ونهيه . إنها فرصة تاريخية لنقول للمسلمين : هذا هو نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - عليكم بتعزيره وتوقيره والاهتداء بهديه والذب عن دينه .
إنها فرصة تاريخية لنقول فيها للعالم أجمع بعد أن بدأ الناس يتساءلون من هو محمد : إن رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لكم جميعاً، جاءت لتخلصكم من رهق الضلالات والأهواء البشرية .. جاءت تدعوكم بدعاية الإسلام أسلموا تسلموا : { وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد : 38] .

---------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 08:44 AM
يا أدعياة التسامح والديمقراطية من يكره من؟*
ــــــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد :

فإن العداء القائم ضد الإسلام و المسلمين وخاصة في كثير من الدول الغربية هو نتيجة طبيعية للصورة النمطية التي رسمها كثير من الكتاب والباحثين والمستشرقين والمنصّرين والتي تقوم على رسم المسلمين على أنهم عنصريون وأغبياء ومتخلفون وقتلة، وأنهم لا يستحقون الحياة، ومن ثم تتم الإساءة لدينهم ونبيهم - عليه الصلاة والسلام -، وهذا ما يسوّدون به كتاباتهم منذ قرون .
ولم يكن ذلك وليد ما حصل مؤخراً مما أثارته صحيفة دانماركية بنشرها عدداً من الكاريكاتيرات وما أحدثته تلك الهجمة من ردود أفعال كبرى من المسلمين نصرة لنبيهم - عليه الصلاة والسلام -، ورفضاً لكل ما يسيء له ؛ فإن ديمقراطيتهم المزعومة التي ينشرونها ويطالبون بتطبيقها وتتولى كثير من دولهم المقاتَلة على إقرارها مما هو معروف للجميع، وسنوضح كذبها وعدوانيتها وكراهيتها للإسلام ووصم ثقافته بأنها تقوم على الكراهية كما يزعمون !!
ونحن نتساءل بكل صراحة : هل من الديمقراطية والحرية الإساءة للآخرين والسخرية من أديانهم ؟ وهل من الديمقراطية والحرية إهانة أنبياء الله المرسلين ؟ أو حتى الإساءة والإهانة ولو لإنسان واحد بدون وجه حق ؟ ثم أين ما يزعمون من حقوق في حرية الدين ؟ وأين ما يدَّعونه من دعاوى حقوق الإنسان ؟ وأين احترامهم لما في دساتيرهم من احترام للقيم الدينية والإنسانية ؟ ولماذا يقتصر الاحترام لأمور بعينها تخصهم ؟ حتى إنهم يجرِّمون من يتجرأ على مجرد ذكرها والتشكيك فيها كما في « مسألة الهولوكست » إلى حد أنه يمكن أن يعاقب ويسجن كل من ناقشها ولو ببحث علمي بحت كما حصل في حق « جارودي » حيما ألف كتابه الشهير « الدولة الصهيونية والأساطير المؤسسية » حيث شُهِّر به وعوقب وهو في أرذل العمر .
وأخيراً وليس آخراً نشرت وكالات الأنباء العالمية إدانة محكمة نمساوية في 21/2/2006 المؤرخَ البريطاني ( ديفيد ارفنج ) لإنكاره ( الهولوكست ) وحكمت عليه بالسجن 3 سنوات وكان معتقلاً منذ نوفمبر 2005، والويل لمن يجرؤ على الكلام بالنيل من الصهاينة حتى ولو كان ذلك بالحقائق ! !
بينما الإساءة للإسلام والمسلمين قائمة في وسائل إعلامهم المرئية والمكتوبة والمسموعة ؛ حيث تؤثر تأثيراً سلبياً وسيئاً في حق دين سماوي، ومن ثم التنفير من أن الإسلام مع أنه هو الدين الذي احترم الأديان الأخرى ولا يصح إسلام مسلم ما لم يؤمن بالإله - جل وعلا - وملائكته وكتبه ورسله، ولا يفرق بين أحد منهم، وأشاد بالأنبياء كلهم وساق قصصهم، وصحح كثيراً من الأخطاء التي نُسبت لهم مما يدفع كل قارئ منصف لأن يُعجَب بهذا الدين ويعلن إسلامه ؛ ولذلك يعلن كثير من الغربيين إسلامهم ولسان كل واحد منهم : ( لقد كسبت محمداً ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولم أخسر المسيح ) وهذا ما جعل متطرفيهم يعلنون العداء والعنصرية البغيضة ومحاربة ديننا الحنيف بدون وجه حق ؛ خوفاً من أن ينتشر هذا الدين بينهم لما يتميز به من قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية، وكما قيل : الإنسان عدو ما جهل .
هذه مواقفهم غير الموضوعية ؛ فمن يكره من ؟ إن المتابع المنصف يلمس عداء القوم للإسلام والمسلمين في صور شتى معروفة كثيراً ما يسيئون بها لديننا، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
1 - الإساءة والإهانة لنبي الإسلام من خلال تلك الرسوم الكاريكاتورية المهينة، وهو ما أحدث ردود فعل كبرى لدى المسلمين في شتى ديار الإسلام، وحينما طالب المسلمون الدانماركيون بالاعتذار عن تلك الخطيئة رفضت الصحيفة في شخص رئيس تحريرها الاعتذار، وحينما رُفِعَ الأمر للقضاء رفض القضاء عندهم الشكوى بدعوى أن ذلك حرية رأي لا يملكون حيالها رداً، وزاد طغيانهم وعنصريتهم وحقدهم يوم قامت المقاطعة الشعبية لمنتجات المستهزئين بنا والتي لم يتوقعوها، وأحدثت في أيام محدودات أضراراً كبرى على اقتصادهم مما جعل رئيس وزرائهم بعد عدة أشهر يطالب بتهدئة الأمور ؛ فهو تارة يعتذر، وتارة يصرّ على عدم الاعتذار ؛ فمن يكره من ؟
2 - إعادة العديد من الصحف والمجلات الأوروبية في فرنسا و إيطاليا و السويد و النرويج لتلك الرسومات المهينة نفسها مع ما فيها من إساءة وإهانة للمسلمين ؛ فمن يكره من ؟
3 - ارتكب حزب عصبة الشمال الإيطالي حماقة جديدة وخرجت صحيفة ( لابدانيا ) برسوم كاريكاتورية جديدة مسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وطالب رئيس تحرير الصحيفة المذكورة في افتتاحيتها باتباع خطى الحكومة الدانماركية في رفض الاعتذار للمسلمين قائلاً : ( أيها الرسامون اتحدوا من أجل معركتنا في مواجهتهم حتى لا يضعونا تحت أقدامهم ... )، مع دعوته لبابا الفاتيكان الحالي لشن حرب صليبية ضد المسلمين وأنه سيحشد الشباب الكاثوليك ضد ما أسماه بالتغلغل الإسلامي، واتصل بالسفارة الدانماركية مؤيداً موقفهم من عدم الاعتذار للمسلمين، وهذا ما نشرته كثير من الصحف العربية [1] ؛ فمن يكره من ؟
4 - اليمين المتطرف في دولة السويد رفع سقف الإساءة لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بإعلانه في صحيفة حاقدة عن مسابقة كاريكاتورية جديدة لرسم النبي - صلى الله عليه وسلم - في مارس المقبل، وقالت الصحيفة على لسان رئيس تحريرها : إن حرية التعبير تتجاوز المنع بشأن محمد ؛ لافتاً إلى ضرورة دعم الصحيفة الدانماركية، وداعياً للتقدم برسوماتهم !! هكذا وبكل وقاحة ! فمن يكره من ؟
5 - أن القوانين الوطنية في كل الدول الغربية تحترم حقوق الإنسان ومنها حقه في التدين ؛ ومن ثم تجريم الإساءة لمعتقدات المتدينين ؛ فأين القوم من هذا التجييش الحاقد ؟ وهذا العمل يجرمونه هم، وهو ما يسمونه بـ ( التجديف ) وهو ممنوع نظاماً لديهم ؛ فكيف يتناسى أولئك العنصريون هذه الأمور بدعوى أنها حقوقهم في الحرية المزعومة ؟ فمن يكره من ؟
6 - معاناة المسلمين المهاجرين في جُل دول الغرب ؛ فما زالوا يعانون الأَمَرَّين من المضايقات والسخرية وخاصة بحجاب الفتيات اللاتي يُمنعن من ارتدائه بدعوى أنه رمز ديني، بينما لباس المتدينات النصرانيات أقرب ما يكون للحجاب الإسلامي ولا يُمنع، فلماذا ؟ لا شك أن ذلك يذكِّرهم بالإسلام ؛ والتزام أهله به يسوؤهم، وخاصة أن قبولهم المهاجرين المسلمين كان متوقعاً منه في مخططاتهم دمجهم في مجتمعاتهم الغربية وإذابتهم فيها تماماً، لكنهم فوجئوا بالتزام الأجيال الجديدة بإسلامه واعتزازهم به، ورفضهم الذوبان في المجتمعات الغربية، وما لمسه الغرب من انتشار الإسلام بين الغربيين أنفسهم حتى صار الإسلام الديانة الثانية في أوروبا، وتناقصت أعداد الغربيين حتى صرخ أحد رموزهم محذراً من تلاشي قومه في كتابه « موت الغرب » [2] . هذه فلسفتهم ورؤيتهم التي تقوم على الخوف من الإسلام مع أنه دين يحترم دينهم وله أخلاقياته المحترمة وقيمه الإنسانية الرفيعة، ومع ذلك يكرهونه ويحذرون منه ؛ فمن يكره من ؟
لقد أصبحت كراهية الإسلام ظاهرة مَرَضية يعانون منها كثيراً حتى سموها « الإسلام فوبيا » وقد ضرب على وتره العنصريون وذوو الاتجاهات اليمينية المتطرفة .
وللحق والحقيقة ؛ فإن هناك أفراداً واتجاهات موضوعية في الغرب ترفض ذلك النهج العدواني وتحذر منه، ومن ذلك المستعرب ( الألماني ) الشهير ( فريتس شيبات ) في كتابه القيم « الإسلام شريكاً »، الذي تحدث فيه عن المفاهيم والأفكار الخاطئة التي يُروَّج لها في الغرب ضد الإسلام ؛ داعياً قومه إلى تصحيحها، وأمرهم بتعديل مواقفهم الخاطئة من الاتجاهات الإسلامية، ومحاولة فهمها بشكل موضوعي بعيداً عن التعصب والنظرات الشوفينية [3] .
ونحن نعتقد أن الشرق والغرب لم يكونوا برؤية الشاعر الإنجليزي ( كبلنج ) حينما قال : « الشرق شرق، والغرب غرب ؛ ولن يلتقيا » بل سيلتقيان وإن اختلفت الأديان بعدما أصبح العالم قرية كونية، وذلك بإشاعة العلم والمعرفة والدعوة، وبتفعيل وسائل الاتصال، وبعد إزالة الشبهات المغرضة وكشف الاتجاهات العنصرية وفضحها ؛ وخاصة بعدما صدر عام 2004م من قرارات أممية تجرِّم التطرف العنصري وتدين الربط بينه وبين الإسلام أو ربط الإسلام بالإرهاب، وكذلك رفض الممارسات والتمييز العنصري ؛ وهذا يزيل العوائق التي يستشهد بها أعداء الإسلام في محاولاتهم البائسة في الإساءة للإسلام بهدف وضع العراقيل ضد انتشاره بينهم .
ونعتقد جازمين أنه لو فُتح المجال لدعاة الإسلام وبشتى الأساليب الإعلامية المختلفة لأمكن للغربيين أن يدخلوا في دين الله أفواجاً، وخصوصاً بعدما لمسناه مؤخراً من إدانة صريحة لتلك الموجة العارمة ضد الإسلام ونبيه من بعض رجال الدين النصارى وعلى رأسهم بابا الكاثوليك، ورؤساء بعض الكنائس الغربية في بريطانيا، وغيرهم .
ولقد تناولنا في هذا العدد ملفاً علمياً موضوعياً عن كشف منطلقات الإساءة للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، نصرةً له عليه السلام وكشفاً للاتجاهات المعادية لديننا الحنيف، آملين أن يجد فيه القارئ ما يشفي ويكفي، كما تطرقنا في ملف آخر عن انتصار حركة حماس الإسلامية في الانتخابات النيابية الأخيرة في فلسطين، وفيه يتضح مدى كراهية كثير من الغربيين للإسلام من زاويتين :
1 - الحقد الدفين المتمثل في الإعلان منذ وقت مبكر وقبل ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية من عدم تعاون الغرب مع حماس إن فازت، بل إنهم سيقطعون الإعانات الإنسانية عن الشعب الفلسطيني إن رشَّحَ حماس .
2 - سكوت الغرب حيال استفزاز الصهاينة للشعب الفلسطيني بالقتل والغارات العدوانية بعد فوز حماس، ولا نكاد نسمع أي اعتراض غربي على هذه الهجمات الهمجية، ولسان حالهم يقول للصهاينة : اعملوا ما تريدون، ولعل المقصود هو إفشال مشروع حماس في الإعداد القائم للحكومة المنتظرة، مع معاناتها من رفض التعاون معها حتى من رفاق السلاح والمقاومة ؛ فهل يليق أن يكونوا مع العدو ضد ( حماس ) ؟ سبحان الله العظيم !
ويبقى السؤال قائماً ومشروعاً : من يكره من ؟ وهل ثقافة الكراهية المنسوبة زوراً للمسلمين صحيحة أم لا ؟ أم هي ثقافة الآخر المعادي لنا ولديننا ولنبينا - صلى الله عليه وسلم -، والمخالفة لكل القيم والنظم الإنسانية ؟ ندع الإجابة للقارئ الكريم ؛ فقد اتضح لذي عينين أين تكمن ثقافة الكراهية وعند من .
ومما يبشر بالخير أن تلك الموجة العدوانية ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدانمارك جعلت الكثير من عامة الناس يبحثون عن حقيقة الإسلام، ومن هو هذا النبي الذي هوجم وسُخِرَ منه فثار له أتباعه والمؤمنون الذين يدافعون عنه ؟ ونؤكد على أن الاحتجاج يجب أن يكون بعيداً عن العنف والتدمير ؛ إذ لا مبرر له، بل إنه يضر أكثر مما ينفع . لقد جعلت هذه الهجمة الظالمة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً من هؤلاء بعد الاطلاع على سيرته - صلى الله عليه وسلم - وتعاليم دينه يعلنون إسلامهم ؛ فلله الحمد من قبلُ ومن بعدُ .

-
________________________
(1) انظر صحيفتي الرياض و الوطن , يوم الخميس 9 / 1 / 1427 هـ .
(2) هذا الكتاب ترجم مؤخراً للعربية و نشرته مكتبة العبيكان بالرياض .
(3) نشر هذا الكتاب بالعربية في سلسلة كتاب المعرفة التي تصدر في الكويت بترجمة أ د / عبد الغفار
مكاوي في أبريل 2004 م .

------------------------------------------
*{م: البيان}
-----------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 08:51 AM
بأبي أنت وأمي يا رسول الله!
ـــــــــــــــــ

(محمد بن شاكر الشريف)
ــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


تدلهمّ على الناس الخطوب وتفجؤهم المصائب الكبيرة، فإذا تأملوها حق التأمل وجدوا فيها من فضل الله وإحسانه ما تعجز الألفاظ عن التعبير عنه . لقد فوجئ المسلمون بحفنة من الحاقدين النصارى الذين أعمى بصيرتهم شعاعُ الحق الظاهر من دين الإسلام، الدين الذي رضيه الله - تعالى - لعباده ولم يرض ديناً سواه، فذهب هؤلاء المنكوسون يفرغون حقدهم وضلالهم في العيب والذم لرسول الله - تعالى - الذي أرسله ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور .
لقد كانت فاجعة وأي فاجعة ومصيبة وأي مصيبة، لكن الله جعل من ذلك فرصة عظيمة للمسلمين لبيان حبهم لدينهم وشدة تمسكهم به، وبذل الغالي والنفس والنفيس للذود عن حبيبهم، ومهما كتب الكاتبون ومدح المادحون ونافح المنافحون فلن يستطيعوا أن يوفوه حقه اللائق به - صلى الله عليه وسلم -، ولكنها كلمات يكتبها المسلم المحب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليعبر بها عن بعض ما بداخله، وليؤدي جزءاً مما يجب عليه نحوه، كيف لا وقد أخرجنا الله - تعالى - به من الظلمات إلى النور وهدانا به الصراط المستقيم ؛ فمن أقل ما يجب علينا أن ننتهز هذه الفرصة لنعّبر عما يجيش في صدورنا تجاه هذا الرسول الأكرم الذي لم تعرف له البشرية نظيراً أو مدانياً، وما مثل الكاتبين ومثل سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم - إلا كمثل رجل دخل بستاناً مثمراً من كل أنواع الثمار التي تحبها النفوس وتشتهيها، وذلك وقت نضجها، فلم يدر من شدة جمالها وحسنها ماذا يأخذ وماذا يدع .
* كيف كان العالم قبل مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ كان العالم كله يعيش في ظلمات الجهل والضلالة والشرك، إلا عدداً قليلاً جداً ممن حافظ على دينه من أهـل الكتاب، فلم يحرفوه أو يقبلوا تحريفه ممن قام به .
يقول الرسول الحبيب - صلى الله عليه وسلم - : « إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان ... » [1]، فهذا الحديث يصور الحالة البشعة التي كان عليها العالم قبل مبعث خير البرية، حيث استوجبت من الله - تعالى - أشد البغض، وهذا لا يكون إلا مع الانغماس التام في الضلالة والبعد عن سنن الرشاد .
فقد كان العرب يئدون البنات ويحرّمون أشياء مما رزقهم الله - تعالى – بغير حجة أو برهان . قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - : « إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } ( الأنعام : 140 ) » [2] . وكانوا يأكلون الميتة ويشربون الدم، كما قال الله - تعالى - مبيّناً حالهم، وآمراً رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهم : { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ( الأنعام : 145 )، وفوق ذلك كله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، ويحرّمون على أنفسهم الاستفادة من بعض حيواناتهم، ويجعلون إنتاجها للطواغيت، كما نعى الله عليهم ذلك في قوله : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } ( المائدة : 103 ) [3]، ولم يكن أهل الكتاب أحسن حالاً منهم، فحرّفوا كتابهم المنزّل على رسولهم، وافتروا على الله الكذب وأشركوا بالله، وادّعى اليهود أن لله - تعالى - ولداً، كما ادّعت النصارى أن لله - تعالى - ولداً : {وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } ( التوبة : 30 ) تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً . واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله - تعالى - . قال الله - تعالى - في وصف ذلك : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ( التوبة : 31 )، ولم يكونوا يتناهون عن المنكرات التي تحدث بينهم كما قال الله عنهم : ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ تفسير قوله - تعالى - : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ( المائدة : 78-79 )، وكان المجوس يعبدون النار ويستحلون نكاح المحارم فينكح الرجل منهم أخته أو ابنته .
وبالجملة : فقد كان العالم في ظلام دامس وشرك وضلال، حتى جاءهم الرسول الكريم بالرسالة الشاملة الهادية إلى صراط مستقيم ؛ فبأبي أنت وأمي يا رسول الله !
كما يبين الحديث الغرض الذي لأجله بعثه الله - تعالى - وهو دعوة الناس إلى الله - تعالى - ومجانبة طريق الشرك والضلال، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . قال النووي : « إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، معناه : لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله - تعالى - وغير ذلك، وأبتلي بك من أرسلتك إليهم ؛ فمنهم من يظهر إيمانه ويُخلص في طاعاته، ومن يتخلف ويتأبد بالعداوة والكفر، ومن ينافق » [4] . ولم ينس الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان العدل والإنصاف من شمائله أن يستثني من الشرك والضلالة طائفة من أهل الكتاب ظلت محافظة على عهد الله - تعالى - إليهم، فقال : « إلا بقايا من أهل الكتاب » ؛ فالإسلام دين يحث على العدل والإنصاف وعدم غمط الناس . قال الله - تعالى - : { لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } ( آل عمران : 113 ) وقال : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ } ( آل عمران : 199 )، وقال : { وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ( آل عمران : 75 ) وغير ذلك من الآيات .
* ماذا قدّمت دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعالمين ؟
بعد أن عمَّ الشرك والجهل والضلال والظلم العالم كله، وكان في حاجة ماسة إلى من يخرجه من كل هذه الظلمات منَّ الله - تعالى - على العالمين ببعثته، كما قال - تعالى - : { الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ } ( إبراهيم : 1 ) ؛ فهو - صلى الله عليه وسلم - مرسل ليخرج الناس كلهم من أنواع الظلمات كلها إلى النور التام وليس جنساً دون جنس ؛ إذ دعوته - صلى الله عليه وسلم - ليست قومية أو عنصرية، كما قال - تعالى - : {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ( الحديد : 9 )، فكان – صلى الله عليه وسلم - بذلك رحمة للناس جميعاً، كما قال - تعالى - : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} ( الأنبياء : 107 ) .
فدعا الناس إلى الله ربهم، لا يطلب منهم على ذلك أجراً أو مقابلاً، وتحمّل منهم في سبيل ذلك الأذى الكثير، ومنع العدوان على الناس حتى لو كانوا من الكافرين، فبلّغ عن ربه قوله : {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} ( المائدة : 2 ) الشنآن : هو البغض .
ومنعَ الظلم بين الناس ولم يقبله حتى من أتباعه على أعدائه، وأمر بالعدل حتى مع الأعداء، فبلَّغ عن ربه - تعالى - قوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ( المائدة : 8 ) .
ودعا الناس إلى الوفاء بالعهود والعقود حتى مع الأعداء، ولم يكونوا كالذين قالوا : ليس علينا لمن خالفنا في ديننا أية حقوق، يستحلون بذلك ظلم من يخالفهم ويكذبون على الله وينسبون ذلك إليه [5]، فبلَّغ عن ربه - تعالى - قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ( المائدة : 1 )، وقوله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } ( النحل : 91 ) .
وقد كان النهي عن الخيانة من الأحكام التي جاء بها الرسول الكريم وبلّغها للناس، حتى من يُخشى خيانته من الأعداء ؛ فلا ينبغي خيانتهم ؛ لأن الخيانة خلق ذميم والله لا يحب الخائنين . قال الله - تعالى - : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } ( الأنفال : 58 ) ؛ فإذا خاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أتباعه من قوم عاهدوهم خيانةً بإمارة تلوح أو ترشد إلى ذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يخون بناء على ما ظهر من إقدام العدو على الخيانة، ولكن عليه أن يبين لهم أن العهد الذي بيننا وبينكم قد ألغي . قال ابن كثير : « أي : أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي : تستوي أنت وهم في ذلك » [6] ؛ فإن غير ذلك من الخيانة، والله لا يحب الخائنين .
وقد كان لتعليماته - صلى الله عليه وسلم - أكبر التأثير على أصحابه، فالتزموا بها حتى ضربوا أروع الأمثلة في كل ذلك ؛ فعن سليم بن عامر رجل من حمير قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْنٍ وهو يقول : الله أكبر ... الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا ؛ فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال : سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء، فرجع معاوية » [7] .
فما أحسن أثر دعوته - صلى الله عليه وسلم - على العالمين جميعاً، وما أقبح موقف الكافرين منه، الذين ناصبوه العداء وعاندوا دعوته، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله !
* احتماله - صلى الله عليه وسلم - الأذى في تبليغ الدعوة : وقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في التمسك بالحق والثبات عليه وعدم التضعضع أمام الباطل وسلطانه ؛ فعن عقيل ابن أبي طالب قال : جاءت قريش إلى أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - فقالوا : إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا فانهه عن أذانا، فقال لي : يا عقيل ! ائت محمداً .
قال : فانطلقت إليه، فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء، فأتيناهم، فقال أبو طالب : إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم، فانْتَهِ عن ذلك ! فحلَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره إلى السماء فقال : أترون هذه الشمس ؟ قالوا : نعم ! قال : ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تُشعلوا منها شعلة . فقال أبو طالب : ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا » [8]، يبين لهم شدة تمسكه بالحق الذي هداه الله إليه واستحالة تركه أو ترك الدعوة إليه ؛ فكما أنهم عاجزون عن أن يشعلوا شعلة من الشمس فهو لا يمكنه ترك ما أوحاه الله إليه . وإزاء هذا الإباء والثبات، عادته قريش وآذوه وصدوا الناس عنه، حتى بلغ بهم الأمر أن يتعاقدوا ويتعاهدوا على مقاطعة الرسول والمؤمنين ومن يسانده من أقربائه حتى لو كانوا على دين قريش، فقاطعوهم مقاطعة اجتماعية، لا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم ولا يكلمونهم ولا يجالسوهم، وقاطعوهم مقاطعة اقتصادية لا يبتاعون منهم ولا يبيعون لهم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف الكعبة، وظلت هذه المقاطعة ثلاث سنوات . وانظر تصويراً لتلك الحالة الصعبة التي كان فيها المسلمون : يقول سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه - : لقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فخرجت من الليل أبول ؛ فإذا أنا أسمع قعقعة شيء تحت بولي، فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها، فرضضتها بين حجرين ثم استففتها، فشربت عليها من الماء فقويت عليها ثلاثاً » [9]، « وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدو الله، فيقول : يا معشر التجار ! غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به » [10] ؛ فما ردَّه ذلك عن دعوته، وقد بلغ الإيذاء بأصحابه مبلغه حتى اضطرهم ذلك إلى مغادرة الأوطان والهجرة منها، وترك التجارات والأموال والأهلين، وانتهى الأمر به - صلى الله عليه وسلم - إلى الهجرة وهو صابر محتسب صامد كالطود الأشم، تميد الجبال الشم وهو - صلى الله عليه وسلم - ثابت لا ينحني، ولم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يساوم على دعوته، أو يقبل بما يدعونه من الحلول الوسط، بأن يكتم بعض ما أنزل الله إليه في سبيل أن يمتنع الكافرون عن معاداته أو محاربته، أو أن يلين في الحق مقابل أن يلينوا معه في مواقفهم، بل رفض كل ذلك وظل صامداً فصلى الله تعالى عليه وسلم، وقد سجل القرآن الكريم هذا الموقف بقوله - تعالى - : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } ( القلم : 9 ) وقال لهم في قوة وصلابة في الحق كما أمره ربه : {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } ( الكافرون : 1-6 )، وعرضوا عليه الأموال والنساء والملك، فيأبى كلَّ ذلك ولسان حاله يقول : واللهِ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله - تعالى - أو أهلك دونه .
ولما مكّنه الله - تعالى - وأظهره لم يطغَ أو يظلم أحداً ولم يبغ العلو في الأرض، وإنما جاهد في الله حق جهاده، وبذل نفسه في سبيل ذلك، وسنَّ في ذلك سنناً هي في غاية العدل والكمال، فلا ظلم ولا اعتداء ولا إفساد، ولا رغبة في العلو في الأرض بالباطل، ولا رغبة في التوسع على حساب الشعوب، بل كان يدعوهم إلى الله - تعالى - لا إلى نفسه ولا إلى قومه، حتى كان العربي والعجمي في كنفه سواء ؛ فهذا بلال الحبشي مؤذنٌ لصلاة المسلمين بين يدي رسول الله، وهذا صهيب الرومي الذي ترك ماله لقريش حتى لا يمنعوه من الهجرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول له : ربح البيع أبا يحيى ! وهذا سلمان الفارسي الذي يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « سلمان منا أهل البيت »، وكان يدعو الناس فمن قَبِلَ منهم دعوة الله كان واحداً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، من غير تفرقة بلون أو لغة أو جنس، وهذه هي وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن خرج مجاهداً في سبيل الله - تعالى - ؛ مما يبين بكل وضوح نبل غاية الجهاد، وأنه جهاد لإحقاق الحق وليس للعلو في الأرض أو الإفساد ؛ فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : « كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً ! وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال ؛ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية ؛ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ! .. الحديث » [11] فبأبي أنت وأمي يا رسول الله !
* الأمانة في تبليغه -صلى الله عليه وسلم- الدعوة :
حيثما توجهت مع الرسول الكريم لا تجد إلا الطهر والنقاء، والثبات والقوة، والصدق والأمانة، يبلِّغ ما أوحاه الله إليه، ولا يُخفي منه شيئاً، حتى لو كان فيما أمر بتبليغه ما يدل على معاتبته على أحد التصرفات، فبلّغ قوله - تعالى - : {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى } ( عبس : 1-4 ) . قال ابن كثير : « ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ويلحّ عليه، وودّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لو كفّ ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل ؛ طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله - تعالى - : { عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } ( عبس : 1-3 ) » [12] ؛ فما انصرف عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعبس رغبة عنه أو استهانة به، وإنما حمله على ذلك رغبته في إسلام أولئك العظماء ؛ ليعزّ بهم المسلمون، ومع ذلك فقد بلّغها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكتمها .
وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مولى اسمه زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - تبناه الرسول قبل البعثة، وكانت عادة العرب أن زوجة الابن تحرم على الوالد، ولو لم يكن ابناً للصلب، وإنما كان ابناً بالتبنّي، وأراد الله - تعالى - أن يهدم هذا العرف الجاهلي، فلما طُلقت زينب بنت جحش زوجة زيد - رضي الله تعالى عنها - شرع الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم – زواجها ليكون هو أول من يهدم هذا العرف الجاهلي ؛ لكن هذا الأمر كان صعباً على تلك البيئة ؛ لتأصّل تلك العادة فيهم، فأخفى - صلى الله عليه وسلم - في نفسه هذه المشروعية، فقال الله - تعالى - له في شأن زينب بنت جحش وزوجها زيد بن حارثة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - : { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } ( الأحزاب : 37 ) فبلّغها ولم يكتمها، قال أنس : « جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : اتق الله وأمسك عليك زوجك ! قال أنس : لو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال : فكانت زينب تفخر على أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم - تقول : زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات » [13] ؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أمين على وحي الله – تعالى - يبلغه كما أنزله الله عليه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه .
* رحمته - صلى الله عليه وسلم - بالعالمين :
قال الله له : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ( الأنبياء : 107 )، فما أرسله - تعالى - إلا ليكون إرساله رحمة للعالمين جميعاً، فمن قَبِلَ رسالته فهو ممن رحمه الله - تعالى - ومن أعرض فعلى نفسه جنى، ولقد شملت رحمته - صلى الله عليه وسلم - حتى الحيوانات ؛ فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال : « كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : من فجع هذه بولدها ؟ رُدُّوا ولدها إليها ! ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال : من حرق هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن ُيعذِّب بالنار إلا ربُّ النار » [14] فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يرقّ لحال هذا الطائر الذي فقد ولديه، ويرحمه ويأمر من أخذهما بإطلاقهما، مع أن صيد البر حلال، لكن الرحمة التي ملأت جوانح الرسول الكريم لم يقدر معها على رؤية هذا الطائر المسكين المفجوع في ولده، حتى أمر بإطلاقه . وها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى رحمة كل ما فيه روح، ويحث على ذلك ببيان ما فيه من الأجر فيقول : « بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا : يا رسول الله ! وإن لنا في البهائم أجراً ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر » [15] وكان - صلى الله عليه وسلم - يرحم الصبية الصغار ويقبّلهم ؛ فعن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه - قال : قبّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : مَنْ لا يَرحم لا يُرحم » [16]، ودعا أمته إلى رحمة الخلق جميعهم من في الأرض من يعقل كالإنس، ومن لا يعقل كالحيوانات، فقال : « الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله » [17] . وقد سجلت لنا السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها - شمائله التي طبعه الله - تعالى - عليها حتى من قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له لما جاءه الوحي : « واللهِ ما يخزيك الله أبداً : إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق » [18] فكانت هذه خِلالُه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يوحى إليه، فلما جاءه الوحي زادت نوراً وتلألؤاً وجلالاً، فصلى الله عليك يا من أرسلك ربك رحمة للعالمين !
* الحلم والعفو والصفح من شمائله - صلى الله عليه وسلم - :
كان الحلم والعفو والصفح شيمة هذا الرسول الكريم، حتى إنه لم ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حدود الله - تعالى - ؛ فقد كان لرجل من اليهود دَيْن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه يتاضاه منه وأغلظ له في الكلام، فردَّ عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحلم وصفح على ما يتبين من هذه الرواية حتى أدّاه ذلك إلى الإسلام ؛ فقد كان زيد بن سعنة من أحبار اليهود وأتى النبي – صلى الله عليه وسلم - « يتقاضاه فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن، ثم قال : إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل، وإني بكم لعارف . فانتهره عمر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عمر ! أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج : أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما أنه قد بقي من أجله ثلاث [ أي : لم يحن أجل الدَّيْن بعدُ، بل بقي منه ثلاثة أيام ] فزِدْه ثلاثين صاعاً، لتزويرك عليه » [19]، ورواه ابن حبان وفيه : « فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر و عمر و عثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت : ألا تقضيني يا محمد حقي ؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمُطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال : ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، وقال : أيْ عدوَّ الله ! أتقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أسمع وتفعل به ما أرى ؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك ؛ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال : إنَّا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ! أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً من غيره، مكان ما رعته، قال زيد : فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر، فقلت : ما هذه الزيادة ؟ قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت : أتعرفني يا عمر ؟ قال : لا، فمن أنت ؟ قلت : أنا زيد بن سعنة، قال : الحَبْر ؟ قلت : نعم ! الحَبْر، قال : فما دعاك أن تقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قلت وتفعل به ما فعلت ؟ فقلت : يا عمر ! كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه : يسبق حِلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حِلماً، فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر ! أني قد رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد – صلى الله عليه وسلم - نبياً، وأشهدك أن شطر مالي فإني أكثرها مالاً صدقة على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر : أو على بعضهم ؟ فإنك لا تسعهم كلهم، قلت : أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده .. الحديث » [20] فحلم عليه، ولم يردّ عليه بمثل ما قال، بل زاده في حقه من أجل انتهار عمر له .
وعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال : يا محمد ! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء » [21] فلم يقابل جفاء الأعرابي وغلظته وقسوته عليه إلا أن التفت إليه وضحك، ثم أعطاه ما سأل ؛ فما أحلمك يا رسول الله !
وقد حاربته قريش أشد المحاربة، وألَّبوا عليه القبائل وآذوه وآذوا أصحابه، فلما أمكنه الله منهم وأظهره عليهم ودخل مكة فاتحاً في عام الفتح في موقف النصر والعزة والتمكين، لم يعاملهم بما يستحقونه من العقاب البليغ، بل عفا عنهم « وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد : ما ترون أني صانع بكم ؟ قالوا : خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء » [22] .
* شجاعته - صلى الله عليه وسلم - :
كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - في الشجاعة القِدح المعلَّى، فكان أسرع الناس إلى العدو وأقربهم إليه، ولم يفرّ - صلى الله عليه وسلم - من أية معركة رغم شدتها والتحام الصفوف ؛ فعن أبي إسحاق قال : « جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس وحُسَّر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول : أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزِّل نصرك، قال البراء : كنا والله إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للَّذي يحاذي به، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - » [23]، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا دهم المدينةَ خطر يكون أسرع الناس لاستجلائه، فعن أنس قال : « كان النبي - صلى الله عليه وسلم – أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول : لن تُراعوا، لن تُراعوا، وهو على فرس لأبي طلحةعري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال : لقد وجدته بحراً أو إنه لبحر » [24] فلفرط شجاعته - صلى الله عليه وسلم - كان أول من انطلق حتى يستجلي الأمر، حتى إن أسرع الناس من بعده لم يلحقه إلا وهو راجع، وذهب على فرس عري ليس عليه سرج والسيف في عنقه، فأي شجاعة هذه التي تجعل من صاحبها يقدم بمفرده ولا ينتظر من يعاونه أو يساعده على هذا الوضع الصعب ؟! وعن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أخبر : « أنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ نجد ؛ فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سَمُرة فعلَّق بها سيفه، قال جابر : فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً، فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت : الله ؛ فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » [25]، في هذا الوضع الصعب حيث الرجل ممسك بالسيف، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس معه سلاح، لكنه ظلَّ رابط الجأش واثقاً من معية الله، ولم يظهر منه خوف أو جزع، بل ثبات ويقين .
قال ابن حجر : « وفي الحديث فرط شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال » [26] .
* وجوب نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - :
نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من لوازم الإيمان، وقد ضمن الله - تعالى - الفلاح لمن آمن برسوله ونَصَرَه، فقال - تعالى - : {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } ( الأعراف : 157 )، فالذين عزّروه هم الذين وقَّروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم، وقد مدح الله - تعالى - المهاجرين الذين نصروا رسوله وشهد لهم بالصدق في إيمانهم فقال -تعالى - : { لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ( الحشر : 8 )، كما شهد لمن آوى المهاجرين ونصر الرسول بأنهم هم المؤمنون حقاً فقال - تعالى - : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ( الأنفال : 74 )، فكان البذل والعطاء في سبيل الله سواء بالهجرة أو بالنصرة دليل الإيمان الحق .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مكة قبل الهجرة يطوف على الناس يطلب النصرة حتى يتمكن من إبلاغ رسالة الله -تعالى - للعالمين ؛ فعن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال : « مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ و مجنة، وفي المواسم بمنى، يقول : من يؤويني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة ؟ .. » الحديث [27]، وعندما أراد الهجرة إليهم في المدينة أخذ البيعة عليهم أن ينصروه وأن يمنعوه مما يمنعون منه أهليهم، ففي الحديث المتقدم قال لهم : « وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة » [28] .
وقد أخذ الله - تعالى - الميثاق على من تقدّمنا من الأمم بنصرة الرسول الكريم ؛ فما أتعس قوماً أخذ عليهم الميثاق بنصرته - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإذا هم يسخرون ويستهزئون ! قال الله - تعالى - في أخذه الميثاق على من سبق من الأمم : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ } ( آل عمران : 81 )، فأخذ الميثاق على النبيين كلهم وأممهم تبع لهم فيه . قال ابن كثير : « قال علي ابن أبي طالب وابن عمه ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - : « ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أُخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه » [29] .
وقد بين الله - تعالى - أنه ناصر رسوله، وأن رسوله ليس في حاجة إلى نصرهم، والمسلم عندما ينصر الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - فإنما يسعى لخير نفسه، وإذا تقاعس فلن يضر إلا نفسه، وقد نصر الله رسوله في أحلك الظروف وأصعب الأوقات عندما هاجر من مكة إلى المدينة وقريش كلها تطارده بخيلها ورجلها تأمل العثور عليه، لكن الله أنجاه منهم مع ضعف الإمكانات وقلة الزاد والمعين، قال الله - تعالى - يبين ذلك : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( التوبة : 40 ) فمن تقاعس عن نصرة الرسول فلا يُزري إلا بنفسه، وهي منزلة من العز والشرف قد حرم منها .
وإذا كانت هناك وسائل كثيرة لنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والانتصار له ممن سخر أو استهزأ من الكفرة والملحدين، فإن من النصرة التي يقدر عليها كل مسلم، ولا يعذر في التخلف عنها : محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموالاته واتباع سنته، وترك الابتداع في الدين ؛ إذ لا يستقيم أن يكون المسلم ناصراً حقاً للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الوقت الذي يعصيه فيه ويخالف سنته، ويبتدع في دينه، أو يوالي أعداءه، ويناصرهم ويقف معهم في ملماتهم، وكيف تكون هناك موالاة بين المسلم وبين الكافر الذي يسخر أو يسب الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله - تعالى - : { لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ } ( المجادلة : 22 ) .
* وجوب تعزيره وتوقيره - صلى الله عليه وسلم - :
التعزير : النصرة والحماية، والتوقير : التعظيم والإجلال، وكل ذلك يستحقه الرسول الكريم، وبذلك أمرنا رب السماوات والأرضين . قال الله - تعالى - : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } ( الفتح : 8-9 )، ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره يرجع إلى أمرين : أمر إلى صفاته الشخصية وشمائله التي تحلّى بها، والتي لا تدع لأي منصف اطلع عليها إلا أن يحب هذا الرسول ويوقره ويعظمه، وهذه تكون من المسلمين كما تكون من المنصفين من غير المسلمين، وهناك كمٌّ كبير من أقوالهم في ذلك، وآخر : إلى أمر الله بذلك وإيجابه على المسلمين، وهذه يختص بها الذين آمنوا بالله ورسوله، حتى يفديه المؤمن بأبيه وأمه، بل يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من كل شيء، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » [30]، بل لا بد أن يكون الرسول أحب إلى المسلم من نفسه التي بين جوانحه، فيؤْثر مرضاة الرسول على ما تطمح إليه نفسه، ويقدم أمره وسنته على محبوباته ورغباته، فعن عبد الله بن هشام قال : « كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر : يا رسول الله ! لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الآن يا عمر ! » [31]، وقد كان المسلمون من محبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرِّضون أنفسهم للمهالك والردى في سبيل حفظ الرسول ونجاته، فعن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال : « لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - و أبو طلحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مجوب به عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد القد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول : انثرها لأبي طلحة، فأشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة : يا نبي الله ! بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبْك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك » [32] .
وإزاء كل ما تقدم لم يكن من المسلمين لرسولهم إلا الحب والإجلال والإكبار والرغبة في فدائه بكل ما يملكون، ولم يكن أحد من أصحابه يطيق أن يسمع شيئاً مما قد يكون فيه أدنى نقص من قدره - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : « استبَّ رجلان : رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم : والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلم فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تخيِّروني على موسى ؛ فإن الناس يُصعقون يوم القيامة فأُصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله » [33]، فلم يحتمل الصحابي الجليل أن يسمع من اليهودي تفضيل موسى – عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [34]، وقد روى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قصة تبين مدى حب الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعنه « أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال : فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشتمه فأخذ المِغْوَل فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمع الناس فقال : أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا اشهدوا أن دمها هدر » [35] .
ولم يكن يتصور أن يقوم أحد ممن آمن به بانتقاصه أو سبّه أو السخرية منه أو الاستهزاء به، وقد أجمع علماء المسلمين على أن من سبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من أنبياء الله ورسله أنه مرتد ويجب قتله، كما أن من سبّه من أهل العهد والذمة فإن عهده ينتقض بذلك ويجب قتله، فإنَّا لم نعاهدهم على سب رسولنا أو الانتقاص منه . قال محمد بن سحنون : « أجمع العلماء على أن شاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر » [36] وقال ابن تيمية : « وتحرير القول فيه : أن السابَّ إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذمياً فإنه يقتل أيضاً في مذهب مالك وأهل المدينة، وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة . قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : « كل من شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تنقَّصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب » [37] .
وبعد : فهل وفيتُ حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ لا، وألف لا، بل ولا قطرة في بحر حقه وفضله، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله ! اللهم إنَّا قد أحببنا نبيك وأصحاب نبيك، فاللهم احشرنا في زمرتهم !

______________________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الجنة وصفة نعيمها , رقم 5109 , و المقت : أشد البغض , وبقايا من أهل
الكتاب : المراد بهم الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل .
(2) أخرجه البخاري : كتاب المناقب , رقم 3262 .
(3) و البحيرة : التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس , و السائبة : كانوا يسيبونها
لآلهتهم لا يحمل إليها شيء , و الوصيلة : الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى , و
كانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر , و الحام : فحل الإبل يضرب
الضراب المعدود , فإذا قضى ضربه و دعوه للطواغيت , و أعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شىء ,
و سموه الحامي .
(4) المنهاج شرح النووي على صحيح مسلم : 17 / 198 .
(5) كما قال أهل الكتاب - فيما ذكره الله عنهم - : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (آل عمران : 75) .
(6) تفسير ابن كثير : 3 / 433 .
(7) أخرجه الترمذي : كتاب السير , رقم 1056 و أبو داود : كتاب الجهاد , رقم 16401 , و ابن حبان في صحيحه : 11 / 215 , و صححه الألباني .
(8) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين : 3 / 668 , و أبو يعلى في مسنده : 12 / 176 , و قال الشيخ حسين لأسد : إسناده قوي .
(9) سيرة ابن اسحاق : 1 / 173 .
(10) الروض الأنف : 1 / 179 .
(11) أخرجه مسلم : كتاب الجهاد , رقم 3261 .
(12) تفسير ابن كثير : 4 / 604 , و أخرج الترمذي هذه القصة من حديث عائشة كتاب التفسير , رقم 3254 , وقال : حديث حسن غريب .
(13) أخرجه البخاري : كتاب التوحيد , رقم 6870 .
(14) أخرجه أبو داود : كتاب الجهاد , رقم 3300 .
(15) أخرجه البخاري : كتاب المساقاة , رقم 2190 , و مسلم : كتاب السلام , رقم 1462 .
(16) أخرجه البخاري : كتاب رقم .
(17) أخرجه الترمذي : كتاب البر و الصلة , رقم 1847 , و قال : هذا حديث حسن صحيح , و أبة داود : كتاب الأدب , رقم 4390 .
(18) أخرجه البخاري : كتاب بدء الوحي , رقم 3 , و مسلم : كتاب الإيمان , رقم 331 .
(19) أخرجه الحاكم : 2 / 37 , و صححه , و قال الذهبي : مرسل .
(20) صحيح ابن حبان : 1 / 521 , و صححه الأرناؤوط و قال : على شرط الشيخين .
(21) أخرجه البخاري : كتاب اللباس , رقم 5362 , و مسلم : كتاب الزكاة , رقم 1749 .
(22) سنن البيهقي الكبرى : 9 / 118 .
(23) مسلم : كتاب الجهاد رقم 3326 .
(24) أخرجه البخاري : كتاب الأدب , 5573 .
(25) أخرجه البخاري : كتاب المغازي رقم 3822 , و مسلم : كتاب الفضائل رقم 4231 .
(26) فتح الباري : 4 / 428 .
(27) أخرجه أحمد في المسند : رقم 13934 , و الحاكم في المستدرك على الصحيحين : 2 / 681 .
(28) أخرجه أحمد في المسند : رقم 13934 , و الحاكم في المستدرك على الصحيحين : 2 / 681 .
(29) تفسير ابن كثير : 1 / 502 .
(30) أخرجه البخاري : كتاب الإيمان , رقم 14 , و مسلم : كتاب الإيمان , رقم 63 .
(31) أخرجه البخاري : كتاب الإيمان و النذور , رقم 3376 .
(32) أخرجه البخاري : كتاب المغازي , رقم 3757 , مسلم : كتاب الإيمان , رقم 3376 .
(33) أخرجه البخاري : كتاب الخصومات , رقم 2234 , و مسلم : كتاب الفضائل , رقم 4377 .
(34) و في هذا الحديث من الدلالة على عظمة هذا الرسول الكريم و تواضعه , و شهادته لإخوانه من المرسلين , وفيه الدلالة على عدل الرسول و إنصافه ما حمل اليهودي على الذهاب إليه و شكاية المسلم له .
(35) أخرجه أبو داود : كتاب الحدود , رقم 3795 .
(36) ذكر ذلك ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول : 1 / 9 .
(37) الصارم المسلول : 1 / 10 .
-----------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 08:55 AM
الجذع يحن إليه
ـــــــ

(أ.د. لطف الله خوجة)
ــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

* محبة مفترضة :
-----------

من حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - محبته، وقد ورد الأمر بها في القرآن . قال الله - تعالى - : { قُلْ إِن َانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ } ( التوبة : 24 ) .
وموضع الشاهد : ما في الآية من الوعيد، لمن كانت محبته لشيء، أكثر من محبته لله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، في كلمتين هما : أولاً : قوله : { فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } ( التوبة : 24 ) والتربص هنا للعقوبة، ولا تكون العقوبة إلا لترك واجب .
ثانياً : قوله : { وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ } ( التوبة : 24 ) فقد وصفهم بالفسق ؛ وذلك لا يكون إلا بفعل كبيرة فما فوقها، من كفر وشرك، لا في صغيرة .
فمن قدّم شيئاً من المحبوبات على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو فاسق، متربص ببلية تنزل عليه .
وقد اقترنت محبته - صلى الله عليه وسلم - بمحبة الله - تعالى - ؛ وذلك يفيد التعظيم، كاقتران طاعته بطاعة الله - تعالى - .
وثمة نصوص نبوية صريحة، في وجوب تقديم محبته - عليه الصلاة والسلام - على كل المحبوبات الدنيوية :
- النص الأول :
----------

كان النبي آخذاً بيد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال له عمر : - « يا رسول الله ! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي .
- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا، والذي نفسي بيده ! حتى أكون أحب إليك من نفسك .
- فقال له عمر : فإنه الآن والله ! لأنت أحب إليَّ من نفسي .
- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الآن يا عمر ! » . [ البخاري، الأيمان والنذور، باب : كيف كانت يمين النبي] .
النفي المؤكد بالقسم يدل على وجوب تقديم محبته - عليه الصلاة والسلام - على النفس .
فأَمْرُه بتأخير محبة النفس، وتقديم هذه المحبة النبوية عليها مع كون محبة النفس جِبِلَّة في الإنسان، يقدمها على كل شيء، ولا يُلامُ على ذلك في أصل الأمر، إلا إذا تجاوز بها إلى محظور دليل وجوب، لا استحباب .
إذ لا يؤمَر الإنسان بترك فِطرة فُطِرَ عليها، وليست مذمومة في أصلها، إلا إذا قادته إلى محظور . وتقديم محبة النفس على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، تقود إلى فعل المحظورات، كما هو مجرّب، فلذا وجب التقديم .
أمر ثانٍ : النفس هالكة لولا فضل الله - تعالى - على الناس بهذا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو سبب نجاتها، فمحبته أحق بالتقديم .

- النص الثاني :
-----------
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين » [ البخاري، الإيمان ] .
هذا نص في وجوب أن يكون - عليه الصلاة والسلام - أحب إلى المرء من كل شيء دنيوي، وذلك لأمور :
- كونه نفى حصول الإيمان إلا بكونه أحب شيء، والإيمان واجب، وما تعلق به فهو واجب .
- ثم إن الخطاب جاء في حق الأعيان في قوله : « أحدكم »، فكل مؤمن مخاطب بهذه المحبة .
- ثم إنه أتى بصيغة التفضيل : « أحب »، وهو صريح في تقديم محبته مطلقاً على كل شيء دنيوي .
وهذه المحبة الواجبة من فرّط فيها فهو آثم مذنب، ومن قدّم عليه محبة :
الآباء، أو الأبناء، أو الإخوان، أو الأزواج، أو شيء من متاع الدنيا، فهو آثم فاسق، مستحق للعقوبة، فقوله : « لا يؤمن أحدكم ... » نفي للإيمان الواجب، بمعنى أن من فعل ذلك فقد نقص إيمانه نقصاً يستحق به الإثم والعقوبة .
فالشارع لا ينفي واجباً، ثبت وجوبه، إلا لترك واجب فيه . والإيمان واجب، ولا ينفي بقوله : « لا يؤمن ... » إلا لترك واجب فيه، كالصلاة لا تنفى إلا لترك واجب فيها، كقوله : « لا صلاة لمن لا وضوء له » [ أخرجه أحمد ] .
والإثم والعقوبة متفاوت بحسب نوع التقديم :
فتارة يكون كفراً، وذلك في حالين :
- الأول : إذا كان التقديم مطلقاً، فلا يتعارض شيء مع محبة النبي – صلى الله عليه وسلم - إلا قدّم ذلك الشيء، وهكذا في كل شيء، فهذا يعبد هواه، ولا يعبد الله - تعالى - في شيء .
- الثاني : إذا كان التقديم في بعض الأحوال، لكن في أمور كفرية، ينقض بها أصل دينه، فيقدم محبة الأمور الكفرية على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كمن نصر الكافرين على المسلمين .
- وتارة يكون كبيرة، وذلك إذا قدّم محبة الكبائر على محبة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فشرِبَ الخمر وزنى، ولم يطع النبي - صلى الله عليه وسلم - في نهيه عنها، فهذا قدّم محبة هذه الكبائر .
- وتارة صغيرة، وذلك إذا فعل الصغائر، فقدم حبها على حبه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وطاعتَه .
* عبودية لا إلهية :
وليس فوق محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا محبة الله - تعالى - ؛ فإن محبة الله - تعالى - هي أعلى المحبوبات وأوجبها على الإطلاق، ولا يجوز أن يساوى بينه - تعالى - وبين غيره في المحبة، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن محبته وإن كانت عظيمة مقدمة على المحبوبات الدنيوية، لكنها تبقى في مرتبة البشرية، لا تبلغ مرتبة الألوهية ؛ فلله - تعالى - محبة تخصه تسمى :
محبة التألُّه، والخلة . ويقال كذلك : المحبة الذاتية . فلا يجب محبة شيء لذاته إلا الله - تعالى - .
ومن هنا يُفهَم خطأ من بالغ في محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى جعله كمحبة الله - تعالى -، فنسب إليه خصائص الخالق - سبحانه -، من :
- علم الغيب .
- وتدبير الخلق .
- ونسبة إجابة الدعوات إليه .
- ودعائه والاستغاثة به من دون الله - تعالى - في قضاء الحوائج، وتفريج
الكربات .
- وسؤاله شيئاً لا يقدر عليه إلا الله - تعالى - .
فإن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن اقترنت بمحبة الله تعالى إلا أنها كاقتران طاعته بطاعته .
أما المحبة الإلهية فشيء وراء المحبة البشرية، وما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ليعلّق القلوب بالله - تعالى -، ويخلص الناس محبتهم لله - تعالى - فلا يشركون فيها معه غيره، وهذه هي العبودية، التي قال - تعالى - فيها :
{ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ( الذاريات : 56 )، أي : ليخلصوا المحبة والخضوع والطاعة لله - تعالى - .
وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا المسلك غاية التحذير، وحرص على منع كل ذريعة تفضي إلى مساواته بالله - تعالى - في المحبة، فقال - عليه الصلاة والسلام - :
- « لا تُطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ؛ فإنما أنا عبده، فقولوا : عبدُ الله ورسوله » .
ومعنى الأثر : لا تبالغوا في مدحي، وتغلوا فيّ كغلوِّ النصارى في عيسى - عليه السلام - .
فإن النصارى زعموا فيه أنه إله، وأنه ابن الله - تعالى - : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ( الكهف : 5 )، فقد خشي النبي – صلى الله عليه وسلم - من هذا المسلك، فنهى عن المبالغة في مدحه .
وقد وقع ما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيث غلا فيه أناس حتى جعلوه في مرتبة الألوهية والربوبية :
- فنسبوا إليه ما لا يليق إلا بالخالق، وصنعوا به كما صنع النصارى بالمسيح، غير أنهم لم يقولوا : هو ابن الله، لكنهم نسبوا إليه : التصريف، وعلم الغيب، وإجابة الدعاء، وهذا إنزال له في مرتبة الألوهية، وإن لم يقولوا : إنه الله ؛ فإن العبرة بالمعاني والحقائق .
- كما أنهم ابتدعوا له عيداً، يحتفلون فيه بمولده - صلى الله عليه وسلم -، كابتداع النصارى عيد الميلاد للسيد المسيح - عليه السلام -، ولم يفعله ولم يأمر به - عليه السلام -، كما لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمر في حق نفسه الشريفة .
لقد اتبع طائفة من المسلمين سنن اليهود والنصارى حذو القُذة بالقُذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، كما أخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - .
نعم ! النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الخلق، وسيد ولد آدم، وخليل الله - تعالى -، وأعلى الناس منزلة يوم القيامة، وفي الجنة، وهو إمام الأنبياء والمرسلين، لا يبلغ مقامه نبي مرسل، ولا مَلَك مقرَّب، غير أنه تحت سقف العبودية، دون مرتبة الألوهية، وقولُه :
- « إنما أنا عبده، فقولوا : عبد الله ورسوله » .
تقريرٌ لهذه الحقيقة، ولجم وإبطال لدعاوى فريقين :
الأول : الغالي، الذي رفعه عن مرتبة العبودية، وذلك بقوله : « فقولوا : عبد الله » .
والثاني : الجافي، الذي عامله كسائر الناس، فلم يميزه بالمرتبة العالية، وذلك بقوله : « ورسوله » .
رآن . قال الله - تعالى - :
- { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَراًّ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ( الأعراف : 188 ) .
وتقديم محبته - صلى الله عليه وسلم - على كل شيء له أربعة أسباب :
الاثنان الأولان منها على سبيل الوجوب، والآخران على سبيل الاستحباب :
الأول : أمر الله - تعالى - به، حيث تقدمت الأدلة الدالة على هذا، وهذا السبب وحده يكفي في الوجوب .
الثاني : منّته - صلى الله عليه وسلم - على أمته ؛ إذ هداهم الله به، ودلهم على طريق السعادة والنجاة من شقاء الدنيا والآخرة .
الثالث : كماله الخُلقي : كرماً، وشجاعة، وإحساناً، ومروءة، وصدقاً، وعدلاً، وأمانة، وحلماً، ورحمة، وعفواً وصفحاً . بالإضافة إلى العلم والفقه والبصيرة، وأية واحدة من هذه السجايا توجب محبة من تحلى بها ؛ فكيف بمن اجتمعت فيه على أكمل وجه . قال - تعالى - : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ( القلم : 4 ) .
الرابع : كماله الخَلْقي : فقد كان جميلاً، منيراً كالقمر، طيب الرائحة، عرقه كالمسك، معتدل القوام، حسن الشعر، جميل العين، أبيض البشرة ؛ فله أوصاف الجمال ؛ فمن رآه أحبه - صلى الله عليه وسلم - .
- الشوق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وعلامات المحبة - صلى الله عليه وسلم - متعددة، هي : الإيمان به، وتوقيره، ونصرته، وطاعته .
ثم إن منها كذلك : الشوق والأُنْس عند ذكره، وتمني رؤيته، والجلوس إليه، ولو كان ذلك لا يحصل إلا بإنفاق كل المال، وما عرف عن الصادقين من المؤمنين إلا مثل هذا الشعور الصادق، وهذه آثارهم :
1 - سأل رجل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال : « متى الساعة ؟ قال : « وما أعددتَ لها ؟ » قال : لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله . فقال : « أنت مع من أحببتَ » .
قال أنس : فما فرحنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أنت مع من أحببت » .
- قال أنس : « فأنا أحب النبيَّ و أبا بكر و عمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم » [ البخاري، الأدب، باب : علامة الحب في الله دون قول أنس ] .
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « والذي نفس محمد بيده !
ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني . ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم » [ أخرجه مسلم في الفضائل، باب : فضل النظر إليه - صلى الله عليه وسلم -، وتمنيه، 4/1836 ] .
3 - وجاء أن امرأة قُتِلَ أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقالت :
- « ما فعل رسول الله ؟
- قالوا : خيراً، هو بحمد الله كما تحبين .
- فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل » [ الروض الأُنُف للسهيلي : 6/ 25، الشفا : 2/22 ] .
4 - ولما احتُضر بلال - رضي الله عنه - قالت امرأته : « واحزناه ! - فقال : واطرباه ! غداً نلقى الأحبة .. محمداً وحزبه » [ سير أعلام النبلاء : 1/359، الشفا : 2/23 ] .
5 - ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنّة - رضي الله عنه - من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان ولم يكن قد أسلم بعدُ :
- « أنشدك الله ! أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك يُضرَب عنقه، وأنك في أهلك ؟ » .
- فقال : « واللهِ ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإني جالس في أهلي » .
- فقال أبو سفيان : « ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً » . [ السيرة النبوية الصحيحة للعمري : 2/400، سيرة ابن هشام : 3/160، الروض الأنف : 6/166، الشفا : 2/23 ] .
6 - وكان خالد بن معدان لا يأوي إلى فراشه إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله وإلى أصحابه، ويسميهم ويقول : « هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل ربِّ قبضي إليك »، حتى يغلبه النوم . [ سير أعلام النبلاء : 4/539، الحلية : 5/210، الشفا : 2/21 ] .
7 - وقد كانت الجمادات فضلاً عن المؤمنين تشتاق إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وتحبه وكذا البهائم : - فقد كان - عليه السلام- يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنِع له المنبر، تحوَّل إليه، فحنّ الجذع، وسمع الناس له صوتاً كصوت العشار، حتى تصدع وانشق، حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليه فسكت، وكثر بكاء الناس لما رأوا به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إن هذا بكى لِمَا فقد من الذكر، والذي نفسي بيده ! لو لم ألتزمه، لم يزل هكذا إلى يوم القيامة »، فأمر به فدُفن تحت المنبر .
- وكان الحسن البصري - رحمه الله - إذا حدَّث بهذا بكى، وقال : « يا عباد الله ! الخشبة تحنّ إلى رسول الله شوقاً إليه بمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه » . [ بتصرف، وأصله مروي في صحيح البخاري، في المناقب، باب : علامات النبوة قبل الإسلام، 3/1314، انظر : الشفا : 1/304، صحيح الجامع : 2256 ] .
8 - وقد كان الطعام يسبِّح في يده، والشجر والجبل والحجر يسلم عليه . [ الشفا : 1/306، وأثر التسبيح عند البخاري، في المناقب، باب : علامات النبوة قبل الإسلام، 3/1312، وأثر تسليم الحجر في مسلم، الفضائل، باب : فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، 4/ 1782 ] .
9 - لما قدم عمر - رضي الله عنه - الشام، سأله المسلمون أن يسأل بلالاً - رضي الله عنه - يؤذِّن لهم، فسأله، فأذّن يوماً، فلم يُرَ يوم كان أكثر باكياً من يومئذ، ذكراً منهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -. [ سير أعلام النبلاء : 1/357 ]
10 - عن أُبَيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال : « كان رسول الله إذا ذهب ربع الليل قام، فقال : أيها الناس ! اذكروا الله ! اذكروا الله ! جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه .
- فقلت : يا رسول الله ! إني أُكْثِرُ الصلاةَ عليك ؛ فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : ما شئت .
- قلت : الربع ؟ قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير .
- قلت : النصف ؟ قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير .
- قلت : الثلثين ؟ قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير .
- قال : أجعل لك صلاتي كلها، قال : إذاً تُكْفَى همَّك، ويغفر لك ذنبك » .
[ أخرجه الترمذي : صفة القيامة، وأحمد : 5/136 ] ؛ لأن من صلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى الله عليه كفاه همهوغفر ذنبه . [ انظر : جلاء الأفهام : لابن القيم ص46 ] .
كثير من الصالحين يرون النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، بعضهم كان يراه في كل ليلة، فإذا ما لم يره في ليلة اتهم نفسه بالنفاق، ورؤيته في المنام - صلى الله عليه وسلم - دليل على تعلق القلب به، واشتغال اللسان بالصلاة عليه، والعين بالنظر في سنته، والأذن في سماع حديثه .

أما أولئك الذين :

لا يصلُّون عليه حتى إذا ذُكر .
ولا يسمعون لحديثه ولو تُلي .
ولا ينظرون في سنته، ولو مرّ بهم كتاب حديث .
فإنه لن يكون له في قلوبهم : ذكر، ولا شوق .
فأنَّى لهم أن يروه في المنام، ولو لمرة ؟ فهل لهم أن يتهموا أنفسهم بالنفاق !

-----------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 08:58 AM
خلفيات التحول السيئ للدانمارك ودول شمال أوربة
ــــــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


كانت دول شمال أوروبا : السويد و النرويج و الدانمارك و فنلندا و إيسلندا تعتبر نفسها دوماً مغايرة ومختلفة عن بقية الدول الأوروبية ذات الإرث الاستعماري والتي تزعمت إمبراطوريّات احتلت لمئات السنين أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي والثالث، بل إنّ دول شمال أوروبا كانت تعتبر نفسها ذات خصوصية مناخية وثقافية واجتماعية وحضارية، وأنهّا نجحت في إقامة نظام سياسي إنساني في كل أبعاده يؤمن بالإنسان أولاً وثانياً وأخيراً . ولطالما نظّر المنظرون والإستراتيجيون في شمال أوروبا لمجتمع متعدد الثقافات ومتنوّع الأعراق والديانات .
وبناءً عليه وضعت قوانين أساسية تنصّ على مبدأ حريّة التديّن وعدم جواز المساس بأي دين أو التحامل على ديانة بعينها . صحيح أنّ هذا البند ربما وضع ليحمي الديانة اليهودية ورموزها في شمال أوروبا، لكن عدم تحديد الديانة بالاسم جل القوانين التي تصون الديانات تنسحب على الإسلام أيضاً، وخصوصاً عندما أصبح الإسلام الديانة الرسمية الثانية في السويد والنرويج وحتى في الدانمارك .
وبسبب الطبيعة المناخية الباردة لمنطقة شمال أوروبا فإن سكانها الأصليين هجروها في أوقات سابقة باتجاه أمريكا وباتجاه مدن الشمس، كما أنّ انتهاء مفهوم الأسرة في هذه الجغرافيا واكتفاء الرجل والمرأة بمبدأ المعاشرة أثَّر إلى أبعد الحدود في حدوث تضاؤل فظيع في نسبة المواليد وهو الأمر الذي جعل الإستراتيجيين في هذه المنطقة يفكرون باستيراد البشر من الدول التي تعيش أزمات حروب وأزمات سياسة، فتدفق المهاجرون المسلمون على هذه البلاد، وحصلوا على حق الإقامة الدائمة بموجب اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني، أو من خلال مفوضية شؤون اللاجئين التي ترسل تباعاً عناصر بشريّة بالتوافق مع هذه الدول التي تستقبل سنوياً حصّة معينة ومعدودة من مفوضيّة شؤون اللاجئين .
وخلال ثلاثين سنة ارتفع عدد المسلمين بشكل غير متوقّع في دول شمال أوروبا ؛ حيث أصبح عددهم في السويد أزيد من نصف مليون مسلم، وفي النرويج أزيد من 270 ألف مسلم، وفي الدانمارك أزيد من 150 ألف مسلم، وفي فلندا قرابة 50 ألف مسلم، وفي إيسلندا عدة آلاف من المسلمين .
وهذا الاضطراد في ارتفاع عدد المسلمين جعل الكثير من الجمعيات اليهودية الفاعلة في هذه المناطق والمنظمات الكنسية الكبيرة كجمعية ( كلمة الحياة العالمية ) و ( شهود يَهْوَهْ ) تنظر بريبة إلى هذا الوجود الإسلامي، وعمدت إلى تكثيف التنصير في المناطق الإسلامية، وراحت تستغل فقر الجاليات العربية والمسلمة لتمرر رسالتها الدينية التي تستهدف بالدرجة الأولى المسلمين حتى يغيِّروا ديانتهم .
وهذا التنامي في عدد المسلمين في مناطق شمال أوروبا جعل الكثير من مراكز الدراسات المستقبلية في الغرب تشير إلى عمق الأزمة الاجتماعية والتركيبة العقائدية لهذه المجتمعات بعد عشرين سنة، كما أنّ بعض الباحثين الإسرائيليين ذكروا بكل صراحة في بحوثهم أنّ المستقبل في هذه المناطق مقلق للصهيونية الذين قد يفقدون أي دعم أوروبي فيما لو أصبح ( محمد ) و ( خالد ) من صنّاع القرار في أوروبا ؛ في إشارة إلى احتمال وصول الجيل الثالث المسلم المولود في هذه البلاد إلى دوائر القرار .
وقد كانت حياة المسلمين في بلاد شمال العالم طبيعية وعادية، وكانوا يتمتعون بكثير من الامتيازات والتسهيلات، غير أنّ هناك حدثين قلبا ظهر المجن عليهم في هذه البلاد، وبموجب الحدثين أصبحوا عرضة لتآمر دولي يستهدف كيانهم ووجودهم ومستقبلهم :
الحدث الأول : هو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م التي حدثت في أمريكا، وقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تفرض توجهاتها الأمنية على دول شمال العالم وأشركتها في سياستها الأمنية، وهو الأمر الذي جعل أحد المتابعين يقول : إنّ أمريكا تملك أكبر قاعدة سياسية ولوجستية في شمال أوروبا .
والحدث الثاني : يرتبط بالاستفتاء الشهير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي حول الدولة الشرّيرة الأولى في العالم، فأجمع الأوروبيون بمن فيهم سكان شمال العالم على أنّ الدولة العبرية هي أخطر دولة على السلام العالمي، وبعد هذا الاستطلاع طالب وفد الوكالة اليهودية العالمية الأمين العام للاتحاد الأوروبي ساعة نشر الاستطلاع ( رومانو برودي ) بأن يلغي هذا الاستطلاع، وحاول الوفد اليهودي إقناع ( برودي ) بأنّ المسلمين الإرهابيين هم الأخطر على أوروبا والعالم، وأنّ المواطنين الأوروبيين من أصول إسلامية هم الذين جعلوا الاستطلاع في منحى مضاد للدولة العبرية .
ومنذ تلك اللحظة بدأت كبريات الجرائد ووسائل الإعلام المرئية المملوكة بنسبة تسعين بالمائة ليهود في شمال أوروبا في تحقير الهوية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي كانت تعتبر، ولا زالت ثقافة كراهية وتحامل على السامية، وبات واضحاً أنّ هناك حملة متكاملة الأبعاد ومخططاً لها سلفاً ضد الإسلام والمسلمين وبشكل استفزازي ؛ ففي السويد أطلق قسّ سويدي يدعى ( رونارد سوغارد ) تصريحاً مفاده أنّ محمداً الرسول العربي معقّد ومزواج ومحبّ للفتيات القاصرات، وتبين أنّه تلقى الضوء الأخضر من الكنيسة الإنجيلية من كاليفورنيا – كنيسة المحافظين الجدد - وتزامناً مع هذا التصريح طالبت إذاعة دانماركية محلية بطرد المسلمين كل المسلمين من الدانمارك، وتلاقياً مع ذلك خرج علينا رئيس الحزب المسيحي النرويجي بتصريح يتهم فيه محمداً الرسول العربي بتخريج إرهابيين ودفع الأطفال إلى الحروب، وأصبحت الكلمة والصورة ضدّ الهوية الإسلامية، وحتى المؤتمرات التي انعقدت في دول شمال أوروبا لم تخلُ من نَفَس كراهية المسلمين ؛ ففي مؤتمر حظر الإبادة الذي انعقد في السويد زُجّ باسم المسلمين الساعين حسب أحد المحاضرين إلى إبادة البشريّة برمتها من خلال إقامة دولة إسلامية عالمية على أساس الخلافة الإسلامية ؛ وحسب قول هذا المحاضر فإنّ المسلمين ومن خلال الإسلام الراديكالي يهدفون إلى إبادة كل الأجناس وكل الديانات، وفكرهم قائم على تدمير الآخرين وإزالتهم من الخارطة الكونية كما قال .
وقد انضمّ إلى هذا المحاضر اليهودي ( هنري آشر ) المقيم في السويد والمتخصص في طبّ الأطفال ؛ حيث أشار إلى أنّ المسلمين في السويد يعادون السامية بشكل كامل، وكثيراً كما قال آشر ما نصادف كراهية مطلقة لليهود وسط الأحياء الآهلة بالمهاجرين المسلمين في مختلف المحافظات السويدية .
وعلى الرغم من غياب رسمي كامل للدولة العبرية التي مثّلها سفيرها في العاصمة السويدية ستوكهولم ( زفي مازل ) إلاّ أنّ صوتها كان مسموعاً بقوّة في مؤتمر الإبادة ؛ حيث أرادت ومن خلال أدواتها أن تعيد الكرة إلى ملعب المسلمين وخصوصاً بعد الصفعة السياسية التي تلقاها السفير الإسرائيلي ( زفي مازل ) في ستوكهولم عقب تخريبه لعمل فني يمسّ الكيان الصهيوني في الصميم في المتحف الوطني السويدي .
والملاحظ أنّ الصوت العربي والإسلامي كانا غائبين بل خافتين وخصوصاً بعد أن عمدت بعض الجهات المنظمة للمؤتمر إلى تغييب محنة الشعب الفلسطيني والعراقي والشيشاني والأفغاني إرضاءً لواشنطن و تل أبيب و موسكو .
وتكررت الإساءات للإسلام بشكل لم يسبق له مثيل ؛ حيث عرضت قناة تلفزيونية في شمال أوروبا برنامجاً عن الحيوانات، وكان المشرف على إطعام هذه الحيوانات ينادي أحد التماسيح باسم محمد، ويناديه : تعالَ يا محمد كُلْ بشراهة ! ولا يُعرف لماذا اختار راعي حديقة الحيوانات اسم محمد لتمساحه دون سائر الأسماء .
وقد أظهر استطلاع ودراسة أجرتها دائرة الاندماج أنّ السويديين أكثر انفتاحاً ولكن ليس إزاء الإسلام والمسلمين . وحسب الدراسة فإنّ السويديين يميلون إلى مواقف إيجابية أكثر نحو التعددية وتمازج الثقافات داخل مجتمعهم، ولكنهم في الوقت ذاته يبدون ريبة من الإسلام والمسلمين، هذا ما أظهرته دراسة حديثة أجرتها مصلحة الهجرة .
وحسب الدراسة فإنّ ثلثي السويديين الذين شملتهم الدراسة يعتقدون أن القيم الإسلامية لا تنسجم مع قيم المجتمع السويدي .
وبينما قال 60% من السويديين الذين شملتهم الدراسة أن الشكوك لا تراودهم من معاشرة مسلمين، قالت نسبة مماثلة إنهم لا يفكرون في الانتقال إلى منطقة ذات أغلبية إسلامية، وأبدى 50% معارضتهم لارتداء غطاء الرأس من جانب النساء المسلمات في المدارس وأماكن العمل . وقد طالب حزب الشعب السويدي folkpartiet الممثل في البرلمان السويدي أساتذة المدارس السويدية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية السويدية للتجسس على الطلبة والتلاميذ المسلمين الذين لديهم ميول إسلامية ونزعة إلى التطرف، وقد طالب حزب الشعب السويدي الداعم منذ نشأته للكيان الصهيوني والذي استضاف في المدة الأخيرة النائبة الهولندية المرتدة، وهي من أصل صومالي ( هرسي ) والمشهورة بسبّ رسول الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - في هولندا طالب الأساتذة السويديين بأن يكونوا عيوناً وجواسيس على تلاميذهم وطلبتهم المسلمين الذين يميلون إلى التطرف .
واقترح حزب الشعب كما تقول ممثلته ( لوتا إدهولم ) أيضاً أن يكون هناك تنسيق كامل بين المخابرات السويدية وأساتذة المدارس لتعقّب المتطرفين المسلمين، ومن الضرورة كما قالت ممثلة حزب الشعب أن يلعب الأساتذة هذا الدور . وعللت ( لوتا ) هذا الاقتراح بقولها : إنّ المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود العديد من المتطرفين المسلمين في المدارس السويدية ويجب أن يتم التصدّي لهم، أو بعبارة أخرى : استئصالهم بالتعاون مع المخابرات السويدية .
ويريد حزب الشعب السويدي أن تكون المدارس السويدية في كل المحافظات السويدية مؤسسات جاسوسية وعيناً على التلاميذ ؛ وهو خلاف المهمّة الحضارية للمدرسة .
أما نقيبة المعلمين السويديين ( ميتا فيكنر ) فقد استغربت هذا الاقتراح الذي يتجاهل المهمة الحضارية للمدرسة والذي يُخرِج الأساتذة عن مهامهم التعليمية النبيلة إلى التجسس على التلاميذ . وعلى الرغم من أنّ السويد لم تُبْتَلَ بالتطرف أو العنف إلاّ أنّ بعض الأحزاب السويدية تحرص على اتهام المسلمين كافة وتصويرهم على أنهم خطر على الأمن السياسي والاجتماعي كما صرح بذلك قادة حزب الشعب المتطرّف .
وفور بروز هذه التصريحات والبداية الفعلية للتواصل بين المعنيين بالشأن التربوي والمخابرات السويدية، أجرت جريدة ( داغينس نهيتر ) الشهيرة nyheter dagens استطلاعاً شارك فيه قرّاء الجريدة حول تكليف الأساتذة بالتجسس على الطلبة المسلمين، فأجاب 64 بالمائة ضدّ هذه الخطوة الأمنية، بينما وافق 35 بالمائة على هذه الخطوة، ولم يُبْدِ 1% رأيهم في الموضوع .
وتعليقاً على هذا الموضوع قال أحد التربويين السويديين ( إريك نلسون ) إنّ هذا الموضوع غير مقبول بتاتاً، وقال : صحيح أننا في السابق تعاونَّا مع الشرطة في قضية الشباب النازيين، لكن ذلك كان ضمن مشروع مدروس للديموقراطية .
وفي أقل من سنتين عقب الحادي عشر من سبتمبر ظهرت عشرات العناوين التي تتحدث عن الإسلام وكانت في مجملها سلبية ؛ فقد ظهر كتاب في السويد عن الإسلام وعن محمد - صلى الله عليه وسلم - تحديداً، ثمّ تلاه كتاب آخر في الدانمارك وهو الكتاب الذي أسس للمسابقة التي أقامتها جريدة ( يولاند بوستن ) لرسم النبي محمد - عليه الصلاة والسلام - .
ويقول أحد الرسامين الدانماركيين الذين شاركوا في رسم النبي محمد – عليه الصلاة والسلام - : إنّ فكرة رسم الرسول محمد تعود إلى الكاتب الدانمركي ( كوري بلويتن ) الذي كتب كتاباً عن رسول الله محمد، وقد احتاج إلى رسومات تقريبية لشخص النبي محمد، فاتصل بنقابة الصحفيين الدانماركيين معلناً عن حاجته إلى رسومات لكتابه الجديد عن النبي محمد، وإثر ذلك دخلت جريدة ( يولاند بوستن ) حلبة المسابقة، وكلفت أشهر الرسامين بتشخيص النبي محمد، وقد اختارت في نهاية المطاف اثني عشر رسماً، وكانت تلك الرسوم التي فجّرت الموقف في العالم الإسلامي .
وفي هذا السياق يقول أحد رسامي الرسوم الاثني عشر المتعلقة بالنبي محمد : إنّي تقزّزت في بداية الأمر من دعوة رئيس تحرير ( يولاند بوستن ) لرسم النبي العربي، واستشرت أصدقاء لي من الشرق الأوسط الذين نبهوني إلى خطورة الموقف، لكن في النهاية وافقت حتى لا أُتهم بالجبن والتردد من قِبَل زملائي . وفي الوقت الذي تبدي فيه بعض دول شمال العالم عناداً شديداً وترفض تقديم اعتذار رسمي للمسلمين بحجة أنّ حرية التعبير مقدسة في الغرب ؛ فإنّها في واقع الأمر بدأت تشعر بحجم الأضرار التي ألحقتها المقاطعة باقتصادها، وقد اتصلت المخابرات الدانماركية ببعض القيِّمين على العمل الإسلامي في الدانمارك لحملهم على مساعدة الدانمارك في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كما أنّ الاقتصاديين الدانماركيين الذين لديهم مصالح واسعة في العالم الإسلامي عابوا كثيراً على حكومة ( راسموسين ) تأخرها في الاعتذار للمسلمين على غرار ما فعلته الحكومة النرويجية . أما الحكومة السويدية ؛ فقد قررت أن لا تخلط أوراقها مع العالم الإسلامي، وتعهد رؤساء تحرير صحفها بعدم إعادة نشر الرسومات المسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تجرح مشاعر المسلمين .

------------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:07 AM
حوار مع الشيخ رائد حليحل
ـــــــــــــ

(خباب بن مروان الحمد)
ــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

يعمُّ العالم الإسلامي حالة حقد وكراهية شبَّ أوارها، وازداد اشتعالها، إثر الحملة المسعورة الدانماركيَّة ؛ التي انتهكت حقوق أعظم إنسان على وجه الأرض، محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد انتفض المسلمون وهبُّوا هبَّة جماعية، استنكاراً لما فعلته الصحيفة الدانماركيَّة ( يلاندز بوسطن ) بالسخرية برسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وزاد الطين بلَّة، حين لم تعتذر الحكومة الدانماركيَّة الصليبيَّة رسميّاً من فعلة تلك الصحيفة الشنعاء، قبالة السخرية برسولنا - عليه الصلاة والسلام - وأحسب أنَّ هؤلاء القوم الكفرة لم يكن يدر في خلَدِهم، أن يشتعل المسلمون غيرة وحماساً، كما شاهدوا من قِبَلِهِم، حتى أسقط في أيديهم .
فقد علم العالم الإسلامي حقيقة حقد ما يسميه بعضهم بالآخر على الإسلام ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت تلك المحنة والأزمة منحة إلهيَّة جعلت جلَّ الناس وبالأخص المسلمين، يلتفتون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحثاً عن سيرته، وقراءة عن شخصه ؛ فرب ضارَّة نافعة !
كما ظهر أنَّ في الأمَّة الإسلامية خيراً كثيراً، لم يزل أثره يتجدَّد حيناً بعد حين، ولعلَّ في هذه الإساءة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنبيهاً لبعض السادرين في لهوهم، أو الجالسين فوق التل يرقبون ما يحدث للإسلام ورسوله - عليه الصلاة والسلام - من إهانة وسخرية من قِبَلِ أعداء الله، لعلَّها تثير بقايا صدق طاهر في الولاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذب عنه ونصرته والغيرة عليه ...
وبما أنَّ هذه القضيَّة أضرمت نيرانها بدءاً من ذلك البلد الصليبي، بحجَّة حريَّة الرأي ! فقد اتَّجهتُ إلى أحد العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الدانمارك، ونثرت أمامه شيئاً من التساؤلات التي يجيش بها قلب كلِّ مسلم يحبُّ الله ورسوله ليجيب عنها ؛ ذلكم هو الشيخ الداعية : رائد حليحل رئيس اللجنة الأوروبيَّة لمناصرة خير البريَّة - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقد أثرانا جزاه الله خيراً بإجابته عن الأسئلة التي طرحتها عليه، فبيَّن الحقَّ والحقيقة، وأوضح ملابسات الحدث، وما وراء السديم .
نسأل الله - عزَّ وجل - أن يجزل له الأجر والمثوبة، وأن يحفظنا وإيَّاه وجميع المسلمين من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

وإلى نصّ الحوار :

البيان : فضيلةَ الشيخ رائد ! نرحب بك في مستهَلًّ هذا اللقاء، ونرجو من فضيلتكم أن تعطينا لمحة موجزة عن المسلمين في الدانمارك أصولهم عددهم وظائفهم سبب وجودهم موقف الدانمارك من المسلمين وأوضاعهم فيها ؟

- الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين . أما بعد :
فإني أتقدم لمجلتكم الموقرة بشكري على إتاحة هذه الفرصة من أجل إطلاع قرائكم الكرام على تفاصيل قضية مهمة وحساسة لطالما سعيت أن يشاركنا العالم الإسلامي كله في معالجتها ؛ وذلك لأهميتها البالغة ؛ إحقاقاً للحق ونصرة لسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ؛ فبارك الله فيكم وجزاكم خيراً على ما تبذلونه من تنوير ودعوة مباركة عبر منبر - البيان - .

وَفَدَ المسلمون إلى مملكة الدانمارك من فترات ليست بعيدة، وكانت وفادتهم لأسباب شتى وأغراض متباينة، ويتميَّز المجتمع الدانمركي بعمومه بعدم التواصل مع الآخرين والانكفاء على الذات، وهناك مشاعر مخزونة في تفكيرهم تجعلهم يتوجسون دائماً من الآخر وينظرون له وكأنه يريد أن يسلبهم ما في أيديهم ؛ علماً أن تجربة التواصل مع شعوب من ديانات وأعراف مختلفة تعتبر بالنسبة للدانمركيين حديثة وليست كغيرها من بعض البلاد الأوروبية التي لها سابق احتكاك مع الشعوب، مما جعل إمكانية التعايش وقبول الآخر تتعثر في كل محطة من محطات حياتهم .

ومن أقدم الجاليات المسلمة وفوداً للدانمرك هم الأتراك الذين قدموا للعمل، ثم المغاربة و الباكستانيون، وأغلب هؤلاء قدم طمعاً ورغبة في تحسين مستوى عيشه، ثم بدأت حملة لجوء واسعة ابتدأت من ثمانينيات القرن الميلادي الماضي إثر حروب ونكبات، والأبرز من هؤلاء هم من لبنان، وأغلبهم من اللاجئين الفلسطينيين . ثم أناس من العراق وكذلك البوسنة و الصومال .

وهناك قاسم مشترك بين الوافدين وهو أنهم ليسوا من أصحاب الأموال ليشكلوا قوة اقتصاديةً ضاغطةً، ومن جهة أخرى فإن من أتى فارّاً من ويلات الحروب، لا بد أن تكون بصمات تلك الحروب ظاهرة عليه ؛ فعندما يصل إلى بلد مرفَّه نوعاً ما، يخلد للعيش المطمئن، وهو الشيء الذي حال دون بزوغ نوعيات متميِّزة في مجالات العلوم اللهم إلا بعض الظواهر الشابة التي استفادت مما يتاح هنا من إمكانية البروز العلمي ونحوه، وهذا يبشر بخير في مستقبل الأيام - إن شاء الله - فلا بد من تقرير مسألة وهي : أن الذي حالَ دون ظهور شخصيات - كما في بعض البلاد - على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي، مرده إلى أن الجالية تعد ناشئة في هذه الديار، وإذا ما نظرنا إلى خلفية أبناء البلد الأصليين الثقافية والاجتماعية فإنها قد تجلِّي سبب هذا التأخر في بروز دور واضح ؛ هذا إذا ما أضفنا عليه اختلاف أجناس وأعراق وخلفيات أبناء هذه الجالية مما حال دون غاية موحدة مشتركة يسعى الجميع لتحقيقها، ولكن لعل تتالي المحن وهذه آخرها تسهم في ضرورة توحد ظهرت بوادره باجتماع المسلمين صوماليين و عرباً و أتراكاً و باكستانيين، راجين أن يكون لهذا اللقاء استمرار نافع .
علماً أن عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام، ومع تراكم الأحداث العالمية والحملة الشعواء على المسلمين في العالم، إلى جانب النظر إلى الخلفية ( ثقافية أو اجتماعية ) لدى المجتمع الدانمركي فإن هذا كله أسهم في حالة توجس من المسلمين، وقد انعكس ذلك على الواقع لا سيما عندما يصل للحكم بعض الأحزاب اليمينية كما هو الحال اليوم من وصول الحزب الليبرالي إلى الحكم .

البيان : تناقلت وكالات الأنباء خبر الاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الصحف الدانماركيَّة بالرسوم الهزليَّة ؛ فكيف بدأت هذه القضيَّة ؟
وماذا تنقم الصحف الدانماركيَّة من رسول الله ؟ وهل الدافع ديني أم سياسي ؟
وهل نظرة الغرب عموماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتلك الطريقة ؟

- لقد أساءنا جداً ما تجرأت على نشره - عن سابق إصرار وترصد – تلك الجريدة الآثمة صاحبة التوجه المعادي للمسلمين ؛ فقد نشرت ما لا يقبله عقل من جرأة على مقام النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك على خلفية امتناع الرسَّامين عن رسم صورة ساخرة بنبينا لتوضع على غلاف كتاب للأطفال نُشر في الأسواق ( 24/1/2006 ) مما عُدّ نسفاً لمبدأ حرية التعبير ( ! ) فقد قامت هذه الجريدة الغيورة على الديمقراطية وحامية حمى الرأي والتعبير ! بتحدي مشاعر المسلمين عبر نشر تلك الصور بقصد التهكم زاعمة أنَّه ينبغي أن يلاقَى ذلك من قِبَل المسلمين برحابة صدر .

وإن هذا الفعل الذي كان واضحاً في كونه استفزازاً ظاهراً حركه جانبان : الأول : نظرة راسخة في العقل الباطن من نظرة تكذيب وخوف وازدراء بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - . ودافع آخر : لعله سياسي، والمقصود منه التنبيه على الخطر المتنامي في الغرب بسبب وجود الإسلام، وكأن المقصود بنشر تلك الصور هو محاولة جس لنبض الساحة، وكيف سيكون تفاعلها مع هذه القضية، ومحاولة إيجاد جو انهزامي لدى المسلمين يمكنه قبول أي شيء مهما كان، بحجة مراعاة حرية الرأي والتعبير . وهذا لا يتنافى مع وجود أصوات أنصفت عندما أقرت بعظمة الدين ولا سيما بإنصافها لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ إلا أن الجو العام والذي ساعده على الظهور هو التشويه الإعلامي واستغلال كل حدث لتوظيفه في هذا السياق من التوجس خيفةً من الإسلام إن لم نقل العداء له . والله المستعان .

البيان : ما سبب عدم اعتذار الصحف الدانماركيَّة للمسلمين من سخريتها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل تراه كافياً لو حدث تجاه تصرُّفهم الأرعن ؟

- حتى نعرف هل يمكن لهؤلاء أن يعتذروا ؛ فإنه لا بد من تسليط الضوء على أمر مهم ألا وهو أن مما يميز الشعب الدانمركي أنه معتز بنفسه كثيراً لا يقبل النقد لما يقوله، ويصعب عليه الاعتذار، وينظر لغيره لا سيما إذا كان مخالفاً له في ثقافته نظرة ازدراء، وكأنهم يقولون : مَنْ هؤلاء حتى يعلِّمونا ما يجب علينا ؟

ولكأني بهم يريدون ( أنا خير منه ) . هذا من ناحية، ثم ناحية ثانية : إذا علمنا لماذا فعل هؤلاء هذه الفعلة ( ما دوافعهم وما النتائج التي يصبون إليها ) فإني أستبعد جداً أن يعتذروا ؛ لأنهم جعلوا القضية قضية قيم ومبادئ وطنيَّة ناضلوا من أجلها، ومن ثَم ليسوا على استعداد لاعتذار يعدُّونه هزيمة وتراجعاً ؛ فالمسألة عندهم معركة وجود والعياذ بالله ؛ علماً أن مطلب الاعتذار يعد مناسباً لحجم وفداحة تلك الجريمة، ولكن لخطورة الفعل من جهة ولعلمنا بطبع هؤلاء وثقافتهم اكتفينا بهذا الطلب على أن يصحبه شيء من إصلاح تلك الصورة السيئة التي وصلت للقارئ الدانمركي بأن يسمحوا لنا بإخراج بعض الصور المشرقة التي تسلِّط الضوء على جوانب مشرقة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون منهم ضمانة بعدم تكرار مثل
هذا الفعل، ولكن للأسف الاعتذار عن ذلك يعد عندهم بمثابة الردة عندنا . فالله المستعان .

البيان : ما دور الحكَّام العلماء رجال الأعمال الشعوب الهيئات، تجاه تلك الحملة الشرسة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل ترى أنَّ موقف المسلمين كان مناسباً ؟

- إن حق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كبير جداً، ولئن كان يجب على المسلم الذب عن أخيه المسلم ونصرته، ولا يجوز له أن يسلمه ولا أن يخذله ؛ فما بالكم بحق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ؟ وإننا نهيب بعالمنا الإسلامي كله أن يتحرك حركة تناسب الحدث من جهة شناعة الفعلة ومن جهة حرمة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وضرورة نصرته، ولقد طالبنا من أول أيام تلك المحنة أن يناضل كل بحسبه ؛ فما يُطلب من الحكام يعجز عنه العامة، وما يطلب من العلماء ويتوقع منهم لا يجيده دهماء الناس، وما ننتظر من أهل الدثور لا يحسنه من قُدِرَ عليه رزقه ؛ وهكذا أقول للجميع : كل منكم أدرى بنفسه وقدرته فلا يتوانَ أحد عن هذه النصرة الواجبة : { بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } ( القيامة : 14 ) والله - عز وجل - لا يكلف نفساً إلا وسعها، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أنكم إن ساهمتم فأنتم في معركة معلومة العواقب فاتقوا الله في رسوله علكم تنالون بذلك شفاعته يوم القيامة .
وإنني أقولها بصراحة على قدر ما كنت حزيناً أول أيام الأزمة ؛ لأننا سعينا جاهدين أن نوصل القضية للعالم ليتحرك، وقد تناولت بعض القنوات الفضائية ذلك في مطلع شهر رمضان ومع ذلك لم نسمع ما يثلج صدورنا حتى إني كنت أقول لنفسي : أيعقل هذا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تخذله، وقد لمتُ وعاتبتُ البعض، ولكنَّ ما رأيته في هذه الأيام أعاد لي الأمل في هذه الأمة وأنها ما زالت بخير والحمد لله، ولكني أهيب بالجميع أن لا يكون ذلك ردة فعل عاطفية مع أن العواطف مطلوبة، لكن نأمل أن نضع خطة متكاملة فيها الذب عن النبي قولاً وفعلاً فنواجه من يعتدي عليه، وعلينا أن نجتهد في تعريف العالم بشخصية النبي الكريم على شتى الصعد، ولعلنا بذلك إن اجتهدنا أن نكفِّر عن تقصيرنا، ونساهم في رفع العقاب عنا لو سكتنا عن منكر عظيم كهذا .

البيان : ما رأيك بالمقاطعة الإسلاميَّة لمنتجات الدانمارك : هل ستؤثر سلبياً على المنتجات الدانماركيَّة ؟ لأنَّ بعضهم يقول إنَّ المقاطعة فكرة غير ذات جدوى اقتصادياً ؛ لأنَّ هذه المنتجات الدانماركيَّة تندرج تحت قائمة الامتياز التجاري، فالمتضرر من المقاطعة هم الوكلاء التجاريون، الذين يحملون امتياز بيعها في البلاد، فما رأيكم بهذا القول ؟

- موضوع المقاطعة من باب : ( آخرُ الدواء الكيّ )، واسمحوا لي أن أقول إن المقاطعة ستؤثر دون شك اقتصادياً على الدانمرك، لكن خسارة الدانمرك القيمية والمعنوية أكبر بكثير من خسارتها المادية ؛ لأن خسارة المال قد تعوض مثلاً من الاتحاد الأوروبي أو غير ذلك، لكن الذي خسرته الدانمرك اليوم هو سمعتها التي ينبغي أن تكون جميلة على مستوى العالم وهي التي لديها مقدرات تعينها على أن تتبوأ منزلة قويَّة في عالمنا اليوم .
ونحن حذرنا الدانمرك أن عواقب العناد على هذه الإساءة قد تكون أكبر من كل التوقعات، وما حصل اليوم خير دليل على صدق نصحنا للمجتمع الدانماركي وحتى لا يتضرر بسبب فعلة الجريدة تغاضي الحكومة .

لذا فإن ضرر هذه الحملة لن يقتصر على وكلاء الشركات، بل على الشركات نفسها ؛ ولو لم يكن لها فعل في ذلك، لكنا نعلم أنه ما من أسلوب يراد منه الضغط لانتزاع حق إلا وسيكون معه مثل ذلك ولكنه مفيد عندما يتأثر المتضرر مادياً فيضغط مع المسلمين المتضررين معنوياً لانتزاع الحق بالقهر بعد أن سلب ولم يرجع بالنقاش والحوار .

البيان : ما العوامل الدافعة للنيْل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
وهل ذلك يمثِّل مخطَّطاً صليبياً للكيد للإسلام ؟

- أرى والله أعلم أنه في المخزون الفكري لدى غالبية الأوروبيين نوع من توارث عداء تقليدي للإسلام وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو اتصفوا بالعلمانية ؛ لذا لا أستطيع أن أنفي وجود دوافع دينية غير ظاهرة، إلا أن الدافع السياسي ظهر ؛ وذلك من تصريحات عدة تدل على أن الغاية منها هو تحدي المسلمين لاستفزازهم تمشياً مع نغمة الجرأة على الإسلام على وقع أنغام ( الحرب على الإرهاب )، واختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذات للطعن به، وذاك مقدمة للطعن بدينه كله، ولعلمهم بمكانته وقدسيته ؛ فهو أفضل اختيار لاستفزاز المسلمين عبره .
البيان : هل ترى أنَّ هذه السخرية لجسِّ نبض المسلمين، تجاه دفاعهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

- إن التأمل في الواقع ليس داخل الدانمرك فحسب بل على صعيد أوروبا قاطبة، إن لم نقل العالم ؛ يدفع إلى الخشية من أن تكون هذه الفعلة عبارة عن ( بالون اختبار ) لجس نبض الساحة داخلياً وخارجياً، ومن ثَم سيكون مستوى الرد مؤشراً على حجم وقوة وتفاعل المسلمين ومدى بقاء الإسلام حياً في نفوسهم . ثم يتبع ذلك تعميم لهذه التجربة ونتائجها . وهذا ما نخشاه أن يُجعَلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - محل تجربة ( والعياذ بالله ) ويعقب ذلك خطوت متبنَّاة في الغرب حسب إيحاءات مستوى ردة الفعل الإسلامي .

البيان : ألا يتعارض ذلك مع حرية التعبير ؟ وهل تجرؤ الصحف الدانماركيَّة بفتح المجال لنقد الصهاينة وبخاصَّة مسألة ( الهولوكوست ) التي استُغلَّت أيما استغلال مما يفضح ديموقراطيَّتهم المزعومة ؟

- المشكلة أن التخفي وراء شعار حرية التعبير، يعتبر حيدة عن الحقيقة، وذلك أننا نجد المعايير مزدوجة، وإننا لنعجب لما تكون الحرية في أوسع مجالاتها عندما يتعلق الأمر بالإساءة للإسلام، أما في غيره فإنَّا نجد لها حدوداُ، فإن الكلام عن السامية عموماً فضلاً عن التشكيك في المحرقة أصلاً أو وصفها حجماً وكمّاً، ومجرد الحديث عن ذلك لا يُسمح به تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير ؛ فهذه الأمور ريب وشكوك ؛ علماً أن الحرية بمعناها المعروف أنها التي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين .

وقد يكون حسناً هنا التنبيه في وقت يراد أن يصوَّر فيه المسلمون على أنهم الأعداء العظام للحرية، فنقول إن الحرية أمر قد نادى به ديننا حتى في أدق الأمور، بل أجلِّها وهو التوحيد : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ( البقرة : 256 ) فالخلاصة أن الحرية تكفل لك أن تدين بما تشاء لا أن تتهكم بمن تشاء .
ومن العجب أن يطالب المسلمون دائماً باحترام الآخرين وقيمهم ومقدساتهم مهما كانت باطلة ونجد في الوقت نفسه محل هجمة شرسة علينا، فنطالب إذاً بعمل متناقض أن لا ننتقدهم، وأن نقبل في اللحظة ذاتها إساءتهم فتأمل !

البيان : ما دور عقلاء النصارى أمام هذه الهجمة ؟ ولماذا هذا السكوت الكنسي عن سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

- إن ديننا علمنا الإنصاف { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ( المائدة : 8 ) وقد سمعنا بعض الأصوات المستنكرة هنا لهذا الفعل، لكنها كانت خافتة، وهذا طبيعي فلن تكون بحجم ردة فعل المسلم، وما كان منها وإن كان قليلاً هادئاً ليس فيه الحماسة الكافية إلا أنه لم يبرز بالشكل الكافي حتى لا يعكر على الجو العام السائد الذي يريد تفعيل هذه الأزمة - للأسف - .
البيان : ألا ترى أنَّ ذلك يسبِّب مشكلة وخطورة على الدانمارك، بمعنى أنه سيفتح عليها جبهات قد تؤذيها ممَّا يؤجِّج ويزيد حال العداوة من المسلمين تجاه الغرب ؟
- لقد حذرنا مراراً الدانمارك من مغبة تلك الفعلة النكراء، ولكن للأسف بدل أن يحمل كلامنا محمل المشفق الناصح الأمين، حُوِّر الكلام حتى صُوِّر وكأنه تهديد، وقلنا مراراً إن هذا سيزيد الإحساس بالغبن مما يضاعف من مشاعر الكراهية من المسلمين للغرب والعكس أيضاً، ولكن العناد لم يكن يوماً طريقاً صحيحاً للحوار والتفاهم، ويكرس الهوة الكبيرة بين الثقافتين إن لم يكن مقدمة عملية لتأجيج حرب حضارات .

