المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شكالية التبعية الفكرية والثقافية


عبدالناصر محمود
01-18-2015, 09:54 AM
شكالية التبعية الفكرية والثقافية**
ــــــــــــــ

27 / 3 / 1436 هــ
18 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_4102.jpg


إشكالية التبعية الفكرية والثقافية(*)

د. عبدالرحيم السلمي

ـــــــــــ

التبعية مرض فتاك تظهر أعراضه في الأفكار والمناهج والنظم التعليمية والحياة الاجتماعية في الأمة، ولا تزال آثاره وأعراضه موجودة اليوم، ولم يسلم منها الإسلاميون، ولهذا رأينا بعد وصول عدد من الحركات الإسلامية إلى الحكم أعراضاً لهذه الإشكالية الخطيرة؛ برزت في بعض الأفكار والطروحات الغريبة عن المنهج الإسلامي من بعض الإسلاميين المتأثرين بالفكر الغربي، وهو أحد إفرازات التبعية بسبب التأثير الفكري والثقافي للغرب.

وعليه جاءت هذه الورقة للحديث عن التبعية الفكرية في العصر الحديث، وبيان بعض مظاهرها، وأسبابها، وكيفية التحرر منها.

ففي بداية ورقته أشار الدكتور السلمي إلى أن من أعظم مخاطر التبعية الفكرية أنها تخترق منظومة القيم العقدية والأخلاقية في المجتمع الإسلامي، وتدمر مرجعيته الإسلامية العليا، وتذيب القيم الإسلامية، تحت شعار التقدم والمدنية والحرية والديمقراطية، وتقوم بعملية الاقتران الحتمي والضروري في اللاشعور بين التبعية ومفاهيم التقدم والمدنية والتطور والحداثة.

كما أشار إلى أن هناك فرقًا بين التبعية والتشبه بالكفار قديماً، وذلك لأن الأولى أعمق من حيث شموليتها، وتهديدها لأصل المنهج الإسلامي، والاحتكام إليه، واعتبار الشريعة الإسلامية المرجعية النهائية في حياة الإنسان والمجتمع.

وفي حديثه عن مصطلح التبعية، أشار الدكتور السلمي- بعد عرضه لمفهوم التبعية- إلى أنه ليس مصطلحاً مهنياً فنياً، بل هو مصطلح فكري وثقافي يتعلق بالفكر الاقتصادي والسياسي والثقافي في المجتمع. وأن هناك حزمة من المصطلحات تتقاطع مع مفهوم التبعية كالعولمة والحداثة والتغريب والمركزية الغربية والهوية والتراث، فبعض هذه المصطلحات تتداخل مع مصطلح التبعية كمفهوم مثل التغريب والحداثة، وبعضها تتداخل معه كسبب مؤثر مثل العولمة والمركزية الغربية، وبعضها تتداخل معه كمحل اشتغال وتأثير للمصطلح مثل الهوية والتراث.

بين التبعية والتغريب: أشار الباحث إلى أن هناك توافقا كبيرًا بين مصطلح التبعية والتغريب، وأن الفرق بينهما أن مصطلح التبعية استعمل في التداول الاقتصادي أكثر، والتغريب أوسع تداولاً منه في المجال الثقافي والفكري.

ثم تحدث الباحث عن أدوات الهيمنة والتبعية، فأشار إلى دور المنظمات الدولية في هذا الأمر كهيئة الأمم المتحدة، ثم عرج على دور الإعلام والتقنية، مبينًا أنهما أصبحا أقوى طرق الدول الصناعية القوية في إيصال ثقافتها، وفرضها على الناس بطريقة ناعمة، ثم تحدث عن أثر التيار العلماني في البلاد الإسلامية في الترسيخ لمفهوم التبعية، وختم بحديثه عن دور الاحتلال المباشر في هذا الأمر.

وعن تجليات ظاهرة التبعية ومجالاتها ومظاهرها، عرض الباحث لبعض المظاهر والصور والتجليات لحالة التبعية في المجال الفكري والثقافي، ولتوسع الموضوع أكتفي المؤلف- كما أوضح- بمجالين مهمين في مجال الاجتماع البشري المعاصر، وهما: المجال الاقتصادي، والمجال السياسي.

وجاء آخر عنصر في هذه الورقة للإجابة عن السؤال التالي: كيف نتحرر من التبعية الفكرية والثقافية؟

فأشار الباحث إلى أن من أوليّات البدء في التحرر من التبعية: الاقتناع التام بإمكان ذلك، والشعور بخيبة هذه التعبية وذلتها وخسائرها الماحقة للدين والنفس والمجتمع، فلا يمكن أن يتحرر المستسلم الذي يعتقد باستحالة الخروج من نفق التبعية.

كما أشار إلى ضرورة الثقة الكاملة في الإسلام؛ لأنه بغياب هذه الثقة لا يمكن الوعي بإمكانات الإسلام العظيمة، وبالتالي لا يمكن الاستفادة منها والانتفاع بها، وكذلك بدون إجراء المشرط النقدي في الثقافة الغربية لا يمكن معرفة عوارها، وبالتالي لا يمكن الخروج من أسرها وعبوديتها.

ثم ختم المؤلف ورقته بمجموعة من التوصيات، كمعالم ومنطلقات كخطة للتحرر من التبعية، ومن هذه التوصيات:

* تربية الأمة على الإيمان والتوحيد والتعلق بالله تعالى، وربطها بالقرآن والسنة، واستعمال كافة الوسائل المتاحة في ذلك، وهذا العمل هو الغاية التي لا يجوز الانشغال عنها بالوسائل كالعمل السياسي أو المناصب الإدارية بل يجب أن تطوع كل الوسائل لتحقيق هذه الغاية.

* العناية بالنخب الفكرية والعلمية والاهتمام بالتعليم بكافة حقوله وتهيئة الجيل القادم ليكون مستقلا في فكره ونفسيته عن الاستلاب الغربي.

* العمل على إخراج المثقفين الإسلاميين من نفق الانهزام، ومناقشتهم، ونقد أطروحاتهم الثقافية، وبيان خطورة التأويلات والتحريفات للنصوص حتى تتوافق مع منجزات الغرب الثقافية، فهذه الفئة من اكبر التحديات أمام الدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة.

* إبراز الخطاب الإسلامي القائم على محكمات الشريعة وتعظيم النص الشرعي والالتزام بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

وختاما نسأل الله أن يجزي الباحث خيرًا على هذا البيان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــ

(*) مؤتمر تحديات ما بعد الربيع العربي- ليبيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
**{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــ