المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انهيار القيم في مصر


عبدالناصر محمود
01-19-2015, 08:09 AM
انهيار القيم في مصر
ـــــــــــ

(إياد جبر)
ــــــ

28 / 3 / 1436 هــ
19 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/818012015011530.png

يستطيع أي شخصٍ عاديٍ أن يدون الكثير من الملاحظات عند متابعته للشأن المصري سواء من خلال ما يُطرح في وسائل الإعلام من قضايا تُعبر عن واقع المجتمع المصري أو عند إلقاء نظرة عامة على هذا المجتمع عن قرب، ولا شك ان التطور الحاصل في الميديا بشكل عام قد كشف النقاب عن الكثير من القضايا غير التقليدية التي باتت تضرب أعماق هذا المجتمع فأساءت لتاريخه وقيمه الاسلامية.
إذا كانت قضايا الطلاق والعنوسة من القضايا التقليدية المعروفة في كافة المجتمعات العربية بلا استثناء فإن تراجع منظومة القيم والأخلاق العامة باتت تشكل علامات استفهام حقيقة في المجتمع المصري، خاصة وأن تراجع دور مؤسسة الأزهر وانشغال الدولة بالوضع السياسي، ساهم الى حد كبير في تنامي الكثير من الظواهر البعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبدأت منظومة القيم في الكثير من الاحيان تحاكي بعض الاخلاقيات المستوردة من الغرب كالمثلية والتحرش الجنسي وانتشار نوادي ممارسة الرذيلة وغيرها. وفي ظل هذا المناخ السلبي الذي يلقي بظلاله على الأسرة المصرية يبرز دور الكنيسة التي باتت تلعب دور مهم لا يقتصر فقط على تعزيز الوضع السياسي للأقباط فقد تجاوزت حدود المساحة التي تتحرك فيها على حساب المؤسسات الإسلامية.

ارتفاع مستوى التفكك الاجتماعي

البيانات التي يطرحها الجهاز المركزي للإحصاء المصري تشير الى تراجع مستمر على مستوى تماسك الاسرة المصرية التي تشكل الركيزة الأولى والأهم للمجتمع، وخلال عام 2013 شهدت مصر انخفاض نسب الزواج بنحو 1.4% فتراجعت عقود الزواج خلال هذا العام لتصل إلى 909350 عقداً خلال هذا العام مقابل 922425 عقداً عام 2012 كما ارتفعت حالات الطلاق بنحو 4.7% عن العام السابق، وهو ما يعطي مؤشراً واضحاً على حالة التفكك الأسري بالنسبة لحالات الطلاق خصوصاً اذا علمنا ان كل ستة دقائق تحدث حالة طلاق وحوالي 240 حكماً بالطلاق يصدر يومياً في محاكم الأحوال الشخصية، كما وتمثل هذه الارقام دلالة واضحة على تراجع مستوى الترابط الأسري بالنسبة لتراجع عقود الزواج.
من ناحية أخرى، تصل نسب العنوسة إلى مستويات مرتفعة جداً، فوفقاً لتقارير رسمية مصرية حديثة أشارت إلى أن 13 مليون شاب وفتاة تجاوزوا سن الـ 35 عام دون زواج وقد حازت الفتيات على العدد الأكبر، فاقترب عدد الفتيات غير المتزوجات من 10 مليون وهو ما يمثل حوالي 40% من الفتيات في سن الزواج. وفي ظل الوضع الاقتصادي القائم وغياب النزعة الدينية وتراجع مستوى الوعي الثقافي تبقى هذه النسب والأرقام مرشحة للزيادة، هذا الوضع المأساوي سيكون له تأثير سلبي على منظومة القيم التي تتجه نحو الانهيار.