البيان : ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتساب للإسلام، تضع استفتاء عن سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهل هو مقبول بدعوى حرية الرأي أم لا ؟

- إن قضية تعظيم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - عموماً لا سيما مقابل أي إساءة أو إرادة انتقاص فإنه ينبغي أن لا تحمل في ثناياها أي ضعف، بل ينبغي أن تكون كل المؤشرات في سياق واحد وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلاً التقليل من شأنها لتُجعل محل نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقراً أنها لا دخل لها إطلاقاً بمبدأ حرية الرأي، بل كان ينبغي أن يكون التساؤل حاملاً في طياته النكير الكبير وليس هذا الأسلوب الذي يوهم أنه من الممكن أن تكون هذه القضية قابلة للنقاش .

البيان : كلمتكم تجاه رجال الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة ؟

- من الأمور القطعية التي لا مرية فيها أن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم من حب الولد والوالد والمال بل والنفس ؛ وعليه فإنَّنا نفديه بآبائنا وأمهاتنا وكل شيء يرخص فدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كل من ضحى بشيء إكراماً لرسول الله فإني أقول له : عوَّضك الله خيراً، بل قد عوَّضك ؛ لأن مجرد حبك للنبي هو أخير وأفضل من الدنيا وما فيها . وأقول للجميع إن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً في الدنيا والآخرة، وإنه لجميل جداً أن نرى أن الكل يعبر عن حبه لرسول الله ؛ كل بحسبه، وكل بطريقته، وإنه ما دامت النوايا خالصة فإنه لا يضيع شيء عند الله، ويكفي من يفدي رسول الله أن يطمح إلى نيل شفاعته يوم القيامة وصحبته في جنات النعيم - اللهم آمين .

البيان : سمعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّة إحراق المصاحف في أكبر ساحة في كوبنهاجن نرجو منك التوضيح لملابسات هذا الحدث ؟

- الحمد والمنة لله وحده أنه لم يحصل شيء من ذلك أبداً، والقضية قد بدأت بالظهور بعد إحراق العلم الدانمركي - أول مرة في فلسطين - والعَلَم عندهم له قدسية مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألا ينكروا علينا انزعاجنا من إهانة مقدساتنا كما حصل لهم عند إحراق علمهم .
المهم أنه بُعَيْد ذلك انتشرت رسالة قصيرة عبر الجوال وكان انتشارها سريعاًجداً - كعادة الفتن - ولم يعرف مصدرها الأصلي وطبعاً لم تتجرأ أي جهة على تبنيها وكان فيها دعوة الشباب الدانمركي للتجمع في الساحة العامة يوم السبت في 4/2/2006 وذلك لإحراق المصحف الشريف - عياذاً بالله - ولكن وبعد إبلاغنا الجهات الأمنية وتحذيرنا لهم من كون هذا العمل سيحدث ردة فعل أعظم مما أحدثته الرسومات، فإنهم وعدوا بملاحقة الأمر ومنع حدوثه، ونحن بدورنا نصحنا بعدم تناقل تلك الرسالة حتى لا تشيع بل تخبت، ونعمل على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عدد كبير من المسلمين لا سيما الشباب مع وجود مكثف للشرطة، بل مع وجود بعض الدانمركيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقب هذا الفعل، وقد حصلت هناك مواجهات ولغط أعقبه توقيف البعض، وتحولت الحشود من ساحة لأخرى ولكن باءت كل المحاولات بإحراق المصحف بالفشل الذريع ؛ فالحمد لله على ذلك ؛ علماً أن شعار المسلمين يومها كان ( لا يمكن أن يحرق المصحف وفينا عرق ينبض ) وطبعاً كلنا يعلم أن الحكومة ليس من مصلحتها الإذن بمثل هذا الأمر حتى لا تدخل نفسها في أزمة أكبر .

البيان : هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صور مسيئة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفضت قبل سنتين أن ترسم صوراً للمسيح عيسى بن مريم، وإذا كان ذلك صحيحاً أفلا ترى أنَّ في ذلك تناقضاً صارخاً في دعاوى الحريَّة ؟

- نعم ! لقد صرح غير واحد من المطلعين بل المتخصصين أن الجريدة في عام 2003 عُرضت عليها رسومات للمسيح - عليه السلام - تحكي قيامته - عندهم - إلا أنهم بادروا برفضها، وعللوا ذلك أنهم سيغضبون القراء، ولن يروق لهم مشاهدة تلك الرسومات وقد تثير احتجاجات هم بغنى عنها، وقد أوردت هذا الخبر جريدة محلية دانمركية إلى جانب المواقع العالمية .

وقد شاع خبر أن الصحيفة ستنشر هذه الصور ورسومات عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مرده إلى مقابلة أجرتها ( CNN ) مع المحرر الثقافي الذي نشر الرسومات المسيئة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - . وقد رفع أثناء المقابلة رسم قنبلة عليها نجمة الصهاينة ؛ إلا أنه بُعَيْد المقابلة وعلى موقع جريدتهم ظهر اعتذار واضح وصريح على لسان هذا الشخص امتثالاً لأمر رئيس التحرير يقول :
لا يمكن أن ننشر شيئاً عن المسيح أو الهولوكوست . والأعجب من ذلك كله وهو آخر خبر أن المخطئ - رغم اعتذاره - قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة . فتأمل مدى حرية الرأي والتعبير، وكيف أنها تطبق في مجال وتمنع في آخر، ألا ينبغي بعد ذلك كله أخذ إجراءات صارمة لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة ؟

البيان : هل الشعب الدانماركي يجهل حقيقة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وبماذا توصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للشعب الدانماركي ؟

- إنما جرى ويجري وما واكب ذلك من مواقف يدل بوضوح على جهل القوم بشخصية نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفية الفكرية والثقافية التي أقصت الدين عن كل مناحي الحياة وأضعفت في النفوس معاني الاحترام والقداسة، كل ذلك لعب دوراً كبيراً في الجرأة على نشر تلك الرسومات يدل عليه موافقة أكثرية ( حسب إحصائهم ) وعدم مبالاة الباقين ؛ لأن القضية لا تعنيهم، وكأن شيئاً لم يكن ؛ لذا فإنه ولا سيما بعد تكرار نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية فإنه لا بد من السعي على جهتين : الأولى : جهة دعوية تُعنَى بتوصيل رسالة الإسلام وسماحته لهؤلاء عبر كل الوسائل المتاحة، بل ابتكار كل ما من شأنه أن يوصل هذا الصوت المبارك . وهنا أنصح بالتنسيق الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقفين المأمونين الذين يعون الغرب تماماً وكيف يمكن مخاطبته .

الثانية : الجهة القانونية ؛ وذلك بالعمل لاستصدار قانون دانمراكي، بل أوروبي إن لم أقل عالمياً، يحرم نشر مثل تلك الأمور بل يعاقب ويجرم مرتكبيها ؛ لأنه إن غابت القداسة لم يعد ثَّمَ وازع يردع، ولم يبق إلا الجانب القانوني ؛ لأنه يُحترَم في الغرب ويردع كثيراً لخوفهم من عواقب المخالفة ؛ فإن تحقق فهو خير عظيم ؛ لأنه يجلب مصلحة ويدفع مفسدة .

البيان : السؤال الأخير : سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورِّطة قدَّم اعتذاراً شفهيّاً للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسها قدَّمت اعتذاراً للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح، وهل آتى هذا الاعتذار أُكُله، وخصوصاً أنَّ الاستهزاء عاد مرَّة أخرى في يوم 22 و23 من الشهر الجاري ؟

- أخي الكريم أحب أن أشهد شهادة للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة 11/1/1427هـ لم يصدر أي اعتذار من جانب الدانماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نشر من إساءة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

أما من جهة الجريدة فإنها إبَّان ظهور الضجة العارمة، ولا سيما المقاطعة التي نودي بها في بلاد الحرمين، فإنَّ الجريدة وجَّهت خطاباً - باللغة العربية - على صفحتها في الإنترنت عنونته بـ ( إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين ) وقد تضمن هذا المقال أغاليط كثيرة، كنت قد رددت عليها بمقال هو على صفحتنا net .islamudeni.www عنونته ( ردود موثقة على مزاعم ملفقة ) وغاية ما في خطابهم الأسف لمشاعر الحزن التي لحقت بالمسلمين جراء نشر تلك الرسومات، وليس فيه أي اعتذار عنها أو عن نشرها .

وكان ذلك محاولة ماكرة من الجريدة بعد ضغوط كثيرة عليها من داخل الدانمارك ( سياسياً واقتصادياً ) بتحميلها مسؤولية ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحملة ظناً منها أنها بذلك ستنهي المشكلة . ولا ينقضي عجبنا هنا من هذا الإصرار على معاملة المسلمين وكأنهم غير عقلاء لا يفهمون ما بين السطور .

ولما لم تجد أن رسالتها هذه قد أفادت، ومع تزايد الضغوطات المترامية الأطراف عمدت الجريدة إلى حيلة عجيبة سبقت خروج رئيس تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظات وهو يتبجح قائلاً : إنَّ الرسومات لا تخالف القانون وأنه لن يعتذر عن نشرها، ولكن بعد لحظات تفاجأ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح ( صحيفة اليولاند بوستن تعتذر عن الإساءة للمسلمين ) وقدم لمقال أرسله رئيس التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملة ليست فيه أصلاً ( تعتذر صحيفة اليولاند بوستن، وبما لا يدع مجالاً للشك على أنها أهانت العديد من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد ) .
ولكن الريبة من هذا الكلام كان سيد الموقف ؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذار واضح، بل تلاعب مُرِّر معه التدليل على قانونية نشر تلك الرسومات، ولكن انجلت الأمور بعد أربعين دقيقة تماماً عندما سحبوا هذا المقال ووضعوا الكلام الأصلي بعنوان مغاير تماماً ( حضرات المواطنين العرب ) وليس فيه تلك الجمل المصرحة بالاعتذار، وقد حصل ذلك كله يوم الإثنين ليلاً في 30/1/2006 وكأنها مخادعة إعلامية من أجل تمرير الخبر ليهدأ العالم الإسلامي وللأسف تلقفت بعض القنوات هذا الاعتذار المزعوم، وقامت بدور مشبوه في إقناع المشاهد أن الاعتذار قد حصل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال .
ولما لم يُجْدِ ذلك نفعاً غيَّروا عنوان المقال فقط ( حضرات المواطنين المسلمين ) وهكذا أصبح مقال رئيس التحرير وكأنه نص من كتابهم المقدس له عدة شروحات وتفسيرات ! كيف وقد طالعنا رئيس التحرير مراراً عبر التلفاز وعلى صفحات جريدته بما يتعارض مع مزاعم الاعتذار كان من آخرها مقال يوم 9/11/ 1427هـ حاول فيه إقناع الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعداده لحوار المسلمين كي تنتهي الأزمة وقد ضمن رسالته هذه ثلاثة شروط :

الأول : قد يعتذر ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشر الرسومات، وليس عن الرسومات نفسها ولا عن نشرها .

الثاني : مطالبته المسلمين بتوقيع على إقرار ( الديمقراطية الدانمركية ) والتي أخبرنا مراراً أنها تبيح له فعلته هذه، وأن عمله على ضوئها قانوني تماماً وكأنه يريد منا ما قاله الله : { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً } ( النساء : 27 )

الثالث وهو الأدهى - وقد سحب بعد سويعة من هذا المقال - : أنه لا يستطيع أن يعد المسلمين بعدم تكرار إهانتهم مرة أخرى ! ! فتأمل بارك الله فيك ! أيعقل بعد ذلك كله أن يقال إنهم قد اعتذروا ؟! أما من الجهة الرسمية فهناك إصرار على أنهم لا يمكنهم الاعتذار عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديد بعملها . والذي التبس على الناس ما قاله رئيس الوزراء أنه يرحب باعتذار الجريدة ( الذي بينَّا حاله سابقاً ) بينما في صبيحة تلك الليلة المخادعة عنونت الصحف نقلاً عن رئيس الوزراء : ( لن نعتذر ) فهل يعقل قبول اعتذار خجول وغير واضح ولا ثابت ولو لساعات، بل حتى لم ينشر على صحيفتهم اليومية، بل نشروه على موقعهم لغاية غير مخفية ؟
------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:11 AM
وقفات شرعية مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(محمد صالح المنجد)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

ساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه .
وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم ؛ فهم أحق بها وأهلها ؛ فقد كفروا بالله - تعالى - وسبوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد .
فماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟!
هل ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله - تعالى - وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية ؟
أم ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه - تبارك وتعالى - ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه النقص والصاحبة والولد ؟
أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْك سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة ؟
يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا ! أم ينقمون منه أنه رسول الله ؛ والله - تعالى - هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه ؟
ودلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - أكثر من أن تحصر : شق الله له القمر ليُري الكفار آية، ونبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - مرات، وتكلمت الشاة المسمومة فأخبرته أن بذراعها سُمّاً، وأعطاه خمساً لم يعطهن أحداً من الأنبياء قبله، منها نصره بالرعب مسيرة شهر، وبعثه للناس كافة :
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ( سبأ : 28 ) .
أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله - تعالى - فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب : { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ } ( البقرة : 79 ) .
بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهراً منصوراً، وقد كان أمره - صلى الله عليه وسلم - في حياته دائماً إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله - تعالى - تأبى أن يُمَكِّن كاذباً عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب ( مدعي النبوة ) لا يمكن أن يبقى إلا مدة يسيرة ثم ينكشف أمره ويضمحل .
كما ذُكِر عن أحد ملوكهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه ( نصراني ) كان يسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم : كم يبقى الكذاب ؟ فقالوا : كذا وكذا . ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك : وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة ( يعني : في أيام هذا الملك )، وهو ظاهر مقبول متبوع ؛ فكيف يكون هذا كذاباً ؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل }1{ !!
ألم يعلموا أن كثيراًً من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي – صلى الله عليه وسلم -، ومنهم من أعلن الدخول في الإسلام .
فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام . ولما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاباً إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكون خادماً عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته ثم ضنَّ بملكه وأخذته شهوة الرئاسة، فبقي على الكفر ومات عليه .
ولم يزل الكثير من مفكريهم وكتّابهم ومؤرخيهم المنصفين يعلنون الثناء على محمد - صلى الله عليه وسلم-.
1 - برنارد شو الإنكليزي، له مؤلف أسماه ( محمد ) يقول : « إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوّاً للنصرانية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوُفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها » .
2 - ويقول آن بيزيت : « من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علَّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء » .
3 - شبرك النمساوي : « إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها ؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته » .
4 - ويقول ( جوته ) المفكر الألماني : « إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد » }2{ .
وقد ميز الله - سبحانه وتعالى - نبينا محمداًً - صلى الله عليه وسلم – وكرَّمه بعدد من المعجزات الباهرات كما خصه بأشياء دون غيره من الأنبياء، ومعرفة هذه الخصائص تزيدنا في معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتجعلنا نحبه ويزداد إيماننا به فنزداد له تبجيلاً ونزداد له شوقاً .
والخصائص النبوية : ( هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي – صلى الله عليه وسلم - وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإمّا عن سائر البشر ) .
فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم
بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
وخصائصه - عليه الصلاة والسلام - التي اختُص بها دون بقية الأنبياء -عليهم السلام - كثيرة، دنيوية وأخروية .
* فمن الخصائص الدنيوية :
اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بأن آيته العظمى في كتابه وبأن كتابه مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وفُضِّل بالمفصَّل وبخواتيم سورة البقرة وببقاء معجزته إلى يوم الدين .
جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَت
وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ
ومنها : اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه خاتم النبيين وبإرساله إلى الثقلين ومنها : اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن السماء حُرست بمبعثه، وباختصاصه بالإسراء والمعراج، وأنه - عليه الصلاة والسلام - أَمَّهم جميعاً فكانوا وراءه، هو الإمام وهم المأمومون، واختصاصه بأخذ الميثاق له من جميع الأنبياء بالإيمان به ونصرته وأنه سيد ولد آدم، وبأنه أوتي مفاتيح خزائن الأرض .
* وأما خصائصه الأخروية فمنها :
اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بأنه أول من تُشَق عنه الأرض يوم القيامة وبإعطائه لواء الحمد، وبأن الله - تعالى - يبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً وأنه أول من يدخل الجنة يوم القيامة، وبأنه أول شفيع في الجنة وأول من يقرع بابها، وبأنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة ويدخل من أمته الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وبأنه أول من يجوز الصراط من الرسل بأمته وبإعطائه الكوثر : { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } ( النساء : 113 ) .
ربَّاكَ ربُّكَ .. جلَّ من ربَّاكا
ورعاكَ في كنفِ الهدى وحماكاَ
سبحانه أعطاك فيضَ فضائلٍ
لم يُعْطها في العالمين سواكاَ
ولما كان ذلك كذلك فإن من واجب العالم كله ولا محيص له عن ذلك أن يجعل عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، ويجب على العالم أجمع أن يؤمن برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه خاتم أنبياء الله الكرام .
ونحن نغتنم هذه الفرصة وندعو هؤلاء إلى الإسلام، فإن ما اقترفته أيديهم الآثمة لا يمحوه إلا الإسلام، فإن عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه فليبشروا بعذاب النار خالدين فيها أبداً . قال الله - تعالى - : { وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ( المائدة : 72 ) .
وقال - تعالى - : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ } ( آل عمران : 85 ) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ » رواه مسلم ( 153 ) .
* ولنا مع هذا الحدث وقفات :
- أولاً : مصالح وبشارات :
قال الله - تعالى - : {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ( النساء : 19 ) . وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ » رواه مسلم ( 2999 ) .
وقديماً قيل :
قد يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عَظُمَتْ
ويبتلي اللهُ بعضَ الخلقِ بالنعمِ
وقيل : وربما صحت الأبدان بالعلل .
فما وقع من الاستهزاء أثار حميّةَ المسلمين للهِ - تعالى - ولرسوله – صلى الله عليه وسلم -، وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بأعدائهم ؛ فهي طعنة آلمتنا ولكنها أيقظتنا، وقد قال الله - تعالى - في حادثة الإفك التي هي صورة من صور أذيَّته - صلى الله عليه وسلم - : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ( النور : 11 ) .
فمثل هذه الهجمات صارت سبباً في حصول خير كثير للمسلمين، وحصول الخزي والصغار لأعدائهم، فمن ذلك :
- اختلاف الأعداء وانقسامهم :
إذ حصل خلاف بين الشركات الكبرى التي تأثرت من المقاطعة من جهة والجهات التي نشرت ما نشرت من جهة أخرى، كما انقسم الشعب الدانماركي على نفسه إزاء ما حصل : هل هو فعلاً من حرية الرأي ؟ أم أنه اعتداء وعدوان ؟
- علو الصوت الإسلامي :
فهذه الأزمة أعادت الاعتبار للمسلمين وجعلت لهم وزناً، وأصبح كل حاقد
على الإسلام يعيد حساباته قبل أن ينال من الإسلام وأهله . وتملَّق الكثير من المنافقين للمد الإسلامي، واشترك بعضهم في المقاطعة قائلاً : لقد تعدَّت القضية الخط الأحمر، بل حتى إن بعض القنوات الهابطة أصبحت تعلن أخبار الغضب الإسلامي وتظهر تأييده، وفرضت مجريات الأحداث على وسائل الإعلام العالمية أن تقوم بتغطيتها تغطية كاملة، وتكلَّم الساسة الكبار وزعماء الدول وأدلوا بتصريحات حول الموضوع .
- في الأمة خير كثير :
أثبتتْ هذه الحادثة الدنيئة، أنَّ أمّتنا أمّة عظيمة، وأنها إذا مرضت فإنها لا تموت، وفيها رجال يذودون بكل ما أوتوا دونَ نبيّهم الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وأن فيها خيراً كثيراً، ولكنها تعيش فترة من التخدير والخمول، وأنها إذا استيقظت فستتحرك كالبركان، وهذا ما رأيناه من التسابق في المساهمة والبذل، وما نسمعه من استنفار الأمة كلها، والتحرك في جميع المجالات ؛ حيث شارك في هذه الحملة المحامون والتجار والصناع والأكاديميون والطلاب والصغار والكبار والرجال والنساء .
- توحيد صفوف المسلمين، فرأينا ولله الحمد تكاتف المسلمين وتبنّيهم لنفس المواقف، وإن اختلفت البلدان، واللغات . ويمكننا القول : إن الأمة الإسلامية في العصر الحديث قلَّما قابلت حدثاً كان له مثل هذا التأثير .
عرضي فدا عرض الحبيب محمد
وفداه مهجةُ خافقي وجَنانيِ
وفداه كلُّ صغيرنا وكبيرنا
وفداه ما نظرت له العينانِ
- إحياء جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، فقد رأينا من ردة فعل المسلمين ما يدل على محبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى من عنده شيء من التفريط في بعض واجبات الدين، ثار دفاعاً عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - .
ولا عجب في ذلك ؛ فإن للرسول - صلى الله عليه وسلم - في قلوب المسلمين المكانة العظمى والمحبة الكبرى .
- ظهر في الأزمة أن أهل التوحيد الخالص هم أهل النصرة والمحبة الحقيقية، بخلاف بعض أهل البدع والخرافات الذين ضعفت أصواتهم إلا ما قلَّ في الذود عن عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوَّل الأمر، فدعوى محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته وحدها لا تكفي، بل لا بد من النصرة بالقول والعمل والمبادرة إلى ذلك .
- تبين من الأزمة حرص عدد من الغيورين على الدعوة إلى الإسلام، وبيان الصورة المشرقة الحقيقية لهذا الدين، من خلال ما رأينا من تسابق الكثيرين إلى طباعة الكتب بلغة أولئك وبذل المال في سبيل هذا، وهذا مظهر يُحمَد ويحتاج إلى ترشيد ووعي .
- مسايرة الإعلام وبعض كبار المسؤولين لمواقف الشعوب الإسلامية وحركتها المباركة .
- إرسال رسالة واضحة للغرب، أننا نحن المسلمين لا نرضى أبداً أن يُمَسَّ دينُنا أو يُنَال منه، أو يعتدى على رسولنا ؛ فكلّنا فداء له ؛ بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم - .
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي
لعِرضِ محمدٍ منكم فداءُ
- { إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ } :
قال ابن سعدي - رحمه الله - : ( وقد فعل تعالى فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة )، فهذه الجريمة النكراء مع أنها تمزق قلوبنا، وتملؤها غيظاً وغضباً، ونود أن نفدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنفسنا إلا أنها مع ذلك مما نستبشر به بهلاك هؤلاء، وقرب زوال دولتهم ؛ إذ الله - تعالى - يكفي نبيه - صلى الله عليه وسلم - المستهزئين المجرمين .
وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهل حصن واستعصى عليهم، ثم سمعوهم يقعون في النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسبونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلا وقت يسير، ويأتي الله - تعالى - بالفتح من عنده ؛ انتقاماً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - . « الصارم المسلول » ( ص 116-117 ) .
وشواهد التاريخ كثيرة على هلاك وفضيحة المستهزئين بالنبي محمد – صلى الله عليه وسلم - .
- ظهور اتحاد الغرب على الإسلام :
فما أن استنجدت تلك الدولة باتحادهم حتى وقفوا جميعاً بجانبها، وتواصى بعض المجرمين على نشر هذه الصور في صحافتهم تعاوناً على الإثم والعدوان وتفتيتاً للمقاطعة وتأكيداً لحرية النشر بزعمهم، وكان بعض ساستهم يأسف لإهانة
مشاعر المسلمين ثم يتصل بكبير الدانمارك ليؤيده ويقول : { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } ( البقرة : 14 )، حتى يُعلموا المسلمين أنهم جميعاً في خندق واحد، وأننا لا نستطيع مواجهتهم جميعاً .
- ظهور الحقد الصليبي الدفين :
حيث عبَّر بعض مسؤوليهم عن أنه لا بد من إيقاف المقاطعة ولو أدى ذلك إلى شن حرب صليبية جديدة، وهذا وإن لم يصرح به كثير منهم إلا أنها زلة تمثل رأي طائفة منهم : { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ( آل عمران : 118 ) .
- اتضاح غطرسة الغرب وعناده :
فهو يرفض الاعتذار حكومةً وشعباً وينظر للمسلمين نظرة استحقار، بل يصرح بعض مسؤوليهم أنهم لا يريدون الاعتذار ولا يرغبون فيه .
- اتضح في هذه الأزمة موقف المنافقين :
وهم الواقفون مواقف الرّيبة من هذه الجريمة، إمّا بالسّكوت تارة، أو بالتّبرير تارة، أو بالتّهوين تارة، أو بالاستهزاء من استنكار المسلمين لهذه الجريمة تارات وتارات .
- ازدياد أهمية التقليل من الحجم الهائل لمستوردات الدول الإسلامية من العالم الغربي :
والسعي للتعويض عن ذلك بمنتجات دول إسلامية أخرى من خلال اشتراك الموارد مع المال مع الخبرات .
- ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقام الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - :
فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، لكن لما قامت المقاطعة لم يمض عليها إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها لتدارك الأمر، وتغير أسلوب رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئاً ما مع المسلمين لا بل مع مصالحه وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين أفراداً وجماعات يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم .
* المقاطعة الاقتصادية [3] :
لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيراً كبيراً وفعَّالاً على مواقف الدول واتجاهاتها ؛ وقد أصبحت الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات التي تصدِّرها الدول التي تحارب المسلمين من وسائل الضغط عليها لتوقف أو تخفف من موقفها المعادي للمسلمين .
وسلاح المقاطعة سلاح مؤثر بلا شك في المواجهة مع الأعداء .
وقد استُخدم هذا السلاح قديماً وحديثاً .
فقديماً : استخدمته قريش ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يسمى بـ « شِعْب أبي طالب »، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغاً .
وهدد به ثمامة بن أثال قريشاً عندما منع الحنطة منبلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة . والقصة في صحيح البخاري برقم ( 4372 ) .
وأما حديثاً : فقد استُخدمت المقاطعة في الحرب العالمية بين المتحاربين، واستُخدمت مؤخراً ضد عدد من البلاد الإسلامية كالعراق و ليبيا و أفغانستان و السودان .
واستخدمتها الدول الإسلامية قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل .
وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس ما لهذه المقاطعة من آثارٍ كبيرة تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من العدوان والضغط على الساسة في بلدانهم لاتخاذ ما يوقفها .
هذا من الناحية الواقعية، أما من ناحية الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية :
فإن الأصل جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو محاربين، فلا تُمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكن هذا الحكم قد يتغير بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد :
فإذا غلب على الظن إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار الحربيين من غير أن يترتب على ذلك مفسدة تعود على المسلمين، فهنا يتأكد الأمر وقد يصل إلى الوجوب ؛ فكل ما يُلحِق الضرر بمن أعلن لنا العداء مطلوب ومأمور به، ولا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة ؛ فهو الآن أوسع وأشمل، ولا شك في ارتباط الاقتصاد الآن بالسياسة وتأثيره، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش أن تضَّيق عليهم معيشتهم ؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال : « اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف » فأصابتهم سَنَةٌ حصّت كل شيء ( أي أذْهَبَتْه ) [4] حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال : أيْ محمد ! إن قومك هلكوا ؛ فادع الله أن يكشف عنهم . ( صحيح البخاري 4823 ) .
ففي هذا إشارة إلى استخدام السلاح الاقتصادي ضد الأعداء المحاربين . - وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا يترتب عليها إضرار بالكفار، بل تعود على المسلمين أنفسهم بالضرر، فهنا يتوجه القول بالتحريم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه » . « مجموع الفتاوى » ( 1/164 ) .
- وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية ستوقع الضرر بالكفار لكنها في المقابل ستوقع ضرراً بالمسلمين أيضاً ؛ فهنا تعارضت مصلحة الإضرار بالكفار مع مفسدة وقوع الضرر على المسلمين، فينظر : فإن كانت المفسدة على المسلمين غالبة منعت المقاطعة، وإن كانت المصلحة بمقاطعتهم غالبة كانت مأموراً بها، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
- وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا مصلحة فيها من حيث الإضرار بالكفار، ولا مفسدة فيها على المسلمين، فلا حرج من القول باستحبابها ؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن السخط ضد ممارسات الكفار العدوانية، فلو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن عقيدة الولاء بين أهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفران، والتعبير كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية لكفى، فهي على الأقل « تسجيل موقف للشعوب الإسلامية » .
* دعوات وشعارات تساقطت :
لقد أظهرت هذه الأزمة حقائق كانت خافية على جمّ غفير من الناس ؛ فهؤلاء القوم الذين ما فتئوا يدَّعون أن بلادهم رمز للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمة ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون : { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ( آل عمران : 118 ) .
ومنها : انكشاف تزوير الغرب في معاييره ؛ فهنا يحتجُّون بحرية الرأي والتعبير، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي ؛ فكلنا يذكر ما حدث منذ سنوات قريبة عندما أقدمت حكومة إسلامية على تكسير أوثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها !! فأين كانت حرية الرأي المزعومة ؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضاً من حرية الرأي ؟!
وإذا كان الشرع والعقل بل والقانون يمنع الإنسان أن يتصرف في بيته بما يؤذي جاره، كالأصوات المزعجة أو الروائح الكريهة ؛ فكيف تُقْدِم الصحيفة على هذه الجريمة التي فيها استهانة بمشاعر مليار و300 مليون مسلم، ثم تحتج بحرية الرأي ؟
ومنها : بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا بمثل قولهم : ( لا تقولوا على غير المسلمين كفاراً، بل قولوا « الآخر » حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم ) .
فتبيَّن من الجريمة من الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه .
ومنها : كذب دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من ( حوار الحضارات ) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه !! فأي حوار يريدون ؟ وأي احترام يزعمون ؟
إنهم يريدون منا أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلا استهزاءً بنا وسخرية وظلماً !
- ومن المعاني التي تساقطت أيضاً في هذه الأزمة : انهزامية الأمة تجاه الغرب، فقد كان الغربيون ينظرون إلى الأمة الإسلامية كأنها الرجل المريض الذي أُصِيب بالشلل، فمهما ضربته فلن يتأوه، ولن يكون له رد فعل، ثم إذا بالموازين تنقلب بعد نشر تلك الرسومات، وبدأ رئيس الوزراء الدانماركي الذي كان يرفض مجرد لقاء سفراء البلاد الإسلامية في بلده يستأجر بعض القنوات العربية للظهور في مقابلات، محاولاً تبرير موقفه وموقف بلاده، وكذلك رأينا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث منتقداً هذه الرسومات، وكذا الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم من الساسة ؛ إذ أذهلتهم ردود أفعال المسلمين فكان لا بد لهم من التحدث بالاستنكار ولو تصنُّعاً ومجاراةً .
فظهر أن مرض الأمة مؤقت، وأنها متى أخذت بأسباب السلامة والعافية ومن أعظمها : اتحادها فسوف تفعل الكثير والكثير .
* المخذلون كثر :
في ظل توحد المسلمين واجتماع كلمتهم على موقف واحد في التصدي لهذه الهجمة يُسَرُّ المرء لما يرى ويشاهد من الغَيْرة الإسلامية العظيمة المتولدة من الغضب لانتهاك حرمته - صلى الله عليه وسلم - .
إلا أننا نرى هنا وهناك من يحاول تخذيل المسلمين، والوقوف في صف أعدائهم .
فقد أغاظتْ هذه المقاطعة كثيراً من المنافقين، فحاولوا التبرير تارة، والتهوين تارة، وزعم الإصلاح وإرادة الخير تارة أخرى !
فمِن زاعمٍ أَنَّ المقاطعة ستقطع الحوار معهم !
وهل نقبل الحوار مع من يهزأ بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويسخر بثوابتنا ؟!
ومن زاعمٍ : أَنَّ سبب جناية تلك الصحيفة هو تقصير المسلمين أنفسهم في تعريفهم بالإسلام ! فمرادُه تبرئة هؤلاء المعتدين من جنايتهم، أو تبريرها لهم، وإناطة جُرْمِها بالمسلمين !
وقد جهل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أدى الرسالة، وبلَّغ الأمانة أعظم التبليغ، ومع ذلك لم يسلم من سخرية كفار قريش .
ومن مستهزئٍ بالمقاطعة فيقول : هذا غاية ما تملكون ؛ ترك أكل الزبدة والجبنة !!
وهذا شبيه بموقف المنافقين الذين كانوا يسخرون من المؤمنين لكونهم يتصدقون بالقليل من المال، مع أنه غاية ما يستطيعونه : { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( التوبة : 79 ) .
ومن زاعمٍ : أنَّ المسلمين « عمَّموا خطأ جريدة على دولة كاملة لا تملك بحكم القانون أي سيطرة على هذه الجريدة » !!
والجواب عن هذا :
أولاً : أن حكومتهم قد وقفت بجانب الجريدة وبررت فعلتها، بأنها حرية الرأي .
وثانياً : أن شعبهم نفسه قد وافق غالبيته الجريدة والحكومة على موقفهما ؛ ففي
استطلاع للرأي رأى 79% ممن شملهم الاستطلاع أن رئيس الوزراء يجب ألا يعتذر نيابة عن الدانمارك، بينما قال 18% : إن عليه الاعتذار .
وقال 62% منهم : إنه لا يتعين على الصحيفة تقديم اعتذار، بينما قال 31% : إن عليها أن تعتذر . [ موقع إسلام أون لاين ] .
ويرى بعضهم أن هذه المقاطعة لن تفيد شيئاً ؛ فهل تغافلوا عن استغاثات الدانمارك المتكررة بالاتحاد الأوروبي لإنهاء المقاطعة الإسلاميَّة ؟ وهل تجاهلوا الخسائر الدانماركيَّة التي ستصاب بها حين تقاطعها الأمة الإسلامية ؟ حيث بلغت خسارة شركة واحدة من شركاتهم للألبان في دولة إسلامية واحدة ما يتراوح بين ثمانمائة ألف ومليون وستمائة ألف دولار يومياً، كما صرح بذلك مدير هذه الشركة، فضلاً عن فرص الوظائف التي سيفقدها أصحابها [ موقع الجزيرة ] . بل قد صرح بعضهم أن ما بنوه في عشرات السنوات أي من السمعة الحسنة لبضائعهم التجارية قد تهدَّم في أيام قليلات .
ويرى آخرون أن المتضررين من المقاطعة إنما هم الوكلاء التجاريون الذين يحملون امتياز بيعها في البلدان الإسلاميَّة !! وهذا عجيب، أن يتولى هؤلاء الدفاع عن أولئك التجار ؛ مع أن التجار أنفسهم لهم مواقف مشرفة ؛ فقد رأيناهم تداعوا بشجاعة لطلب المقاطعة ؛ فهل هو أحرص منهم على أموالهم أم أنَّها عقليات التطبيع ؟
ومن هؤلاء من بدأ يدعونا للتسامح معهم والسكوت عن أذاهم، وما علموا أن التسامح لا يكون مشروعاً إلا إذا وقع موقعه الصحيح، وأولئك المستهزئون بمقامه - صلى الله عليه وسلم - ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، بل التسامح مع أمثال هؤلاء المجرمين جريمة شرعية، ولئن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحق في التجاوز عمن أساء إليه فإن هذا ليس إلى الأمة، بل الأخذ بحقه والغضب له واجب شرعي لا يجوز أن يمس أو يتبرع أحد بالتنازل عنه .
ومن زاعمٍ : أن المقاطعة مجرد رد فعل عاطفي، ولا ينبغي أن تكون تصرفاتنا مبنية على ردود الأفعال وهذا الزعم لا بد له من وقفة تبين أهمية ردود الأفعال والتأصيل الشرعي لها من خلال ما يلي :
- أمر الشارع بإنكار المنكر مثال واقعي لاعتبار ردود الأفعال في الشريعة :
قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ » رواه مسلم ( 70 ) .
فإنكار المنكر وتغييره باليد هو رد فعل على ظهور المنكر ورؤيته، وهو رد فعل أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - « فليغيره بيده »، وهو واجب بإجماع المسلمين، كما نقله النووي .
- الغضب على انتهاك حرمات الله صورة من صور ردود الأفعال المأمور بها :
إذ من الغضب ما يكون محموداً بل ما يكون واجباً، وهو الغضب لله – عز وجل -، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء . فعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : « وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ » رواه البخاري ( 6288 ) .
- بل إن التعامل برد الفعل أمر جِبِلِّي :
ولقد أحسن الإمام الشافعي - رحمه الله - حين قال : « من استُغضب ولم يغضب فهو حمار » !! ( سير أعلام النبلاء 10/43 ) .
فالإنسان مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، فلا بد أن يتأثر بما يدور حوله ويكون له رد فعل عليه .
والميْت هو الذي لا يوجد لديه ردود أفعال، كما قال الشاعر :
جَرَحُوه فَمَا تألَّّم جُرْحاً
ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
ومن أمثلة ردود الأفعال من السنُّة :
قنوته - صلى الله عليه وسلم - شهراً على رعل وذكوان وبعض أحياء العرب لما غدروا بالقراء في بئر معونة . البخاري ( 3064 ) ومسلم ( 677 ) .
ودعوته - صلى الله عليه وسلم - للبيعة على القتال لما بلغته شائعة قتل عثمان في الحديبية، ثم لما تبين كذب الشائعة كان الصلح .
[ ابن أبي شيبة مرويات غزوة الحديبية ص 124] .
وكغضبه - صلى الله عليه وسلم - حينما اختصم أصحابه في القَدَر حتى كأنما يُفقَأ في وجهه حب الرمان كما عبر الراوي - ابن ماجة ( 82 ) .
وغير ذلك كثير من صور غضبه - صلى الله عليه وسلم - تفاعلاً مع ما يطَّلع عليه أو يُنقل إليه من أقوال أو أفعال .
ومن ردود أفعال الصحابة - رضي الله عنهم - بحضرته - صلى الله عليه وسلم - :
مقولات عمر بن الخطاب المتعددة « دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ » وما شابهها كما كان مع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين لما قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . البخاري ( 4905 ) .
وكما حصل مع ذي الخويصرة اليماني الذي قال : اعدل يا رسول الله . البخاري ( 3341 ) مسلم ( 1675 ) .
ولذلك فإن ردود أفعال المسلمين تجاه هذا السب لخير من وطئت قدماه الأرض، مهمٌّ جداً ؛ لأنه نوع من إنكار المنكر أولاً، وهو أمر واجب، بل هذا من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم – بتغيير المنكر باليد، فإن لم يُستَطع فباللسان، فإن لم يُستَطع فبالقلب قال : « وذلك أضعف الإيمان » وفي حديث آخر : « وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » رواه مسلم ( 4676 ) .
وثانياً : من أجل تقزيم هؤلاء المعتدين والمفترين، كي لا يستمرئوا هذا السب والاعتداء .
أما ألاَّ يكون هناك غيرة على حرمات الله، ولا يتمعر وجهنا غيرة وغضباً ؛ فيُسَبّ دين الله، ويُسَبّ نبينا، دون أن يحرك ذلك فينا ساكناً ؛ فهذه والله هي الكارثة .
* الواجب علينا :
على كل مؤمن يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويغار على دينه أن ينتصر لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يقدِّم كل ما في وسعه لرد هذه الهجمة الشرسة، ومهما بذلنا فهو قليل في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما تفصيل دورنا في هذا فمنه :
1 - إعلان النكير على كل الأصعدة وبشدة :
فعلى الدول الإسلامية أن تهب على جميع مستوياتها لنصرة نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وتستنكر ذلك في المؤتمرات والمحافل العامة، وتتخذ موقفاً حازماًَ يتناسب مع شناعة الجريمة .
وكذلك يكون الاحتجاج على مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية كوزارات الأوقاف، ودور الفتيا، والجامعات، وإعلان الاستنكار من الشخصيات العامة كالعلماء، والمفكرين، ورجال الإعلام .
وكذلك الإنكار على المستوى الفردي، كلٌّ حسب ما يستطيع : بإرسال رسالة، أو كتابة مقالة، أو اتصال هاتفي بحكومتهم وخارجيتهم وصحافتهم، ومراسلة المنظمات والجامعات والأفراد المؤثرين في الغرب، ولو نفر المسلمون بإرسال آلاف الرسائل الرصينة القوية إلى المنظمات والأفراد فإن هذا سيكون له أثره اللافت قطعاً .
2 - مطالبة هؤلاء الجناة بالاعتذار الجاد الواضح، لا الخداع وتبرير الجريمة الذي يسمونه اعتذاراً، فلا نريد اعتذاراً لإهانة المسلمين، وإنما نريد إقراراً واضحاً بالخطأ، واعتذاراً عنه، ومعاقبة رادعة للمجرمين على جرمهم، وأن تكف حكوماتهم عن العداء للإسلام والمسلمين .
3 - ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه .
4 - بيان حُسن الإسلام وموافقته للعقول الصريحة، والرد على شبهات المجرمين من خلال قيام المؤسسات الإعلامية والصحف والمجلات والمواقع الإسلامية بكتابة ردود على هذه الافتراءات، وأن تسطر على صفحاتها شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتبين الدور العظيم الذي قام به - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذ البشرية، وأنه أُرسل رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين .
5 - استئجار ساعات لبرامج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية لا سيما في البلدان الغربية لتدافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتذب عن جنابه، ويستضاف فيها ذوو القدرة والرسوخ، والدراية بمخاطبة العقلية الغربية بإقناع، وهم بحمد الله كثر .
6 - إعداد المقالات القوية الرصينة لتنشر في المجلات والصحف ومواقع الإنترنت باللغات المتنوعة .
7 - مطالبة الكتّاب والصحفيين والإعلاميين بل كل غيور بالقيام بدور النصرة للنبي - عليه الصلاة والسلام - من خلال محاولة إثارة الرأي الغربي ضد هذا الانتهاك والتدنيس العلني للمعتقدات الدينية .
8 - إنشاء مراكز متخصصة لبحوث ودراسات في السيرة النبوية والإسلام وفضائله وترجمة ذلك إلى اللغات العالمية .
9 - الحرص على دعوة هذه الشعوب ؛ فإننا وإن كنا ننظر إليهم بعين الغضب والسخط والغيظ، إلا أننا أيضاً ننظر إليهم بعين الشفقة عليهم، فهم عما قريب سيموتون، ويكونون من أهل النار إن ماتوا على ذلك، فدعوتهم إلى الإسلام والنجاة رحمةٌ بهم، وشفقةٌ عليهم ؛ ولا سيما عوامهم الذين غُيِّبَتْ عنهم صورة الإسلام المشرقة، حتى نقيم الحجة ونوصل نور الهداية والحق إليهم فيعرفوا عن ديننا وعظمة نبينا - صلى الله عليه وسلم - : { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } ( الأنفال : 42 ) .
10 - ترجمة الكتب التي تدعو إلى الإسلام، والكتب التي تعرّف بالإسلام ونبيّ الإسلام، وتبيِّن سيرته الحسنة العطرة وفضائله بلغة هؤلاء القوم .
11 - إنشاء مواقع إسلامية وبرامج متخصصة في الإذاعات والقنوات والشبكة المعلوماتية للتعريف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله وأخلاقه الكريمة باللغات المختلفة، ونشر ذلك في المطبوعات من الصحف والمجلات ونحوها .
12 - عقد المؤتمرات العلمية التي يُتكلم فيها عن نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، مع التركيز على تلك الدول التي تحتاج إلى تصحيح صورتهم عن الإسلام .
13 - نشر ما ذكره المنصفون من غير المسلمين بشأنه - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو أدعى لقبول أقوامهم له .
14 - بيان خصائص دعوته ورسالته - صلى الله عليه وسلم -، وأنه بعث بالحنيفية السمحة، وأن الأصل في دعوته .
15 - المشاركة في حوارات علمية رصينة مع غير المسلمين من المختصين أصحاب القدرات العلمية واللغوية، ودعوة أولئك الباحثين بالحكمة لدراسة شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدين الذي جاء به .
16 - الإعلان في محركات البحث المشهورة عن بعض الكتب أو المحاضرات التي تتحدث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
17 - التمسك بالسنة والتزام هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء والصبر على ذلك ؛ إذ بهذا يكفينا الله كيدهم : { وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } ( آل عمران : 120 ) .
18 - مقاطعة منتجاتهم ما دام لها تأثير عليهم وهذا هو الواقع والبحث عن شركات بديلة يمتلكها مسلمون ترسيخاً لمبدأ الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين .
19 - الوعي لكيفية إدارة أعداء الإسلام لصراعهم مع المسلمين وعدم استبعاد التعمُّد والتخطيط المسبق منهم لهذه الجريمة، مع الدراسة المتأنية للمواقف المتوقعة منهم والتدابير التي ينبغي اتخاذها مع كل موقف حتى لا يخلصوا إلا شق الصف وإضعاف قوة وحدة الموقف .
20 - تبادل الأفكار في هذه القضية، وإضافة الجديد منها والتواصي بها، وبحث كل واحد عما يناسب ميوله وتخصصه منها، وبهذا سيجد كل محب لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مجالاً لإظهار حبه وغيرته وتعظيمه ؛ فهذا يأتي بفكرة، وذاك يكتب مقالة، وهذا يترجم، وذاك يرسل، وآخر يموِّل، في نفير عام لنصرة أفضل الخلق - عليه الصلاة والسلام - .
رسولَ الحُبِّ في ذكراك قُربى
وتحتَ لواكَ أطواقُ النجاةِ
عليك صلاةُ ربِّكَ ما تجلى
ضياءٌ .. واعتلى صوتُ الهُداة
ِيحارُ اللفظُ في حُسناك عجزاً
وفي القلب اتقادُ المورياتِ
ولو سُفكتْ دمانا ما قضينا
وفاءك والحقوقَ الواجباتِ

* ليس من النصرة :

إن ما نراه من ردود فعل غاضبة من المسلمين، وعمل جاد لمواجهة تلك الهجمة التي يتعرض لها الإسلام لَيبعثُ البهجة والسرور والأمل في نفس كل مسلم، غير أن بعض المسلمين وهم بحمد الله قلة قد مال بهم حماسهم عن الصواب، والمأمول من المسلمين أن يلزموا العدل والإنصاف، حتى مع أعدائهم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( المائدة : 8 ) .
فليس من النصرة :
1 - الاعتداء على معصومي الدم والمال كالمستأمَنين، من أي دين كان .
2 - اختراق وتدمير مواقع صحف ومجلات لم تصدر منها بنبينا - صلى الله عليه وسلم - سخريةٌ ؛ فمثل هذا العمل يُحرضها هي الأخرى على سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والنيل منه، وينقلها من حِيادها إلى مُصافّة المعتدي في موقفه، ويحرض سفهاءهم على تدمير مواقعنا .
3 - ليس من النصرة في شيء أن نجود بأموالنا لكل من يدعونا إلى مشروع دعوي في تعريف الكفار بالإسلام وبنبيه الكريم وفي كشف ما يثار حوله من شبهات من غير أن نتوثق من صاحب المشروع والجهة المشرفة عليه، ومن غير أن نتبيَّن المضمونَ المراد نشره، ومن يزكِّي ذلك من أهل العلم .
4 - ما صاحَبَ بعض المظاهرات التي قام بها المسلمون في أماكن شتى من إتلاف للأنفس والممتلكات .
5 - عدم تحري البعض في نشر الأخبار قبل التثبُّتِ من صحتها، كالخبر بإسلام خمسين دانماركياً، أو خبر قتل الصحفي .
6 - نشر بعض البدع والتعلُّق بالمنامات، كالدعوة إلى توحيد الدعاء في ساعة معينة وصيغة معينة، أو تناقل رسائل بها مخالفات شرعية، أو التعسف في محاولة الربط بين رقم بعض الآيات القرآنية التي لها شيء من التعلق بالموضوع وبين الرقم التسلسلي الدولي لمنتجات الدولة المعتدية زاعمين أن ذلك من الإعجاز العددي القرآني .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أنصار دينه ونبيه - صلى الله عليه وسلم - بوعي وصدق، وأن يعلي دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ( يوسف : 21 ) . وصلى الله وسلم على أشرف خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


________________________
(1) (شرح العقيدة الأصفهانية) لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - .
(2) للتوسع في النقول (الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة) محمد شريف الشيباني .
(3) كتاب (المقاطعة الاقتصادية حقيقتها و حكمها) لخالد الشمراني , و مقال مقاطعة بضائع الكفار
نظرة شرعية لهاني الجبير (مجلة البيان) عدد 179 .
(4) النهاية في غريب الحديث و الأثر 980 / 1 .
----------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:15 AM
معالم من تلك الحادثة
ــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


أخبرني صاحبي وهو من الراصدين مواقع الصوفية على شبكة « الإنترنت » أنه تصفح قرابة ستين موقعاً للصوفية أثناء نازلة تطاول « الدانمارك » على سيّد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلم يرَ للقوم حديثاً، ولم يسمع لهم همساً في تلك الحادثة التي غدت مَشْغَلة السمع والبصر في جميع الأصقاع ؛ ثم تدارك صاحبي قائلاً : اللهمّ إلا أن واحداً من تلك الستين قد نقل مقالة من أحدالمواقع السنية ! وختم هذا الصاحب كلامه قائلاً : هؤلاء الصوفية يعرفون الرسول عند الطمع، ويتخلون عنه عند الفزع .
ولئن كشفت هذه الحقيقة زيف محبة القوم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتهافت دعاويهم العريضة، فهي تبيّن حالة « السُّكْر » الذي أغرقهم، و « الفناء » الذي استحوذ عليهم، فكأن الأمر لا يعنيهم، وكما لو كانوا خارج العالم ! ولو كان « السُّكْر » و « الاصطلام » أمراً ملازماً لهم لهان الخَطْب ؛ فالمجنون معفو عنه، إلا أن هذا السكر سرعان ما يزول عند صوفية الأرزاق، إذا كان في الصحو تحقيق لحظوظهم الشخصية ومطامعهم الدنيوية .
هذه الواقعة الموجعة مع تداعياتها المختلفة، والتي حرَّكت القلوب، فأظهرت محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمدت إلى الذبّ عنه، وعبّرت عن ذلك من خلال مقاطعات اقتصادية، ومظاهرات واحتجاجات، وتأليف كتب ورسائل في دعوة الكفار إلى الإسلام، والتعريف بسيّد الأنام - صلى الله عليه وسلم - ..
هذه الواقعة تقرر أن الخير فيما اختاره الله - تعالى -، وأنه - سبحانه وتعالى - لا يخلق شراً محضاً، { فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ( النساء : 19 ) .
« فمن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة إنباء المرسلين :
ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين .. وذلك أن الحق إذا جُحد وعُورض بالشبهات أقام الله - تعالى - له ما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات والبينات » [1] .
هذه النازلة يمكن تسخيرها وتوظيفها في سبيل ترسيخ جملة من الأصول الشرعية، كوجوب محبة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ووجوب تعزيره وتوقيره، وأهمية الاتباع لسنته، والتحذير من الإحداث والابتداع في دين الله تعالى .
ورحم الله الشيخ محمد رشيد رضا إذ يقول : « من تتبع التاريخ يعلم أن أشدَّ المؤمنين حبّاً واتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقلهم غلواً فيه، ولا سيما أصحابه - رضي الله عنهم - ومن يليهم في خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشدهم غلواً في القول وابتداعاً في العمل وترى ذلك في شِعْر الفريقين » [2] .
ومن الأصول التي ينبغي تقريرها في هذا الشأن : تلازم الظاهر والباطن ؛ فالمحبة القلبية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن تظهر على الجوارح، من خلال الاتِّباع له والذبّ عنه وتعظيمه وإجلاله، وما المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدانمارك إلا سبب من الأسباب العملية المشروعة في تحقيق تعزيره - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره، وردع أولئك السفهاء المتطاولين على خير البرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . كما أن هذه الواقعة لتكشف عن عداوة الكافرين لأهل الإسلام، وتواطئهم على ذلك، وهذا يؤكد أهمية أوثق عرى الإيمان : الحبّ في الله والبغض في الله، ووجوب البراءة منهم، وأن عداوتهم لأجل كفرهم لا تنافي العدل والقسط معهم، بل ينبغي دعوتهم إلى الإسلام بالطريقة الصحيحة الملائمة، والحذر من تمييع الإسلام أثناء تلك الدعوة والتعريف .
هذه الأمة كالغيث لا يُدرى أأوله خير أم آخره ؟ فقد أظهر أهل الإسلام احتساباً ونصرةً لمقام سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم -، وهذه المشاعر الصادقة والمواقف النبيلة توجب أهمية إحياء شَعِيرة الاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك على أوسع نطاق، وفي أكثر من مجال ؛ فهناك الاحتساب بالخطبة والمحاضرة، والاحتساب بالمقاطعة، والاحتساب بالمظاهرة والاحتجاج، والاحتساب بالرسالة والكتاب، وكما أن العلماء والدعاة احتسبوا في هذه النازلة ؛ فقد احتسب الساسة والتجار، والمثقفون والمفكرون، والعامة والصغار ؛ فهذه الواقعة حققت تجييشاً لأهل الإسلام، وحشداً لأنواع متعددة من المناشط والجهود في سبيل الذبّ عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يوجب على أهل الشأن إعداد برامج وخطط احتسابية تجاه هذه الواقعة ونظائرها .
غارت أمة الإسلام لرسول الأنام - صلى الله عليه وسلم -، وظهرتْ هذه الغَيْرة في صور صادقة ومشاهد مؤثِّرة، والمتعيَّن تحريك هذه الغيرة وتقويتها من جهة، وضبطها وفق ما توجبه الشريعة وتقتضيه المصلحة من جهة أخرى .
فابن تيمية احتسب على نصراني شتم نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وذلك سنة 693هـ، وألّف كتابه النفيس « الصارم المسلول في الردّ على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - »، ولما تحدّث عن أنواع السبّ في هذا الشأن، قال - رحمه الله - : « التكلم في تمثيل سبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين أو آثرين .. » [3] .
فغيرة ابن تيمية تجعله يتعاظم مجرد تصوير مسألة السبّ وحكايتها، لولا أن الحكم الشرعي يقتضي ذلك، وهذه الغيرة الصادقة اقترن بها المسلك الشرعي الملائم ؛ فقد كلّم شيخ الإسلام الأميرَ آنذاك، وسعى في الاحتساب على ذاك النصراني المخذول، وألّف كتابه « الصارم المسلول » بعد هذه الواقعة .
وها هو السبكي - رحمه الله - يقول في مطلع كتابه « السيف المسلول على من سبَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - » عن سبب تصنيفه : « كان الداعي إليه أن فُتيا رُفعت إليّ في نصراني سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها : يُقتل النصراني المذكور كما قَتَل النبي - صلى الله عليه وسلم - كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب .
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
إلى أن قال : وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور » [4] .
فالسبكي بلغتْ غيرته ما بلغت، وصاحبَ ذلك موقفٌ عملي من خلال تحرير هذه الفتيا وكتاب « السيف المسلول » .
وهذا ابن عابدين - رحمه الله - يقول عن شقيٍّ استطال على سيد المرسلين :
« وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام .. » [5] .
والمقصود أن نجمع بين إحياء هذه الغَيْرة الإيمانية وتحريكها، وبين ضبطها وفق الأصول الشرعية والمصالح المرعية .
لعل هذه الحادثة تكون سبباً إلى فقه التعامل مع أهل القبلة، والتعاون مع أهل الإسلام في الأصول المتفق عليها، دون الإخلال بثوابت أهل السنة ومعالمهم ؛ فالذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محل اتفاق بين أهل الإسلام، ومدافعة التغريب والهيمنة الأمريكية كذلك .. وما أكثر القضايا التي هي محل إجماع بين أهل الإسلام . فمن المهم أن نبعث هذ التعاون والتنسيق بين أهل الإسلام، مع المحافظة على شعائر أهل السنة وأصولهم، لما في ذلك من المقاصد الشرعية، ونفوذ أهل الإسلام وتقويتهم .
فلقد تعاون أهل الإسلام من قبل في القرن الرابع الهجري في مواجهة المدّ العُبَيْدي الباطني، فكتب المعتزلة و الزيدية و الأشاعرة وكذا أهل السنة في فضح الباطنيين وهتك أستارهم .
فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الإيمان، ويُذلّ فيه أهل الكفر
والطغيان . معالم من تلك الحادثة

________________________
(1) الجواب الصحيح، لابن تيمية : 1/ 13، 14 .
(2) تعليق محمد رشيد رضا على كتاب صيانة الإنسان للسهسواني، ص 244 .
(3) السيف المسلول : ص 113 114 .
(4) الصارم المسلول : 3/1005 .
(5) رسائل ابن عابدين : 1/293 .
---------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:20 AM
هوامش على أزمة التحدي
ـــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ـــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

أثار إقدام صحيفة ( يلاندز بوسطن ) الدنماركية على نشر رسوم ساخرة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما تلا ذلك من أحداث .. ردود أفعال عديدة على كافة المستويات والأوساط في أرجاء كثيرة من العالم، وبعيدًا عن سباق الفعل ورد الفعل الذي صاحب هذه الأزمة والذي وجه انفعال بعض الأفراد أو المجموعات ولبعضهم العذر في ذلك ؛ لعظم الحدث وشدة وقعه .. أحببت تسجيل بعض الملحوظات واستخلاص بعض الفوائد والدروس، ليتسنى لنا فهم بعض أبعاد هذه الأزمة، ولنستطيع إدارة الأزمات ( القادمة ) بأداء أفضل وفاعلية أكبر :
أولاً : يُظهر هذا الحدث أن الحقد والكراهية للإسلام ونبيه ما زالا كامنين تحت القشرة العلمانية التي يتجمل بها الغرب، فهذا الحدث يأتي في سياق سلسلة من الاعتداءات والأذى المستمر الذي يوجَّه للمسلمين ودينهم والذي لا تخطئه عين أي خبير، ونظرة سريعة على أهم بعض ( الفلتات ) الصريحة التي وقعت خلال العامين الماضيين فقط يوضح ذلك بجلاء :
- ففي يناير 2004 : وصف عضو الحزب الوطني البريطاني نيك جريفن الإسلام بأنه « عقيدة فاسدة »، ويخلو من أي مساحة للتسوية الضرورية في مجتمع حر، ولا يتفق مع الديمقراطية .
- وفي نوفمبر 2004 : عرض فيلم تلفزيوني بعنوان ( الخضوع ) للمخرج الهولندي ثيو فان جوخ يزعم فيه أن الإسلام يضطهد المرأة .
- وعلى إثر ذلك منح الحزب الليبرالي في الدانمرك ( جائزة الحرية ) للبرلمانية الهولندية الصومالية الأصل المرتدة هرسي علي التي كتبت سيناريو الفيلم .
- وفي مايو 2005 : كشفت تقارير عن تدنيس الجنود الأمريكان للمصحف الشريف بالتبول عليه أو وضعه في المرحاض في معسكر غوانتانامو .
- وفي الشهر نفسه وصف مايكل غراهام المذيع بمحطة إذاعية في واشنطن ( الإسلام ) بأنه ( منظمة إرهابية )، وأنه في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وأنه يجدر بهذه الأخيرة ضرب مكة المكرمة بالسلاح النووي .
- وفي يوليو 2005 : سخر الممثل الكوميدي الأميركي جاكي ميسون في برنامج للمذيع جيم بوهانون من الإسلام ووصفه بأنه منظمة تشجع على القتل والكراهية والإرهاب .
- ضع ذلك بجوار : احتضان الغرب لرموز الردة والطعن في الدين من بني جلدتنا أمثال : سلمان رشدي، و تسليمة نسرين، و نصر أبو زيد، و هيرسي علي ؛ وضَعْه أيضاً بجوار القرصنة الدولية والإرهاب الاحترافي الذي يمارسه الغرب منذ قرون ضدنا، والذي كان آخره ما يحدث في العراق و أفغانستان و السودان و غوانتانامو، واستحضر مع ذلك فلتات ألسنة قادتهم السياسيين والفكريين التي ما فتئت تصف صراعهم معنا أنه صراع حضاري، يظهر تارة في حملة على حجاب، ويستتر أخرى خلف دعوى ( حقوق إنسان )، وبأن مواجهتهم لنا حملة صليبية، ولكنها تُشَن بموجب ( البند السابع ) .. لتعلم أن صحيفة « يلاندز بوستن » جاءت لتفجر القِدر الذي ما انقطع غليانه منذ الحروب الصليبية، ولتتوج منظومة الكراهية الغربية للإسلام، ولكن أيضاً لتُُلبسها ثوب « حرية التعبير »، ولتعلم كذلك أن ( تعبيرهم ) إنما دل على أنه { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ( آل عمران : 118 ) .
ثانياً : لا يوجد لديّ أي مساحة لتصديق مزاعم الصحيفة بأن نشرها لهذه الرسوم لـ ( اختبار حرية التعبير في بلادهم )، وإذا حاولنا معرفة مرامي هذا الحدث، أو الفائدة التي ستجنيها بعض الأطراف من ورائه، فإن هناك عدة احتمالات أو فرضيات يمكن ذكرها، منها :
1 - صرف الأنظار عن قضايا أخرى مهمة أو أحداث تجري تتصل بالعالم الإسلامي، أو التغطية على جرائم أخرى ( تاريخية ) تحاك أو تنفذ ضد المسلمين ( تكتيك مصارع الثيران ) .
2 - محاولة جس نبض الشارع الإسلامي، وقياس ردة فعله كمّاً ونوعاً ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات جديدة وقبول قيم غربية بديلة .
3 - محاولة تحطيم معنويات المسلمين وقهرها، بتدنيس المقدسات التي يعتزون بها وتشويه الرمز الذي يجلُّونه والاستهزاء بمحبوبهم علناً، مما يؤثر على قدرتهم على المقاومة والصمود .
4 - محاولة دق أو تعميق ( إسفين ) بين الشعوب الأوروبية والإسلام تحول دون تعرف الشعوب الأوروبية على الإسلام الحقيقي، وتمنع التواصل الإيجابي بين هذه الشعوب والأمة الإسلامية .
5 - الضغط على الجاليات الإسلامية في أوروبا ؛ فحسب بعض المحللين الغربيين فإن ذلك يأتي في سياق هجمة مضادة رداً على تعرض القيم العلمانية الغربية لهجمات ( المسلمين المتشددين ) في أوساط المهاجرين في الغرب، كما أن هذا الحدث يُعد اختباراً لقياس مدى اندماج المهاجرين والأجيال الناشئة من أبنائهم في المجتمع الغربي، وبمعنى آخر : معرفة حجم التنازلات التي يجب أن تقدمها الدولة المضيفة لمسايرة المهاجرين، والإشارة إلى المهاجرين أنفسهم بنمط التنازلات التي تريدها منهم دولتهم المضيفة لكي يندمجوا في المجتمع الذي ينتقلون للعيش فيه، أي : إنهم يريدون وضع المهاجرين على محك التخلي عن دينهم مقابل قبول عيشهم في البلاد الغربية !
6 - جس نبض الشارعين العربي والإسلامي ومراكز القوى الإسلامية في أوروبا, تمهيداً للبدء في إنهاء الوجود الدعوي الإسلامي هناك، وحظر أي قنوات دعوية إسلامية يمكن من خلالها : تغيير الوجه ( الحضاري ) المسيحي لأوروبا، أو كسب أرضية ( أصولية ) داخل المهاجرين المسلمين والحيلولة دون ذوبانهم في المجتمع الغربي، أو النجاح في تجنيد ( إرهابيين ) يهددون الأمن والمصالح الغربية في عقر دارها .. وقد ظهر هذا التوجه بالفعل في صورة : إغلاق بعض المساجد, ومحاربة الحجاب , ووضع أقنية فضائية عربية وإسلامية تحت المراقبة, وإغلاق المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي والتضييق على أنشطة المراكز الإسلامية ومراقبتها , والعديد من حملات الاعتقال والمداهمة لكثير من المراكز الإسلامية .
وقد ذكر فادي ماضي رئيس المؤتمر العربي الإسلامي الأوروبي أن هناك خطة صهيونية مبرمجة، يقف وراءها مركز سايمون فيزنتال والمؤتمر اليهودي العالمي، وتطال الوجود العربي والإسلامي لضرب الإسلام وإنهاء الوجود العربي والإسلامي في أوروبا .
7 - ظهر بوضوح محاولة استغلال أمريكا و بريطانيا للحدث من أجل موازنة صورتهما العدائية مع صورة الدول الأوروبية الأقل تحالفاً، على طريقة ( إنه سيئ ولكن أخاه أسوأ منه )، وذلك باتخاذ موقف أقل صفاقة .. فرغم أن الحقد الذي يضمرونه على الإسلام والمسلمين لا يقل بحال عن ( أوروبا شرق الأطلنطي )، إلا أن أمريكا وبريطانيا كانتا حريصتين على عدم تورطهما في هذه الأزمة :
فمن جانبها امتنعت وسائل الإعلام الأميركية عن إعادة نشر الرسوم التي تتناول النبي محمد بسبب الطبيعة « المهنية » لهذه الرسومات .
وقد كان ملفتاً أن موقع ( CNN ) الإخباري على الإنترنت ذيَّل معظم أخباره عن هذه الأزمة بهذه العبارة : « يُذكر أن CNN تمتنع عن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد احتراماً لمشاعر المسلمين » في متاجرة غير ذكية بالموقف من القضية .
وقال مديرو تحرير عدة مؤسسات إعلامية أمريكية : إنهم يغطون الخلاف المتصاعد بشأن الرسوم ولكنهم لن ينشروها مجدداً ولن تبث على التلفزيون احتراماً لقرائها ومشاهديها !
وفي يوم الأربعاء 8/2/2006 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالاً للكاتبين فيليب هينشر و جاري يونج اعترفا فيه بأن الصحيفة الدانمركية أخطأت بنشرها تلك الرسوم، وبأن هناك إهانة لحقت بالمسلمين ما كان يقبلها أتباع أي مدرسة علمانية لو وجهت هذه الإساءات لرموز مدرستهم، كما قالا إن غضب المسلمين له ما يبرره، ومضى الكاتبان إلى القول إن الصحيفة الدانمركية كانت ستفكر ألف مرة قبل أن تكتب شيئاً يمس الديانة اليهودية، حتى لا يتهمها أحد بالعداء للسامية ؛ لأنها تهمة خطيرة في أوروبا وأمريكا، وقد يدفع المتهم بها عشرة أعوام من عمره في السجن .. أما الدين الإسلامي على حد قولهما فلم يحدث أن سُجِن أحد بسببه في أوروبا .
وقالت صحيفة الفياننشال تايمز البريطانية إن حق النشر ليس مطلقاً .
وإذا استثنينا تصريحات نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، فإن مجمل الموقف الأمريكي والبريطاني الظاهر الإعلامي والرسمي هو محاولة اتخاذ موقف متوازن بين إدانة أعمال العنف والمقاطعة التي ظهرت في العالم الإسلامي، والتأكيد على أهمية حرية التعبير، مع تفهم غضب المسلمين، والإلماح إلى أن حرية التعبير يجب أن يكون لها حدود بحيث لا تمس المقدسات .. وهذا ما يرمي إلى ترميم صورة البلدين السياسية في العالم الإسلامي، بعد فشل جهود الحملات الإعلامية والإعلانية التي حاولت أداء هذه المهمة .
ثالثاً : وضح أن الغرب يقف خندقاً واحداً ( حتى ولو في الظاهر ) عندما يتعلق الأمر بمواجهة المسلمين، سواء أكان هذا من منطلق الخلفيات التاريخية والحضارية التي تجمعهم، أو بموجب الاتحاد والتحالفات والاتفاقات المعقودة بينهم، أو بموجب المصالح المشتركة بينهم .
يظهر ذلك في تعاضد بعض الصحف مع الجريدة الدانمركية وتأييدها بنشر الرسوم المسيئة، ومحاولة إحباط قوة حملة المقاطعة والاحتجاج التي ظهرت في العالم الإسلامي، باستخدام تكتيك ( توسعة الخرق على الراقع ) أو سياسة ( تفريق الدم بين القبائل )، ولا أستبعد ما ذكرته بعض التقارير من وجود أيادٍ مخابراتية وراء هذا النشاط والتكاتف، فقد « اعتبر مراقبون لتطورات الأحداث في جريمة الاعتداء على حرمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في بعض الصحف الأوروبية أن اتساع دائرة النشر يرتبط بجهود استخباراتية مكثفة في بعض عواصم الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغط عن الدانمرك، بعد أن اعترفت مفوضية الاتحاد بعجزها عن وقف موجة المقاطعة أو التورط في الأزمة بشكل مباشر وعلني، في حين اعتبرت أوساط ثقافية أن هذه الأزمة قد تمثل تحولاً خطيراً في البنية الثقافية للمجتمع الغربي ؛ لأنها تفتح على نطاق واسع أبواب الجدل حول المحرمات في الإعلام الغربي، لأن بعض الأصوات الغربية بدأت تطرح الآن تساؤلات حول النفاق الأوروبي فيما يتعلق بقضية حرية التعبير ..
مصادر دبلوماسية استطلعت صحيفة ( المصريون ) رأيها أشارت إلى أن الخطة التي تحتاج إلى إمكانيات أكبر بكثير مما تملكه الدانمرك انطلقت منذ الثلاثاء الماضي 3/1/2006م عبر صحف تصدر في عدة دول أوروبية، تبنت الخطاب نفسه، وسارت على منهج موحد، وهو ما يدل على التنسيق بين الصحف الموزعة على عدة دول، ويشير إلى أصابع أجهزة الاستخبارات التي تقود هذا التنسيق بهدف تخفيف المقاطعة التي بدأت المصانع الدانمركية تعاني بسببها، وذلك بتوريط عدة دول أوروبية في قضية الإساءة، مما يجعل العالم الإسلامي يقف عاجزاً عن مقاطعة كل هذه الدول دفعة واحدة، وفي الوقت نفسه يصبح لا معنى لاستمرار مقاطعة الدانمرك وحدها .
هذا في المدى القريب، أما في المدى البعيد فإن افتعال ما يشبه « إجماعاً أوروبياً » على الإساءة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر ما يكسر شوكة الوجود الإسلامي في أوروبا بقدر ما يشكل حاجز صد يحول دون مزيد من التمدد العقائدي الإسلامي بين المواطنين في أوروبا والذي بدأ يثير قلق الكثير من دوائر الأمن القومي دون قدرة على وقفه » جريدة ( المصريون ) 2/2/2006 .
ويظهر ذلك أيضاً في محاولة رأب الصدع الاقتصادي الذي أصاب الدانمرك جراء مقاطعة معظم الشعوب الإسلامية لمنتجاتها، ويؤيد ذلك : ما ذُكر من أن مطاعم كنتاكي وماكدونالدز وهارديز وبرجر كنج وبيتزا هت قرروا شراء المنتجات الدانمركية لتعويض الخسائر الدانمركية، وما ذكر من أن بعض الأفكار كانت تتداولها الإدارة الأمريكية ؛ لإنقاذ المنتجات الدانمركية وإفشال المقاطعة، من أهمها :
إلزام صناديق المساعدات الأممية باعتماد المنتجات الدانمركية، وتعويض الدانمرك عن خسائرها الناتجة عن المقاطعة إن لم تفِ الصناديق الأممية بالغرض، عبر إلزام متعهدي تمويل الجيوش الأمريكية وحلفائها في الخارج باعتماد البضائع الدانمركية أولاً .
رابعاً : كما أن الأزمة فضحت دعاوى الطابور الخامس الذي يعيش بيننا، والذي كان يروج زوراً أن الغرب تخلى عن تعصبه وكراهيته لنا، وأنه ارتقى في أسلوب حل خلافاته فأصبح ( الحوار ) هو الأسلوب المعتمد عنده، والذي كان يتغنى بقيم الغرب ويدعو لها زاعماً أنها لا تتعارض مع جوهر الإسلام، فها هو الغرب يضيف إلى ( اعتماده ) القوة سبيلاً لحل خلافاته معنا وفرض رؤيته الحضارية علينا .. يضيف عدم احترامه لديننا وهدره لمقدساتنا .
وأظهرت هذه الأزمة أيضاً خطورة الطابور السادس أو السابع ( سمه ما شئت ) الذي يعيش بيننا، وأعني به الكفار و المشركين الذين جاؤوا باسم العمل والارتزاق وحملوا معهم حقدهم ووثنيتهم وكفرهم وقذارتهم الأخلاقية ليبثوها في مجتمعاتنا متى ما استطاعوا، فقد كان ملفتاً للنظر ما قامت به مدرِّسة أمريكية بإحدى الجامعات في دولة الإمارات وأيدها المشرف عليها من بني جلدتها من عرض الرسوم المسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في قاعة الدرس، مبررة عملها هذا بأنه يندرج في إطار حرية الرأي والتعبير .. ولا أدري ما الذي يحمل مدرِّسة لغة إنجليزية على إقحام نفسها في قضية لا تتعلق بعملها وليست طرفاً فيها وتعلم أنها تمس مشاعر من تخاطبهم، إلا أن يكون دافعها هو الحقد والتعصب الأعمى الذي لم تستطع كبته أو التجمل بإخفائه، وإلا أنها تحس بالأمن من عقوبة تنالها إذا فعلت هذه الجريمة ( الحضارية ) باساءة الأدب مع رسول من تخاطبهم .
وفي الإمارات أيضاً ومع بدء حملة مقاطعة البضائع الدانمركية، قامت العمالة الآسيوية ومعظمها هندوس التي تدير كثيراً من محلات السوبر ماركت بتكثيف عرض المنتجات الدانمركية والتقليل من المنتجات المحلية وغير الدانمركية البديلة، مما يجبر المشترين على شراء المنتج الدانمركي ؛ لأنه المنتج الأكثر وفرة ؛ وذلك بقصد تصريف المنتج الدانمركي بسبب هبوط سعره عند الوكيل، وهذه التصرفات أعدها منطقية ومتوقعة إذا استحضرنا تلقائية ( الولاء والبراء ) لدى كل إنسان .
خامساً : ملحوظات حول ردود أفعالنا وكيفية تفاعلنا مع الأزمة وإدارتها :
كثرت جرائم الغرب تجاه العالم الإسلامي، أو قل : كبر وعي المسلمين وإحساسهم بهذه الجرائم، مما يرشح الأمور لوقوع مزيد من ( الفلتات )، ومزيد من التصعيد، ومزيد من ( المواجهات ) .. ومن خلال متابعة الأحداث وتحليلها نستطيع استخلاص هذه الملحوظات :
الملحوظة الأولى : ضرورة استغلال واستثمار هذه ( الفلتات ) في واقع العمل الإسلامي من غير تكلف، مثل : تعميق محبة الله ورسوله، تعميق مفهوم الولاء والبراء، إظهار مأزق العلمانيين و التغريبيين، إيضاح عداء الغرب للإسلام نفسه، إظهار وفضح بعض الأنظمة المعادية للإسلام، إظهار حقيقة الدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات، التدرب على توحيد الصفوف ومحاولة القيام بعمل مشترك منظم ومؤثر ..
وداخل أوروبا، مثل : وضع الشعوب الغربية أمام حقيقة مبادئهم التي يتغنون بها وتذكيرهم بمواقفهم التي لا تتفق مع هذه المبادئ ( حرية التعبير حقوق الإنسان التسامح مع الديانات والحضارات الأخرى )، تعريفهم بحقيقة الإسلام، الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تشغلهم من منطلق إسلامي ..
ولا يكون ذلك إلا من خلال وضع تصور مسبق لاحتمالات الأحداث، وطرق أو خطط معالجتها أو مواجهتها، والوسائل والأساليب الأنجع للتعامل معها، والإمكانات المطلوبة ...
الملحوظة الثانية : باستقراء تسلسل الأحداث الأخيرة يتضح أن هناك استفزازاً متعمداً لإثارة المسلمين، ولكن رد فعل المسلمين جاء متأخراً عن الحدث الأصلي رغم أنه جاء قويّاً ومؤثراً وهذا التأخر يضع علامات استفهام حول ما إذا كانت هناك أهداف من وراء الإثارة في مثل هذا الوقت بالذات، كما أنه يضع علامات استفهام على آلية وكيفية إحساس المسلمين بمآسيهم، وكيفية وتوقيت التصرف المناسب من غير انجرار لما يضر بأمتنا أو الوقوع فيما يحيكه لنا أعداؤنا ؛ فهل من المناسب أن يشكل في كل بلد ما يشبه المرقب لمتابعة أحوال الإسلام والمسلمين وإنذار قومهم عند الإحساس بالخطر ؟ وإذا كان ذلك مهمّاً فيمكن الاتفاق على جهة ( أهلية ) محددة موثوق بها يناط بها تلقي هذه التقارير ونشرها، أو على الأقل إنشاء موقع على الشبكة العالمية، يستطيع فيه المراقبون مع الأخذ في الاعتبار احتياطات الأمان الإلكتروني وضع هذه التقارير ليطلع عليها المسلمون، وتلقي التحليلات والاقتراحات لهذه التقارير .
الملحوظة الثالثة : استخدم الغرب في مواجهة حملة المقاطعة التي انتشرت في العالم الإسلامي أكثر من تكتيك لإفشال المقاطعة أو إضعافها على الأقل، وأهم هذه التكتيكات : تشتيت هدف الخصم ( توسعة الخرق على الراقع ) أو ( تفريق الدم بين القبائل )، تفتيت القوة المضادة، امتصاص الغضب، تبادل الأدوار، استغلال عامل الوقت، تكتيك مصارع الثيران، ازدواجية الخطاب الإعلامي، الإشباع النفسي للخصم ... وبجانب جهوده وإمكاناته استغل الغرب الثغرات المنتشرة فينا لإنجاح هذه التكتيكات، ونستطيع ضرب الأمثلة على ذلك :
- تكتيك ( توسعة الخرق على الراقع ) أو ( تفريق الدم بين القبائل ) : فإنه عندما أثارت الرسوم الكاريكاتيرية للنبي - صلى الله عليه وسلم - استهجاناً واسعاً في العالم الإسلامي، فإن صحفاً أوروبية تنتمي لأكثر من دولة أعادت نشر الرسوم نفسها بدعوى حرية التعبير وإطلاع القراء على حقيقة الحدث الذي أثار المسلمين( لاحظ أنه لم تنشرها أي صحيفة أخرى في الدانمرك نفسها ) .
وبذريعة ( حاكي الكفر ليس بكافر ) أعادت بعض الصحف في البلدان العربية والإسلامية نشر بعض الرسوم أو كلها، كما أظهرت بعض المواقع الإسلامية الرسوم أو أشارت إلى صلات تُبرزها .
فواضح أن الهدف من ذلك كان استنساخ سبب المقاطعة نفسه في أكثر من مكان، وإشهار ذلك، وعندها إما أن يندفع المسلمون إلى إعلان مقاطعة جميع هذه الدول أيضاً ؛ لاتحاد السبب، وهذا مما يصعب عليهم القيام به والاستمرار فيه فتخور عزيمتهم عن المقاطعة جميعها .. وإما أن تسقط مصداقية السبب نفسه عندما لا يطَّرد السلوك المبني عليه في جميع الأحوال .
وإذا كان موقف الصحف الغربية مفهوماً خاصة في ضوء التقارير التي أشرت إليها سابقاً من وجود أصابع مخابراتية في الموضوع فإن موقف الصحف التي تصدر في البلاد العربية والإسلامية كان أشد وقعاً وأكثر إيلاماً، ليس فقط لأنها طعنة من الخلف غير منتظرة ممن يعلنون انتماءهم لهذا الدين، وليس فقط لأنه عضَّد وساهم في نجاح هذا التكتيك، ولكن لأنه استخدم أيضاً من قِبَل وسائل إعلام غربية لإظهار أن الضجة بشأن الرسوم مبالغ فيها ؛ لأن الصحف العربية نفسها أعادت نشرها .
وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن بعض المصلحين يمكن أن يسهم في ذلك بحسن نية ! ويتمثل ذلك في محاولة استغلال الحدث في إصلاح المسلمين وحل جميع مشكلاتهم دفعة واحدة، أو خلط المشكلات وتشابكها مع بعضها ( الإعلام الفاسد والفن الهابط، وترك سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهديه، و ..مئة وسيلة لنصرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ... )، وبالطبع فإن من يرى أو يسمع ذلك يفهم أنه لا بد من تغيير حياته كلها، وقد يكون هذا حقاً ومطلوباً، ولكنه غير مؤهل له الآن، فلا يقوم من الوسائل المئة بوسيلة واحدة أو يكاد وتكون النتيجة أنه ينصرف عن النصرة لأنه بهذا الشكل غير مستعد لها .
بل إن بعض المتعاطين مع الأزمة اقترح حلاً لها بأن تتبنَّى الحكومات العربية و الأمم المتحدة موقفاً يهدئ من مشاعر المسلمين، وهو : إلزام العدو الصهيوني بالانسحاب الفوري من القدس وتطبيق الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بفرض عقوبات سياسية عليها في حال رفضها القرار !
ومثل هؤلاء كمن يريد إسقاط مئة عصفور على شجرة بطلقة واحدة فتكون النتيجة أن تطير العصافير كلها ولا يستطيع أن يسقط عصفوراً واحداً .
فضعف التركيز وافتقاد نَظْم الأهداف المرحلية مع الأهداف الاستراتيجية و ( الاستجابة للتداعي )، يساعد على تحقيق المخطط الغربي بتشتيت التركيز، وهذا يختلف عن البحث عن الجذور والربط بين الظواهر لاستخلاص النتائج والحلول لمشكلة ما .
- كما ظهرت بعض محاولات لاستخدام تكتيك ( مصارع الثيران )، وهذا التكتيك يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من الجهد والمخاطرة، وهو يقوم على محاولة إشغال الطرف الآخر بمثيرات أخرى جانبية، وتوجيهه وجهة أو وجهات معينة بحيث يفقد تركيزه وينصرف عن هدفه، ويظهر هذا التكتيك هنا بمحاولة إشغال الرأي العام بقضايا مثيرة أو حساسة أخرى، لتشتيت تركيزها المنصب في قضية موحدة، وصرف انتباهها إلى قضايا أخرى هامشية ومؤقتة .. وعلى سبيل المثال : فقد نشرت صحيفة ( ذي جارديان ) البريطانية أوائل شهر فبراير ( أي :
في ذروة الغضب الشعبي الإسلامي ) صورة سمكة من نوع أوسكار تحمل على حراشفها لفظ الجلالة ( الله ) واسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( محمد )، وبالطبع فإن الصحيفة البريطانية لا تؤمن بالله ولا بالرسول، ولكنها تلقي الطعم ليتلقفه السذج والبسطاء أو المغرضون ! ويتخذوا من الخبر دليلاً على صحة إيمانهم، ثم يعملوا على نشره ( تعاوناً على الخير )، فينشغل الرأي العام به، مما يفقدهم تركيزهم في القضية التي كانوا يهتمون بها، فتضعف طاقتهم ...
وهذا الأسلوب نفسه استخدم مراراً قبل ذلك، وإذا كان القارئ ذا ذاكرة قوية فإنه يمكن أن يستدعي قصة البنت العُمانية التي ( سُخطت ) بعد تحديها أمها في المعصية .. فقد راجت تلك القصة بعد ضجة تدنيس المصحف في غوانتنامو وظهور فضائح التعذيب في ( أبو غريب ) .
- أما تكتيك تفتيت القوة المضادة فيظهر في محاولة اللعب على المذهبيات والطائفيات والعرقيات، كما يمكن أن يندرج تحته محاولة الساسة الغربيين والإعلام الغربي استغلال حوادث الحرق والتخريب والعنف التي صدرت من بعض المحتجين، إذ إنه بجانب استغلاله لهذه الأحداث دليل إضافي يقدمه لجمهوره على وحشية المسلمين وتخلفهم وتعطشهم للعنف ومهاجمة ( المسالمين )، فقد حاول بتضخيمها حرف القضية عن أصلها، لتتحول إلى قضية ( عنف وتخريب وإرهاب ) يرفضها كثير من المشاركين في الاحتجاجات، أو يخشون من عواقبها، مما يدفعهم إلى غلق أبوابهم عليهم، والاكتفاء بـ ( اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين ) .
كما أن نشر الرسوم في أكثر من صحيفة يهدف أيضاً إلى تفتيت قوة المقاطعة الاقتصادية الشعبية للدانمرك ؛ لأنه بعد النشر في بلاد مختلفة وعدم استطاعة مقاطعة كل هذه البلاد، فسيكتفي كل فريق بمقاطعة بلد ما، وعندها يخف الضغط الواقع على البلد الأصلي .
- أما تكتيك ازدواجية الخطاب الإعلامي، فإنه يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من التنازلات، ومما يساعد في تحقيق آثاره عاملان : العامل الأول : عدم معرفة الخصم المستهدف إلا بالخطاب الموجه له فقط، العامل الثاني : جهل هذا الخصم يدلالة مفردات الخطاب الموجه له بدقة ؛ فقد وضح في هذه الأزمة التلاعب الإعلامي وعدم انتباه معظم المهتمين ( وسط الفوضى والغوغائية ) لفروق الألفاظ ( كالفرق بين الأسف والاعتذار، وبين الاعتذار عن الفعل وعن آثار الفعل ونتائجه، وبين سحب السفير واستدعاء السفير ... )، ولدلالة عبارات، مثل : ( لم نستورد من الدانمرك، يملك أسهمها شركاء وطنيون، يصنع في بلادنا ... )، ولضيق المقام نوضح فرقاً واحداً، هو الفرق بين الأسف والاعتذار :
فالأسف يكون عن أي فعل أو قول يُحزِن الإنسان أو يغضبه أو يتحسر عليه، سواء صدر منه أو من غيره، وسواء أكان بقصد أو غير قصد، أما الاعتذار فهو طلب رفع اللوم والذنب، فالاعتذار يتضمن الاعتراف بالخطأ والذنب، ويحمل في طياته المسؤولية عن الفعل أو القول، وهذا قد يترتب عليه عقوبة أو عوض .
أما الإشباع النفسي للخصم، فيتم عن طريق الإدلاء بمعلومات معينة صحيحة أو مغلوطة تساعد على إحساس المقاطعين بنشوة نصر كاذب ؛ مما يخمد حماسهم ويوقف استمرارهم ؛ لأنهم بلغوا هدفهم و ( أثخنوا ) في عدوهم .
وكمثال على هذه الأخبار : ما أعلنه سفير الدانمارك بالقاهرة ( يان سورنسن ) أن حجم الخسائر المترتبة على مقاطعة الدول العربية للمنتجات الدانمركية بلغت 35 مليار يورو، إضافة إلى زيادة نسبة البطالة داخل الدولة، مشيراً إلى أن المصنع الدانمركي الذي أغلق أبوابه بالسعودية مع مقاطعة المنتجات بصفة عامة أدى إلى فقدان 15 ألف وظيفة داخل الدانمارك، وقد تصل إلى 50 ألفاً إذا استمرت المقاطعة لفترات أطول من ذلك .
وخبر غيره يقول : إذا استمرت المقاطعة حتى شهر أغسطس فستصل خسائرهم إلى 39 مليار يورو .
وخبر آخر يقول : شركة آرلا الدانمركية تخسر 1.8 مليون دولار يومياً بسبب المقاطعة .
ومسؤول في شركة ألبان دانمركية يقول : « ما بنيناه خلال 40 عاماً خسرناه خلال أيام » .
وقد ساهم في نشر هذه الأخبار رسائل قصيرة من مصدر مجهول أرسلت إلى الهواتف المحمولة ... و ( انشر ) !!
الملحوظة الرابعة : وهي عن الخطاب الدعوي في الأزمة، فالملاحظ أن معظم الخطاب الإسلامي كان موجهاً للداخل فقط، مع اتسامه بالعاطفية وعدم التنظيم مما يقلل من جدواه وثمرته . كما ظهرت الهزيمة النفسية في خطاب بعض ( المدافعين ) عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أقلها : التستر خلف رفض إهانة ( الرموز الدينية ) لنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
كما حاول بعض المحسوبين على الدعوة إظهار ( التعقل ) والتحلي بالمناداة بالحكمة ( يريدون التهدئة وعدم التهور )، وإذا كانت الحكمة مطلوبة في كل شيء فيجب أن يستحضر أن الحكمة الحقيقية هي وضع الشيء في نصابه، ونصاب هذا الأمر معروف لدى من له أدنى إلمام بعلم شرعي، ومن نصابه أيضاً : أن للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عَمَّن شتمه وسَبَّهُ في حياته، ولكن ليس لأمته أن تعفو عن هذا الجاني عليه - صلى الله عليه وسلم - .
وهناك خطأ استراتيجي يقع فيه بعض الدعاة في مثل هذه المواقف، وهو إذاعة المقارنة بين الأزمة الراهنة والمصائب الأكبر التي يحيا فيها المسلمون، وإذا كان هذا الكلام يحتمل أن يكون صحيحاً من ناحية التنظير والواقع، إلا أنه قد يكون أحياناً غير موفق من ناحية التحرك الدعوي أو السياسي .
ففي مثل حالتنا فإن نشر مقولة إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهان في أوقات كثيرة بترك هديه والإعراض عن شرعه .. في الوقت الذي يتلظى الناس جمراً مما أصاب نبيهم ويبدون استعدادهم للبذل في سبيل نصرته ... لا يكون موفقاً فيما أحسب .
أعتقد أنه من الضروري على حملة الدعوة تبني قضايا الأمة الحيوية حتى ولو كانت هذه القضايا لاحقة في ترتيب الأولويات أو التتابع المنطقي للعمل الدعوي، ولكن بشرط رد هذه القضايا إلى أصولها وربطها بأصل الإسلام والتوحيد وليس فقط معالجتها معالجة ( علمانية ) باردة ولو باسم الإسلام، وهذا منهج الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) ؛ فقد تقترن الدعوة إلى التوحيد بدعوة إصلاح اقتصادي وعدل اجتماعي : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( الأعراف : 85 )، وقد تقترن بدعوة تطهر أخلاقي : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوَهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ } ( الشعراء : 160-165 ) .
فأمام السيل الجارف لاهتمامات الأمة نجد من يساير هذا السيل فيستهلك طاقته ويذوب فيه، ونجد من يحاول الوقوف أمامه لإيقافه ومنعه فيغرقه ويهلكه، ولكن يجب أن يوجد أيضاً من يحاول أن يغير مسار هذا السيل إلى الاتجاه الصحيح ويستفيد في الوقت نفسه من قوته الجارفة لكي تكون قوة إيجابية ... وهذا هو التحدي .
أما عن دعوة الخارج : فإنه بغضِّ النظر عن تعصب الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين، وبغض النظر عن حقد قادتهم وموجهيهم وعدائهم للإسلام والمسلمين، فإن الواقع والوقائع تثبت دوماً أن عموم الشعوب الغربية ولا أتحدث عن قياداتهم التي تسوقهم تعيش حالة من الجهل المركب عن الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبتته هذه الأزمة ؛ فقد ذكر المسؤول عن الرسوم الكاريكاتيرية أن معلوماته عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قليلة، وبتتبع انطباعات الشعب الدانمركي تبين أنهم فوجئوا بعد الأحداث بأن المسلمين يصل تعدادهم لأكثر من مليار نفس .
وبالطبع فإن ذلك نتيجة أن معلوماتهم ( القليلة ) استقوها من مستشرقين معظمهم مغرضون أو من رجال دين نصارى متعصبين ومنتفعين، مقالات وكتب ودراسات وقصص وروايات ونصوص مدرسية ومناهج تعليمية وكتابات ساقطة ..
كلها تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين في عيون الرأي العام الغربي، وكلها تعمل على تعمية بصيرة الغرب وتجهيله عن الاطلاع بوضوح على الإسلام وحضارة العرب والمسلمين، وكلها تصر جاهدة على استمرار تفريخ صورة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وأيضاً نتيجة تقصير المسلمين في إيصال الدعوة الإسلامية بشكل يتناسب مع حجم المسؤولية .
وفي الأزمة الراهنة يزيد الوضع سوءاً ما أشيع عن أن رئيس تحرير كل من صحيفة يولاند بوستن الدانمركية ومغازينات النرويجية اللتين نشرتا الصور المسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم - هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي وممولي ومصدري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في مركز سايمون فيزنتال اليهودي، الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية ؛ فالأصابع الصهيونية التي لا تريد خيراً لمسلمين ولا لنصارى غير مستبعدة من هذه القضية، والصحيفة الدانمركية لا تخفي توجهها الصهيوني، بل تضع نجمة داوود شعاراً لها على اسمها في الإصدارات المطبوعة وعلى اختصار رابطها الموصل لموقعها على الشبكة العالمية، ويعضد ذلك أن المسؤول عن نشر الرسوم المسيئة فيها عندما صرح باستعداده لنشر مسابقة أعلنت عنها صحيفة إيرانية حول رسوم تتناول محرقة الهولوكست .. لم يتوان مسؤولو الصحيفة عن إعطائه ( إجازة إجبارية ) غير محددة المدة .
إننا في زحمة التدافع وسخونة الصراع يجب ألا ننسى أننا أصحاب دعوة إلى دين الله الحق، وأن مهمتنا مع بسط سلطان الله في الأرض استنقاذ البشر من أن تجتالهم الشياطين وتختم لهم بالموت على الشرك بالله والكفر بدينه، وأن القوى الصهيونية والصليبية يهمها الحيلولة بين الشعوب ودين الله الحق ... وكل ذلك يوجب علينا بجانب الانتصار لنبينا بذل أقصى جهد للدعوة إلى دين الله، بل إن ذلك من أكبر صور الانتصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
الملحوظة الخامسة : لا يستطيع أي عاقل إنكار أن التحرك الشعبي انطوى على إيجابيات عديدة : فقد اتحد الجميع على الوقوف ضد إهانة نبيهم، وهذا لم يحدث مثله منذ وقت طويل، حتى نستطيع القول : إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قاد المسلمين من جديد، وعلَّم العالم وخاصة الغرب معرفة مدى المكانة التي ما زال يحظى بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قلوب المسلمين رغم الجهود الدؤوبة لإبعادهم عن دينهم، وكذلك اهتم العالم بشخصيته - صلى الله عليه وسلم - وأصبحت قضية الساعة، وقد ينتج عن ذلك أن يصل بعض الباحثين عن الحقيقة إليها ويدرك ظلم الإعلام الغربي المتصهين، وقد كان رد الفعل الشعبي في عموم الدول العربية والإسلامية شديداً لدرجة أحرجت معظم حكومات تلك الدول وأخرجتها عن صمتها على الرسوم، ودفعتها للتنديد باستهداف شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - والإسلام، لامتصاص الغضب الشعبي، أو لحين التشاور مع القيادات الغربية لإيجاد الحلول والخروج من المأزق الذي أوقعهم به السلوك الغربي الفج .
ورغم كل ذلك نستطيع القول : إن تعامل عوام المسلمين مع الأزمة اتسم بالتوهج العاطفي في الشعور، واختلاط الوعي الإيجابي بالوعي الزائف عند كثير منهم، والارتجالية أو الفوضوية في السلوك، بالإضافة إلى الحياة بإسلام الفضلة في الإرادة والتضحية عند بعضهم .
وهنا يجب أن ندرك أن أعداءنا يعوِّلون على استغلال السلبيات الكامنة فينا لإفشال جهودنا نحن وحرماننا من ثمراتها .
ومركوز في أذهان أعدائنا أننا شعوب عاطفية هوجاء تشتعل بسرعة وتنطفئ بسرعة ولا يحركها المبدأ والفكرة، وأنها قصيرة النَّفَس لا تستطيع الاستمرار أو الصمود مدة طويلة، فوضوية لا تعرف كيف تحقق هدفها، وهذا فيه قدر من الصحة، وتعالوا نراجع : افتتاح نفق الأقصى وتهديده بالهدم، ودعم المجاهدين في فلسطين، والموقف من العراق، وقبلها الشيشان وأفغانستان و كوسوفا، وموقفنا من كارثة تسونامي، وزلزال كشمير، إهانة الجنود الأمريكان للمصحف في غوانتنامو والعراق .. وكلها أزمات تحمسنا للمشاركة فيها بصورة من الصور، ثم خمدت الهمم رغم استمرار هذه الأزمات وحاجة المسلمين فيها للدعم والمؤازرة .
فمعظم هذه الأزمات تعاطفت معها الجماهير وقامت بمظاهرات صاخبة وأعلنت المقاطعة للمعتدين، ولأن دافع هذا السلوك كان هو العاطفة فإنه بعد انطفاء توهجها خاصة مع وجود إعلام يحترف التضليل والتزييف خمدت مظاهر الاحتجاج انتهت المقاطعة بدون تحقيق هدفها إن كان لها هدف ولكن لو تحركت الجماهير من أجل فكرة ومبدأ لظلت على سلوكها حتى يتحقق لها ما تريد، بل يمكن القول : إن أحد أسباب إقدام الغرب على إهانتنا وظلمنا هو معرفته بهذه الصفات فينا .
سادساً : تساؤلات شرعية في خضم الأزمة :
سأتجاوز هنا عرض عقوبة المستهزئ بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن هذه العقوبة يعرفها من له أدنى إلمام بالعلم الشرعي كما سبق أن ذكرت كما سأتجاوز أيضاً الاعتراض على أصل مشروعية المقاطعة ؛ إذ أراه اعتراضاً بارداً ؛ فالحصار أشد من المقاطعة، وقد كان شائعاً ومعروفاً شرعيته، كما أن المقاطعة تدخل تحت باب وسائل إنكار المنكر، ولمزيد من الإيضاح يمكن الرجوع إلى تفسير قوله - تعالى - : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } ( المائدة : 78 ) وأمثالها من الآيات ... ولكني سأستعرض هنا بعض التساؤلات الشائكة بالفعل والتي تحتاج إلى وقفات وبحث متعمق ومتأنٍ من هيئة شرعية أو أكثر من عالم متخصص يحيطون بعلم الشريعة وعلم الواقع، وإذا كنت أعتقد أني لست أحد هؤلاء فإني سأعرض ما يدور في أذهان بعض الناس من أفكار وأدلة و ( وجهات نظر ) أو تساؤلات شرعية لها وجاهتها، ولكن قبل هذا العرض أحب أن أذكّر بأن حقيقة إسلامنا تقتضي أن نستسلم جميعاً لأوامر الله - عز وجل - أياً كانت، وألا نقدم بين يدي الله ورسوله، بمعنى ألا ننساق خلف عواطفنا أو ( أهوائنا ) وألا نضع نتيجة نرغب فيها ونبحث لها عن مقدمات تؤدي إليها، وهذا ما أظن أننا جميعاً متفقون عليه، أما التساؤلات فهي كما يأتي :
التساؤل الأول : إذا علمنا عقوبة المستهزئ بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهل هناك فرق بين حالة الاستضعاف وحالة التمكين في كيفية الرد على المستهزئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيذائه ؟ لقد ذكر القرآن سخرية المكذبين ببعض الرسل كما في قوله - تعالى - عن قوم نوح – عليه الصلاة والسلام - : {وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } ( هود : 38 )، وذكر استهزاء المشركين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما في قوله - تعالى - : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ } ( الحجر : 94-95 )، ومع ذلك لم يَسْعَ رسول الله إلى عقوبة المستهزئين من كفار قريش ؛ فهل كان ذلك لأن هذه العقوبة لم تكن مشروعة بعد، أم لعدم التمكن من إيقاعها بسبب حالة الاستضعاف التي كان يعيشها المسلمون ؟ إن دعوى نسخ الآية بآية السيف التي كثيراً ما يذكرها بعض المتحمسين نقلاً عن بعض العلماء لا تصمد أمام التدقيق العلمي، حيث لا تنطبق شروط النسخ على الآيتين ( آية السيف وآية الإعراض )، ولذا يرى بعض العلماء أن حال المسلم في النصرة يختلف من مكان إلى مكان ومن زمن إلى آخر . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
« وصارت تلك الآيات ( آيات الصفح والعفو والصبر على الأذى ) في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله وعلى عهده خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام ؛ فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون » ( الصارم المسلول، ج2، ص414 )، فما مدى انطباق ذلك على حالتنا ؟ التساؤل الثاني : هل المقاطعة أو أي عقوبة جماعية أخرى في حالتنا يعد أخذ أناس بجريرة غيرهم سواء في الداخل ( التجار والعاملين المتضررين )، أو الخارج ؟ المعروف أن الأصل في دين الله عدم أخذ البلاد والنَّاس أجمعين بجريمة واحدٍ منهم إذا لم بتواطؤوا على تأييدها أو المشاركة فيها، فقد قال الله - تعالى - في محكم كتابه : { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ( الأنعام : 164 )، { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ( الإسراء : 15 )، وهل ( في مثل الحالة التي نحن بصددها ) امتدت عقوبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن الأشرف الذي آذى الله ورسوله إلى جميع قومه وكل من استمع شعره وحضر مجالسه التي نال فيها من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ إن العدل يجب أن يكون حادينا في جميع الأحوال حتى ولو كان شاقاً على نفوسنا : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ } ( المائدة : 2 )، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( المائدة : 8 )، { وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً } ( الإسراء : 33 )، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } ( النساء : 135 ) .
وهل تغيُّر الملابسات والظروف الحالية يوجب إيجاد فقه جديد وفتوى جديدة في المسألة ؟ ومن المخوَّل بإصدار مثل هذه الفتوى ؟
يحتج بعض الناس هنا بأن استطلاعات الرأي أوضحت أن غالبية الشعب الدانمركي تؤيد عدم اعتذار الصحيفة عن فعلتها وتؤيد موقف رئيس الحكومة في ذلك، ويرد آخرون بأن ذلك الاستطلاع جرى بعد أكثر من شهر من المقاطعة، أي لم يكن المقاطعون يعرفون كيف يبنون مقاطعتهم على هذا الأساس، كما أنه يمكن القول إن ذلك لا يعني الموافقة على الفعل نفسه، ولكنه من قبيل تأييد حق الآخر في إبداء رأيه سواء أكان موافقاً له أو مخالفاً له، « يمتد العداء في هذه القضية إلى أطراف ومستويات عديدة، لا ريب أن معظمها يفكر في الأصل بطريقة مشابهة لما يفكر به الرسام والصحيفة، ولكن لا ريب أيضاً أن الرد لا ينبغي أن يستهدف من يفكر بل من يتصرف ويسيء ؛ فهذا ما يساعد على امتناع أصحاب التفكير المشابه عن « التصرف والإساءة » . ( نبيل شبيب الإساءة لمقام النبوة بين الجماهير والنخب موقع الجزيرة نت ) .
سابعاً : حول المقاطعة، واقتراحات لجعلها أقل فوضوية وارتجالية وأكثر فاعلية :
تعد المقاطعة الاقتصادية أحد أساليب المقاومة السلمية الفعالة والمؤثرة إذا أُحسن استخدامها، ولكن يجب أن ندرك أنها ليست الأسلوب الوحيد للمقاومة، كما أنها قد لا تكون سلاحاً فعالاً لمواجهة هذه الجرائم والحد منها أو الرد عليها في بعض الظروف والأحوال ؛ فقد تصلح المقاطعة في بلد وتكون دون جدوى في بلد آخر، وذلك حسب حجم التعامل الاقتصادي بين البلد المقاطِع والمقاطَع، وعند عدم جدوى المقاطعة يجب التفكير في وسائل تأثير أخرى بحسب ظروف كل بلد ( مظاهرات، اعتصامات، احتجاجات .... ) .
ولكن التساؤلات التي تفرض نفسها، هي : ما مصير المقاطعات السابقة ؟ وهل حققت أهدافها ؟ ومتى توقفت ؟ وهل توقفت بقرار منا وإرادتنا ؟ وما السبيل لجعل المقاطعة أكثر فاعلية وأشد إيلاماً ؟
وبغضِّ النظر عما حدث من محاولة الدول الأوروبية فتح عدة جبهات في آن واحد على المقاطعين والمحتجين، فإن الواقع يقول إن التداخل السياسي والاقتصادي بل والإداري آخذ في النمو بين هذه الدول، فأوروبا تتجه منذ فترة للتحول إلى ( الولايات المتحدة الأوروبية )، بحيث سيصعب في أحيان كثيرة تحديد منتج معين موسوم بعبارة ( in Made --- ) من الدول الأوروبية، أو فصل دولة معينة واتخاذ إجراء معين يمسها هي بالذات بحيث لا يتداخل مع دول أخرى ؛ ففي هذه الحالة سنحتاج بشكل أكبر إلى تنظيم المقاطعة وحسن إدارتها لتكون ممكنة وفعالة .
ينبغي أن نلاحظ أولاً أنه إذا افترضنا أن المقاطعة الاقتصادية هي الخيار المناسب في أزمةٍ ما ؛ فهذا لا يعني أن المقاطعة هي السلاح المناسب كل مرة ؛ فكثرة استخدام المقاطعة مع عدم ترشيدها وتنظيمها سيؤثر مستقبلاً على فاعليتها وقوتها وتأثيرها، لذا لا ينبغي أن نرمى به في كل معركة وحالة دون النظر في مناسبته، وكيفية استخدامه، والوسائل التي تضمن فعالية نتائج هذا الاستخدام، وعدم الخروج من ذلك بنتائج عكسية ... « إن كل تحرك جماهيري يصنعه الوجدان الحي في الأمة لا يؤدي مفعوله على الوجه الأمثل، إلا إذا توافرت من ورائه عناصر التوجيه والتخطيط والتنظيم، وهذا بالذات ما افتقدته مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، وتفتقده الآن مقاطعة البضائع الدانماركية » ( نبيل شبيب مصدر سابق ) .
وهذه بعض الخطوط التي أتصور أنها تساعد على إنجاح المقاطعة الاقتصادية باعتبارها إحدى وسائل المقاومة :
1 - تحديد حجم التعدي وقدر العقوبة التي يستحقها والوسيلة المناسبة للرد عليه والتعامل معه .
2 - أن تكون هناك جهة أو جهات يسترشد بها أو ينسق معها في خطوات المواجهة، ويمكن الاسترشاد في ذلك بما ذكر في الملحوظة الخامسة من ( ثانياً ) .
3 - تحديد أهداف للمقاطعة، وتتحدد الأهداف بحسب نوع وحجم الاعتداء ( فقد تكون بانسحاب قوات، أو تقديم اعتذار، أو إلغاء توكيلات، أو محاكمة أشخاص، أو استرداد مظلومين، أو نشر تعريف صحيح من قِبَلنا بالإسلام والرسول ... )، بحيث تظل هذه المقاطعة مستمرة حتى تتحقق هذه الأهداف، وإذا تحققت هذه الأهداف تلغى المقاطعة، أو تحديد مدى زمني معروف تتحقق فيه الأهداف المحددة أو معظمها، وأهمية هذا التحديد تكمن في ألا يكون قصر النَّفَس أو الإيقاع في الحرج العملي لبعض الفئات مدعاة لإضعاف سلاح المقاطعة وجعله بلا جدوى أو ضعيف التأثير بعد ذلك .
وتحديد الهدف سيجعلنا أقرب إلى معرفة الممكن وغير الممكن، حتى لا نسعى إلى مستحيل أو صعب لا يتناسب بذل الجهد فيه مع الثمرة المتوقعة من ورائه، فلا يتحقق هدفنا ويؤثر على معنوياتنا .
وعلى سبيل المثال، ففي الأزمة الحالية طالب كثيرون باعتذار رئيس الحكومة الدانمركية عن النشر، أو محاكمة من نشر هذه الرسوم، وبغض النظر عن التحفظ في كون هذا الاعتذار هو الهدف المطلوب أم لا، ويكفي للرد على هذه الجريمة أم لا يكفي، فإننا إذا فهمنا طبيعة هذا المجتمع يتضح لنا أن هذا المطلب غير منطقي، وذلك من عدة نواحٍ :
أولاً : يجب أن نضع في اعتبارنا أن القوم يكفرون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي الحقيقة بالله وبجميع الرسل، وليس من المنطقي أن نطالبهم بمقتضيات الإيمان به قبل حدوث هذا الإيمان، أي : ليس لنا الطلب منهم بمعاقبة من يستهزئ برسول لا يؤمنون به وخاصة أن ذلك ليس مجَرّماً في منطق عدالتهم، ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نحقق نحن مقتضيات الإيمان به في أن ننتصر له ونذب عنه، وهنا ينبغي ملاحظة الفرق بين تناول شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ناحية فكرية أو عقائدية التي قد تقبل مجادلة ودعوة، وبين النيل منه بالسخرية والاستهزاء التي ليس لها إلا العقوبة والتأديب .
وهذا يجعلنا نعرف ما الذي نفعله وما الذي نطالب به ؟ ثانياً : يجب أن نعرف طريقة حكم هذه البلاد القائمة على الفصل بين السلطات ؛ فالصحافة والإعلام سلطة منفصلة عن الحكومة، ولا سيطرة للأخيرة عليها إلا في ضوء القانون ؛ فهي لا تنشر ما تنشر بموافقة الحكومة أو إذنها، والحكومة لا تستطيع محاسبتها على ما تنشره ؛ فمطالبة الحكومة بالاعتذار مطالبة بمحال وغير عادلة من وجهة نظرهم، ونستطيع فهم ذلك من طرح سؤال : ( من المسؤول عن المشكلة حتى يعتذر عنها ؟ ) . إن مطالبتنا لرئيس الحكومة بالاعتذار تقع عليهم كمن يطالب وزير الأوقاف عندنا بالاعتذار عن خطأ وزير البترول !
وهذا لا يعني أنهم لا يضمرون ما نشرته الصحيفة، ولكن هذه مسألة أخرى .. وفي ضوء ذلك نفهم أن رفض شريحة استطلاع الرأي لاعتذار رئيس الحكومة كان منطقيّاً، ونفهم لماذا كانت نسبة من يرفض اعتذار رئيس الحكومة أعلى من نسبة من يرفض اعتذار الجريدة .
ومن ثم : تكون مطالبتنا نحن بذلك وجعله هدفاً نسعى إلى تحقيقه نوعاً من العبث .
ثالثاً : كما أن الاحتجاج بإمكانية محاكمة من يعادي السامية أو يشكك في الهولوكست لا يصلح أيضاً من وجهة نظرهم ؛ لأن هذه المحاكمات تعقد بناء على قانون عندهم يجرم هذه المعاداة وهذا التشكيك، ولا يوجد قانون آخر يجرم السخرية من الأنبياء ( هكذا كفرهم ! )، ولا جريمة إلا بنص ( قانون ) كما هو معروف عند الحقوقيين، ولذلك قال بعض الحقوقيين : إن المدخل الصحيح لهم هو اعتبارها جريمة إنسانية ( تتعلق بحقوق الإنسان ) وسياسية، وليست قانونية .
4 - تحديد الشريحة الموجهة لها المقاطعة والتي يكون لها صلة منطقية بمقترف التعدي أو لها تأثير محسوس في إزالة التعدي، وتحديد العدو المستهدف تحديداً دقيقاً .
« فالفارق كبير على سبيل المثال بين اختيار منتجات معينة، لشركات تساهم إسهاماً مباشراً وليس تحت عنوان تسديد الضرائب لحكومة عدوانية وما شابه ذلك في العدوان على المسلمين والإساءة إلى مقام رسولهم الكريم، وبين تعميم المقاطعة على كل منتج وكل شركة تحمل الاسم الأميركي أو الآن الدانماركي .
الصيغة الأولى : تساهم في تحويل عدو محدد المعالم إلى عدو كبير، وفي تحفيز من لا يتضامن معه في الأصل إلى التضامن « تعصباً »، و الصيغة الثانية : يمكن أن تؤثر من منطلق التفكير في المصالح الذاتية في الامتناع عن المشاركة في العدوان والإساءة، بل ربما في المشاركة في الضغوط على من يمارسهما ليمتنع عن ذلك .
الصيغة الأولى : تسمح بالتواصل مع جهات عديدة في الغرب ممن يسعى لاستعادة مكانة القيم في المجتمع، وممن يرفض ممارسات العدوان والإساءة، للعمل على تحرك مشترك، و الصيغة الثانية : تثير لدى هؤلاء التخوف من مثل تلك المشاركة، لا سيما في ظل تعميم خطاب المواجهة والاحتجاجات بما يشملهم ولا يميزهم عن سواهم » ( نبيل شبيب مصدر سابق ) .
وتحديد الشريحة المستهدفة سيجعلنا نتوخى الحذر في عدم إصابتنا لآخرين قد يكون من الظلم أن ينالهم أثر المقاطعة، وهنا يأتي ذكر الشركات والتجار وأصحاب المصالح المرتبطة بالجهات المقاطعة : حيث لوحظ أنه بجانب العاطفة الصادقة في نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعضهم، فإن الذعر من المقاطعة، والمراوغة في الالتزام بها، وركوب الموجة واستغلال تحصيل الحاصل، والنفاق الاقتصادي .. ظهر من سلوك بعض الشركات والتجار .
ولا شك أن الإحساس بظلم وقع عليهم وعدم القناعة باستحقاقهم لتلك العقوبة التي تأتي على جريمة لم يقترفوها يعد أحد أسباب هذا السلوك، خاصة والبضائع التي سيخسرونها اشتروها قبل حدوث الجريمة، وأنهم لم يشتركوا في هذه الجريمة، ولا يرضون بها .
منطق العدالة يقول : ما دام أن الأمة توجهت جميعها إلى المقاطعة فمن الواجب أن يشارك جميع القادرين في تحمل تبعات هذه المواجهة ؛ فالمقاطعة قد لا تعدو عند كثير من ( الأفراد ) أكثر من ( تغيير الصنف )، ولكنها عند بعض التجار والعاملين تعني خسائر بالملايين أو إغلاق مصادر رزقهم لذنب لم يقترفوه هم، وهذا قد يكون أحد أسباب التحايل والالتفاف على المقاطعة ومحاولة إجهاضها من قِبَل بعض الشركات المحلية .
وإضافة إلى العدالة فإن مساهمة هذه الشركات والتجار في المقاطعة يعد أحد أسباب نجاحها ؛ لذا أقترح : مشاركة بعض المسلمين في تحمل تبعات من يتضررون من المقاطعة رغم عدم مشاركتهم في التعدي، مثل المشاركة في تحمل تكلفة البضائع المشتراة قبل المقاطعة ( مع تعهد التاجر أو المستورد نفسه بمقاطعته لهذه البضائع فيما بعد ما دامت المقاطعة سارية )، أو المساعدة في توظيف العاملين في المنشأة إذا كان سيترتب على المقاطعة تضرر منشأتهم أو إغلاقها أو فصلهم من عملهم .. ويمكن إنشاء صندوق لدعم المقاطعة يتم بحصيلته شراء هذه المنتجات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، أو فتح حسابات للجمعيات الخيرية نفسها لتشتري هي هذه البضائع وتتولى توزيعها بمعرفتها .. وذلك من العدل، إضافة إلى أنه سيقلل من معارضة بعض الشرائح للمقاطعة ويزيد من فاعليتها وواقعيتها .
كما أقترح إنشاء مشروع متجر وطني ( الإسلامي )، يقوم على تشجيع منتجات البلدان الإسلامية والاقتصار عليها، بحيث تكون نسبة المنتج المصنَّع في هذه البلاد لا تقل عن 50%، وألا تحمل هذه المنتجات علامة تجارية لمنشأة رأسمالها لغير المسلمين، وألا يوظف في جميع هياكله الوظيفية غير المسلمين، أي أن يتبنى مقاطعة جميع البلدان غير الإسلامية طوال العام، وهذه الفكرة تحتاج إلى دراسة اقتصادية لوضع معايير نجاح المشروع، وأظن أن فرص نجاحه ليست بالقليلة، كما أن ذلك لا يتعارض مع اتفاقية منظمة التجارة ؛ إذ إنها تشترط عدم منع منتج ما ( إذا طلب )، ولا تستطيع إجبار أحد على شراء منتج معين .
5 - أن تكون المقاطعة شاملة، بمشاركة جميع المسلمين في المقاطعة بترجمة الدعوات إلى ذلك ونشرها بين أوساط المسلمين غير الناطقين بالعربية في بلادهم، وأن تكون شاملة لجميع الأنشطة والجوانب الاقتصادية والإعلامية وغيرها، وأن تكون شاملة أيضاً للمقاطعة العكسية .
6 - العمل بأسلوب الحملات الإعلامية في الترويج للمقاطعة : أي أن تتزامن الدعوة إلى المقاطعة في جميع وسائل الدعاية والإعلام، كالجرائد والمجلات والإذاعة والتلفزيون حتى ولو في صورة إعلانات مدفوعة الأجر وخطب الجمعة والمحاضرات والدروس، والإنترنت ( بجميع إمكاناته ) .
هذا ما يحضرني، وهذا اجتهادي ؛ فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، أدعو الله أن يغفره لي .

---------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:24 AM
عولمة الغضب
ــــــــ

(.د. عبدالعزيز كامل)
ــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


منذ زمن ليس بالطويل، يلحظ من يراقب العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، أن هناك استدراجاً واستغضاباً واستفزازاً متعمداً للمسلمين، يتنامى ويتنوع بصورة مطردة، في شكل غزوات عسكرية، أو حملات ثقافية وإعلامية، أو محاصرات اقتصادية، وأخيراً ... تهجمات دينية . وأصبحنا لا نكاد نرى مكاناً في العالم الإسلامي غير مستهدف بجل أو كل تلك التحديات .
وتتجاوز حملة الاستغضاب والاستدراج لتخرج من النطاق الجغرافي للعالم الإسلامي لتنتقل إلى المسلمين المواطنين أو المستوطنين في أكثر بلدان العالم الغربي بغرض إشعار كل مسلم في العالم أنه تحت المواجهة، بشكل أو بآخر، إما أمنياً أو اقتصادياً أو حضارياً أو عسكرياً أو سياسياً أو ثقافياً .. !
من اللافت للنظر أيضاً أن من يستغضبون عموم المسلمين اليوم، ليسوا من أبناء طائفة واحدة من النصارى، حتى يقال إن بينهم وبين المسلمين ثأراً أو قضية، ولكن عداء أولئك يصدر من جميع طوائفهم، بروتستانتية كانت أو كاثوليكية أو أرثوذكسية، مع قدر غير قليل من التعاون الجلي والخفي مع اليهود ؛ فهؤلاء جميعاً مع اختلاف بعضهم مع بعض إلى حد أنهم يلعن بعضهم بعضاً، ويكفِّر بعضهم بعضاً ؛ إلا أنهم يجتمعون في هذا المسار، مسار التحدي والاستكبار على المسلمين .
فمن جرائم البروتستانت المتواترة والمتكاثرة من الأمريكيين و البريطانيين و الأستراليين و الدانماركيين و النرويجيين، إلى جحود الكاثوليك من الفرنسيين و الإيطاليين و الأسبان، إلى أحقاد الأرثوذكس من الروس و الصرب، إلى تعاون كل هؤلاء وتواطئهم مع حثالات اليهود في الشرق والغرب ؛ فالهجمة اليوم عامة، وهي مستأنفة تمثل امتداداً لهجمات استعمارية بروتستانتية وكاثوليكية وأرثوذكسية ويهودية طالت غالب أوطان المسلمين على مدى ما مضى من قرن ونصف . والآن تمتد لتشمل العالم الإسلامي دفعة واحدة لإغضابه دفعة واحدة، ودفعه إلى الارتباك والارتجال .. طمعاً ربما في إحداث ( فوضى خلاَّقة ) دولية . ! ... إنها عولمة من نوع جديد : عولمة للغضب .. تهدف إلى تدويل الغضب الإسلامي بعد إيقاظه !
لقد نجحت عولمة الغضب في صهر العالم الإسلامي كله في بوتقة غضبية واحدة، بعد تلك الجريمة النكراء الشنعاء التي تطاول فيها سفهاء الروم من سكان أوروبا على النبي الكريم المرسل إلينا وإليهم وإلى الناس أجمعين - صلى الله عليه وسلم - تسليماً كثيراً فلأول مرة في التاريخ المعاصر، تحدث على مستوى المسلمين ( انتفاضة عالمية ) تعم كل مكان في الأرض، لتشمل كل نَسَمَة مسلمة تشهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، ولأول مرة يجري التعامل مع ( العالم الإسلامي ) على أنه شيء واحد، في مقابل ( العالم الغربي )، فتصدر التصريحات وتلقى البيانات وتوجه الكلمات والوساطات إلى : ( العالم الإسلامي ) وليس إلى بلد معين أو منظمة معينة أو تجمع إقليمي معين ؛ فهل كان هذا مقصوداً .. ؟! هل أراد هؤلاء أن يكرسوا هذا التقابل المتناقض بين ( عالمين )، ليكون ذلك من الآن فصاعداً لغة التخاطب بين العالم الإسلامي والعالم الغربي ؟!
لقد عاش العرب والمسلمون في السنوات الأخيرة وهم يتصورون أن الصراع اختُصر مع أمريكا وحليفتها ( إسرائيل ) وأن الغرب ليس أمريكا فقط، فإذا هم اليوم ( يفاجَؤون ) بأن الغرب عالم واحد وموقف واحد، ويناصر بعضه بعضاً { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (الأنفال : 73) فهل نحن بصدد دخول عملي
في ( عولمة ) للصراع مع المسلمين، أو ما يطلقون عليه صراع الحضارات ؟!
وهل هو تدشين مبكر لملاحم عالمية جديدة لا يعلم مداها إلا الله .. ؟!
الذين بشروا بـ ( صراع الحضارات ) يعلمون أن هذا الصراع، هو تاريخ البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل ؛ حيث كان جزء كبير منه صراعاً بين الحق والباطل، ولهذا لم يكن صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان شراً كله، بل كان في أحيان كثيرة طريقاً وحيداً، يُكْرَه عليه المؤمنون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإفاضة البلاغ للعالمين، ودفع شر الأشرار وبأس الكفار بجهاد وجلاد الأخيار { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ } (البقرة : 251) .
والفساد اليوم يهدد الأرض كلها بحماقات الغرب المحادِّ لله ورسله ... فساد في الاعتقاد وفساد في الأخلاق وفساد في الإعلام وفساد في المجتمعات وفساد في الأسر وفساد في العلاقات وفساد في البيئة، ومع هذا يراد ( عولمة ) كل هذا الفساد بالقوة ؛ لأنه يمثل نموذج الحضارة الأخير الذي ينبغي إخضاع كل الحضارات له، ولو أدى ذلك إلى صدامها وصراعها .
أليس هذا ما تؤمن به وتدعو إليه وتسير فيه الصقور والنسور الحاكمة في أمريكا و بريطانيا و أستراليا و فرنسا و إيطاليا ... وأخيراً .. ( الدجاج المتوحش ) في كل من الدانمرك و النرويج و إسبانيا ... ؟! دعك من الشعوب، في التهائها وغفلاتها، فهي تُستَغَل وتُستغفَل من كبرائها وزعمائها، لتساق إلى أتون مواجهة، قد لا ترضى بها ولا توافقها عليها .
لقد تنامى التحذير من تفجير ( صدام الحضارات ) بعد الأحداث الأخيرة التي اندلعت في العالم بسبب الرسوم المسيئة، ونحن في حاجة إلى أن نعيد قراءة الأطروحة، أو النظرية المسماة بذلك الاسم، لنتدبر شأننا، وننظر إلى مواضع خطانا، ونحكم بعين البصيرة على هذه النظرية الخطيرة التي احتفى بها الغرب، أهي أسطر في كتاب فكري ... أو تخطيط لانقلاب كوني ؟
* صراع الحضارات : نظرية أم إستراتيجية ؟
صاحب هذه النظرية : ( صموئيل هنتنجتون ) أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأمريكية، وقد صاغ أطروحته لأول مرة في شكل مقالة نشرت في صيف عام 1993 م في دورية ( فوريجن أفيرز )، وكان ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة التي رأى الغرب بعدها أن عدوه الشيوعي ق توارى، ليبدأ البحث عن عدو جديد، ثم ألَّف هنتنجتون كتاباً في الموضوع ذاته بعنوان ( صدام الحضارات ... إعادة صنع النظام العالمي ) والعنوان نفسه يشي بأن الأمر ليس مجرد نظرية، بل هو إستراتيجية ( عملية ) . فقد تضمن أفكاراً هي أقرب إلى الخطط، وفرضيات يراد تحويلها إلى حتميات .
ولْنُعِد التأمل في أهم مرتكزات ومنطلقات ذلك الكتاب / النظرية / الإستراتيجية :
1 - الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل .
2 - القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية ينبغي أن تخدم مصالح الغرب، ولكنها تقدم في صورة إرادة المجتمع الدولي .
3 - المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلا بالإسلام ( الأصولي )، ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين .
4 - الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل .
5 - الصراعات العسكرية بين الحضارات الإسلامية والغربية استمرت عدة قرون وسوف تستمر وتزداد في المستقبل، وقد تكون أكثر قساوة .
6 - الازدياد السكاني للعالم الإسلامي سيسبب المشاكل لأوروبا بسبب الهجرات المتزايدة صوب الغرب .
7 - أطراف العالم الإسلامي هي مناطق صدام بين الإسلام وغيره من الأديان :
في الجنوب ( جنوب السودان نيجيريا الصومال إريتريا إثيوبيا ) في الشمال :
( البوسنة كوسوفا ألبانيا « مع الصرب » أرمينيا « مع أذربيجان » روسيا مع « أفغانستان » باكستان « مع الهند » الفلبين « مع الجنوب الإسلامي الفلبيني »، فحدود العالم الإسلامي حدود دامية .
8 - حروب المستقبل ستشهد تحالفاً وتضامناً بين حضارات ضد حضارات .
9 - الحضارة الغربية تعيش مرحلة القمة الآن، اقتصادياً وعسكرياً .
10 - الغرب سيسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية .
ثم يخلص الكاتب إلى توصيات، قال إن على الغرب أن يتبناها لمواجهة صراعات المستقبل . وقد قسم السياسات الموصى بها إلى قسمين :
سياسة على المدى الطويل، وسياسة على المدى القصير .
أما على المدى القصير، فقد قدم التوصيات التالية :
- على الغرب أن يسعى إلى تعاون أوثق داخل دول الحضارة الغربية، وخاصة بين دول أوروبا و أمريكا الشمالية .
- ضرورة السعي لدمج دول شرق أوروبا و أمريكا اللاتينية في المجتمع الغربي واستغلال التقارب الثقافي ( الديني ) في هذا .
- السعي للحفاظ على علاقات تعاونية أوثق بين كل من روسيا و اليابان .
- منع تطور الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية إلى صراعات كبيرة .
- العمل على الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية و الكونفوشية ( الصين و كوريا و فيتنام واليابان ) .
- عدم السعي إلى تخفيض القوة العسكرية الغربية، مع أهمية الاحتفاظ بقوة عسكرية في شرق و جنوب آسيا ( إندونيسيا باكستان أفغانستان الخليج ) .
- استغلال الخلافات بين الدول الإسلامية والكنفوشية و الهندوسية .
- دعم الجماعات المتعاطفة مع القيم والمصالح الغربية ( الليبراليين ) في دول الحضارات الأخرى .
- تقوية دور المؤسسات الدولية التي تعكس مصالح الغرب وقيمه وتمنحها الشرعية .
أما على المدى الطويل، فملخص مقترحات « هنتنجتون » هو : أن على الحضارة الغربية أن تحتفظ بقوتها العسكرية والاقتصادية، وتعمل في الوقت نفسه على مقاومة محاولات الحضارات الأخرى في السعي للحصول على أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية، مع أهمية أن تفهم دول الحضارة الغربية المنطلقات الدينية والفلسفية التي تدفع الحضارات نحو مصالحها .
عندما نعيد قراءة أحداث الأعوام القليلة الماضية، وخاصة منذ بدأت الألفية الثالثة، نكاد نرى مجموع أفكار صراع الحضارات في خلفية الأحداث جميعاً، وخاصة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي أو ما اصطلحت أمريكا على تسميته مؤخراً بـ « الشرق الأوسط الكبير »، حيث اندلعت حروب عسكرية، ودشنت حملات أمنية وإعلامية، وهجمات ثقافية على خلفيات حضارية أو دينية صريحة مثل : اجتياح أفغانستان وما تبعه من دعم لعصابة الإفساد الحاكمة هناك، والتواطؤ في الجرائم اللاإنسانية التي ارتكبت في سجن يانجي، وبعده في معتقل جوانتنامو، ثم ما حدث في العراق ولا يزال يحدث بعد الغزو الذي استند الى كذب صريح على العالم كله، أدخل العراق بعده في دوامة الفوضى الشاملة، وكذلك ما تسرب من أنباء عن مقتل ما لا يقل عن 120 ألفاً من المدنيين أثناء غزو العراق، وقبلهم 20 ألفاً من القتلى المدنيين في غزو أفغانستان، وقبلهم قتل ما يزيد عن مليون طفل عراقي أثناء الحصار، ولا ننسى قضية الشيشان التي قايضوا عليها روسيا، و بلاد البلقان المسلمة التي طردوا منها الصرب ليحتلها ( ناتو ) الغرب، و السودان المستهدف بالتقسيم المصلحي بين الفرقاء الغربيين، و فلسطين التي يستكثرون عليها بعدما يقرب من ستة عقود من الاحتلال، مجرد سلطة ( حكم ذاتي ) نظيف ونزيه اختاره الشعب، لا لشيء إلا لأنه يحمل قضية ( الإسلام ) في برنامجه الانتخاب ( الديمقراطي ) .
وكانت أحداث أزمة ( الرسوم المسيئة ) للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم ما تلاها وواكبها من نشر صور ولقطات إذلال وامتهان كرامة الإنسان على يد الأمريكيين والبريطانيين في السجون والثكنات العسكرية في العراق، آخر حلقات ذلك المسلسل الهجومي الصِدامي المتواصل .
* ليست مصادفات :
لا يمكن لعاقل أن يفسر ذلك التسلسل العدائي بالمصادفات أو محض الاتفاق، ولا يمكن كذلك أن يتفهم ذلك الإجماع المتواطئ مؤخراً من أكثر دول الغرب على العناد والاستفزاز بإعادة نشر الرسوم المسيئة، والإصرار على عدم الاعتذار بصورة واضحة، إيغالاً في التحدي الجماعي لمجموع شعوب العالم الإسلامي ؛ حتى إن مسؤولي الاتحاد الأوروبي، عدُّوا مقاطعة الدانمرك اقتصادياً، مقاطعة لدول الاتحاد الأوروبي كلها . وتوحيد أوروبا لموقفها يجيء لتعجيز أو تشتيت الموقف الإسلامي الموحد، بتكثير عدد الدول التي سيتعين على المسلمين مقاطعتها اقتصادياً بسبب اتخاذ موقف الدانمرك نفسه أو الوقوف معها .
يساورني شك يكاد يقترب من اليقين، بأن تحريك فتنة الأزمة الأخيرة، إنما تلعب فيه أصابع ماهرة في خبثها، وبعيدة في مراميها، ولا أستبعد منها اليهود وإن كنت لا أُغفل غلاة النصارى من ذوي الاتجاه اليميني الديني الإنجيلي، ومنم الحزب الحاكم في الدانمارك، بمعنى أن الأحداث ليست مجرد تفاعلات وتداعيات ؛ فالفريقان اللذان يكادان يتطابقان في أهدافهما ووسائلهما وعقائدهما، يتركان كل حين آثاراً تشير إلى تعمد التصعيد .
وعلى وجه الخصوص فإن بصمات اليهود قتلة الأنبياء في الحملة على سيد الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه - لا تكاد تخطئها العين، وهناك قرائن واضحة تدل على أن ظل اليهود ليس بعيداً عن أجواء تلك الأزمة ؛ فالصحيفة الدانماركية التي تولت كبر هذه الفتنة ونفخت في كيرها وهي صحيفة ( يولاند بوسطن ) يتوسط عنوانها الرسمي نجمة داوود اليهودية بلون أصفر يميزها عن الحروف الإنجليزية في الكلمتين المكتوبتين باللون الأسود، مع شيء من التحوير في تلك النجمة، وإذا صح أن رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية وكذا رئيس تحرير الصحيفة النرويجية اللتين نشرتا الرسوم الشائنة، هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي الذي يدير شؤون الفتن في العالم، يكون الكثير من ملامح ومعالم الصورة قد بدأ يتضح . ويتضح أكثر إذا عُلم أنهما من الناشطين مع مركز ( سايمون فيزنتال ) اليهودي في أمريكا، والمختص بوضع الاستراتيجيات الدولية لخدمة أهداف اليهود والدفاع عنها . إن أول من بدأ جرائم الاعتداء العلني على شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنوات الأخيرة هم اليهود، حيث أقدمت امرأة يهودية إسرائيلية على نشر رسوم لها، رسمت فيها قاتَلها اللهُ ولعنَها صورةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة خنزير، وكتبت على جسده باللغة العربية اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسمحت بعض الصحف بنشرها، لتنشر بعد ذلك في بعض صحف العالم، وقد ثارت وقتها ضجة من الاحتجاج الاسلامي في أنحاء متفرقة من العالم، وكعادته انبرى بعض الغربيين يؤيدون والبعض الآخر يفلسفون، وآخرون يعتذرون، ليسكِّنوا الحمية ويميِّعوا القضية، وكان على رأس هؤلاء وقتها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، لكن بلاد كلينتون نفسها الولايات المتحدة تسلمت من اليهود راية التحدي لمقدسات المسلمين بعد ذلك، عندما أقدم جنودها مرات متعددة على دعس المصحف الشريف وتمزيقه بل ... التبول عليه ( قاتلهم الله ولعنهم ) . ثم جاء حمار بشري في شكل وزير إيطالي هو ( ربرتو كالديرولي ) وزير ( الإصلاح ) في إيطاليا ليرتدي قميصاً عليه الرسوم المسيئة متحدياً جميع المسلمين في العالم، وقبل ذلك كان أحد مهاويس أمريكا وهو الصحفي ( ريتش لوري ) قد طالب بضرب مكة بقنبلة نووية ! وذلك في مقال نشرته له مجلة ( ناشيونال ريفيو )، وقد كرر الدعوة نفسها السيناتور الأمريكي ( توم تانكريدو ) !! وكأن القوم يتناوبون على امتهان مقدساتنا ودوس كرامتنا .
وفي تناغم أخير مع السلوك الشائن في أمريكا وأوروبا، أقدم مجند يهودي إسرائيلي بعد جريمة الدانمارك على كتابة شتائم نابية على جدران أحد المساجد في إحدى مدن فلسطين في 15 فبراير 2006، يسب فيها رسول - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ وقحة ؛ فلما ثار المواطنون المسلمون وتظاهر بعضهم احتجاجاً ؛ تدخلت الشرطة الإسرائيلية، فأطلقت عليهم النيران الحية ! ثم تكررت الفعلة الشنعاء بعد ذلك بثلاثة أيام من جندي آخر في مسجد آخر !! إن هذه الشرارات الصغيرة الحقيرة، هي التي تنشئ النيران الكبيرة الخطيرة، وهذا هو ما يراهن عليه مشعلو الفتن وسماسرة الحروب ؛ فقد يصدر تصريح، أو يبدر تصرف أو ينشر مقال أو رسم أو مشهد مسيء، فإذا هو يضيء سماء العالم الاسلامي بوهج الغضب وشهب التثوير، وهم يعلمون أننا لسنا بحمير حتى نستغضَب فلا نغضب أو نستثار فلا نثور .
إن هؤلاء الساعين الى إيقاد نار الحروب يريدونها محرقة عالمية، ولولا أن الله - تعالى - يطفئ من نارهم ما يشاء، لقلنا : على الأرض العفاء، منذ زمن طويل { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ } (المائدة : 64)، إننا لا نستند في ترجيح تعمد الاستغضاب الصهيوني يهودياً كان أو نصرانياً إلى ظن أو تخمين، بل نستند الى يقين نطق به القرآن المبين، في قول الله - تعالى - عن عداوتهم وجراءتهم على النبي – صلى الله عليه وسلم - وعلى الدين الذي جاء به، كفراً وحسداً، لا جهلاً وغفلة : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياًّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ } (النساء : 46)، وهم لن يطعنوا في ديننا فقط ؛ بل سيقاتلوننا عليه في حروب دينية صريحة، كما حدث كثيراً في التاريخ { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا } (البقرة : 217) .
ولليهود و المشركين الدور الأساس في ذلك : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } (المائدة : 82) ؛ فهم العدو الأول للمسلمين في الزمان كله والمكان كله، منذ مبعث النبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - . ولا نستطيع هنا أن نتجاهل أن الحزب الحاكم في مملكة الدانمارك هو حزب يميني ديني بروتستانتي متشدد، والصحيفة التي أشعلت الفتنة هي صحيفة صادرة عنه .
وهذه الحملة المشتركة بقيادة المغضوب عليهم للضالين قد تجر العالم كما جروه من قبل إلى صدامات دولية، تكون ساحتها على أرض المسلمين، وبأموال المسلمين، وأرواح المسلمين .
* الأحقاد الدينية ... على درب المحرقة الكبرى :
لا تزال البشرية في البدايات المبكرة للألفية الثالثة، التي يعتقد المتشددون الإنجيليون وغلاة البروتستانت تبعاً لعقائد يهودية أنها لا بد أن تشهد بداية النهاية لأيام ( العامة ) أو الكفار أو الكُفريم أو ( الجويم ) بتعبير التوراة المحرفة التي يقرؤونها ويتعبدون بها، حيث ستأتي بعد أيام ( العامة ) تلك، أيام ( الخاصة ) التي تخص الشعوب المختارة وحدها من الأنجلوساكسون وحلفائهم من اليهود، لضمان سيادتهم على العالم لألف سنة قادمة ؛ وهذا هو جوهر ( العقيدة الألفية )، التي ترجمت في السنوات الأخيرة إلى برامج عملية، وإستراتيجية عالمية للولايات المتحدة، أطلقوا عليها مشروع ( القرن الأمريكي ) أو ( إمبراطورية القرن الحادي والعشرين ) . ليبدأ هذا القرن أمريكياً يهودياً غربياً، تمهيداً لـ ( الأيام الأخيرة ) أو بالتعبير العبري التوراتي ( أحريت أياميم ) والذي ستعقبه مرحلة ( يوم هدين ) بالعبرانية أو ( يوم الدين ) بالعربية . ولا بد قبل أن يأتي ( يوم هدِّين ) أو يوم القيامة الكبرى من التمهيد للألف السعيد بإقامة قيامة صغرى، تكون سبباً في هلاك غالبية سكان الأرض، أو بالتحديد : ( ثلثا سكان العالم ) [1] من غيرهم . والأسباب التي ستؤدي لإقامة هذه القيامة الصغرى عندهم لا تُنتظر، بل تُدبر وتصنع !!
هل نفتري عليهم .... ؟! هل نبالغ في تقدير خطورة أحلامهم التدميرية الإرهابية العالمية .. ؟! لا ... وسأذكر بعض الأدلة من كتبهم ( المقدسة ) بنصوصها وتأويلاتها التي تصنع وجداناً عدائياً لسائر البشر، وخاصة أكرر : ( وخاصة ) : العرب والمسلمين والكنفوش ( الصينيون و الكوريون و الفيتناميون و اليابانيون ) [2] الذين تجمعهم عند هؤلاء تسمية التوراة : ( يأجوج ومأجوج ) حيث سيتكتل هؤلاء في الأيام الأخيرة كما يعتقدون في ( محور الشر ) الذي ينطلق من الشرق لينازل محور الخير أو العالم الغربي، في وسط العالم أو ( الشرق الأوسط ) وبالتحديد في ( فلسطين ) التي أرادوا محو اسمها لتصبح فقط ( إسرائيل ) كما سمتها التوراة المحرفة .
- تقول التوراة التي يدين بها أكثر من ملياري نصراني، ونحو ( 16 ) مليون يهودي في عالم اليوم :
- ( في الأيام الأخيرة، عندما تتجمع إسرائيل من الأمم، سوف تتسبب في أمرٍ ما، هذا ما سوف يحدث، إنني سوف أضع صنارة في أفواه القوى المؤتلفة ) .
- وجاء فيها أيضاً : ( بعد أيام كثيرة، تُفتقد في السنين الأخيرة، تأتي إلى الأرض المستردة من السيف، المجموعة من جبال إسرائيل التي كانت خربة للذين أخرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم، وتصعد وتأتي كزوبعة، وتكون كسحابة تغشى الأرض أنت وكل جيوشك، وشعوب كثيرون معك ) .
- وجاء فيها : ( ويكون في ذلك اليوم، يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل ... يقول السيد الرب : يكون سيف كل واحد على أخيه، وأعقبه بالوباء وبالدم، وأمطر عليه وعلى جيشه وعلى الشعوب الكثيرة الذين معه مطراً جارفاً وحجارة برد عظيم وناراً وكبريتاً ) [3] .
- أما التلمود الذي يمثل شروح التوراة، والذي يعد عند التوراتيين أقدس من التوراة نفسها فيقول : ( قبل أن يحكم اليهود نهائياً، لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم، ويبقون سبع سنين، يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر ) [4] .
- وجاء في بروتوكولات حكماء صهيون : ( إن القتال المتأخر بيننا سيكون ذا طبيعة مقهورة، لم ير العالم لها مثيلاً من قبل، والوقت متأخر بالنسبة لعباقرتهم ) [5] .
- أما الإنجيل الذي يدين به نصارى العالم بكل طوائفهم، فإنه يزيد في تحديد المعلومات عن هذا الصدام الأخير، فيشير إلى موقع المعركة الكبرى، أو المحرقة الكبرى ويشير الى اسمها ووصفها ؛ فقد جاء فيه كما يقولون على لسان عيسى - عليه السلام - وهو يصف مجيئه المفاجئ في آخر الزمان تمهيداً للألف السعيد : ( ها أنا آتي كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلاَّ يمشي عرياناً فيروا عريته، يجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدُّون ) [6] .
لن أطيل في تفصيل هذه المعتقدات الأشبه بالخرافات ؛ فقد فصلت فيها في بعض كتبي، وبينت أنها وإن كانت أشبه بالأساطير، إلا أنها أساطير مدججة بالجيوش والأساطيل، تقف وراءها أحلاف عظمى، تملك القوة ولا تملك الحكمة، ولها ترسانات ضخمة من كل أسلحة الدمار التقليدي وغير التقليدي . وهذه الأساطير ينظر لتفعيلها العديد من المفكرين والاستراتيجيين الذين يغلِّفون أفكارهم الخرافية بأغلفة أكاديمية، تتحدث عن احتمالات وسيناريوهات الحرب العالمية الثالثة، التي أثبتت الحربان العالميتان قبلها، زيادة احتمال وقوعها .
لا أريد أيضاً أن يُفهَم من كلامي أني أجزم أن أحداث فتنة ( الرسوم المسيئة ) بالذات، والتي أرجح تدبير وتنسيق المواقف فيها ؛ قد جاءت كلها على خلفية تلك المعتقدات، لكني أؤكد، أن ما حدث وما يمكن أن يحدث هو مقدمة شحن لعواطف الدين والعقيدة عند الشعوب المستهدفة بصدام الحضارات أو الثقافات، وهذه الأحداث فرصة سانحة، لن يفوِّتها الحاقدون على البشر، المعظمون لأنفسهم والمقدسون لذواتهم دون بقية الخلق : { وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ } (المائدة : 18)، هؤلاء البشر ممن خلق الله، ينحدرون مع الأيام، استجابة للشيطان، حتى يصبحوا جزءا أصيلاً من رعيته، المكونة من أتباعه وذريته، وصدق الله : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ } (الأعراف : 179) .
وهذه الأنعام التي تطاولت على خير الأنام محمد - صلوات الله عليه وسلامه - تستكثر كبراً وعتواً، أن يمس أحد « مقدساتهم » وثوابتهم، وعلى رأسها« حرية التعبير » التي تستلزم عندهم « حرية التعيير »، وتتضمن حرية التغيير بالقوة وغير القوة لثوابت ومقدسات الغير !
أما ثوابتهم هم، ومقدساتهم هم، ومسلَّماتهم هم ؛ فالويل، ثم الويل لمن يتعداها أو يعاديها، وأبرز مثال على ذلك ما يسمونه : ( معاداة السامية ) [7] ...
وما ينتج عنها مما يصفونه بـ ( المحرقة الكبرى ) أو ( الهولوكست )، التي تتكسر عندها كل أدوات التعبير، ولا تقبل عند المساس بها التأسفات أو المعاذير !
* من يجرؤ على الكلام ؟
بهذا العنوان، صدر كتاب عام 1985 لمؤلفه السيناتور الأمريكي السابق ( بول فندلي ) ذكر فيه أن هناك إرهاباً يمارس على حرية النقد والتعبير، يمارسه اليهود وأشياعهم داخل الأروقة السياسية في أمريكا، يقدح في كل دعاوى الحرية والديمقراطية في الغرب ؛ فهي حرية ذات حدود مرسومة، وسقوف معلومة، يحرم تخطِّيها، ويجرَّم من يقع فيها .
فدعاوى الغربيين اليوم أن حرية التعبير والرأي عندهم لا حدود لها، يدحضها سلوكهم عند أي تصرف أو سلوك أو تفكير أو تعبير يتعرض بالعداء لـ ( السامية ) !
ومن أبرز التجليات المجسدة لقضية ( معاداة السامية )، قضية المحرقة اليهودية، أو ( الهولوكست ) . والهولوكست، كلمة يونانية، تعني ( القربان الكامل ) إشارة إلى القرابين التي كانت تُقَدَّم تعبُّداً، كي تُحرق في المعابد بشكل كامل، حيث لا ينال أحد من البشر منها شيئاً . وقد أشاع اليهود هذا التعبير كمصطلح يرمز إلى ما حدث لهم على يد الزعيم الألماني ( أدولف هتلر )، حيث صوَّروا ما فعله ضدهم من انتقام وحرق في السجون أنه أكبر محرقة في التاريخ .
لقد مارس اليهود كمّاً كبيراً من التهويل والتزييف لحقائق تلك المحرقة، بغرض تضخيم أموال التعويضات التي طلبوها - ولا يزالون - عوضاً عما لحق بهم من ( أعداء السامية ) . وفلسفة ( الهولوكست ) أو المحرقة اليهودية، كانت تنطوي على إبراز حقيقة مفادها أن ( المسيحيين ) يكرهون اليهود، وعليهم أن يثبتوا عكس ذلك، ولن يثبت عكس ذلك إلا بدفع التعويضات والتجاوز عن مساءلة اليهود وفق أي قوانين أو معايير دولية أو محلية في أي بلد يسكنونها ؛ لأنه ( يكفيهم ) ما كابدوه من تعنت هتلر معهم، حيث لم يدفعه إلى ذلك إلا ( معاداة السامية ) !
إنهم يقولون : إن العالم كله يكرههم ويريد قتلهم، ولهذا فيجب ألا تكون الأمم المتحدة عوناً مع العالم عليهم . وتماشياً مع هذا الابتزاز اليهودي فإن الصحافة في العالم الغربي، تصور دولة اليهود دائماً على أنها محاصرة ومضطهدة من طوفان عدائي محيط بها، يريد إدخالها في محرقة أخرى [8] .
وبالرغم من حداثة حادثة المحرقة اليهودية نسبياً في التاريخ ؛ فقد استطاع اليهود أن يحرِّفوا و يزيِّفوا تفاصيلها، ثم يجعلوا هذا التزييف والتحريف أمراً ثابتاً بل مقدساً، لا ينبغي لأحد أن يشكك فيه أو حتى يناقشه وإلا كان معادياً للسامية، ومن ثم معرضاً نفسه للعقوبات القانونية . لقد عبثوا بالأرقام الدالة على عدد الذين أحرقهم هتلر ؛ فالمحققون الأكاديميون والمحايدون أثبتوا وفقاً لمصادر اليهود أنفسهم أنه كان في أوروبا كلها في الفترة التي حدثت فيها المحرقة، ثلاثة ملايين وعشرة آلاف وسبعمائة واثنان وعشرون يهودياً فقط ( 3.010.722 ) بمن فيهم يهود ألمانيا، فكيف يتم حرق ستة ملايين يهودي على يد هتلر داخل حدود ألمانيا .. ؟!
واليهود يغالطون، فيتحدثون عن ( ضحايا ) المحرقة، فيدخلون فيها كل يهودي « تأذى » من تلك المحرقة، ولو كان ذلك بدموع ذرفها، أو دولارات خسرها، فيوصلونهم إلى ستة ملايين !! ويردد العالم « الحر » بغبائه ذلك الدجل، لا بل يحاسب بقية العالم بمقتضاه !! وقد أشاع اليهود أيضاً أن سكان فلسطين من الإسرائيليين، أكثرهم من الناجين من المحرقة ! فهم على هذا يستحقون هم وأولادهم وأحفادهم من العالم كله والعالم الغربي على وجه الخصوص، ألاَّ يقطع عنهم المعونات والتعويضات، وألاَّ يتردد في معاقبة من يعاديهم بشتى أنواع العقوبات .
لقد قتل هتلر من الغجر و الشيوعيين أكثر مما قتل من اليهود، بل تسبب في الحرب العالمية الثانية التي قُتل فيها نحو خمسين مليوناً من البشر، منهم 17 مليون سوفييتي، وتسعة ملايين ألماني، وعشرات الملايين من السلافيين والغجر و البولنديين ومختلف دول آسيا و أفريقيا، ولم يتحدث أحد عن هذه المحرقة الحقيقية التي لم يكن ظل اليهود بعيداً عنها .
* معاداة السامية، وشجاعة الجبناء :
صدرت في العديد من الدول الأوروبية قوانين تحرم وتجرم كل من يشكك في الرواية اليهودية عن ( الهولوكست ) بل كل من يحاول كشف الحقيقة عنها، ( من هذه الدول فرنسا الحرة ) التي لاحقت بموجب هذا القانون المفكر الفرنسي ( روجيه جارودي ) الذي أعلن إسلامه عام 1981م ؛ فقد اتُّهم بمعاداة السامية بسبب تشكيكه في المحرقة، وإثباته أن عدد الضحايا اليهود في المحرقة، يبلغ 900 ألف إلى مليون ومئتي ألف، وليسوا ستة ملايين كما يدعي اليهود، لقد حوكم جارودي وحكم عليه بالسجن، وصودر كتابه الذي تجرأ فيه على الكلام وهو كتاب : ( الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل ) !
- وحوكم كاتب سويدي آخر، وهو ( رينيه لويس ) بمقتضى القانون السويدي الذي يحرم معاداة السامية ؛ لأنه شكك في قصة المحرقة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 17 عاماً، ولا يزال في سجنه حتى اليوم .
- واعتقل الكاتب البلجيكي ( سيغفريد فيريبكيه ) في أحد مطارات هولندا، بسبب تشكيكه في المذكرات التي تُدَرَّس في الكثير من مدارس الدول الأوروبية عن المحرقة .
- وفي عام 2000 م، صدر كتاب في الولايات المتحدة الأمريكية للكاتب الأمريكي ( فينكلشتاين ) اسماه ( صناعة الهولوكست )، فضح فيه الممارسات اليهودية التي تتاجر بما وصفه ( الآلام الإنسانية ) لإشباع أغراض مادية، فثارت ضجة بسبب الكتاب، حتى إنه كان الموضوع الأول الذي وضع للنقاش في احتفالات أوروبا ( السنوية ) بـ ( عيد المحرقة ) !
- وحوكم الكاتب الألماني ( أرنست ذوندل ) في 15 نوفمبر 2005، بتهمة التشكيك في المحرقة، وطرد من كندا بسبب نفيه وقوع ما يسمى بـ ( أفران الغاز ) .
- وفي 16 نوفمبر 2005، تم ترحيل عالم الكيمياء الألماني ( جيرمان رودلف ) من أمريكا إلى ألمانيا ؛ لأنه أعد بحثاً كيميائياً أثبت فيه أن صنف الغاز الذي تحدث اليهود أن هتلر استخدمه ضدهم في أفران الغاز الحارقة، غير موجود أصلاً بالخواص التي ذكرها اليهود، وقد حكم على هذا الباحث بالسجن لمدة عام وشهرين، عقاباً له، لا على حرية الرأي فحسب، بل على حرية التفكير والبحث !
- واعتقل المؤرخ البريطاني ( ديفيد ارفنج ) في النمسا، وهو في طريقه لإلقاء محاضرة في إحدى جامعاتها، بتهمة أنه سبق أن ألقى محاضرة هناك عام 1989م، شكك فيها في المحرقة، وكان قد ألف كتاباً بعنوان ( حروب هتلر ) في الموضوع نفسه، وقد بدأت محاكمته مؤخراً في 20/2/2006، وهو في العام السابع والستين من عمره، مما جعله يتراجع عن آرائه في محاولة منه لتفادي هذا الحكم، وحكم عليه رغم ذلك بالسجن ثلاث سنوات !
في مقابل ذلك، كانت السويد قد دعت الكاتب الهندي المرتد ( سلمان رشدي ) صاحب كتاب ( آيات شيطانية ) لزيارة عاصمتها، وعندما جاء احتفت به كل وسائل الإعلام، وأتاحت له كامل الحرية في مخاطبة الشعب السويدي النصراني عن آرائه في الدين الإسلامي، بينما حجبت تلك ( الحرية ) نفسها عن ضيف آخر في التوقيت نفسه، وهو الكاتب الفرنسي المعروف بالعداء للصهيونيين ( فوريسون ) ومنعته من المحاضرة، بل سمحت من باب حرية التعبير بالتظاهر ضده !!
الذين تحدثوا عن جرم التشكيك في حرق اليهود ؛ لم يتحدثوا عن مئات الملايين التي أبادها الأمريكيون حلفاء اليهود وأشباههم فقد أبادوا نحو ستين مليوناً من الهنود الحمر في الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وأبادوا في عملية إحلال العبيد من الأفارقة مكانهم، أكثر من مائة مليون أفريقي، قضوا في عمليات الحشر الوحشي في سفن الشحن التجارية، ومع هذا لم يتحدث أحد عن هذا ( الهولوكست ) الأمريكي، بل تحدثوا عن أمريكا « محررة » العبيد !! ويتحدثون اليوم عن ( حرية التعبير ) التي يُستثنى منها التعرض لليهود، ويريدون وهذا هو الأدهى ( عولمة ) القوانين القاضية بتجريم التشكيك في المحرقة، فعلى عادة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة في محاسبة ومعاقبة كل من يخالف سياساتها ويتعرض لمصالحها ومصالح ربيبتها وحبيبتها ( إسرائيل ) بإصدار القوانين في ذلك، وعلى غرار ( قانون محاسبة سورية ) و ( قانون محاسبة السودان ) و ( قانون محاسبة إيران ) وأخيراُ ( قانون محاسبة مصر ) ! ... صدر في أكتوبر عام 2002 قانون في الولايات لمحاسبة ومعاقبة كل من يعادي اليهود، ويحمل القانون اسم ( قانون محاسبة أعداء السامية ) .
ولم يتوقف الأمر على تصدُّر أمريكا لحماية ( جناب ) إسرائيل من التعدي أو التحدي، ولو بفكرة أو تصريح أو كتاب أو مقال على مستوى العالم، حتى دفعت الأمم المتحدة ... ( ممثلة العالم ) في طريق إصدار قانون مماثل، ففي أول نوفمبر من عام 2005، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً ينص على رفض الأمم المتحدة لأي إنكار لحقيقة المحرقة كحدث تاريخي، سواء بشكل كلي أو جزئي، واعتبر القرار مثل هذا التصرف أمراً ممنوعاً ويعرض صاحبه للمساءلة، ودعا القرار إلى ضرورة ( تثقيف ) شعوب العالم عن المحرقة، واختار يوم 27 يناير من كل عام ليكون يوماً عالمياً لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة !!
وفي السياق نفسه، أقامت الحكومة الإسرائيلية في 19 مارس 2005، معرضاً في تل أبيب عن المحرقة، ودعت إليه آلافاً من الشخصيات، من رموز الفكر والسياسة والفن، وقد لبوا الدعوة، وكان على رأسهم ( الأمين ) العام للأمم المتحدة : كوفي أنان، الذي عبر عن تضامن العالم الذي يمثله، مع اليهود !
* وماذا بعد ... ؟
إن ( عولمة الغضب ) تسير في اتجاهات متعددة وليس في الاتجاه الإسلامي فقط ؛ فإصرار الخبثاء من فجار الكفار على المزيد من استغضاب المسلمين كل حين، يبدو أنه يلعب على أوتار الأفعال المحسوبة، بانتظار ردات الفعل غير المحسوبة، ليبدو المسلمون في النهاية هم المجرمون، وهم الإرهابيون، وهم الفوضويون، وتثور في المقابل موجات غضب مضادة في الغرب، تنعكس مزيداً من التضييق على المسلمين، ومحاربة لهم في أمنهم واستقرارهم ومقدساتهم ومقدراتهم، يمكن استغلالها - وهذا هو الأخطر - في تدبير ( فوضى خلاَّقة ) على مستوى العالم، لا يوجد من المسلمين من هو مستعد لمواجهتها وإحباط كيدها .
لكننا لا نريد أن يظل أعداؤنا وأعداء الإنسانية أشباحاً وهمية ؛ فالجرم موجود، والفاعلون معروفون، والشركاء مستعلنون، وإذا كان البرلمان الأوروبي قد أعلن في 15/2/2006 تضامنه مع الدانمارك واعتبر أن استمرار مقاطعتها، هو مقاطعة للاتحاد الأوروبي كله، إرهاباً وإرعاباً للمسلمين وكسراً للحصار الاقتصادي ضد من أجرموا في حقهم ؛ فعلى المسلمين أن يقولوا كلمتهم بلسان إسلامي واحد، ويقولوا إن الاعتداء على مقام نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو اعتداء على كل مسلم في أعز شيء عنده، ومن ثم، فإن كل مسلم من حقه، بل من واجبه رد الاعتداء، في حدود المشروع والمقدور ؛ لأن من أَمِن العقوبة أساء الأدب، وأي إساءة للأدب أسوأ من التطاول على سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ؟
والمقاطعة الاقتصادية هي أحد الحقوق أو الواجبات في نصرة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -، وهي يجب أن تؤدي دورها كاملاً، كما أدت الإساءة كما أراد أصحابها دورها كاملاً .
لكن المقاطعة وحدها لا ينبغي أن تكون آخر المطاف في ظل إصرار المعتدين لى إفشالها وإرباكها، وقد أفاض العلماء والدعاة والمفكرون في تعديد الأشكال والأنواع التي تندرج تحت صنف مواجهة التحدي، لكن تحدياً آخر لم يتطرق إليه أحد فيما أعلم، وهو من سينظم هذه المواجهة، سواء كانت مقاطعة اقتصادية أو غيرها مما تفرضه تداعيات الأزمة أو ما يمكن أن يأتي بعدها ؟ من سيضع ضوابطها، ويحدد أوقاتها، ويتابع فعالياتها ؟ في ضوء الفرقة والشتات الذي تعانيه الأمة على مستوى نخبها قبل شعوبها ؟!
إن هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه النخب العلمية والدعوية والفكرية والسياسية في الأمة، وإذا كانت تلك النخب غير قادرة اليوم على أن توحد صفوفها ولا أقول رأيها لتقود الشعوب في وجه مثل هذه التحديات الجديدة الكبرى، فلتترك الجماهير المسلمة تعبر عن مكنون الخير في الأمة في مواجهة التحدي ؛ ولتدع لها ( حرية التعبير ) لكن بالضوابط والشروط بحيث لا تخرج عن الشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثبتت تجارب السنوات القليلة الماضية أن ( الفطرة ) التي تحرك تلك الجماهير، هي أذكى وأجدى من كثير من التنظير الناشئ عن حسابات حزبية أو آنية أو أمنية ؛ فـ ( عولمة الغضب ) لا نتوقع لها نهاية قريبة ... حتى لو انتهت أزمة الرسوم المسيئة .


________________________
(1) قد يزيدهم في الفتنة أن نصارى العالم يمثلون ثلث سكان الأرض , بينما تمثل بقية الامم أو الحضارات الثلثين الأخرين ! .
(2) تأمل السلوك العدائي للولايات المتحدة على وجه الخصوص تجاه كل من (اليابان) التي ضربتها بالقنابل النووية (و فيتنام) التي خاضت ضدها الحرب التدميرية المجنونة المشهورة , و (كوريا الشمالية) التي جعلتها الضلع الثالث في محور الشر , و (الصين) التي يعدها الامريكيون عدو المستقبل الأكبر أو (التنين النائم) كما يقولون , و هي كلها شعوب (كنفوشية) يدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التحالف معها , و الارتماء في أحضانها : اليوم اقتصادياً -- و غداً عسكرياً .
(3) تراجع هذه النصوص في سفر حزقيال , الإصحاح الثامن و الثلاثون .
(4) انظر : التلمود و تعاليمه : ظفر الدين خان .
(5) بروتوكلات حكماء صهيون , ترجمة خليفة التونسي , البروتوكول الخامس ص 123 .
(6) سفر الرؤيا (الإنجيل) 16 / 15 .
(7) ظهر هذا المصطلح عام 1873 م , في كتاب للصحفي الألماني (وليم هار) و كان الكتاب يتناول العداء بين السلالات البشرية المنحدرة من نسل نوح الثلاثة (سام , و حام , و يافث) و رصد الظاهرة التاريخية الممثلة في كثرة العداء و الحروب ضد المنحدرين من نسل سام , و هم سكان الشرق الأدنى : (البابليون و الآشوريين و العبرانيون و العرب و الفلسطينيون) لكن اليهود احتكروا تسمية (الساميين) لأنفسهم , ربما لأن بقية سلالة سام و غيره من أبناء نوح , ليسوا من البشر أصلاً , بل خلقوا على هيئة بشر لئلا يستوحش منهم اليهود .
(8) قال رئيس وزراء ماليزيا السابق (مهاتير محمد) إن 67 % من إجمالي يهود العالم ليسوا ساميين , و أنه لا يستحق وصف السامية بحق إلا العرب المنحدرون من أصول عربية , و بما أن اليهود يعادونهم , فاليهود هم حقاً (أعداء السامية) , و العرب ضحايا العداء للسامية !! .


---------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:28 AM
حرية التعبير في الغرب الحقيقة والوهم
ـــــــــــــــــــ

(.أ.د. أحمد محمد الدغشي)
ـــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


* أسطورة حق التعبير في الغرب :
--------------------

حقّاً إنها أسطورة مخجلة أن يظل بعض مثقفينا يردد بلا إدراك حصيف أن الغرب قِبلة الحُرّيات، ومهوى أفئدة المضطَهَدين على نحو من المبالغة المفرطة، والتقديس الفجّ . ولئن كان لذلك بعض البريق ذي الأساس المقدّر قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ؛ فإن الأمر اختلف بعد تلك الأحداث إلى حدّ كبير ؛ حيث كانت ذريعة حق الدفاع عن أمن الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبية ولا سيما مع تكرار حدوث أعمال مشابهة جزئياً في بعض تلك البلدان من وراء ذلك الانقلاب الكبير في الحقوق والحرّيات بمختلف تصنيفاتها . ومع أن العديد من النصوص والوقائع التي سنأتي على ذكرها توّاً تسبق أحداث سبتمبر، إلا أن القيود على حركة الحرّيات ازدادت أضعافاً مضاعفة بعد ذلك .
وإليك الآن الشواهد التالية :
- في أمريكا تم منع عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية التي قام بإعدادها الصحفي البريطاني البارز ( روبرت فيسك )، لأنها أثارت غضب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي هدّد شبكة التلفزيون بسحب الإعلانات ذات المردود المادي منها .
أما إذا سألت عن سرّ هذا الغضب فيأتيك الجواب أن مجموعة تلك الأفلام كانعنوانها ( جذور غضب المسلمين )، حيث اتهمت الصهيونية بأنها السبب الرئيسي وراء نقمة المسلمين على الغرب . ولاحظ أن ( فيسك ) حاصل على جائزة الصحافة البريطانية لعام 1995م كأحسن صحفي بريطاني قادر على عرض الأخبار السياسية الدولية وتحليلها .
ليس ذلك فحسب بل إن كاتباً بحجم ( نعوم تشومسكي ) الذي حصل كتابه ( الهيمنة أم البقاء : سعي أمريكا للسيطرة العالمية ) على مرتبة أكثر الكتب مبيعاً عام 2002م، وتصفه بعض الصحف الأمريكية كصحيفة ( نيويورك تايمز ) بأنه يمكن اعتباره أهم مفكّر في العالم اليوم، هذا الكاتب وبهذا المستوى قلّما تتجرأ شبكات التلفزة الأمريكية على استضافته، بسبب آرائه الشهيرة التي عادة ما تزعج القادة والساسة الأمريكيين و الصهيونيين على حد سواء . وقد حدث له في عام 1972م وبعد أن طبع أحد كتبه أن أوقف توزيع الكتاب وتم سحبه من السوق وإتلافه، بعد أن اطلع بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة المالكة على محتوى الكتاب، الذي لم يَرُقْ لهم .
وهل يتعارض مع حرية التعبير ما أقدم عليه رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق ( نيوت جنجرييتش ) من فصل مؤرخة تعمل بالمجلس حين علم أنها سبق أن قالت : « وجهة نظر النازيين بصرف النظر عن عدم شعبيتها لا تزال وجهة نظر، ولا تأخذ حقها في التعبير » .
وفي عام 1986م لم يستطع المؤلف ( جورج جيلبرت ) أن يجد ناشراً ليعيد طباعة كتابه ( الانتحار الجنسي ) على الرغم من أن كتب ( جيلبرت ) المنشورة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تصدرت قوائم المبيعات العالمية . والسبب في إعراض الناشرين هو الاحتجاج الصاخب الذي قامت به رائدات حركة تحرير المرأة ضدّه ؛ لأن « اختلافات الرجل عن المرأة لا ينبغي حتى أن تدرس » حسب تعبير إحداهن في مقابلة عرضت على شبكة ( A B C ) الأمريكية .
أما الممثلة البريطانية الشهيرة ( فانيسا ريد جريف ) فلم يسمح لها بأداء دورها في مسرحية كوميدية بريطانية أثناء عرضها في الولايات المتحدة بسبب تصريحاتها المعادية للتدخل الأمريكي ضدّ العراق في حرب الخليج .
الجدير ذكره أن أعمال ( جريف ) كثيراً ما تتعرض للمقاطعة أو الإلغاء من العرض في الولايات المتحدة بسبب آرائها المعادية للصهيونية وسياسات الدولة العبرية .
وإذا كانت ( جريف ) قد منعت من أداء دورها المسرحي فقط ؛ فقد منع من دخول الولايات المتحدة مفكّرون وعلماء ومشاهير، من أمثال : أحمد ديدات، و يوسف القرضاوي، و يوسف إسلام ؛ ناهيك عن آلاف غيرهم !
أما حرية الإعلام المباشر ونشر المعلومة فقد انكشف ذلك بلا أدنى ريب من خلال التعتيم الذي مارسته الإدارة الأمريكية على حظر نقل وقائع الحرب الأخيرة على أفغانستان والعراق، وقصف قناة ( الجزيرة ) في كابول، وقتل العديد من الصحفيين في العراق، وأبرزهم ( طارق أيّوب )، ثم إغلاق مكتب ( الجزيرة ) في بغداد، والأمر بسجن مذيعها الشهير ( تيسير علّوني ) في مدريد ومصوِّرها ( سامي الحاج ) في جوانتنامو . وأخيراً ما كشفته صحيفة ( ديلي ميرور ) البريطانية، وتأكيد رئيس تحريرها المشارك ( كيفين ماغواير ) من أن لدى صحيفته محاضر موثقة تكشف أن الرئيس الأمريكي ( جورج بوش ) أبلغ رئيس وزراء بريطانيا ( توني بلير ) خطة قصف قناة ( الجزيرة ) . وحين تزايدت المطالبة بكشف الحقيقة أُوعِز إلى النائب العام البريطاني بإصدار قرار يمنع الكشف عن الوثيقة أو نشرها .
ويستغرب المرء حين يجد أن مقدّسات المسلمين وحدها هي الكلأ المباح الذي لا يعاقب القانون مقترفه بأية عقوبة، بل يُردّ عليه بممارسة أسطورة حق ( حرّية التعبير ) . فحين تقدم صحيفة دانماركية ( جيلاندس بوستن ) في 26 شعبان 1426 هـ الموافق 30 أيلول / سبتمبر 2005م وهي صحيفة ذائعة الصيت، وذات مصداقية كبيرة لدى الشعب الدانماركي على إعلان مسابقة لرسم أحسن كاريكاتير للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - . وبالفعل أرسل القراء أكثر من مائة صورة، تصور رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يلبس عمامة مليئة القنابل والصواريخ، وتصوره وهو يصلي في أوضاع مهينة للغاية . وتم نشر حوالي 12 كاريكاتيراً علناً، وعلى مدار عدة أسابيع، وبمعرفة من الحكومة الدانماركية، وموافقتها بل وتأييدها، وبتفاعل الرأي العام الدانماركي معها .
وحين حاولت الجالية الإسلامية هناك، الدفاع عن الإسلام ومقدساته، وذلك بوقف نشر هذه الصور، رفض رئيس تحرير الصحيفة حتى مجرد مقابلتهم، بل وتضامنت كل الهيئات الحكومية مع الصحيفة، ورُفضت كل محاولات الجالية الإسلامية، حتى مع تطوّر الأمر إلى إعلان جملة إجراءات دبلوماسية كسحب السفراء أو استدعائهم من قِبَل بعض الدول الإسلامية، إلى جانب إعلان المقاطعة للمنتجات الدانماركية والنرويجية ( إذ كانت صحيفة « مغازينات » النرويجية أعادت في 10 يناير 2006م ما نشرته الصحيفة الدانماركية سالفة الذكر ) فإن عقيرة غلاة العلمانية تُرفع، وشعارات حرية التعبير والإبداع تُلقى في وجه كل معترض .
وعلى هذا الأساس الهشّ تجاوبت صحف مماثلة في كراهية الإسلام فيفرنسا وألمانيا التي تقوم الدنيا في أيّ منهما ولا تقعد إذا حدث أدنى تشكيك في حكاية المحرقة ( الهولوكست ) التي يصرّون في دوغمائية لافتة أنها حدثت لليهود، ثم تفاعل معهم في منطقتنا بعض المفتونين، أو المهووسين بفن ( الإثارة ) بأي ثمن، ومهما كانت النتائج، كما فعلت بعض الصحف في كل من الأردن و مصر و اليمن .
هذا في حين أن القانون الدانماركي يحظر أي تهديد أو إهانة أو حط من شأن أي إنسان بصورة علنية، بسبب الدين أو العرق أو الخلفية الإثنية، أو التوجّه الجنسي . وبسبب ذلك القانون تعرّضت امرأة تعمل محرّرة صحفية لمحاولات تقديمها للمحاكمة، لأنها كتبت خطاباً للصحيفة تصف فيه الشذوذ الجنسي بأنه أسوأ أنواع الزنى . وكأن هذا القانون يشمل أي إنسان باستثناء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ومما له دلالة مباشرة على هذا حسبما أورده موقع إسلام أون لاين في 8/2/ 2006م أنه في الوقت الذي نشرت فيه صحيفة ( جيلاندس بوستن الدانماركية ) رسوماً كاريكاتيرية مسيئة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوى حرية التعبير، رفضت الصحيفة نفسها نشر رسومات تسيء إلى المسيح عيسى – عليه السلام - خشية ردود الفعل الغاضبة من جانب قراء الصحيفة، حسبما نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة ( جارديان ) البريطانية .
وقالت ( جارديان ) إنه في إبريل 2003م تبرع الرسام الدانماركي ( كريستوفر زيلير ) للصحيفة بسلسلة من الرسوم الساخرة تتعلق ببعث السيد المسيح من جديد .
غير أنها أشارت إلى أن الصحيفة الدانماركية « رفضت نشر الرسومات التي تسيء إلى المسيح، بدعوى أن نشر الرسوم لن يسعد القراء، وربما يؤدي إلى تعرض الصحيفة لانتقادات شديدة » .
وتسلم ( زيلر ) رسالة بريد إلكتروني من رئيس تحرير صحيفة « جينز كيسر » الدانماركية تقول : « لا أعتقد أن قراء الصحيفة ستروق لهم هذه الرسوم، بل أعتقد أنها ستثير مشاعر الغضب لديهم ؛ لذا فلن أنشر الرسوم »، وذلك بحسب الصحيفة البريطانية . ونقلت ( جارديان ) عن ( زيلر ) قوله تعليقاً على الرسوم : « الرسوم مجرد مزحة بريئة لدرجة أنها أضحكت جدي » .
غير أن رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية أوضح من جهته أن الرسومات الكاريكاتيرية كانت سخيفة للمضي قدماً في نشرها في ذلك الوقت .
- في بريطانيا يتم التعامل مع المقدّسات وفق قانون خاص يسمى ( LAW BIASPHEMY ) الذي يمنع سب المقدّسات ؛ إذ يسري العمل بالقانون في كل من إنجلترا و ويلز . ولكنه خاص بالمقدّسات المسيحية وحدها . ولذلك فعندما أعلن المخرج الدانماركي ( جينز ثور سن ) ( لاحظ الدانماركي ) اعتزامه إخراج فيلم في إنجلترا عن الحياة الجنسية للمسيح فقد أدى ذلك إلى موجة غضب عارمة في المؤسسات الدينية الأوروبية وعلى رأسها الفاتيكان و أسقفية ( كانتر بري )، وعلى الفور قام رئيس الوزراء البريطاني حينذاك ( جيمس كالاهان ) بالتحذير من أن أي محاولة لإخراج ذلك الفيلم في إنجلترا سوف تكون عرضة للمحاكمة تحت طائلة قانون ( سب المقدّسات ) مما أثنى المخرج عن إتمام إنتاج الفيلم .
وفي يونيو 1976م قامت صحيفة ( Gay News ) الخاصة بأخبار الشواذ جنسياً من الرجال بنشر قصيدة للشاعر البريطاني ( جيمس كيركوب ) يصف فيها المسيح - عليه السلام - في أوضاع غير لائقة، مما أثار غضب اتحاد المشاهدين والمستمعين الإنجليز، الذي يتولى الرقابة الشعبية على كل ما ينشر في الصحف أو يعرض في وسائل الإعلام والأفلام السينمائية، وقامت رئيسة الاتحاد بمقاضاة رئيس تحرير الصحيفة والشركة التي تملكها وتتولى نشرها بتهمة سبّ المقدّسات .
وبالفعل تمت المحاكمة في شهر يوليو عام 1977، وبالرغم من محاولات الدفاع المستميتة في إقناع المحلّفين أن القصيدة لم تعنِ أو تضمر أيّة إساءة للدين النصراني، بل بالعكس كانت تصوّر العلاقة العاطفية التي تربط الشاعر بشخص المسيح - عليه السلام - إلا أن هيئة المحلّفين لم تقبل هذا الدفاع وأدانت الصحيفة بأغلبية عشرة أصوات مقابل صوتين بتهمة امتهان مشاعر المسيحيين في إنجلترا، والإساءة إلى مقدّساتهم، بعد قرار هيئة المحلّفين القاضي على رئيس التحرير بالسجن لمدّة تسعة أشهر مع وقف التنفيذ ودفع غرامة مقدارها ( خمسمائة جنيه إسترليني )، وعلى الناشر بغرامة مقدارها ( ألف جنيه إسترليني )، بالإضافة إلى تحمّل تكاليف القضية . وعلى الرغم من استئناف الصحيفة الحكم عام 1978م أمام القسم القضائي بمجلس اللوردات البريطاني، الذي يمثل أعلى سلطة قضائية في بريطانيا إلا أنها خسرت للمرّة الثالثة، حيث أقرّت المحكمة البريطانية العليا الأحكام السابقة الصادرة ضدّ رئيس التحرير .
بعد حكم المحكمة العليا جرت محاولات عِدّة لإنهاء العمل بقانون سبّ المقدّسات من خلال مجلس العموم البريطاني، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يقبل مجلس العموم ولا مجلس اللوردات أي مساس بذلك القانون بالرغم من أنه يحمي الديانة المسيحية فقط من السبّ ويهمل بقيّة الديانات المنتشرة داخل بريطانيا، وأنه يعاقب على المساس بالمقدّسات المسيحية دونما نظر مراعاة لقصد أو نيّة الشخص المتهم بسبّ المقدّسات .
ومع محاولات أخرى تمت في الاتجاه الذي يجعل من القانون عامّاً لكل المقدّسات في كل دين يوجد في إنجلترا إلا أنها باءت كذلك بالفشل . لذلك لم يفلح المسلمون في بريطانيا في أن يرفعوا دعوى قضائية ضدّ ( سلمان رشدي ) صاحب كتاب ( آيات شيطانية ) ؛ إذ القانون الذي يحظر سبّ المقدّسات خاص بالمسيحية فقط . فلم يكن ( سلمان رشدي ) خارجاً عن القانون البريطاني حين أهان المقدّسات الإسلامية، بل ذلك أمر يندرج في إطار حرّية التعبير رغم أنه سخر من المقدّسات الإسلامية وأهانها . غير أن الطريف حقاً أن حرّية التعبير هذه لم تحْمِ ( فيلماً ) باكستانياً سخر من ( سلمان رشدي )، بل منعت دخوله .
إن الشخصيات الدينية في حصانة ( مقدّسة ) كذلك بموجب قانون حظر ( سبّ المقدّسات )، لذلك فقد قامت هيئة الرقابة على المصنّفات الفنية البريطانية برفض عرض فيلم وثائقي على شاشات التلفاز البريطاني عن الراهبة ( تيريزا ) التي عاشت في بريطانيا في القرن السادس عشر، بسبب محتوى الفيلم الذي يمكن تأويله على أنه إهانة للدين النصراني .
- وفي إيطاليا يمنع عرض الفيلم الأمريكي ( الإغراء الأخير للسيد المسيح )، لما فيه من استثارة مشاعر المسيحيين، لذا لم يُكْتَفَ بمنع عرضه فقط في العديد من البلاد الأوروبية بل قُدِّم مخرج الفيلم في المهرجان للمحاكمة في روما بسبب الفيلم .
- وفي فرنسا يقر مجلس الشعب الفرنسي قانون فابيوس جيسو في عام 1990م الذي يحظر مجرّد مناقشة حقيقة وقوع الهولوكست في الحرب العالمية الثانية . وقد عوقب المفكر الفرنسي الشهير ( روجيه جارودي ) عام 1998م بسبب كتاب ( الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية )، وحكم عليه بغرامة ( 20 ) ألف دولار .
ولم تصمد حريّة التعبير أمام حق قناة ( المنار ) اللبنانية التابعة لحزب الله في بث أفكارها ورؤاها، بل عملت فرنسا على منع بثّها، لأنها قدمت مسلسلاً عن جرائم إسرائيل، غير أن السؤال الأهم لماذا الوقوف هنا ضدّ حق التعبير ؟!
ولماذا تعمل دولة الحرية والمساواة والإخاء - وهي الشعارات الشهيرة للثورة الفرنسية عام 1787م - بإيقاف ( 400 ) إمام وخطيب مسجد في فرنسا تحت دعاوى متهافتة تسقط جميعها أمام أسطورة حرّية الرأي والتعبير .
ولماذا يتم تغريم ( برنارد لويس ) الأستاذ بجامعة ( برنستون ) مبلغ ( 10 )آلاف فرنك فرنسي ( حوالي 2062 دولاراً أمريكياً ) عام 1995م لأنه أنكر أنالأرمن تعرضوا لإبادة جماعية على يد الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين الميلادي .
- وفي ألمانيا يحظر بيع أو شراء أو طباعة كتاب ( كفاحي ) لـ ( هتلر )، كما تحظر طباعة أو توزيع أي مقال أو كتاب يؤيد النازية بأي شكل من الأشكال، بل تحظر حتى الهتافات النازية، ولو على سبيل المزاح . وهذا الحظر يفسّر المشكلة التي تعرض لها لاعب الكرة المصري ( هاني رمزي ) في ألمانيا، حين قام بإلقاء التحية النازية المشهورة على سبيل المزاح في إحدى الحفلات .
في عام 1991م قام ( جنتر ديكارت ) زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الألماني ( يمين متطرّف ) بعقد محاضرة استضاف فيها محاضراً أمريكياً أشار فيها إلى أن رواية قتل اليهود بالغاز غير صحيحة . وترتب على ذلك أن قُدّم ( ديكارت ) للمحاكمة، وعوقب طبقاً للقانون الذي يحظر الأحقاد بين المجموعات العرقية .
وفي شهر مارس 1994م حوكم ( ديكارت ) مرة أخرى وحكم عليه بالسجن لمدة عام واحد مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى غرامة خفيفة، مما أدى إلى تعرّض القضاة الذين حاكموا ( ديكارت ) لموجة من الغضب والنقد من القضاة الآخرين، بسبب ضآلة العقوبة التي حكموا بها، مما أدّى إلى تدخل المحكمة الفيدرالية التي أبطلت الحكم وأمرت بإعادة المحاكمة .
وفي إبريل 1994م أعلنت المحكمة الدستورية الألمانية أن أية محاولة لإنكار حدوث ( الهولكوست ) لا تتمتع بحماية حق حرّية التعبير التي يمنحها الدستور الألماني، مما دفع البرلمان الألماني أن يسن قانوناً يجرّم أيّة محاولة لإنكار وقوع ( الهولكوست )، ويوقع بمرتكب هذه الجريمة عقوبة حُدّدت بالسجن خمس سنوات بغض النظر عمَّا إذا كان المتحدّث ينكره أم لا .
وفي عام 1993م تم نشر ترجمة ألمانية لكتاب أمريكي عنوانه ( العين بالعين )، غير أن الناشر تنبّه إلى خطورة الأمر فقام على الفور بسحبه وإتلاف كل نسخ الطبعة الألمانية رغم توزيعها في السوق، تحاشياً للوقوع تحت طائلة القانون أو إثارة غضب الرأي العام، وذلك لأن الكتاب يورد أن ( ستالين ) كان يتعمّد اختيار اليهود للقيام بالأعمال البوليسية السريّة في بولندا بعد الحرب العالمية الثانية .
- وفي النمسا من المتعارف عليه قانونياً معاقبة كل من أنكر وجود غرف الغاز التي أقامها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية بالسجن، غير أنه في العام 1992م تم تعديل القانون ليطال التجريم أية محاولة تنكر أو تخفّف أو تمدح أو تبرّر أيّاً من جرائم النازية، سواء بالكلمة المكتوبة أو المذاعة .
- وفي كندا على الرغم من أن القانون الكندي ينص على حق كل مواطن في التعبير الحرّ إلا أنه يحظر في الوقت ذاته أيّ نوع من أنواع التعبير من شأنه أن يؤدي إلى إثارة الكراهية ضدّ أية مجموعة عرقية أو إثنية أو دينية، ويمنح القانون المجالس التشريعية في كندا تقييد حريّة التعبير أو غيرها من الحريّات الدستورية إذا استدعت الضرورة ذلك، وبناء على هذا أقرّت المحكمة الكندية العليا العقوبة التي أقرّت بها إحدى محاكم مقاطعة ( ألبرتا ) ضدّ ( ناظر ) مدرسة اتهم بمعاداة السامية والترويج لكراهية اليهود .
ولكون السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام في الغرب حقيقة ساطعة فإن شبكة تلفاز ( CTV ) الكندية قامت باستضافة ( جوزيف ليبد ) المعلّق السياسي الإسرائيلي صباح يوم 15/10/1994م الذي دعا مباشرة وعلى الهواء يهود كندا لأن يتولى أحدهم اغتيال ( فيكتور أوستروفوسكي ) ضابط الموساد الذي ألف كتابين كشف فيهما عن العمليات السريّة للموساد، دون أن تُحدث هذه الدعوة أي ردّ فعل على أي مستوى إعلامي في كندا . ولم يُسمع عن الكُتّاب والمعلّقين الذين دافعوا بحماس بالغ عن حق ( سلمان رشدي ) في التعبير الحرّ دفاع أقل من ذلك في حق ( أوستروفوسكي ) في التعبير الحُرّ كذلك .
قارن هذا بما حدث في عام 1996م عندما قام قاضٍ كندي بمقاطعة ( كيوبيك ) بالحكم بالسجن مدى الحياة على امرأة قامت بذبح زوجها بسكين، وقال تعقيباً على الحكم الذي أصدره : « لقد أثبت أن المرأة تستطيع أن تكون أكثر عنفاً من الرجل، حتى النازي لم يُعذّب ضحاياه اليهود قبل قتلهم » .
هذا التعقيب أثار زوبعة من الاحتجاج ضدّ القاضي من قِبَل الجمعيات النسائية واليهودية في كندا، فاضطر القاضي للاعتذار، ولكنه أعلن أنه مؤمن بكل كلمة قالها في ذلك التعقيب، مما ضاعف موجة الاحتجاج ضدّه، وتعالت الأصوات مطالبة باستقالته، ولكنه رفض الاستقالة . عندئذ تدخّل المجلس القضائي الكندي وقام بالتحقيق مع القاضي، ثم أوصى المجلس البرلماني الكندي بإقالة القاضي بسبب التعليق الذي صدر عنه . وحين وصلت الأمور إلى ذلك الحدّ اضطر القاضي أن يقدّم استقالته بدلاً من أن تأتي الإقالة من البرلمان، حيث كان واضحاً أنه سيقبل توصية مجلس القضاة الكندي بالإقالة .
- وفي أستراليا ينص قانونها على اعتبار أية مادة مكتوبة من شأنها الحطّ من قدر أية مجموعة عرقية محظورة طبقاً للقانون المانع للتفرقة العنصرية الصادر عام 1998م، وقد يعاقب الكاتب والناشر بغرامات تصل إلى ( 40 ) ألف دولار أمريكي .
- وفي سويسرا قامت مقاطعة ( دي تور ) بمنع كتاب ( الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ) لـ ( روجيه جارودي ) من التداول، وحكمت محكمة على ناشر عرض الكتاب بالسجن أربعة أشهر .
وقد سرى رعب التشكيك في حكاية ( الهولوكست ) حتى في بلد صناعي ( عريق ) غير أوروبي هو اليابان ؛ إذ حدث أن نشرت مجلة ( ماركوبولو ) في عددها الصادر في شهر فبراير 1995م مقالاً يزعم عرض الحقيقة التاريخية الجديدة، ويوضّح أن غرف الغاز التي أقيمت في الحرب العالمية الثانية ليس لها أساس تاريخي موثّق . وقد أدّى المقال إلى ردود فعل عنيفة وسريعة، حيث قامت المؤسسات الصناعية الكبرى مثل : ( فولكس واجن ) و ( ميتسوبيشي ) بإلغاء عقود الدعاية مع المجلة، احتجاجاً على المقال، مما أدّى بناشر المجلة إلى سحب كل أعداد المجلة من الأسواق وفصل كل أعضاء تحرير المجلة، بل واضطر ذلك المقال المجلة إلى إغلاق نفسها نهائياً .
وفي هذه الأجواء تعلن صحيفة ( همشهري ) الإيرانية حسب موقع الجزيرة نت في 9/2/2005م دعوتها لمسابقة عالمية لرسم ( كاريكاتيري ) يسخر مما يسمى المحرقة النازية ( الهولكوست ) لليهود، معلنة أنها بهذا تهدف إلى اختبار ردود الفعل الأوروبية والأمريكية، وهو ما سيفضح أسطورة ( حريّة التعبير ) . وتأتي ( الفضيحة ) الأولى حين يُستدعى السيد ( دياب أبو جهة ) رئيس الرابطة العربية الأوروبية للمحاكمة، لكونه دعا إلى نشر رسوم ( كاريكاتيرية ) ضدّ المحرقة ( الهولكوست )، بهدف كشف حقيقة ( حريّة التعبير ) الغربية ! !
والآن : أرأيتم كيف أن الحديث عن حرّية التعبير في الغرب مجرّد أسطورة باهتة، ووهم طغى بسبب طغيان الحضارة الغربية على تفكيرنا ومسالكنا في كل اتجاه، حتى بات بعض المشتغلين بالثقافة والفكر والسياسة يعتقدون حقيقتها، وأن المناقشة فيها نقاش في ( المقدّس ) أو ( التابو ) الممنوع التطرّق إليه والحديث عنه ؟

--------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:46 AM
خريف الليبراليين نظرات في أزمة الليبراليين مع حدث الاستهزاء بالنبي الأمين صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عبدالله بن صالح العجيري)
ــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


إن في حالة الغضب التي تعيشها الأمة اليوم تعبيراً صادقاً عن المحبة التي تملأ النفوس، وتعتلج في القلوب، وتسري في الأرواح، تجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أشرف الناس، وأحسن الناس، وسيد الناس، بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا الغضب هو الحق الأول الذي تقدمه الأمة نصرةً لنبيها الكريم - صلى الله عليه وسلم -، والذي يستتبع حقوقاً وواجبات أخر ؛ إنه الغضب الواجب الذي سنّه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – حين نرى محارم الله تنتهك، وهو الغضب الذي يزعج البدن للتحرك، والعقل للتفكير طلباً للنصرة، كلٌّ بحسبه، وحسب موقعه، وعلى وسعه وطاقته، بالحكمة التي تصلح ولا تفسد، وتبني ولا تهدم، فلا تهوُّر ولا طيش، ولا كسل، بل وضع للشيء في موضعه المناسب، وفي وقته الصحيح .

وإن فيما يرى من مظاهر الغضب والنصرة لدليل على الخير المتأصل في كيان هذه الأمة والمستقر في وجدانها، وهل كان يُنتظر من أمة الإسلام إلا هذا ؟

وهل كان يُظن بها إلا ما وقع ؟ إنها أيام الغضب والفرح، الغضب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى أعداء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والفرح بنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما تحقق للأمة من مكاسب ونجاحات، لكن مما يؤلم ويؤذي ما يُرى من إعراض بعضٍ عن مشاركة الأمة غضبتها، بل نصرتها لنبيها - صلى الله عليه وسلم -، فخنسوا وسكتوا، ثم سكتوا، ثم نطقوا فبئس ما نطقوا ؛ وليتهم ما فعلوا ؛ فلا هم بالذين نصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا هم بالذين تركوا الأمة وخيارها يعملون في نصرته، إنهم مسوخ بشرية القالب ناطقة بالعربية والضاد لكن القلب غربي الهوى، قد ركبوا موجة الأحداث لكن في الوقت الضائع، وسبحوا في بحرها لكن بعكس التيار، ليثبتوا للأمة أنهم في واد والأمة كلها في واد آخر ؛ فلا الهمُّ هو الهمُّ، ولا القضية هي القضية، ولا المصالح هي المصالح . لهم برنامجهم الخاص الذي يريدون تمريره، ولهم خطتهم التي يريدون تنفيذها، قد وجدوا في الأحداث تعطيلاً للمخطط، وعائقاً لتمرير المشروع، فأخذوا في الالتفاف حول الحدث محاولين تجاوز العوائق، ولملمة المشروع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فخرجوا من بعد صمت ليدعوا الأمة إلى التسامح والعفو والتهدئة، في وقت يأبى العدو أن يتقدم باعتذار، بل يزيد من سخريته وباستهتار، وكتبوا ليجرُّوا الأمة لمعركة داخلية، بدل توحيد الصف لصدِّ الهجمة الخارجية، ونطقوا بالسوء لتصفية الحسابات وتوزيع التهم وكيْل الشتائم، وكان الظن أن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - محل وفاق وكلمة إجماع، وأن هذا المقام متى مُسّ فالكل سيقول كلمته الواضحة البينة في نصرته - صلى الله عليه وسلم - ؛ لا التواء فيها ولا غموض، فخيّب القوم الظن وأظهروا قبيح ما تكنّه الأفئدة والقلوب، فطعنوا الأمة في الظهر، وحاولوا الاصطياد في الماء العكر، وأقدموا على تفريق الصف في ظرفٍ الأمة كلها مستنفرة في وجه عدو واحد، فأضحى كشف هذا التوجه المشؤوم واجبنا نصرةً للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ونصحاً للأمة، وفضحاً لهذا التيار، وتسجيلاً لمواقف السوء هذه ليحفظها التاريخ : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{} ( الفجر : 14 )، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } ( الشعراء : 227 ) .

من دعوات التيار الليبرالي والتي بدأت تتضح أبعادها، وتتكشف ملامحها دعوتهم إلى ( التسامح مع الآخر ) والتي علا صوتهم بها، وتتابعت كتاباتهم فيها، والتسامح متى وضع في موضعه الصالح له واللائق به كان خُلُقاً إسلامياً مندوباً إليه، لا شك في ذلك ولا ارتياب، شأنه في ذلك شأن غيره من الأخلاق، لكنهم بما يسطرون اليوم يكشفون عن حقيقة دعوتهم المشبوهة هذه، وأن التسامح المطلوب ليس هو ذاك التسامح الشرعي الذي جاء الحضُّ عليه والأمر به، كلاَّ ؛ إنما هو لون جديد من التسامح أبعد مدى وأوسع مساحة، إنه التسامح مع من اعتدى، وأذلّ، وأهان، ووجّه الصفعة بعد الصفعة، وأعظم في الفِرية، ويدَّعون أن هذا سنة نبوية، وطريقة محمدية ؛ فهل على الآخذ به من ملام ؟ وما علم القوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حكيماً بل سيد الحكماء، يزن الأمور بالعدل، ويضع الدواء على الجرح، ويقدِّر المصالح والعواقب ؛ فكما ترك عبدَ الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بلا عقاب، أخذ عقبةَ بن أبي معيط بما أساء .

وكما قال لقريش : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » أمر بقتل ابن خطل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة . وهكذا، فليس الأمر كما يراد تصويره تسامحاً مطلقاً، أو عقاباً مطلقاً، وإنما الأمر إلباس كل حدث لبوسه، وإعطاء كل مسألة حقها . وأحسب أن ما يجري اليوم من انتهاكات صارخة لدين الإسلام ونبي الإسلام لا محل فيه للتغافر والمسامحة والتجاوز، وإنما الواجب القيام بالنصرة، والغضب لله، واستيفاء الحقوق .

أما دعوة الأمة إلى التغافل عن حجم المأساة، والإعراض عن عظم الجريمة، وفتح أبواب التسامح والمسامحة للمخطئين، وأن يقتصر النقد إن كان على الكلمة الطيبة، والعبارة اللينة، والأسلوب الهادئ، من غير جرح شعور ولا إيلام، وكأن الأمة هي الجانية لا المجني عليها، وكأننا مَنْ ظَلَمْنا لا من ظُلمنا، وكأن الاعتداء واقع منا لا بنا ؛ فليس بصحيح ولا مشروع، بل بَذْلُه والحالة هذه مناقضة لمثل قوله - تعالى - : { وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } ( العنكبوت : 46 )، والقوم ظالمون ما في ذلك من شك .

إن التسامح المشروع لا يكون إلا إذا صادف محلاً مناسباً، وإن أولئك المستهزئين بمقامه - صلى الله عليه وسلم - ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، وإن التسامح مع أولئك المجرمين جريمة شرعية لا يجوز أن يكون بحال، وليس للأمة الحق في التنازل عن حقه الشريف - صلى الله عليه وسلم - تحت لافتة التسامح والمسامحة، وليت شعري أي عيش يبقى وأي حياة تطيب يوم يمس جناب النبي - صلى الله عليه وسلم - والأمة تقف موقف المتفرج المتسامح، المتغاضية عن صفعات الخصوم، والتي لا تطالب بحقها، فإن طلبته فعلى استحياء ؟ إن إجماع الأمة عامة منعقد على حرمة التسامح مع من سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما قال عالم ولا شبه عالم بمثل ما يريده هؤلاء منا، وفي كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول » لشيخ الإسلام ابن تيمية عظة وعبرة .

والقوم بدعوتهم للتسامح والتغافر والتجاوز عن الإساءة يلملمون ما تبقى من مشروعهم الخاسر ( التقارب والتقريب بين المسلم والكافر ) تحت شعارات التعايش والتسامح والسلام، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط إلغاء عقيدة الولاء والبراء، وهم معذورون فيما يفعلون، فالخطب جلل، والأمر عظيم، والأحداث تجري على خلاف الهوى والمخطط، فليس لهم إلا هذا المركب الصعب ليركبوه ولعل وعسى .

لقد ظهر للجميع حقيقة حال ( الآخر ) ! منا، واستبان للناس مدى الاحترام الذي تكنّه صدروهم وقلوبهم لنا ولديننا، وأن الأحقاد الصليبية لا تزال تتسكع على الجسد الأوروبي، وأن النظرة السلبية للمسلمين لا زالت المسيطرة على المشهد الغربي، وأنهم لا زالوا يعانون من عقدة ( الإسلاموفوبيا )، وأقوال عقلائهم ومنصفيهم شاهدة بهذا وما أكثرها ! وتاريخ الأمة السابق وواقعها المعاش خير شاهد، وإن تغافل عن هذا كله المستغربون ولجوا وجعجعوا . بالله عليكم ! أي حقد وبغض أظهر مما وقع وجرى حيال نبي أمة المليار مسلم ؟ وأي طعنة أنفذ وأنكى من هذه الطعنة ؟ وأي إهانة وصفعة وركلة أشد من هذه الإهانة ؟ ثم يكبر على أولئك الظالمين بعد هذا كله أن يقدموا كلمة ( اعتذار ) ؛ فكيف بما فوقه ؟ وقد اتضح للجميع أن مقام نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأمته من بعده لا تساوي عندهم شيئاً في مقابل حقهم المزعوم في ممارسة حرية التعبير، وإن فيما نرى من تسارع محموم لنشر صور الإفك هذه، وذلك التعاضد والتناصر الذي يُرى، والتصريحات العدائية التي نتلقاها عن اليمين والشمال لدلالة على أن الأمر أكبر مما نظن، وأنه أوسع دائرة مما نحسب، وصدق الله القائل : { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ( آل عمران : 118 ) .

من غرائب المواقف المثبَتَة على هذا التيار تبرير ما وقع من اعتداء، والاعتذار عما حصل من إساءة، والمدافعة عن المجرمين المعتدين، في محاولة لامتصاص الغضب والتهدئة، وذلك بمختلف التبريرات، وأنواع الاعتذارات ؛ فبعضهم [1] يصرح بأن المسلمين هم السبب فيما وقع، على قاعدة « لعن الله من لعن والديه، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه » ! فما وقع من اعتداء على جناب النبي - صلى الله عليه وسلم - حلقة في سلسلة من الاعتداء المتبادل والذي انتهى إلى ما انتهى إليه، هكذا والله يسطرون، وهكذا يحمّلون أهل الإسلام تبعة ما جرى، ويجري، وكأنهم ليسوا منا، وكأنهم الناطق الرسمي باسم المعتدين، إنهم بمنطقهم الغريب هذا يقلبون الطاولة على أهل الإسلام فيجعلونهم معتدِين بعد أن كانوا مُعتدَى عليهم، ويُظهرونهم في مظهر الظالم بدل أن يكونوا مظلومين، و ( البادي أظلم ) ! إن الدعاوى من أسهل الأمور، ووضع ( السيناريو ) على حسب المزاج من أيسر الأشياء، لكن الصعب تقديم الأدلة، ووضع البراهين، وسياق الحجج، وإلا فليخبرونا عن هذا المسلسل المزعوم في الدانمارك والذي أدى إلى ما نرى ونسمع : متى ابتدأ، وكيف كانت حلقاته، وأين مجال الاعتداء من الطرف الإسلامي الذي استفز مخالفيه فقالوا ما قالوا، وأقدموا على ما أقدموا عليه ؟ فإن عجزوا وخرجوا من هذه صفر اليدين وإنهم لخارجون بها فسقطة تستدعي تراجعاً وأوْبة، ولا يخفى أن المسألة أعمق غوراً من مجرد التهارج الجهل بين فئات محدودة من هنا وهناك كما يظهر لكل ناظر في مسلسل الأحداث .

والقوم في دفاعهم المشبوه هذا يذهبون إلى أبعد من هذا في تحميل المسلمين مسؤولية الأحداث، وأن السبب في استفحال الأمر عدم كفاءة القيادات الإسلامية بالدانمارك في معالجة المشكلة بالأساليب القانونية، وفشلهم في رفع الدعاوى القضائية [2]، وكأن المسكين لا يعلم أن المسلمين هناك قد بذلوا الجهد في إيصال صوتهم لكنهم قوبلوا بالغطرسة والعنجهية الدانماركية، هذه الغطرسة التي تأبى على القوم تقديم الاعتذار الصريح مع التصعيد الحاصل ؛ فكيف ولمّا يتم التصعيد ؟ إن طلب المسلمين يا أستاذ برفع القضية قد رُفض، بل رفض رئيس الوزراء الدانماركي استقبال السفراء العرب، لقد سدت الأبواب، وأغلقت المنافذ، وهُمّش المسلمون ؛ فكيف يحملون تبعة هذه الجريمة يا فهيم ؟

وأطرف من هذا وأغرب ما سطره آخر زاعماً أن جميع ما يرى من أحداث إنما هو بتدبير جماعات ذات صلة بتنظيم ( القاعدة ) ! إي والله ! وذلك لتعكير أجواء الصفاء بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولئلا يقال متقوّل أو مفتر أسوق هذا النص لأحدهم بحروفه يقول : ( وتقول مصادر مخابرات أوروبية، وبلد إسلامي أفريقي أنها حذرت بلداناً الإسلامية من خطة يدبرها « ناشطون دانماركيون » مع « منظمات سرية » يحتمل اختراقها من القاعدة، تهدف لصدام بين الغرب والمسلمين، وهو من أهداف زعماء الإرهاب، أسامة بن لادن و أيمن الظواهري، وبدلاً من أن تأمر الحكومات الإسلامية مخابراتها بالتحقيق في مصادر تمويل حملة « أئمة كوبنهاجن » وصلاتهم بالإخوان والطالبان وجماعات تخريب أخرى تعمل في الظلام، استغل بعضها الأزمة لصالح أجندتهم السياسية ) [3]، أرأيتم كيف يتم الاستغفال، وتمرر الأكاذيب، وتنشر الشائعات ؟ ألم أقل لكم إن الخطب جلل، وإن الأمر صعب، وإن الأحداث قد آذت أهل هذا التيار، فولجوا هذا السبيل، وسلكوا هذا الطريق، لعلهم يثوِّرون في سماء الحقيقة الغبارَ، أو يغطون شمسها عن الأبصار، لكن للناس عقول، ولعل عقول القوم في إجازة .

ومن غريب ما يعتذر به القوم عن الإساءة الواقعة، وما يقدمونه من تبريرات، الزعم بأن ما وقع من سخرية واستهزاء عائد إلى طبيعة الدانماركيين المتفلتة، وهوسهم بالتحرر والانطلاق، وعشقهم لحرية التعبير، مع عدم التدين، وعدم الإيمان، وأنه ليس ثمة حقد مزعوم، ولا عداوة متوهمة، ولا قضية بينهم وبين رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، فلا ينبغي أن تُضخَّم المسألة، وأن تُخرَج عن هذا السياق ؛ فالأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم، وعدم تقدير للعواقب ليس إلا، وأن إخراج القضية عن هذا الإطار تصعيد لا مصلحة فيه، بل هو تصعيد مقصود لأهداف تحتية، ومصالح شخصية، ومكاسب فئوية [4]، بل إثارة الموضوع أصلاً وإخراجه من الصعيد المحلي الدانماركي ليكون شأناً عالمياً غير صحيح، وأن الواجب محاسبة المسؤولين عن هذه ( الشوشرة العالمية ) [5] التي لا فائدة فيها، ولا أدري لِمَ التغابي عما وقع، ولِمَ التعامي عما حدث، ولِمَ لا ينصف القوم ويُقرون بالحقائق كما هي بموضوعية وعدل، وينظرون فيما يجري على الأرض كما هو، لا أن يسعوا في ليّ عنق الأحداث لأفكار مسبّقة، ويحمِّلوا الواقع ما لا حتمل . ما نُشِر إساءةٌ، وما نُشِر دليل على صورة نمطية سلبية للإسلام، وما نُشِر ينمّ عن عداوة مستقرة في النفوس، هكذا هو الأمر ببساطة ومن غير تعقيد، وبالله عليكم مَنْ نظر في تلكم الصور الآثمة هل يظن في راسمها أنه محب للنبي – صلى الله عليه وسلم - أو على الأقل محايد في نظرته إليه أم أنه مبغض له معادٍ ؟ ألم يصوروه مرتدياً عمامة على صورة قنبلة إشارة إلى دمويته، وأنه لا يعدو أن يكون إرهابياً، والإرهابي عدو ؟ ألم يصوروه بصورة قبيحة حاملاً في يده خنجراً كأنه جزار ومن خلفه امرأتان منقبتان ؟ بل صوروه بما هو أقبح وأشنع ؛ بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - . أهكذا يصورون نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ثم يأتي من يزايد علينا، ويريد إقناعنا بأنه ليس ثمة عداوة ولا حقد ولا كراهية ولا شحناء ؟! إن في هذا الاستهزاء المشين بمقام نبينا الأمين لدليل على قبيح ما يضمرونه حيال نبينا وديننا، وفي تصريحاتهم وكلماتهم ومواقفهم ما يدل على أن الأمر ليس تسلية بريئة، أو تجاوزاً ينبغي أن يتغاضى عنه، كلاَّ، إنه خطأ، وإنه اعتداء، وإنه جريمة لا ينبغي السكوت عليها، فأقصروا عن التبرير والمدافعة، وانأوا بأنفسكم عن السقوط في هذه الهوة ؛ فإنها سقطة يوشك أن لا تقوموا بعدها ؛ فالناس تحفظ، والتاريخ يسجل، ولا مخرج لكم إلا إعلان البراءة مما سطرتموه، ولعل وعسى .

من قبائح هذا التيار وأهله أنهم سعوا في مثل هذا الظرف الذي تعيشه الأمة إلى افتعال المعارك، وإشعال الخصومات، في محاولة لصرف المعركة الحاصلة بين المسلمين والمعتدين على جناب النبي - صلى الله عليه وسلم -، لتحول المسألة إلى لون من الاحتراب الداخلي، هذا منتصر غالب، وذاك منهزم خاسر، هذا ( ربيع المتطرفين ) [6]، وهذا أوان المتشددين ( وصناع الكوابيس ) [7]، تصفية للحسابات، وإلقاء للاتهامات، وإنقاذ لما يمكن إنقاذه من مشاريع ومخططات، فصوَّروا ما يُرى من ردة الفعل الشعبية، وهذا الحراك العام تجاه ما وقع من عداء سافر، بأنه كان بمؤامرة وتخطيط، وأن الأمر قد بُيّت بليل بهيم، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تحريكاً من صناع الكوابيس أهل التباغض والعداوة والشحناء، وأن الأمة قد تبعتهم كالقطيع يتبع راعيه، من غير فكر ولا تروٍّ، سمعوا لهم وأطاعوا، وأنصتوا إليهم وأجابوا، وما علم القوم أن هذه الحمية التي وقعت، وهذه الكراهية التي ظهرت، إنما هي بسبب الغضبة الإيمانية التي تجري في شرايين هذه الأمة، غضباً لله ورسوله، والذي لا يكون المؤمن مؤمناً إلا به ؛ فليس ثمة استلاب مزعوم، ولا تحريك مدعى إلا تحريك عقيدة الأمة للأمة ؛ وإلا فبالله عليكم من حرّك جمهور المسلمين للمقاطعة مثلاً : أفتوى أطلقها فلان أو فلان، أو توجيه من علاّن ؟ أم الواقع شاهد بأنها حركة شعبية عامة ابتدأت منها وانتهت إليها، ووجد المسلمون أنفسهم منقادين لها قياماً بواجب نصرته - صلى الله عليه وسلم - وذباً عن حياضه ؟ إن الموقف من الرسول - صلى الله عليه وسلم – قضية جوهرية مشتركة بين كل منتسب للإسلام، سنّياً كان أو بدعياً، عدلاً كان أو فاسقاً، فلا يُلام مسلم على غضب يغضبه أو كراهية وبغض تقع في قلبه متى مُسّ مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعدٍّ واستهزاء، بل الملام من لم يغضب ولم يمتلئ قلبه من الكراهية والبغضاء لكل متسبب فيها، إن تصوير الحدث على هذا النحو تصوير مغلوط، وإنه لمن سوء الظن بالناس، وإنه لعقدة يجب عليهم أن يتخلوا عنها، وطريقة يجب عليهم أن يتجنبوها . إن الظرف حساس، والأمر عظيم، والانتهاك صارخ، ونحن في غنى عن افتعال المعارك، واستحداث الأزمات . إن هَمّ المسلمين الأوحد هو الانتصار للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، على مختلف مذاهبهم، وطرائقهم، وفصائلهم ؛ فإن شئتم أن تكونوا معهم في سفينة النجاة فاركبوا بشرط أن تتركوها تجري وألا تسعوا في خرقها وإغراقها .

مساكين هم أدعياء الليبرالية عندنا، مستوردو القيم والأفكار والمناهج الغربية، الذين حاولوا إقناع الأمة بالإقبال على الحضارة الغربية بكليتها، بخيرها وشرها، بحلوها ومرّها، بما يُحب منها وما يُكره، وصاحوا بأنه لا محلّ للانتقاء، فليست الحضارة ( بقالة ) تأخذ منها وتذر، إنما تؤخذ جميعاً أو تترك جميعاً، ولا مجال للترك !

مساكين هم لطالما أُحرجوا من مصدِّري الأفكار، وبائعي القيم، تلك القيم التي شهد العالم أجمع زيفها وهزالها ؛ فكم تشدق الغرب بحقوق الإنسان، وأضحى الجميع يعلم مواصفات هذا الإنسان محل الرعاية وصاحب الحقوق، شرَّقوا وغرَّبوا بالدعوة إلى الديمقراطية، ثم أرادوا فرضها بالعصا الغليظة وبالدكتاتورية، تنادوا للتسامح ثم وأدوه في معتقلاتهم وسجونهم في « أبو غريب و غوانتنامو » وغيرها، واليوم الأمة مدعوة إلى النظر إلى قيمة غربية جديدة، تظهر نفسها للعالم في أقبح صورة، وأكلح وجه، إنها ( حرية التعبير )، الحرية التي لا تعرف الحدود ولا القيود ؛ ولا محرم فيها ولا محظور، حرية لا عيب فيها، حرية لا يعدلها في القداسة قيمة أخرى، حتى أضحت الحرية اليوم أقدس من الرب - جل وعلا – في الضمير الغربي ؛ فلهم أن يتكلموا عن الرب بما شاؤوا، وكيف شاؤوا، ممارسةً حرية التعبير، ( نعم لنا الحق أن نرسم كاريكاتيراً عن الله ) ! كما قالها شقي من أشقيائهم عليه من الله ما يستحق، أما انتقاد حرية التعبير أو المساس من جنابها المقدس، فحرام حتى على ( حرية التعبير ) ! ! لقد قالها المخلصون من قبل :

« إن الحرية المزعومة عند دعاة الليبرالية ليس لها حدود تقف عندها، فلا شرع يحوطها، ولا عقل يحرسها » وانظروا كيف ينتقدون الثوابت تحت شعارات الحق النسبي !

وانظروا كيف يطعنون في المسلّمات عبر بوابة حرية التعبير ! وقد دفع الليبراليون عندنا التهمة ما استطاعوا وأنكروا، وقالوا : سوء فهم لليبرالية، وسوء ظن بالليبراليين، وجهل بالثوابت، وجهل بالمسلَّمات، ثم تجيء الليبرالية الأصلية اليوم، الليبرالية الأم، والْمُصدّر الأساس للفكرة لتقولها بملء الفم : ليس لحرية التعبير حد تنتهي إليه، وليس لأحد الحق في المساس من جنابها المقدس أو النيل منها، والحرية متى قُيِّدت لم تعد حرية، وصار صاحبها أسير القيد، فلا ثوابت ولا مسلَّمات، بل الكل خاضع للنقد، بل وللاستهزاء والسخرية .

إن العالم الغربي يعيش أزمة حقيقية حيال هذه القيمة التي ضخمت وضخمت حتى غدت ديناً جديداً يعبد فيها صاحبها هواه من دون الله، ولم تعد للقيم الإنسانية والمفاهيم البشرية ما يكافئها وما يدانيها، وما أزمتنا التي نعيشها اليوم معهم حيال ما وقع وجرى لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا أنموذج لتضخم هذه القيمة عندهم حتى يوشك أن يتلفهم ويهلكهم وقد فعل . لقد اعتذروا لنا عن الاعتذار بدعوى حرية التعبير، وصار السب والاستهزاء حقاً مكفولاً ترعاه الحكومات والدول الغربية تحت هذا البند ( حرية التعبير )، وصار معتنقو هذا المبدأ وهم كثرة كاثرة مشاريع سب وشتيمة وإن لم يمارسوه ؛ إذ هم يبيحونه ويجوِّزونه وكفى بها جريمة، ومن رضي بما وقع كمن فعل وقال . لقد أظهروا تضامنهم وتآزرهم لضمان حقهم في حرية التعبير بإعادة نشر الصور هنا وهناك، وليذهب المسلمون إلى الجحيم !

وأعلنوا لنا مراراً أنهم غير مستعدين للتنازل عن حقهم المزعوم هذا لأي كان، بل قال رئيس الوزراء الدانماركي : ( القضية تتركز على حرية التعبير في الغرب

مقابل المحرمات في الاسلام )، وهكذا يريدون إقناعنا بقيمة حرية التعبير عندهم، وأنه لا محل للتفاوض حولها، ولا مجال للأخذ والعطاء، ثم يأتي الليبراليون ويريدون إقناعنا باعتذارهم السخيف هذا، فيقولون فيه : اعتذار ( حقيقي ) و ( صحيح ) [8] ! بل وتجاوزوا هذا ليؤكدوا على قداسة حرية التعبير وعدم تقبل فكرة التدخل في الصحافة على أي وجه وأي صورة [9]، حتى إنهم طعنوا في مواقف بعض الكفار الإيجابية من الأزمة واتهموهم بالانتهازية وأن الواجب عليهم ( التأكيد على مبادئ حرية التعبير واحترام القانون ) [10] ! وأن ما يُرى من تهويل المسلمين لما وقع في جناب النبي - صلى الله عليه وسلم - عائد إلى عدم ممارستهم هذه الحرية جرَّاء ما يعانونه من قمع وكبت، ولو أنهم ذاقوا طعمها لما قاموا ولما تحركوا، فسحقاً لهم ولحريتهم المزعومة هذه، وهكذا يكون انتصار الليبراليين لقضايانا وإلا فلا ! وبهذه المواقف يؤكد الليبراليون انسلاخهم عن الأمة فكراً ومنهجاً وسلوكاً .

ومع ما تقدم فمن العجيب أن فقاعة ( حرية التعبير ) هذه لا تلبث أن تتوارى خجلاً إن مُسّ جناب اليهود، أو طُعن في السامية، أو شُكك في محرقة ( الهولكست )، ليعلم الجميع أن الحضارة الغربية حضارة ازدواجية، حضارة الكيل بمكيالين، لا أخلاق ولا قيم تقوم عليها، ولا مبادئ تستمر عليها، إنما القيمة المقدسة الوحيدة عندهم على الحقيقة المصلحة ليس إلا ؛ فأينما كانت المصلحة فثمّ دينهم وشرعهم، وإن داسوا في سبيل تحصيلها الأديانَ والمبادئ والقيم .

وانظر إليهم - اليوم - كيف يتواصون بحرية التعبير ويتنادون بها، ثم يستنفرون العالم للضغط على الشعوب المسلمة لوقف ثورة الغضب وإنهاء حالة المقاطعة، وكأن حق التعبير حق خاص بهم فقط، وأن الشعوب المسلمة حقها الكبت والحرمان .

إن ما يجري على الساحة من منازعة ومخاصمة حول حرية التعبير وحدوده قد كشف عن سوءة العالم الغربي والحضارة الغربية، وإن ما يُرى من التهارج حول حرية التعبير لمحرج جداً لليبراليي الداخل، الذين أفنوا أعمارهم في التغني بالقيم الغربية، والحضارة الغربية، ثم تفجؤهم اللطمة بعد اللطمة لعلهم يتنبهون، ومن غفوتهم يستيقظون، وعلى دينهم يُقبلون، فيطلعوا على زيف القيم، وهشاشة الحضارة، حضارة الغرب التي لا روح فيها ولا خُلُق، حضارة اللاّدين التي لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أُشرب من هواها، فيتوقفوا عن التوريد، ويقاطعوا تلكم الأفكار، ويكشفوا الزيف، ويفضحوا الباطل، فيكفّروا عما تقدّم من خطايا عسى أن يُغفر لهم .

مما جعجع به الليبراليون وهوَّلوا حوله الأغلبية الصامتة في المجتمعات المسلمة ؛ فما إن يقع لخصومهم من الإسلاميين انتصار إلا وتراهم يسارعون : لا تفرحوا ؛ فالجمهور ليس معكم، و ( الأغلبية صامتة ) . والناظر في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً يشهد الحضور الشعبي الواسع الداعم للحركة الإسلامية، لكن القوم يتعامون عنه ويصمّون الآذان، موهمين أنفسهم أن ( الأغلبية الصامتة ) معهم، وأنها غير موافقة لما يدور على الساحة، وما يقع على الأرض، لكن اللافت للنظر في هذا الحدث أن الأمة كلها قد قالت كلمتها، وعبرت عن رأيها بوضوح ( إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ! وأجمعت على خيار المقاطعة الشعبية العامة للبضائع الدانماركية ؛ فماذا كانت النتيجة حين غدت الأمة ( أغلبية ناطقة ) ؟

لقد وسمهم أولئك بالغوغائية، وقصر النظر، وأنهم لا عقول لهم تحركهم وإنما المحرك العواطف ليس إلا، وأنهم مسلوبو العقول، ولولا الخوف منهم لنطق العقلاء ( وهم الليبراليون طبعاً ) وبيّنوا الواجب، لكنهم خنسوا لجبنهم أدام الله عليهم هذا الجبن ؛ فإن تشجعوا وتكلموا فإشارة هنا وكليمة هناك، وقذف للحجر من مكان بعيد، والجريء من يتستر خلف الألفاظ ويتوارى خلف المصطلحات ؛ فالهجوم اليوم على ( صناع الكوابيس )، و ( المتطرفين )، و ( الغوغاء )، أما تحديد الحقائق، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والوضوح في النقد، فهم عنه بمعزل، أليس من الغريب أن دعاة ( الرأي والرأي الآخر ) قد ضاقوا ذرعاً بالرأي الآخر، فانبروا لـ ( مقاطعة المقاطعة ) مثلاً، رافعين شعار ( لا لمقاطعة البضائع الدانماركية ) [11]، متنقِّصين بحماسة ظاهرة خيار الأمة في المقاطعة بأسلوب استفزازي، تصل بصاحبها إلى حد اتهام الأمة بالسطحية والسذاجة، ومتابعة العواطف دون العقول، وأن ما يُرى لا يعدو أن يكون ظاهرة صوتية ليس إلا، وما الأمر إلا كزوبعة في فنجان، هكذا تكون حماستهم لتسجيل مواقفهم في مصادمة الأمة والسبح ضد التيار بدل تسجيل المواقف في موافقة الحق الذي عليه سواد الأمة على مذهب ( خالف تعرف ) ! لينكشف للجميع أنهم ليسوا المؤهلين لنقل همّ الأمة، ونبض الشارع، ومن يطالع طرحهم بهذا الخصوص يعلم أنهم ملفوظون على المستوى الشعبي، وأن ما يسطِّرونه في هذا السياق محل رفض ومقاطعة .

من المظاهر اللافتة للنظر هذا التحرك الليبرالي المشبوه لإنهاء الأزمة بأقل مكاسب ممكنة للمسلمين، وأكبر قدر من الأرباح للمعتدين، وإلا فما الذي يفسر هذا التعجل المريب في نشر وترويج وقبول كل ما يُدَّعى أنه اعتذار لمجرد أنه مصدّر بكلمة ( اعتذار )، وإن كان عند أهل البصيرة والعمى ليس اعتذاراً ولا حتى شبه اعتذار [12] ؟ وطالع ما شئت من الاعتذارات المقدمة حتى اليوم هل تجد فيها تجريماً لما وقع أو تخطئة لما جرى، غاية الأمر أنهم يقولون : إننا نأسف إن آذينا مشاعركم، لكن لنا الحق في سب نبيكم !! فهل يسمى هذا اعتذاراً يا عباد الله ! أم هو جرم جديد يحتاج إلى اعتذار ؟ وهل يصح أن تُنهى الأزمة بمثل هذا الكلام، وأن يقال فيهم : « خير الخطائين التوابون » ؟ [13] .

إن الأمة اليوم تقف موقف قوة يمكنها من تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ومع كل يوم يمر يكون للأمة الحق في أن ترفع سقف المطالبات، استجابة للواقع وتفاعلاً مع الأحداث، ولو أن أصحاب البقر كانوا أذكياء لأنهوا الأزمة من أولها بالاعتذار الصريح وأغلقوا الملف قبل وصوله للعالم الإسلامي، لكن للغباء والغطرسة الدانماركية ضريبتها والتي يجب أن تؤخذ منهم، ولا يصح أن يُتنازل عنها بحال . إننا لا نريد التعجيز أو وضع المطالبات الممتنعة المستحيلة في ظرف استضعاف تعيشه الأمة على الصعيد العالمي، لكننا نريد أن نخرج من هذه الأزمة بأكبر قدر من المكاسب والأرباح الممكنة، والتي تكفل لنا وتضمن فيما تضمن حقنا في عدم وقوع مثل هذا الانتهاك مجدداً، وحقنا في نشر ديننا والدعوة إليه كما هو من غير تحريف أو تشويه، وليحفظ التاريخ لنا هذا الموقف وهذه الوقفة، ولتكون الدانمارك أنموذجاً لما يمكن أن يحصل متى ما مُسّ جناب نبينا بسخرية أو استهزاء !

أما محاولة إغلاق ملف القضية بأي وسيلة وكيفما اتفق فخيانة لجناب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته ينبغي أن تكون محل المحاسبة والجزاء، وهي دليل على ضيق عطن بما يحصل . وإن تطويل الأزمة ليست في صالح القوم، ألم أقل إن المشروع الليبرالي معطل، وأن فصل الخريف هذا لا بد أن ينتهي أو يُنهى ؟!

-
________________________

(1) انظر - مثلاً - مقال (ربيع المتطرفين) , جريدة الوطن , 10/1/1427 هـ .

(2) انظر - مثلاً - مقال (ربيع المتطرفين) , جريدة الوطن , 10/1/1427 هـ .

(3) من مقال (زلزال الكاريكاتير جراحة دقيقة في جسد الحدث) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ .

(4) انظر - مثلاً - من مقال (تهدئة الخواطر) , جريدة عكاظ , 12/1/1427 هـ - و مقال (تأملات في الحدث) , جريدة عكاظ , 9/1/1427 هـ - و مقال (الإساءة للأديان -- رؤية في كيفية الخروج من نفق الدمار) , جريدة الشرق الأوسط 7/1/1427 هـ - و مقال (المسكوت عنه في مسألة الكاريكاتير) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ - و مقال (صراع الحضارات -- من إنتاج عاصمة الزبدة) , جريدة الشرق الأوسط , 7/1/1427 هـ .

(5) انظر مقال (زلزال الكاريكاتير جراحة دقيقة في جسد الحدث) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ .

(6) انظر مقال (ربيع المتطرفين) , جريدة الوطن , 10/1/1427 هـ - و مقال (التطرف ركوب موجة مكشوفة) , جريدة الشرق الأوسط , 8/1/1427 هـ - و مقال (نيران صديقة !) , جريدة الشرق الأوسط , 7/1/1427 هـ .

(7) انظر مقال (صانعوا الكوابيس : بعدما اختطفوا عقولنا يريدون خطف قرارنا) , جريدة الشرق الأوسط , 8/1/1427 هـ .

(8) انظر مقال (صانعوا الكوابيس : بعدما اختطفوا عقولنا يريدون خطف قرارنا) , جريدة الشرق الأوسط , 8/1/1427 هـ .

(9) انظر مقال (زلزال الكاريكاتير -- جراحة دقيقة في جسد الحدث) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1 /1427 هـ .

(10) انظر مقال (زلزال الكاريكاتير -- جراحة دقيقة في جسد الحدث) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ - و مقال (الإساءة للأديان -- رؤية في كيفية الخروج من نفق الدمار) , جريدة الشرق الأوسط 7/1/1427 هـ - و مقال (صراع الحضارات -- من إنتاج عاصمة الزبدة) , جريدة الشرق الأوسط , 7/1/1427 هـ - و مقال (فريق من أسوأ المحامين) , جريدة الشرق الأوسط , 6/1/1427 هـ .

(11) انظر مقال (لا تقاطعوا المنتجات الدنماركية) , جريدة الشرق الأوسط , 18/12/1427 هـ .

(12) انظر - مثلاً - مقال (زلزال الكاريكاتير -- جراحة دقيقة في جسد الحدث) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ - و مقال (صانعوا الكوابيس : بعدما اختطفوا عقولنا يريدون خطف قرارنا) , جريدة الشرق الأوسط , 8/1/1427 هـ - و مقال (ربيع المتطرفين) , جريدة الوطن , 10/1/1427 هـ .

(13) و مقال (المسكوت عنه في مسألة الكاريكاتير) , جريدة الشرق الأوسط , 12/1/1427 هـ .

--------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:51 AM
منطلقات شرعية في نصرة خير البرية
ـــــــــــــــــــ

(عبد العزيز بن ناصر الجليل)
ــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


إن ما يشهده العالم الإسلامي هذه الأيام من غضبة عارمة، وحملة مباركة لنصرة سيد البشر نبينا - صلى الله عليه وسلم -، والدفاع عن عرضه الشريف أمام الهجمة الشرسة القذرة التي يشنها الغرب الصليبي على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتتولى كبرها بلاد الدانمارك . إن في هذه القومة المباركة لنصرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر ويبث الأمل في النفوس ويؤكد أن أمة الإسلام أمة مباركة ومرحومة ولا زال فيها الخير، والرصيد العظيم في مقاومة أعدائها والنكاية بهم حتى ولو كانت ذليلة مستضعفة ؛ فكيف لو كانت قوية ومتمكنة ؟
ولقد ظهر في هذه الحملة قدرة الأمة على النهوض والتكاتف والتعاون على إلحاق الأذى الشديد بالعدو المتربص . وقد ظهر ذلك في هذه القومة الشاملة لمختلف شرائح الأمة رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أغنياء وفقراء، عوامَّ ومثقفين ؛ وذلك في الكتابات الكثيرة المتنوعة لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك في المقاطعة المباركة التي آتت أُكُلها وثمارها في إنهاك اقتصاد المعتدين .
أسأل الله - عز وجل - أن يبارك في جهود القائمين بهذه النصرة سواء من كتب أو خطب أو قاطع وهجر منتجات القوم . وليس هذا بكثير في نصرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، والذي هو أوْلى بنا من أنفسنا، والذي قال لنا ربنا- سبحانه - عنه : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ( التوبة : 128 ) . والذي بلغ الكمال الإنساني في الشمائل والأخلاق وفي عبادة ربه - سبحانه وتعالى - . وكل هذا يفرض علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأولادنا وأموالنا، وأن نفديه بالنفوس والمهج والأولاد والأموال .
وبما أن الحديث عن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن حقوقه، وحقيقة أعدائه وحقدهم قد قام به المسلمون في شتى بلدان المسلمين بأقوالهم ورسائلهم وكتاباتهم ومقاطعتهم، فلن أكرر ما كُتب وقيل ؛ ففيه إن شاء الله الكفاية .
غير أن هناك بعض الوصايا التي أنصح بها نفسي وإخواني المسلمين في ضوء هذا الحدث الجلل أرى أنها من حقوق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وهي من لوازم نصرته وموجبات محبته . ولكن قد تغيب عن بعضنا وتُنسى في زحمة الردود واشتعال المشاعر والعواطف .

* الوصية الأولى :
------------

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » [ البخاري : 1 ] وعندما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل الله ؟ » قال : « من قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله » [ البخاري ( 2810 )، مسلم ( 1904 ) ] .
والمقصود من إيراد هذين الحديثين الشريفين أن يحاسب كل منا نفسه، وهو يشارك في هذه الحملة المباركة للدفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم – ويتفقد نيته في قومته هذه . هل هي خالصة لله - تعالى - ؟ أم أن هناك شائبة من شوائب الدنيا قد خالطت نيته كأن يظهر للناس غيرته وحرصه على الدين وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو تكون مجرد حمية وعصبية ومفاخرة أو إرادة دنيا ومكانة بين الناس، أو غير ذلك من الأغراض . وهذا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله - عز وجل - . ومع إحسان الظن بالقائمين بهذه النصرة وأنهم إن شاء الله - تعالى - إنما قاموا بذلك حباً لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إلا أن محاسبة النفس في هذا الشأن، وغيره من العبادات أمر واجب على كل مسلم حتى يبارك الله - عز وجل - في الأعمال، ويحصل منها الأجر والثواب، وإلا ذهبت هباءً منثوراً ؛ إن لم يأثم صاحبها ويعاقب على ذلك.

* الوصية الثانية :
-----------

قال الله - تعالى - : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ( آل عمران : 31 ) .
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » .
« يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند تلك الآية : هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه وفي الأمر نفسه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » . ولهذا قال : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 ) أي : يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم ؛ وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء : ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ . وقال الحسن البصري وغيره من السلف زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 )
ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - « لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى ؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حرقة الشجِيِّ . فتنوع المدعون في الشهود . فقيل لا تُقبل الدعوى إلا ببينة : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 ) فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه » ( من مدارج السالكين 3/9 ) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : « فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، ليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود و النصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب، فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين . وهكذا أهل البدع ؛ فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شَوْب من محبة المشركين واليهود والنصارى، بحسب ما فيه من البدعة ؛ فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر » ( الفتاوى 8/361، 360 ) .
والمقصود من إيراد ألآيه التي في سورة آل عمران وكلام أهل العلم عندها، وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه ويختبر صدق محبته لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - في قومته ونصرته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ إن علامة حبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصدقنا في نصرته أن نكون متبعين لشرعه وسنته، وأن لا يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } ( الصف : 2-3 ) .
- فيا أيها الذي تعبد الله - تعالى - بغير ما شرع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقام لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : زادك الله غيرة وغضباً لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ! ولكن اعلم أن الذي قمتَ لنصرته هو القائل : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » [ البخاري : 2697 ] وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال لمما يؤذي نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - ويسيء إليه . فاحذر أن تكون ممن يدعي محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه ؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والاتباع، ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته . وأشنع من هذا من يدعي محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم – ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر ويدعوه أو يدعو علياً والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله . أو يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسب أزواجه أو أصحابه ؛ فإن كل ذلك يدل على كذب أولئك المدعين .
- ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ! إن هذا منكم لعمل طيب مشكور ؛ ولكن تفقَّدوا أنفسكم فلعل عندكم وفي بيوتكم وبين أهليكم ما يغضب الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من آلات اللهو، وقنوات الإفساد ومجلات اللهو والمجون ؛ فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لمما يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته ؛ إذ إن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتباعه ؛ لأن المحب لمن يحب مطيع .
- ويا أيها التاجر الذي أنعم الله - تعالى - عليه بالمال والتجارة ! إنه لعمل شريف، وكرم أصل أن تهبَّ لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وتهجر وتقاطع منتجات القوم الكفرة الذين أساؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآذوه . ولكن تفقَّد نفسك ومالك عسى أن لا تكون ممن يستمرئ الربا في تنمية أمواله، أو ممن يقع في البيوع المحرمة، أو يبيع السلع المحرمة التي تضر بأخلاق المسلمين وأعراضهم وعقولهم . فإن كنت كذلك فحاسب نفسك وراجع صدق محبتك للرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قمت لنصرته . ألا تعلم أنك بأكلك الربا تعد محارباً لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وصدق القيام لنصرته . قال الله - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } ( البقرة : 278-279 ) ألا تعلم أن الأوْلى بالمقاطعة والهجر هو هجر ما حرم الله - عز وجل - من الربا والبيوع المحرمة والسلع المحرمة التي قد استمرأها الكثير من التجار ؟ قال الرسول – صلى الله عليه وسلم - : « المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » ( البخاري : 10 ) .
ولا يعني هذا التهوين من مقاطعة منتجات القوم، بل أرى الصمود في ذلك، ولكن أردت التنبيه إلى ضرورة تخليص حياتنا من هذه الازدواجية، وعدم المصداقية .
- ويا أيها القائمون على المؤسسات الإعلامية من صحافة، وإذاعات وتلفزة، وقنوات فضائية في بلدان المسلمين ! إنه لعمل مشكور هذا الذي تشاركون به في حملة الانتصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ألا يعلم بعضكم أنه يعيش حالة من التناقض، إن لم يكن ضرباً من النفاق، وذلك عندما يدعي محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصرته ممن أساء إليه من الكفرة، ثم هو في نفس الوقت يبث في صحيفته أو إذاعته أو تلفازه أو قناته الفضائية ما يسيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويؤذيه ؛ وذلك مما حرم الله - عز وجل - وحرمه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من إشاعة الفاحشة، وتحسين الرذيلة، وبث الشبهات، والشهوات، و النيل من أولياء الله - عز وجل - وأولياء رسول - صلى الله عليه وسلم - والاستهزاء بهم وبسمتهم وهديهم وعقيدتهم والله – عز وجل - يقول : « من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب » [ البخاري : 11/292 ] .
فكيف تعرِّضون أنفسكم لحرب الله - عز وجل - وأنتم تدَّعون نصرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والذب عنه ؟ إن الذب عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون بالتزام سنته، والذب عنها والتوبة من كل ما يقدح فيها، والتزام طاعته - صلى الله عليه وسلم - والصدق في محبته، وإلا كان هذا الانتصار مجرد ادعاء ومفاخرة ونفاق ؛ نعوذ بالله من ذلك .
- ويا أصحاب الحل والعقد في بلدان المسلمين ! إن أمانتكم لثقيلة فالحكم والتحاكم بأيديكم، والإعلام والاقتصاد بأيديكم، والتربية والتعليم بأيديكم، وحماية أمن المجتمع، وحماية الثغور بأيديكم ؛ فما أعظم أمانتكم ومسؤوليتكم أمام ربكم - عز وجل - وأمام أمتكم ؛ فهل تعلمون أن من رفض منكم الحكم بما أنزل الله - عز وجل - واستحل ما حرم الله - عز وجل - إنما هو من أعظم المسيئين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمناوئين له ... ؟
وفي ختام هذه الوصية : أرجو أن لا يُفهم من كلامي أني أهوِّن من هذه الحملة القوية لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدفاع عن عرضه الشريف، أو أني أدعو إلى تأجيلها حتى تصلح أحوالنا حكاماً ومحكومين . كلاَّ ؛ بل إني أدعو إلى مزيد من هذا الانتصار والمقاطعة والتعاون في ذلك كما هو الحاصل الآن والحمد لله رب العالمين، ولكنني أردت أيضاً الالتفات إلى أحوالنا وتفقد إيماننا، وصدقنا في محبتنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والانتصار له، بأن نبرهن على ذلك بطاعته - عليه الصلاة والسلام – واتباعنا لشريعته والذب عنها والاستسلام لها باطناً وظاهراً . قال الله - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ( البقرة : 208 ) . وقال - تعالى - : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً مُّبِيناً } ( الأحزاب : 36 ) . وقال -تعالى - : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } ( النساء : 65 ) .

* الوصية الثالثة :
-------------

إن ما حصل من إساءة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الإعلام الدنماركي، والنرويجي وغيرهما جرم عظيم ينم عن حقد متأصل في قلوب القوم، ولكن ينبغي أن لا تنسينا مدافعة هؤلاء القوم من هو أشد منهم خبثاً وحقداً وضرراً على المسلمين، ألا وهي طاغية العصر أمريكا حيث جمعت الشر كله، فوقعت فيما وقع فيه هؤلاء من الإساءة إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإهانة كتاب ربنا - سبحانه - وتنجيسه وتمزيقه على مرأى من العالم، وزادت على القوم بقتل أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان و العراق و فلسطين، وسامت الدعاة والمجاهدين سوء العذاب في أبي غريب وأفغانستان، وسجونها السرية في الغرب والشرق، فيجب أن يكون لها الحظ الأكبر من البراءة والانتصار منها لربنا عز وجل ولكتابه - سبحانه - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ننبه الناس في هذه الحملة الميمونة إلى هذا العدو الأكبر وأنه يجب أن يكون في حقه من إظهار العداوة له والبراءة منه ومقطاعته كما كان في حق الدانمارك بل أكثر وأشد .
وأتوجه بهذه المناسبة إلى المنادين بمصطلح ( نحن والآخر ) والمطالبين بالتسامح مع الآخر الكافر وعدم إظهار الكراهية له، أقول لهم : هذا هو الآخر الذي تطلبون وده وتتحرجون من تسميته بالكافر . إنه يرفض ودكم، ويعلن كراهيته لديننا ونبينا، وكتاب ربنا - سبحانه - فماذا أنتم قائلون ؟ ! وهذا من عدونا غيض من فيض، وصدق ربنا - سبحانه - إذ يقول في وصفهم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ( آل عمران : 118 ) .-

* الوصية الرابعة :
---------------
إن من علامة صدق النصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نفرق في بغضنا وغضبتنا بين جنس وآخر ممن آذى نبينا - عليه الصلاة والسلام - وأساء إليه أو إلى دين الإسلام ؛ بل يجب أن تكون غضبتنا لله - تعالى – وتكون عداوتنا لكل من أساء إلى ربنا أو ديننا أو نبينا - صلى الله عليه وسلم - من أي جنس كان ولو كان من بني جلدتنا ويتكلم بألسنتنا . كما هو الحاصل من بعض كتاب الصحافة، والرواية، وشعراء الحداثة، والذين يلمحون تارة ويصرحون تارة أخرى بالنيل من أحكام ديننا وعقيدتنا، وإيذاء نبينا - صلى الله عليه وسلم -، بل وصل أذاهم وسبهم للذات الإلهية العلية تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً . فأين غضبتنا على هؤلاء، وأين الذين ينتصرون لله - تعالى - ودينه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من فضح هؤلاء والمطالبة بإقامة حكم الله فيهم ليكونوا عبرة لغيرهم ؟ إن الانتصار من هؤلاء لا يقل شأناً عن الانتصار ممن سب ديننا ونبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - في دول الغرب الكافر . يقول الله – عز وجل - : { لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ } ( المجادلة : 22 ) .

* الوصية الخامسة :
---------------

يقول الله - عز وجل - : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ( الإسراء : 36 ) .
يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية بعد أن ذكر أقوال أهل العلم : ( ومضمون ما ذكروه أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم، بل الظن الذي هو التوهم والخيال كما قال - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } ( الحجرات : 12 )، وفي الحديث : « إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث »، وفي سنن أبي داوود : « بئس مطية الرجل زعموا » ... وقوله : { كُلُّ أُوْلَئِكَ } ( الإسراء : 36 ) أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد { كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ( الإسراء : 36 ) أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها ) ا . هـ .
وفي ضوء هذه الآية الكريمة وما ورد في معناها نخرج بمنهج عادل وقويم في التعامل مع الأحداث، والمواقف ينصحنا الله - عز وجل - به، حتى لا تزلَّ الأقدام، وتضل الأفهام، وحتى لا يقع المسلم في عاقبة تهوره وعجلته . وذلك بأن لا ينساق وراء عاطفته، وحماسته الفائرة دون علم وتثبت مما رأى أو سمع فيقول بلا علم أو يتخذ موقفاً دون تثبُّت وتروٍّ .
إن المسلم المستسلم لشريعة ربه سبحانه محكوم في جميع أقواله ومواقفه وحبه وبغضه، ورضاه وسخطه بما جاء في الكتاب والسنة من الميزان العدل، والقسطاس المستقيم ؛ فإن لم يضبط المسلم عاطفته وحماسه بالعلم الشرعي والعقل والتروي فإن حماسته هذه قد تجره إلى أمور قد يندم على عجلته فيها .
والمقصود هنا التحذير من العجلة، والجوْر في الأحكام، والمواقف خاصة عندما تكثر الشائعات ويخوض فيها الخائضون بلا علم أو عدل، بل لا بد من التثبت ومشاورة أهل العلم والشرع وأهل الفهم بالواقع .
ومن أمثلة هذه المواقف المتسرعة في هذا الحدث ما تناقلته بعض المطويات ورسائل الجوال من وجوب المقاطعة لبضائع كثيرة بعضها ليست من منتجات القوم المقصودين بالمقاطعة، ومن ذلك التسرع في الحكم على من لم يقاطع بأنه آثم لا يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكما جاء في قول القائل : ( قاطع من لم يقاطع ) . ومن ذلك الإكثار من الرؤى والمنامات، والاستناد عليها في تصحيح موقف ما أو تخطئته، فهذا غلو خطير لا مبرر له .
وبعد : فهذا ما يسَّره الله - عز وجل - من هذه الوصايا التي أخص بها نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان ؛ مع التأكيد على ضرورة الصمود والمصابرة في البراءة من القوم، ومقاطعة منتجاتهم ؛ فما كان في هذه الوصايا من صواب فمن الله - عز وجل - فهو المانُّ بذلك، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي و الشيطان، وأستغفر الله - عز وجل - وأتوب إليه . والحمد لله رب العالمين .

---------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:54 AM
الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقـيره*
ـــــــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين خير الأولين والآخرين، أما بعد:
فمحبة المسلمين للرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم وتوقيرهم له والذبّ عنه، ليس مجرد عمل عاطفي تجاه شخصية محبوبة، وإنما هو دين يتديّنون به أثبته الله تعالى في كتابه، وجعل الفلاح من نصيب القائمين به، كما قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]. وقد قام أصحاب الرسول الكرام الأماجد - رضي الله عنهم - بذلك خيرَ قيام، وتابعهم في ذلك التابعون، وذلك مستمر بإذن الله تعالى إلى يوم الدين يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يكون للحق أعداء محاربون كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31]، وكما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]، وقوله: {مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43]، وكلما كان الحق أوضح وأشد نصاعة؛ جَهِد الأعداء المحاربون لله ورسله من الجن والإنس في عداوتهم للحق والسعي الشديد والكيد لإطفاء نوره. وأشد صور الحق نصاعة هو ما جاءت به رسل الله تعالى - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً -، وما جاء به رسولنا الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا في ذلك. ومن شأن الحق الواضح الجلي الذي لا تشوبه شائبة أن يمتلك القدرة الفائقة التي لا يُستطاع مقاومتها على خلع المشركين وأهل الجهل والضلالة مما هم فيه، ونقلهم بسرعة وقوة إلى معسكر الإيمان والتوحيد؛ ليكونوا من جنده المخلصين، ومن ثم كانت عداوة أهل الشرك والضلالة له صلى الله عليه وسلم، سواء في القديم أو الحديث، أشد وأشد، فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم في القديم شاعر، وقالوا ساحر، وقالوا مجنون، لكن أقوالهم الفاجرة الآثمة، إضافة إلى حربهم، لم تقوَ على إطفاء نور الحق أو حجبه عن الناس، فآمن به مَن كان مِن أشد الناس له عداوة وانتقل إلى حزب المؤمنين وصار من المدافعين بأموالهم وأنفسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كله تصديق لقوله تعالى له: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31]، فقد تكفّل الله تعالى بهدايته للحق وتبصيره بالرشد، وضمن له النصر على من ناوأه وعاداه من الإنس والجن جميعهم.
ولم تقتصر عداوة من عاداه صلى الله عليه وسلم على القديم، بل في العصر الحديث أيضاً، وربما كانت العداوة الآن أشد وأقسى، وذلك من جانبين:
1- جانب تيقن المشركين من قوة هذا الدين وثبات حقائقه ومن ثم ثبات أهله وتيقنهم منه، ومن ثم لا بد من بذل الجهود القوية المضاعفة لزحزحة بعض أتباعه عنه.
2- ضعف المسلمين الآن بالقياس إلى قوتهم في الأزمنة الغابرة، والذي يغري المشركين بالتطاول عليهم والطمع في تحقيق اختراق في جبهتهم، تمهيداً لإزالة الحق دين الإسلام، وهيهات ثم هيهات، ولو اجتمع من بأقطارها على ذلك فلن يفلحوا ولن ينجحوا.
فبعدما بَهرت أضواء الحق أبصار المشركين، وغزت دلائله وبيّناته عقولهم وقلوبهم، رغم ضعف إمكانات المسلمين العسكرية والتقنية، وانتقال كثير من المشركين من دائرة الكفر والشرك إلى دائرة التوحيد والإسلام والإيمان، وشعور أهل الكفر بغلبة الإسلام لهم وأنه قادم إلى عقر دارهم ليقتلع جذور الشرك من أرضهم النكدة؛ رأوا بأفكارهم العفنة وعقولهم النتنة أن القدح والطعن في سيد الخلق أجمعين محمد رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن أجمعين، ربما يعوق تقدم الإسلام في ديارهم، فاعتمدوا هذه الخطة الخبيثة وراحوا يطعنون ويسخرون ويرسمون ويمثلون بزعم حقهم في حرية التعبير. والحقيقة التي تفضحها الوقائع أن المسألة ليست مسألة حرية تعبير، بل هي الحرب والكيد للإسلام ولرسوله العظيم، وذلك:

أولاً: لأن ما يذكرونه ليس تعبيراً عن رأي في مسألة في الإسلام أو في رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كذب واختلاق وسخرية واستهزاء، وليس ذلك رأياً، بل فجور وسفاهة وإجرام وعدوان، ونحن نتحداهم إن كان لهم رأي يقوم على أدلة وبراهين أن يبرزوا لمناظرة علماء الإسلام وليستعينوا في ذلك بما شاؤوا، وليس ينتظرهم غير الخيبة والخسران وانكشاف باطلهم كما حاق بمن قبلهم من بني جلدتهم في كل مناظراتهم التي حدثت مع علماء المسلمين.

ثانياً: أن الحرية التي يزعمون يكبتونها ويسنون لها القوانين لمنعها وعقوبة فاعلها إذا كان في ذلك ما يحقق للمسلمين بعض أحكام دينهم؛ كما منعت فرنسا ارتداء المسلمات لحجابهن الشرعي، ثم سنت قانوناً لمعاقبة كل من تخالف ذلك من النسوة المسلمات، ولم ينظروا لمسألة الحرية التي بها يتشدّقون؛ وكذلك منعت هولندا بناء المآذن ولم تنظر لمسألة الحرية.

ثالثاً: أن هناك من الأمور التي يمكن بقوة إدراجها في حرية التعبير، إلا أنه يُمنع الناس من التعبير فيها، بل سُنّت القوانين لتجريم من يخالف الرواية المعتمدة من السلطات، ولم ينظروا لمسألة الحرية؛ فحرق اليهود في أفران الغاز من قبل النازيين مسألة تاريخية تثبت أو تنفى بالدلائل، ومع ذلك اعتمدت سلطات كثير من البلدان الرواية اليهودية في حرقهم في أفران الغاز بحيث يجرّم من خالفها ويعاقب على ذلك بالسجن، ولم ينظروا لحرية الرأي، ولا للأدلة التي يقدمها من ينفي هذه الواقعة أو من يبين المبالغة المتعمدة فيها.
فحرية الفكر المدّعاة أكذوبة من أكذوباتهم التي لا تفنّد.
ولو قُدّر أن هؤلاء القوم عندهم حرية تعبير فعلاً ويقدرونها حق قدرها، فإن مسائل ديننا لا تؤخذ من مجرد الفكر والتصور، بل هي قائمة على أدلة، وما يزعم من فكر في هذا المجال فهو من كذبهم واختلاقهم.
ولا ينبغي لنا أن نسكت على كذبهم وإفكهم وسخريتهم برسولنا الكريم واستهزائهم به لرؤيتهم أن هذا من قبيل حرية التعبير، فديننا ورسولنا ورسل الله جميعهم لا يمكن للمسلم أن يتنازل في حقهم وتعظيمهم لمن يرى أن من حقه السخرية منهم والطعن فيهم، وما تجرّأ الكفار المشركون على تكرار التنقص من رسولنا الكريم إلا لما رأوا من ضعف رد المسلمين على إفكهم، ولو كان رد المسلمين رداً مكافئاً لجرمهم بالمقياس الشرعي لما كرّروا ذلك الأمر ولأدبهم الرد الشرعي عن محاولة تكراره، فقد بدأ ذلك المجرم المرتد سلمان رشدي بكتابة آيات شيطانية، وقد لعبت السياسة دورها في حصر المشكلة في رد فعل الشيعة على سلمان رشدي، لكن الفتوى التي أصدرها إمام الشيعة في زمنه أخافته وأخافتهم كثيراً، فلما هدأت العاصفة كرّمت ملكة بريطانيا المرتد سلمان رشدي وقلدته وسام الفارس وهو لم يقدم شيئاً يخدم به أمة الإنجليز، وكان الذي قدمه هو كتابه الفاجر «آيات شيطانية»، فهي تكرمه على قدحه في الإسلام، ما يدل على أن المسألة خارجة عن حرية التعبير، ثم قامت جريدة دنماركية بنشر رسوم كاريكاتورية فيها سخرية بسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وكان رد الفعل ضعيفاً لم يتجاوز المقاطعة الاقتصادية التي ما لبثت أن تروجع عنها ولم تمكث طويلاً، ثم كانت ثالثة الأثافي الفيلم الذي أنتجه النصارى العرب في أمريكا يسخرون فيه من سيد البشرية، ولم يزد رد الفعل عن مقاطعة موقعي «جوجل» و«يوتيوب» المسؤولين عن نشره على المواقع الإلكترونية، والمقاطعة ليست كافية في ذلك ولا تمنع من هذا العمل ولا من تكراره مرة أخرى، كما أن هناك حكماً شرعياً فيمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو سخر منه أو تنقصه، وحكمه في ذلك القتل حداً، فلو أسلم وتاب لم يسقط عنه حد القتل، فالساب أو المستهزئ أو الساخر من سيد ولد آدم يقتل حداً، سواء كان مسلماً أو كافراً معاهداً أو كافراً حربياً، ولن يوقف هذا المسلك المشين من هؤلاء المشركين إخوان القردة والخنازير؛ غير تطبيق الحكم الشرعي عليهم، والذي أراه في ذلك أن يحدَّد القائمون بذلك العمل العدواني على مقدسات المسلمين، وتجرى التحقيقات حول ذلك، وتطالب البلدان التي تأويهم بتسليمهم لمحاكمتهم على ما اقترفوه، فإن أبت تلك الدول تسليمهم حوكموا غيابياً، فإذا صدرت الأحكام بحقهم طولبت تلك الدول طلباً حثيثاً بتسليمهم، فإن لم تقبل بتسليمهم نظر لتلك الدول على أنها دول تأوي مجرمين مطلوبين للعدالة الإسلامية، ثم تبيح الدولة التي أصدر قضاتها الحكم لرعاياها العمل على تنفيذ الحكم الصادر، ومثل هذا سيؤدي بكل تأكيد إلى دخول هذه الفئران إلى جحورها وعدم قدرتها على الظهور العلني، وسيقلص إلى أكبر حد ممكن من هذه التصرفات المجرمة، وستشعر تلك الدول التي تأوي هذه الجراثيم البشرية أن المسلمين جادون في عقوبة من ينتقص دينهم بكل سبيل، عقوبة حقيقية موجعة، ومن ثم فإنهم سيتعاهدون على كف سفهائهم عن تلك التصرفات. لقد أباحت أمريكا لقواتها أن تقوم بتنفيذ العدالة من وجهة نظرهم على من يعاديها، وسنت لذلك القوانين، ورأينا لذلك الطائرات التي تعمل من دون طيار تخترق أجواء الدول دون أذن، وتقوم بالدخول إلى المناطق التي يظنون فيها وجود من يبحثون عنهم، وقتلهم، ويعدون ذلك التصرف تصرفاً قانونياً، فلا يصلح أن يكون حرص هؤلاء على دنياهم أشد من حرصنا على ديننا وتعظيم رسولنا والذبّ عنه، فليس هناك ما يحول بيننا وبين إجراء هذه المحاكمات إذا كنا ننوي الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

---------------------------------------------
*{م:البيان}
ــــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 09:58 AM
هل ستنتصر الأمم المتحدة لسـيد المرسـلين؟!
ـــــــــــــــــــــــــ

(فيصل بن علي الكاملي)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هـــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

تردَّدت في أعقاب الهجمة الأخيرة المعهودة من أهل الكتاب على خير البشر - صلى الله عليه وسلم - دعواتٌ من جهات شتى مطالبةً الأمم المتحدة باستصدار قرار يقضي بعدم الاعتداء على المقدسات أو المساس بالأديان.
إنه لمن المؤسف حقاً أن يظن بعض المسلمين أن استصدار مثل هذا القرار سيضمن حماية لمقدساتهم وعقيدتهم دون التنازل عن ثوابتهم مقابل هذه «الحماية الدولية». فهذه الدعوة ليست نتيجة الأحداث الأخيرة التي هي سنة ربانية في حق الرسل وأتباعهم من المؤمنين، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31]، بل هي واحدة من محاولات بدأت على الأقل منذ عام 1999م لوضع ضوابط كلية تهدف الأمم المتحدة من خلالها إلى توجيه عقائد العالم كما توجه سياساته، وهو ما يمكن تسميته «عولمة الدين».
لما قامت شركة الأزياء الفرنسية (Marithé François Girbaud) عام 2005 بتمثيل المسيح - عليه السلام - وحوارييه (وفقاً للمعتقد الكاثوليكي) بطريقة تحاكي لوحة «العشاء الأخير» التي رسمها ليوناردو دا فنشي؛ سارع القضاء الفرنسي إلى تجريم هذا الفعل ومنع نشر الإعلان، واصفاً إياه بـ «التدخل السافر غير المبرر في عقائد الناس الجوهرية»[1]، ثم أصدرت الحكومة الإيطالية قراراً مشابهاً لأن في الإعلان اعتداء على الطائفة الكاثوليكية. لقد توقفت حرية التعبير عندما جُرحت مشاعر البابوية، فسارعت الدولتان الكاثوليكيتان فرنسا وإيطاليا إلى تكميم الأفواه لما كان الأمر متعلقاً بمرجعيتهما، لكن اعتداء زعيم الصليبية على الإسلام ونبيه # لم يحرك في دول الغرب ساكناً ولم يعتذر هو عن ذلك، بل لم تتجرأ الحكومة الأمريكية على نقده لما تعدى على الطائفة البروتستانتية في زيارته للولايات المتحدة عام 2007م وعَدَّ كنائسها باطلة.
لكننا هذه المرة أمام تجاوز غير كاثوليكي (بل قبطي أورثودكسي في الظاهر) يمكن أن يستغل ليُستصدر به قانون يحفظ حقوق الأقليات النصرانية باسم الدفاع عن الأديان، ولهذا أعرب الفاتيكان عن رفضه للفيلم ودعوته إلى السلام في لغة مزدوجة مألوفة من معقل الصليبية الذي كان بالأمس القريب طعّاناً في الإسلام. وتبعاً لذلك سارع البطريرك الماروني بشارة الراعي بعد لقائه سيده البابا بندكت السادس عشر، إلى الدعوة لقانون يمنع الاعتداء على الأديان، وأعرب في ثنايا دعوته عن أن النيل من الإسلام نيل من جميع الأديان. لكن بطريرك المارون لم يخفِ غرضه من الدعوة، بل صرح - وفقاً لوكالة الأنباء (Romereports) – بأن النصرانية مستهدفة غالباً، وأن يسوع (عيسى عليه السلام) والكنيسة والكتاب المقدس، يتعرضون للهجوم والشتم في الأفلام والوثائقيات، وللحيلولة دون ذلك يريد من الأمم المتحدة أن تتدخل بإصدار قرار[2].
وهذا مربط الفرس بالنسبة لكبراء النصارى الداعين إلى قانون يجرّم الاعتداء على الأديان والمقدسات، فهم سيتخذون من هذا الحدث سُلَّماً يرتقون به إلى ما يضمن مصالحهم، وعلى رأس هذه المصالح حماية وتسمين الأقليات النصرانية في بلاد الإسلام بعد أن تبيّن جلياً سعي دول الغرب الاستعمارية في الأعوام الأخيرة إلى استغلال بعض الأحداث المتعلّقة بالأقليات في العراق ومصر وغيرهما في محاولة للتدخل في شؤون البلاد الإسلامية، لكن هذا التدخل قد يتخذ في المستقبل مجرىً رسمياً دولياً تحت مظلة الأمم المتحدة.
لعل صيغة القرار النهائية لقانون مناهضة الاعتداء على الأديان، محفوظة في الأدراج لحين الحاجة إليها، بل إننا نمتلك صيغة مشابهة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والستين بتاريخ 11 أبريل 2011م، عنوان القرار «مناهضة تشويه صورة الأديان»، وهاك فقرات من تلك الوثيقة:
«ترحب [الجمعية] بما أعرب عنه في إعلان اﻷمم المتحدة لﻸلفية الذي اعتمدته الجمعية العامة في 8 أيلول/ سبتمبر 2000 منتصميم على اتخاذ تدابير للقضاء على اﻷفعال العنصرية وكراهية اﻷجانب المتزايدة في مجتمعات كثيرة».
«وإذ تعرب [الجمعية] عن بالغ القلق إزاء ازدياد العنف العنصري واﻷفكار الداعية إلى كراهية اﻷجانب في أنحاء عديدة من العالم وفي الدوائر السياسية ولدى الرأي العام وفي المجتمع ككل، نتيجة لأمور عدة، منها: معاودة اﻷحزاب والرابطات السياسية المنشأة على أساس برامج ومواثيق عنصرية ومحرضة على كراهية اﻷجانب وقائمة على فكرة التفوق اﻹيديولوجي... والتمادي في استغلال تلك البرامج واﳌواثيق للترويج لﻺيديولوجيات العنصرية أو التحريض على اعتناقها».
«تﻼحظ [الجمعية] مع القلق أن الحط من شأن اﻷديان والتحريض على الكراهية الدينية عموماً، يمكن أن يؤديا إلى التنافر اﻻجتماعي وانتهاك حقوق اﻹنسان، وإذ يثير جزعها عدم اتخاذ بعض الدول أي إجراءات لمكافحة هذا الاتجاه المتنامي وما ينجم عنه من ممارسات تمييزية ضد معتنقي أديان معينة».
خلاصة القول: إن قرار الأمم المتحدة المعَدّ سابقاً سيساوي بين الضحية والجلاد، وسيسعى إلى تسوية دين الله الحق بغيره من أديان البشر تحت ذريعة محاربة الأحزاب والجماعات التي تمارس العنف لقيامها «على فكرة التفوق الإيديولوجي». وسيترتب على هذا تمييع القضايا العقدية الجوهرية كالولاء والبراء، وسيعد استعمال بعض الألفاظ الشرعية كـ «الكافر» و«المبتدع» من الدعوة إلى الكراهية والتعدي على حقوق الإنسان، وقد يمنع المسلم من نقض عقائد التثليث والصلب ونحوهما في سياق دعوته النصارى باعتباره تجاوزاً على خصوصيات الآخر، وقد يُجرَّم القائل بأن كتب اليهود والنصارى محرفة. وقد قلت قبل عامين تقريباً لأحد الإخوة مُتندِّراً: يوماً ما قد يُصادَق على الأحكام الشرعية في بلاد الإسلام من قبل الأمم المتحدة، ولا أراه بعيداً.
إن دور الأمم المتحدة على الصعيد الديني لن يقل خطورة ومراوغة عن دورها على الصعيد السياسي، وهو حلقة في مشروع العولمة (أو النظام العالمي الجديد)، الذي يسعى للقضاء على ثوابت الدين وتتبناه هذه المنظمة، بل تتولى كبره.
-----------------------------------------

[1]  BBC News «French Court Bans Christ Advert».
[2]http://www.romereports.com/palio/catholic-patriarch-un-resolution-thatoutlaws-religious-defamation-is-needed-english-7740.html#.UGaqTpjMiJo.


-------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 10:02 AM
الكنيسـة المصرية ودماء الإساءة للنبي الكريم
ـــــــــــــــــــــــ

(عصام زيدان)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


بعدما تولى شنودة الثالث منصبه كرأس للكنيسة في بداية السبعينيات من القرن الماضي خلفاً للبابا كيرلس، اختلف حال الكنيسة الأرثوذكسية في مصر اختلافاً جذرياً، حيث خطّ شنودة للأقباط خطاً مغايراً لكل من سبقه، وقاد الكنيسة إلى ما يمكن أن نسميه «المسيحيّة السياسية».
فكانت الكنيسة، حتى قبيل تولي شنودة منصبه، تكتفي بدورها الكهنوتي الديني، ولم يكن يعرف لها بعد سياسي، وحينما تولى شنودة سدة البابوية راح يتخذ من الأدوات والآليات التي تسمح بتمدّد نفوذ الكنيسة من الرهبنة والنشاط الديني إلى المعترك والمسرح السياسي، معتقداً أن هذا التمدد يمكن أن يحقق للأقباط امتيازات ومكاسب ضخمة على الأصعدة كافة، وفي مقدمتها السياسة.
وهكذا انتقلت مهمات الكنيسة المصرية من مجرد الإشراف والتوجيه الديني إلى تحديد الخيارات السياسية للأقباط والتفاوض نيابة عنهم مع النظام الموجود حينذاك.
واللافت في تلك الحقبة التي كان فيها شنودة على رأس الكنيسة، أيضاً، تزايد الاستفزاز لمشاعر المسلمين الذي مارسته الكنيسة والذي لا يمكن وصفه بالعفوي أو غير المقصود، وقد تجلى ذلك على سبيل المثال في حادثة كنيسة محرم بك في الإسكندرية عام 2005، وإخراج مسرحية تسخر من بعض الشعائر والمقدسات الإسلامية، ومن قبلها كان الإصرار على تسليم «وفاء قسطنطين» إلى الكنيسة واعتقالها في أحد الأديرة بوادي النطرون، حيث مقر اعتكاف البابا شنودة عام 2004.
ولذا؛ فإن ما جاء في الفيلم المسيء للنبي الكريم، الذي ظهر مؤخراً، هو على وجه الحقيقة يتردّد منذ زمن في الكنيسة الأرثوذكسية، وفي القنوات الفضائية المسيحية، والغرف الصوتية، والمنتديات التنصيرية، ومن شخصيات رسمية كنسية.
وقد عكس تصريح خطير للأنبا ماكس ميشيل، المعروف باسم ماكسيموس الأول، «راعي كنيسة المقطم»؛ هذه الحالة في عهد شنودة بقوله: «لم تشهد مصر أي أحداث طائفية إلا في عهد البابا شنودة؛ نظراً لتعامله مع هذه الأحداث بشكل تسبّب في تأجيج الوضع الطائفي، فكانت سياساته بمنزلة الذي يسكب الزيت على النار، فقد كان يحرض الأقباط على الثأر من المسلمين وحمل السلاح، وقد شاهدت إحدى هذه الوقائع بعيني عندما كنت في الكنيسة وسمعته يطالب مجموعة من المسيحيين برفع راية الاستشهاد وعدم العودة إلى الكنيسة إلا وهم أموات». (المصري اليوم 2/7/2006).
وفي إطار تسييس الكنيسة الأرثوذكسية، كذلك، لا يخفى الدور الذي لعبه شنودة في دعم وتكوين ما عُرف بمنظمات أقباط المهجر، فعندما تولى شنودة منصب البابوية لم يتجاوز عدد الكنائس القبطية في المهجر سبع كنائس فقط، أما الآن فقد قاربت المائتي كنيسة؛ منها 80 كنيسة تقريباً في الولايات المتحدة، و50 في أوروبا، وقد اعتبرت هذه المنظمات بمنزلة قنطرة التأثير السياسي من الخارج على صانع القرار المصري.
وفي مرحلة ما بعد شنودة وجدت الكنيسة المصرية نفسها في مأزق كبير تمثل في ثلاثة متغيرات:
الأول: غياب شنودة، العقل المدبّر لهذا التوجه.
الثاني: تغيير نظام الحكم في مصر بتغييب السلطة التي طالما خضعت لضغوط الأقباط.
الثالث: صعود تيار الإسلام السياسي على منصة الحكم.
والظاهر أن الكنيسة أرادت أن تستمر في أداء دورها والاستمرار على النهج الذي تركها عليه شنودة، والذي يتمثل في ثلاث ركائز أساسية:
الركيزة الأولى: التأثير في القرار السياسي بما يخدم مصالح الأقباط كطائفة داخل المجتمع المصري ولو على حساب المجتمع بأسره.
الركيزة الثانية: الاعتماد على الذراع الخارجية الممثلة في أقباط المهجر للضغط على النظام السياسي الداخلي، وتحقيق مكاسب قبطية، فالكنيسة، بدلاً من أن تمارس أدوارها السياسية بذاتها وتدخل في مواجهة ربما لا تكون محسوبة مع تغير البيئة السياسية في الداخل المصري وذهاب الظهير المساند الممثل في النظام المخلوع الذي صاحبه، كذلك، غياب الموجه والمؤسس لهذا التوجه؛ اتخذت من أقباط المهجر رافعة للوصول إلى مآربها وأهدافها.
الركيزة الثالثة: إيجاد مناعة لدى جمهور النصارى في مصر من التأثر بالإسلام؛ من خلال الإساءات المستمرة للمقدسات الإسلامية، واستنفار حاستهم الدينية في مواجهة المسلمين.
ومن هنا، نستطيع أن نفهم دور الكنيسة المصرية في الفيلم المسيء للنبي الكريم، والمسمى «براءة المسلمين»، فمن البداية سنجد الخيوط كلها تقودنا إلى مسؤولية الكنيسة في مصر عن هذا الفيلم، كونها الراعية الرسمية لأقباط المهجر الذين يأتمرون بأمر تلك الكنيسة التي كان لها اليد الطولى في إنشاء وتمكين أقباط المهجر، خاصة في الولايات المتحدة، على نحو ما عرضنا سابقاً.
كما أن أقباط المهجر التسعة المشاركين في إنتاج الفيلم المسيء، أنتجوه باللغة العامية المصرية، وليس باللغة العربية الفصحى، وهو ما يحمل دلالة على السوق الذي أراد منتجو الفيلم أن يتوجه إليه، فهل يمكن أن يغزو هؤلاء التسعة بلادنا بهذه الإساءة دون علم ومعرفة وموافقة الكنيسة الأم في مصر؟!
وللتأكيد على الدور الذي لعبته الكنيسة المصرية في إنتاج هذا الفيلم، سنجد أن كاتبه المسيء، نيقولا باسيلي، اعتمد على مصدرين اثنين في الكتابة: الأول: رواية مسيئة للرسول الكريم كتبها القمص مرقس عزيز، وهو كاهن كنيسة من مصر مقيم في الولايات المتحدة. والمصدر الثاني: مجلة رسوم ساخرة من الرسول الكريم طبعها القمص ذاته في الولايات المتحدة عام 2010.
وكما تقول صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فإن القس المصري المتطرف زكريا بطرس هو الآخر من المسؤولين عن الفيلم المسيء للرسول، مؤكدة أن كل صنّاع الفيلم، وعلى رأسهم عصمت زقلمة، الداعي إلى تقسيم مصر ورئيس الدولة القبطية المزعومة، وموريس صادق، الذي يهاجم مصر في كل المحافل الدولية؛ من أتباع القس زكريا بطرس والمؤمنين بأفكاره.
وبطرس، هذا، يتحدث دائماً وهو يرتدي الزي الرسمي للكنيسة المصرية، وكتبه تحمل صورة شنودة، وكان يلتقي شنودة في الولايات المتحدة كلما ذهب إليها هذا الأخير، بل حين سئل شنودة عما يردّده بطرس لم ينكر عليه، بل تحدث بما يشير إلى تأييده.
ثم إننا نجد أن باسيلي اعتمد في التمويل على أموال أرسلتها زوجته المصرية.. فهل تركته زوجته يدخل السجن في قضية مالية وأشفقت عليه وأغدقت عليه مالاً لينتج الفيلم المسيء، أم أن أموال الكنيسة المصرية الخارجة عن الرقابة كانت هي المصدر الرئيس لإنتاج وتمويل الفيلم؟!
فكل هذه الشواهد والدلالات تؤكد أن للكنيسة المصرية سهماً وافراً في هذا الفيلم المسيء، وتلوثت يدها بدماء الإساءة للنبي الكريم.
وهذا ما يقودنا إلى السؤال الأهم، وهو عن ماهية الأهداف التي تسعى إليها الكنيسة في مصر من نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت؟
ونحن نرى أن هناك عدة أسباب كانت من وراء نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت، منها:
أولاً: إعطاء رسالة واضحة لصنّاع السياسة في مصر، ولكاتبي الدستور المصري الجديد، أنه حتى مع غياب نظام الرئيس المخلوع، وهلاك رأس الكنيسة شنودة؛ فإن الكنيسة ما زال لها مخالب قوية تستطيع أن تؤثر بها على مسار الحياة الاجتماعية في مصر، ومن ثم لا بد من مراعاتها في بنية النظام السياسي الجديد، وعند كتابة الدستور، وإلا فإن موجات الإساءة وما تستتبعه من موجات غضب وافتعال مواقف حادة بين المسلمين والنصارى في مصر؛ لن تهدأ أبداً حتى ينال نصارى مصر ما يريدون.
ثانياً: التأثير في عصب العلاقة المصرية - الأمريكية، والاستحواذ على عصا التحويلة في هذه العلاقات، ومما لا شك فيه أن موجات الغضب التي تلت نشر هذا الفيلم، ومهاجمة سفارات الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وهي كلها أمور محسوبة ومعلومة؛ تركت بصمات سياسية في مسار تلك العلاقة بعد أن كانت في نقطة انطلاق صحيحة، حيث منعت الولايات المتحدة معونات اقتصادية عن مصر، وأغلق باب اللقاء المرتقب بين الرئيس المصري ونظيره الأمريكي، وتعالت الأصوات الأمريكية مجدداً مطالبة بضرورة إعادة النظر في سياستها مع مصر بعد تمكّن التيار الإسلامي من الوصول للقصر الرئاسي، وأصبحت، مصر، كما يقول الرئيس الأمريكي أوباما، «لا حليف ولا عدو».
ثالثاً: مع وجود التظاهرات الغاضبة على نشر الفيلم، وهو أمر معلوم ومحسوب بصورة جيدة، كما أسلفنا القول، تمكّن نصارى مصر من إعطاء انطباع خارجي متوهم بأنهم مضطهدون، ومن ثم جاءت الأصوات المنادية بدولة قبطية أو تدخل لحماية الأقباط، وهي ورقة أراد نصارى مصر أن يلاعبوا بها النظام السياسي الجديد في رسالة مضمونها أنهم وإن كانوا أقلية في الداخل، إلا أنهم أغلبية في الخارج، ولذا يجب على ساكني القصر الجدد فهم أوراق اللعب، وأن يعلموا أين مصادر القوة والتأثير.
رابعاً: إحراج القيادة الجديدة، في ثوبها الإسلامي، وإظهارها أمام العالم بأنها طائفية تمارس العمل السياسي بمنطلقات عقدية تضطهد النصارى، وذلك في حالة إذا ما اتخذت هذه القيادة رد فعل يناسب هذا الجرم الأخلاقي، أو إظهارها ضعيفة متخاذلة أمام أتباعها ومريديها، إن هي لم تتخذ القرار الذي يتناسب مع هذا العمل المسيء، وذلك كله بهدف إعادة ترسيم حدود القوى والنفوذ في المجتمع المصري.
وكما نرى فالكنيسة في مصر تمكّنت من تحقيق بعض أهدافها من إنتاج ونشر هذا الفيلم المسيء، وهو ما يستدعي من قوى المجتمع في مصر أن يتحسّسوا طريقاً لتحرير نصارى البلاد من قبضة الكنيسة، ثم يحرّروا الكنيسة من الغُلاة المتحكمين فيها، متحلين بالفطنة والذكاء، عامدين إلى قطع أنبوب التغذية الممتد من كنيسة مصر إلى أقباط المهجر، الذين هم آلة التأثير القبطي الخارجي والذراع التي تعتمد عليها الكنيسة في مواجهة الدولة والمجتمع.
-------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 10:04 AM
حرب الكراهية*
ـــــــــ


26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وبعد:

يزعم بعضهم أن الفيلم المسيء لمقام النبي صلى الله عليه وسلم عملٌ معزولٌ في الغرب لا ينبغي الالتفات إليه. والحقيقة أن سياسة الاستعلاء والكبر التي يتعامل بها الغرب مع الآخرين تجعله غير قادر على تفهّم مشاعر غضب المسلمين عند تطاوله على سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، وهي نفسها التي تجعله يزدري قيمهم ومقدساتهم.
والذي لا شك فيه أنَّ الفكر الغربي تأسَّس في رؤيته لنا على أساطير الكراهية والعنصرية وازدراء الإسلام، وازدادت حدة هذه الأساطير، التي ينفخ فيها الإعلاميون والساسة والمفكرون، بشكل متسارع جداً؛ مع تنامي ظاهرة الخوف من الإسلام، ونحسب أن هذا الفيلم حلقةٌ من منظومة واسعة من حرب الأفكار التي تصَّاعد مع مرور الأيام.
إن مناهج التعليم والإعلام في الغرب تشكّل المعارف وتبني الصورة الذهنية للمجتمع الغربي عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، وقد أُعدّت دراسات كثيرة عن صورة المسلمين والإسلام في التعليم والإعلام، وخرجت بنتائج مذهلة في تقصّد كثير من الغربيين - على المستويين الرسمي وغير الرسمي - تشويه الإسلام والتنفير من المسلمين، ومن ذلك دراسة أعدّتها الباحثة «مارلين نصر» عن صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية نشرها مركز دراسات الوحدة العربية، ذكرت فيها أن الكتب المدرسية تقدّم العرب بصفتهم نهابين مخرّبين سفاحين!
إن مشاعر الغضب التي عمَّت الشارع الإسلامي تدل على فطرة صادقة وعاطفة حية للشعوب المسلمة، ومن واجب الدعاة والمصلحين أن يستثمروا هذه العواطف بمشاريع فاعلة لتعزيز الهوية والولاء للدين، ونشر تعاليم الإسلام.. نسأل الله – عزَّ وجل – أن يرزقنا شربة من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، ويُنعم علينا بصحبته في الفردوس الأعلى من الجنة.
وصلى الله عليه وسلم

-----------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 10:08 AM
المسلمون في فرنسا.. بين تحدي الاضطهاد والإساءة للإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(.د. أحمد محمود السيد)
ــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg

عندما تتحوّل المبادئ إلى شعارات زائفة، وعندما تتحول الحرية إلى تمثال يدخل متحف التاريخ؛ عندها فقط يقف المرء ليتعجب ويتدبر أمر هؤلاء الذين ملؤوا رؤوسنا بحرية التعبير وحرية التدين والتعددية الثقافية والتعددية الدينية وحماية الحريات.. كيف سقطت هذه الدعوات في مستنقع القهر والإجبار؟ كيف عادت محاكم التفتيش؟ وكيف انقلب ما يسمى الحرب على الإرهاب إلى إرهاب حقيقي يدمّر كل إنجازات الحضارة الغربية وفلسفات الثورة الفرنسية وأغلى ما أنجزت (الحرية الدينية)؟!.. لقد كانت فرنسا تفخر بحرية التعبير عن الرأي وحرية التعبد وحرية الملبس وحرية الاعتقاد.. فما دهاها؟ ماذا حدث في مدينة النور والتنوير «باريس»؟
إنه العداء الفرنسي التاريخي للإسلام والمسلمين والخوف من الإقبال المتزايد من الفرنسيين على الدخول في الإسلام، فضلاً عن تضخم الأقلية المسلمة التي أصبحت تتعدى نسبة الـ 10 ٪ من إجمالي عدد السكان في فرنسا البالغ 60 مليوناً، والذي تؤكد المؤشرات أنه أصبح في تناقص مستمر مقابل الزيادة المطردة للمسلمين. ومظاهر العبادة كتأدية صلاة الجمعة والعيدين في الخلاء، فضلاً عن تصدي الأقلية المسلمة لمحاولات الإساءة للرسول عليه الصلاة السلام، ومحاولات الإساءة للإسلام بوجه عام؛ كل هذه المظاهر أعلنت عن المسلمين بشكل أقلق أصحاب النزعات العنصرية والمتطرفة منهم، ودفعهم لمجابهتها بصورة عنيفة ومباشرة.
تتوزع الأديان في فرنسا على النحو التالي:
رومان كاثوليك (من 83 ٪ - 88 ٪)، بروتستانت (2 ٪)، يهود (1 ٪)، مسلمون (من 6 ٪ - 10 ٪)، أخرى (4 ٪)؛ وطبيعة هذه الأرقام لا تتجاوز كونها استقراءات علماء الاجتماع واستطلاعات مختصّة للرأي.
وفرنسا دولة لا دينية منذ عام 1905، فهي لا تعترف بالأديان ولا تعاديها (المفروض والمعلن)، فدستورها ينص في مادته الثانية على أنها «جمهورية علمانية، لكنها تحترم كل الأديان». فنظرياً وقانونياً، يُعامل الإسلام في فرنسا كما تعامل جميع الأديان، بما في ذلك الكاثوليكية التي كانت فرنسا تُعتبر ابنتها البكر قبل الثورة الفرنسية.
فأصبح الإسلام منذ ستينيات القرن العشرين الدين الثاني في فرنسا، ويُرتّب الإسلام حسب الأهمية مباشرة بعد الكاثوليكية، وقبل البروتستنتية واليهودية بكثير. وينتشر المسلمون في مدن فرنسا وفي ريفها على السواء، وأغلب المسلمين من أبناء أو أحفاد الطبقة العاملة الوافدة من المغرب العربي ومن الجزائر بالأخص (35 ٪)، ثم المغرب (25 ٪)، فتونس (10 ٪). ويوجد أيضاً مسلمون منحدرون من إفريقيا، لا سيما من البلاد التي كانت قد استعمرتها فرنسا، مثل: مالي والسنغال والنيجر وساحل العاج، كما يوجد كذلك مسلمون من بلاد المشرق العربي مثل: سورية ومصر والعراق وفلسطين، إضافة إلى أعداد كثيرة من المسلمين الأتراك (360000 نسمة).
إن عدد الجمعيات والهيئات التي تمثل الإسلام في فرنسا كثير، وأبرزها: المعهد الإسلامي ومسجد باريس الكبير الذي دشن في 1926، والمساجد الإقليمية التابعة له، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، والفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا، وجماعة الدعوة والتبليغ، وتوجد جمعيتان كبريان لتمثيل الأتراك.
سياسات الإساءة للإسلام وللرسول عليه السلام:
تدور معظم الإساءات حول تشجيع المنظمات العنصرية التي تعادي وتسيء للإسلام والمسلمين، وعدم تجريم من يسيء للإسلام، سواء بالرسوم الكاريكاتورية أو المقالات أو البرامج والأفلام التلفزيونية، وفي المقابل تجريم كل من يسيء لليهود واتهامه بمعاداة السامية.
سياسات الاضطهاد للأقلية المسلمة:
يمكن تركيز هذه السياسات في قانون تجريم النقاب في الساحات والميادين والأماكن العامة والأماكن الحكومية بالغرامة المالية والسجن في المرة الثانية، وقانون منع الحجاب من المدارس والجامعات والهيئات الحكومية المختلفة، وقانون حظر الصلاة في الشوارع والساحات العامة وأمام المساجد، وقانون عدم منح الإقامة أو تجديدها إلا بعد عمل اختبار للمهاجر يتم فيه التأكد من إجادته اللغة الفرنسية واحترام التقاليد الفرنسية وعدم التمسك بالأصول الإسلامية وتغليبها على القواعد الفرنسية.
لقد سقطت أقنعة التسامح والتعددية الثقافية والتعددية الدينية وسقطت معها كل دعوات التفاهم والتحاور؛ لتظهر حقيقة الوجه الفرنسي، فلا نامت أعين دعاة التعايش، ولتخرس ألسنة أصحاب الحوار.
-------------------------------
المراجع والمصادر:
1 - محمد إبراهيم الجيوشي، الأقليات المسلمة في المجتمع الغربي، لندن، المجلس الإسلامي العالمي.
2 - مصطفى الخروبي، المغاربيون في فرنسا.
3 - موقع طريق الإيمان.
-------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-17-2015, 10:11 AM
ما بقاء الأمـــة بعد نبيِّها وصحابته وأزواجه؟
ــــــــــــــــــــــــ

(د. الأمين الحاج محمد أحمد)
ــــــــــــــــ


26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Malfat1436/rsoom/Rsoom.jpg


حب النبي صلى الله عليه وسلم، وآله، وأصحابه، وأزواجه، وورثته؛ من الإيمان.. وبغضهم، وإذاؤهم، وانتقاصهم؛ كفر، وزندقة، ونفاق.
رضي الله عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس عندما سأله الرشيد - رحمه الله - عن رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده!! فغضب مالك وقال: (يا أمير المؤمنين ما بقاء الأمة بعد نبيها؟! من شتم الأنبياء قُتِل، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضُرِب)[1].
إي وربي.. ما بقاء الأمة بعد نبيها؟ فمن شتم نبينا أو نبياً من الأنبياء، أو ملكاً من الأملاك، تلميحاً كان أو تصريحاً؛ قُتِل، وكذلك من اتهم عائشة بما برّأها الله منه، أو كفَّر، أو ضلَّل سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كفَّر السادات الغرر أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ - رضي الله عنهم؛ قُتِل كذلك.
أمَّا من تنقّصهم وسبهم بما دون ذلك، جُلِد أو أدِّب أدباً غليظاً مبرحاً زجراً له ولأمثاله.
إجلال الصحابة من إجلال الله ورسوله، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وبفضلهم نطق القرآن الكريم، وشهدت سنة سيد المرسلين، وعلى ذلك أجمعت الأمة، وذلك أن الله اصطفاهم واختارهم اختياراً لصحبة نبيه، ولنصرة دينه، فعلى المسلمين أن يعرفوا لهم قدرهم، ويؤدوا واجب حقهم عليهم، ولهذا عندما بيَّن الله جزاء الذين يؤذون الله ورسوله، أعقبه بالذين يؤذون المؤمنين، وفي مقدمتهم الصحابة المرضيون: {إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا 57وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:57-58].
هذا الحق يشمل جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فرق في ذلك بين الصحابة والقرابة، فالصحابة ليس فيهم دغل، وإنما الدغل في غيرهم، أمثال ابن زياد والحجاج - عليهم من الله ما يستحقون -، فأهل السنة يحبون جميع أصحاب رسول الله، وقرابته، وأزواجه، ولم يفرق بين هؤلاء وأولئك إلا الرافضة المخذولون المحرومون.
أهل السنة لا يدّعون العصمة لأحد من الصحابة، أمَّا الشيعة فبينما هم غلوا في أهل البيت، وادّعوا لهم العصمة، بالغوا في تكفير الصحابة الآخرين، وتضليلهم، وسبهم، وانتقاصهم، بل ليس لهم شغل سوى ذلك، والخوارج على العكس والنقيض منهم في تضليلهم وتكفيرهم لأمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، فالحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوسطها، وهو الذي سلكه أهل السنة والجماعة.
فمن حق الرسول صلى الله عليه وسلم علينا الذبّ والدفع عنه وعن سنته، وشرعته، وعن أصحابه وأزواجه وحَمَلة رسالته وورثة الأنبياء بعدهم، وهم العلماء.
الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعن غير مباشر في المصدر الثاني في شرعنا، في السنة، كما قال أبو زُرعة الرازعي - رحمه الله -: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة).
قلت: إذا كان الإمام الذهبي - رحمه الله - قد أمسك عن ذكر الأئمة المتبوعين في الفروع بما يقدح فيهم لمكانتهم في الإسلام، وفي نفوس أتباعهم؛ فكيف بمن يتقربون إلى الشيطان وليس للرحمن بتضليل وتفسيق وتكفير السادات الغرر، والصحابة الأماجد، وبعض أمهات المؤمنين الأفاضل؟!
قال ابن الوزير اليماني - رحمه الله -: (وقد أشار الذهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله، وإلى أنه لا يقدح عليه بما ذكر فيه من الاختلاف، فقال في خطبة الميزان – ميزان الاعتدال –: وكذا لا أذكر من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً، لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس. فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس، إذ إنما يضر الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ، والتحري على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجناية، فالمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا الخيانة، والكذب. انتهى كلامه.
فانظر كيف تأدب أبو عبدالله الذهبي، وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في الإسلام، ونص على أن ذكرهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرهم عند الله ولا عند الناس، وهكذا فليكن ذكر العالم لمن هو أعلم منه بأدب وتواضع وتعظيم وتوقير، جعلنا الله ممن عرف قدر الأئمة، وعصمنا من مخالفة إجماع الأمة)[2].
نماذج لمن ذبّ ودفع عن صاحب الشرع، وسنته، وحَمَلتها من الصحابة والعلماء:
سنورد في هذه العجالة نماذج يسيرة لمن ذبّ ودفع عن صاحب الشرع، وسنته، وحملتها من الصحابة الأخيار الأبرار، والعلماء الربانيين الحكماء؛ لعلها تصادف آذاناً صاغية، ونفوساً زاكية صافية، وقلوباً من الأحقاد والأضعان خالية، ورجالاً عوفوا من التقليد والتعصب، بل يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإذا ظهر لهم الحق أتوا إليه مذعنين غير معاندين.
فنقول وبالله التوفيق والسداد، والعون والرشاد:
1 - قال سعيد بن المسيِّب - رحمه الله -: كان ابن البرصاء الليثي من جلساء مروان بن الحكم أمير المدينة في زمن معاوية – وكان يسْمر معه - فذكروا الفيء عند مروان، فقالوا: (الفيء مال الله، وقد وضعه عمر في موضعه.
فقال مروان: إنَّ الفيء مال أمير المؤمنين، معاوية يقسمه فيمن شاء.
فخرج ابن البرصاء فلقيَ سعد بن أبي وقاص، فأخبره.
قال سعيد: فلقيني سعد وأنا أريد المسجد، فقال: الحقني، فتبعته حتى دخلنا على مروان، فأغلظ له.
فقال مروان: ترون من قال هذا لهذا الشيخ؟ قالوا: ابن البرصاء، فأتيَ به، وأمر بتجريده ليضرب، فدخل البواب يستأذن لحكيم بن حزام – رضي الله عنه -، فقال: ردوا عليه ثيابه، وأخرجوه حتى لا يهيج علينا هذا الشيخ الآخر)[3].
2 - وعن عائذ بن عمرو - رضي الله عنه - أنه دخل على الطاغية ابن زياد، فقال: أي بني، إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإيَّاك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم، وفي غيرهم[4].
3 - وقال أبو سعيد الخدري – سعد بن مالك – رضي الله عنه يرفعه: «لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه»، قال أبو سعيد: «فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه، ثمَّ رجعت».
وعنه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان لهم حاجةٌ ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: «تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا!»، وكان أكثر من يتصدق النساء، ثمَّ ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصراً مروان – محاذياً له – حتى أتينا المصلى، فإذا كَثِيــر – كان اسمه «قليل» فسماه عمر «كَثِيــر» – بن الصلت قد بنى منبراً من طين ولبن – طوب –، فإذا مروان ينازعني يده، كان يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا، يا أبا سعيد! قد تُرِك ما تعلم. قلتُ: كلا – أي لا – والذي نفسي بيده! لا تأتون بخير مما أعلم – ثلاث مرات – ثمَّ انصرف[5].
قلت: يستفاد من ذلك جواز الجهر بالإنكار على من خالف السنة أمام الناس، إذا كانت المخالفة مجمعاً عليها، حيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومعلوم أن الجميع يخرج لصلاة العيد حتى الحيض، وذوات الخدور.
4 - قال الذهبي عن الحاكم:.... سمعت الفريابي: سمعت سفيان الثوري ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر؟ فقال: كافر بالله العظيم. قال: نصلي عليه؟ قال: لا، ولا كرامة. فقيل له: هو يقول: لا إله إلا الله، ما نصنع به؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره[6].
5 - قال عبدالله بن المبارك - رحمه الله -، وقد قيل له: أيهما أفضل معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في أنفِ معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبدالعزيز[7].
6 - أخرج الحاكم في المستدرك وغيره: (أن معاوية صعد المنبر يوم الجمعة فقال في خطبته: أيها الناس، إن المال مالنا، والفيء فيؤنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية قال كذلك، فلم يجبه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال كذلك، فقام إليه رجل فقال: كلا يا معاوية، ألا إن المال مالنا، والفيء فيؤنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بسيوفنا. فنزل معاوية، وأرسل إلى الرجل، فأدخله عليه، فقال القوم: هلك الرجل، ثمَّ فتح معاوية الأبواب، فدخل عليه الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية: أيها الناس إنَّ هذا الرجل أحياني أحياه الله. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون أئمة من بعدي يقولون، فلا يُرَد عليهم، يتفاحمون في النار كما تتفاحم القردة، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد شيئاً، فخشيت أن أكون منهم، ثمَّ تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد عليَّ أحد شيئاً، فقلت في نفسي: أنت من القوم، فتكلمت في الجمعة الثالثة، فقام إليَّ هذا الرجل، فردَّ عليَّ فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم، ثمَّ أعطاه وأجازه)[8].
7 - قال النووي رحمه الله: (قال أبو داود: أنه لما صارت الخلافة إلى عليّ رضي الله عنه، لم يغيرها عن كونها صدقة – أي فدك ونحوها التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم –. وبنحو هذا احتج السفاح – أبو العباس الخليفة العباسي –، فإنه لما خطب أول خطبة قام بها، قام إليه رجل شيعي – خبيث، زنديق – معلق في عنقه المصحف، فقال: أنشدك الله إلا حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف.
فقال: من هو خصمك؟
قال: أبو بكر في منعه فدك.
قال: أظلمك؟
قال: نعم.
قال: فمن بعده؟
قال: عمر.
قال: أظلمك؟
قال: نعم.
وقال في عثمان كذلك.
قال – السفاح –: فعليّ ظلمك؟
فسكت الرجل – الخبيث – فأغلظ عليه السفاح، وقال: والله لولا أن هذه أول خطبة خطبتها لضربت عنقك)[9].
قلت: ليته ضرب عنقه، فضرب عنق هذا الزنديق أفضل من خطبته.
8 - روى أبو القاسم الزنجاني، قال: (حدثنا أبو إسحاق الشيرازي الشافعي - رحمه الله - عن القاضي الإمام أبي الطيب أنه قال: كنا في حلقة النظر – المناظرة – بجامع المنصور ببغداد، فجاء شاب خراساني يسأل عن مسألة المصراة – الشاة أو البقرة لا تحلب ليومين أو ثلاثة لإخداع المشتري – ويطالب بالدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - الثابت في الصحيحين وغيرهما. فقال الشاب، وكان حنفياً: أبو هريرة غير مقبول الحديث.
قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له: تب، فقال: تُبتُ، فغابت الحية ولم يبق لها أثر).
قال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت فيه ثلاثة من صالحي أئمة المسلميـــن: القاضــي أبو الطيب بن الطبري، وتلميذه أبو إسحاق، وتلميذه أبو القاسم الزنجاني[10].
9 - روى أبو اليمن الكندي، قال: (حدثنا عبيدالله بن محمد بن حمدان، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي، قال: أخبرنا الكريمي، قال: حدثنا يزيد بن قرة الدراع، يرفعه إلى عمر ابن حبيب، قال: حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة المصراة، فتنازع الخصوم فيها، وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّ بعضهم الحديث وقال أبو هريرة متهم فيما يرويه، ونحا نحوه الرشيد، ونصر قوله.
فقلت: أمَّا الحديث فصحيح، وأبو هريرة صحيح النقل فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إليَّ الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس إلى منزلي، فلم يستقر بي الجلوس حتى قيل: صاحب الشرطة بالباب، فدخل إليَّ فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط، وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني قد دافعت عن صاحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه.
قال: فأدخلتُ على الرشيد، فإذا هو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه وبيده السيف، وبين يديه النطع، فلما رآني قال: يا ابن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي مثل ما تلقيتني به؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء به، فقال: كيف ويحك؟ قلت: لأنه إذا كان أصحابه كذَّابين، فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام من الصلاة، والصيام، والحج، والنكاح، والطلاق، والحدود؛ كلها مردودة غير مقبولة؛ لأنهم رواتها، ولا تُعْرَف إلا بواسطتهم. فرجع الرشيد إلى نفسه، وقال: الآن أحييتني يا ابن حبيب أحياك الله، ثمَّ أمر له بعشرة آلاف درهم)[11].
10 - قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: (سمعت الحاكم يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد يقول: سمعت محمد بن إسماعيل الترمذي يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند إمام الدين أبي عبدالله أحمد بن حنبل، فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبدالله ذكروا لابن قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء!! فقام أحمد بن حنبل وهو ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق حتى دخل البيت)[12].
11 - وقال الصابوني: (وسمعت الحاكم يقول: سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه، وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ أبو بكر: حدثنا فلان، فقال له الرجل: دعنا من حدَّثنا، إلى متى حدَّثنا! فقال الشيخ: قم يا كافر، فلا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا أبداً، ثمَّ التفت إلينا وقال: ما قلت لأحد ما تدخل داري إلا هذا)[13].
12 - قال الإمام ابن الوزير اليماني في ذبه ودفعه عن الإمام أبي حنيفة في تضعيفه في الحديث: (اعلم أن الإمام أبا حنيفة طلب العلم بعد أن أسن، وكان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كبر وأسن تناقص حفظه، فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب، وكذلك غيره من الأئمة)[14].
13 - قال ابن خلكان في وفيات الأعيان جـ 6/399 في ترجمة أبي يوسف يعقوب بن السِّكيت: (جلس أبو يوسف يعقوب بن السِّكيت يوماً مع المتوكل، وكان يؤدب أولاده، فجاء المعتز والمؤيد ولدا المتوكل، فقال له: يا يعقوب أيما أحب إليك.. ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فقال: والله إن قنبراً خادم عليّ خير منك ومن ابنيك!
فقال المتوكل للأتراك: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك، فمات ليلة الإثنين لخمس خلون من رجب 244هـ.
ثمَّ إن المتوكل أرسل لولده عشرة آلاف درهم، وقال: هذه دية والدك).. (عُرِّف أبوه بالسِّكيت؛ لأنه كان كثير السكوت، طويل الصمت، كان إماماً في اللغة مكثراً من نقل الغريب، وله تصانيف مفيدة).
قلت: قتله ليس خطأ، إذ لا يمكن لإنسان أن يعيش إذا قطع لسانه بهذه الطريقة الوحشية، فكان الواجب القصاص على الأقل لمن مارس ذلك، وإن كان مأموراً؛ حيث لا يحل للمسلم أن يفدي نفسه بأخيه المسلم.
14 - عن مصعب بن عبدالله قال: (حدثني أبي عبدالله بن مصعب الزبيري قال: قال لي أمير المؤمنين المهدي: يا أبا بكر، ما تقول فيمن تنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: زنادقة، قال: ما سمعت أحداً قال هذا قبلك، قال: قلت: هم قوم أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقص، فلم يجدوا أحداً من الأئمة يتابعهم على ذلك، فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم يصحبه صحابة السوء، وما أقبح بالرجل يصحبه صحابة السوء، فقال: ما أراه إلا كما قلت)[15].
15 - وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: (إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، فاتهمه على الإسلام). وقال الإمام أبو زرعة الرازي - رحمه الله -: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدَّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)[16].
16 - قال الإمام يحيى بن معين - رحمه الله -: (إذا رأيت الرجل يتكلم في حمَّاد بن سلمة، وعكرمة مولى ابن عباس، فاتهمه على الإسلام).
17 - وقال الإمام أحمد: (إذا رأيت الرجل يغمز حمَّاد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديداً على المبتدعة).
18 - وقال أسود بن سالم: (كان ابن المبارك إماماً يُقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام).
19 - وقال سفيان بن وكيع: (أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عندنا فاسق)، وقيل: (أحمد محنة، به يُعْرَف المسلم من الزنديق).
20 - وقال الدورقي: (من سمعته يذكر أحمد بن حنبل بسوء، فاتهمه على الإسلام).
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة
وبحب أحمد يُعرف المتنسكُ
وإذا رأيت لأحمـــد متنقصـــــاً
فأعلـــم بأنَّ ستوره ستهتـــكُ
ومن ذلك حرص الأبواق المنافقة على الطعن في المجددين الذين بعثوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذبوا عن دعوة التوحيد؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وغيرهما من المجددين إلى يومنا هذا.
فمن وافق القوم في تطاولهم على رموز الإسلام، فقد أعانهم من حيث يدري أو من حيث لا يدري، على تحقيق غاياتهم الخبيثة، وشمَّت بنا أعداء الدين، وصدق القائل:
وكل المصائب قد تمر على الفتى
وتهـون غير شماتــة الأعداء
وقال هارون لأخيه موسى عليه السلام: }فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء{ [سورة الأعراف:15]، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعوذ بالله تعالى من (شماتة الأعداء)[17].
وعن أيوب قال: مرض أبو قلابة بالشام، فعاده عمر بن عبدالعزيز، وقال: (يا أبا قلابة، تشدَّد لا يشمت بنا المنافقون)[18].
نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن ينفع به، وأن يكون مثالاً يُحتذى به للذب والدفع عن هذا الدين، وعن رسوله الأمين، وصحبه الأكرمين، والعلماء، والصالحين.
وصلى الله وسلم وبارك على خير البرية أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

--------------------------------------------
[1] (المعيار المعرب  للونشريسي جـ2/356).
[2] (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم – للإمام ابن الوزير اليماني المتوفى 840هـ - جـ2/166).
[3](الإصابة  في تمييز الصحابة – للحافظ ابن حجر– في مجلد واحد ضخم ص 230).
[4] (مسلم  رقم [1830]).
[5] (متفق عليه)، البخاري رقم [304]، ومسلم رقم [889].
[6] (سير أعلام النبلاء للذهبي).
[7] (البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، جـ 8/139).
[8] (رواه ابن سبع في شفاء الصدور، والطبراني في معجمه الكبير والأوسط، والحافظ أبو يَعْلى الموصلي، ورجاله ثقات. كما قال الدُّميري في حياة الحيوان الكبرى جـ2/331).
[9] (صحيح  مسلم بشرح النووي جـ2/73).
[10] (حياة الحيوان للدميري جـ1/395).
[11] (حياة الحيوان الكبرى للدميري جـ1/395).
[12] (رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لأبي عثمان إسماعيل الصابوني، المتوفى 449هـ، المطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنبرية جـ1/132).
[13] (المصدر  السابق).
[14] (الروض  الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير اليماني جـ1/165-166).
[15] (تاريخ  بغداد، جـ10/174).
[16] (فتح  المغيث، جـ3/101).
[17] (أخرجه  البخاري رقم [6616]، جـ 11/513).
[18] (تذكرة الحافظ جـ1/94)، (من 14-20 انظر حرمة أهل العلم للمقدم ص 332-334).
------------------------------------------