انهيار منظومة القيم

مخطئ من يظن ان الاعلام المصري لا يعبر عن شريحة واسعة من الشعب، فخلال ثمان سنوات قضيتها في القاهرة لمست حجم تأثير الاعلام المصري على المجتمع، فالعلاقة بين الطرفان علاقة تكاملية بشكل كبير فالإعلام يشكل جزء مهم من الثقافة العامة، وفي نفس الوقت يلعب دور مهم في التعبير عن المشاكل الاجتماعية سلباً أو إيجاباً.
وخلال الأشهر الأخيرة بدأت وسائل الاعلام المختلفة التركيز على ظواهر جديدة في المجتمع المصري، كان أهمها ظاهرة زواج المثليين التي أثارت جدلاً واسعاً، لكن تكرار الحوادث في هذا الشأن جعل منها ظاهرة شبه دائمة وليست حادث عرضي، ففي نوفمبر من العام الماضي قضت إحدى محاكم القاهرة حكمها بحبس 8 شبان لمدة ثلاث سنوات بتهمة تصويرهم في حوادث زواج للمثليين، كما تم إحالة 26 شخصاً إلى المحاكمة بنفس التهمه في حوادث مشابهة، لكن التهم التي توجه في مثل هذه القضايا تسمى ممارسة الفجور، فلا يوجد في القانون المصري نص يجرم "المثلية".
ووفقاً لخبيرة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وهي منظمة غير حكومية، فإن الشرطة المصرية قد القت القبض على 150 شخصاً منذ نوفمبر الماضي، لكن أغلب الحالات يتم إطلاق سراحها، حتى أن المحاكم المصرية تستخدم إجراءات مخففه تجاه هذه القضايا، لذلك تظهر مثل هذه القضايا على وسائل الاعلام بين الحين والآخر وما خفي كان أعظم.
والأمر لم يتوقف عند مثل هذه الظاهرة غير الاخلاقية، فقد شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة أخرى أصبحنا نشاهد أحداثها بشكل يومي في وسائل الإعلام، إنها ظاهرة "التحرش الجنسي"، هذا في ضوء أن الشارع المصري بات شبه معتاد عليها ومتعايش معها، ولم يعد يحاول مقاومتها في أغلب الأحيان وكأنها أصبحت شيء من الثقافة، ولعل أكثر ما يدلل على ذلك عدم اقتصار هذه الظاهرة على فئة عمرية معينة فيشارك الصبية والفتيان اللذين تقل اعمارهم عن 15 عام، كما ان المجتمع يتعامل مع الموضوع بسلبية محيرة، والغالبية تتصور ان الأمن سوف يتكفل بالموضوع في بعض الحالات الصعبة التي تصبح قضية رأي عام، لكن الأمر الأكثر غرابة يتعلق بمشاركة رجال الأمن في هذه الظاهرة وقد كانت قضية اغتصاب طالبة جامعة الازهر بالقاهرة خير دليل على ذلك. في هذا السياق يؤكد تقرير الأمم المتحدة الصادم الذي نشرته صحيفة فرانس برس في ابريل من العام الماضي، انتشار الظاهرة على أوسع نطاق والذي أكد على أن 99.3% من نساء مصر تعرضن للتحرش بدرجات متفاوتة.
أضف الى ذلك تواصل الحديث في وسائل الاعلام المصرية عن فضائح مختلفة لممارسة الرذيلة في بعض النوادي المنتشرة في المحافظات المصرية وقد كانت قضايا نادي المحلة والبحيرة هي الأشهر خلال الاسابيع القليلة الماضية. هذا التحول الكبير والانهيار في القيم بات يطرح الكثير من التساؤلات خاصة في ظل تنامي دور الكنيسة على حساب المؤسسات الاسلامية بشكل بات واضحاً ولا يقبل التأويل.
تنامي دور الكنيسة على حساب مؤسسة الأزهر
لم تدخل العلاقة بين الأزهر والكنيسة في أي نزاع أو صراع أدوار خلال سنوات طويلة، لأن أكثر من 90% من الشعب المصري مسلمون، لكن مقتضيات السياسة التي يعيشها النظام المصري جعلته أكثر تودداً للكنيسة مما أثار حفيظة المسلمين ليس في مصر وحدها بل على مستوى العالم العربي والإسلامي، اللافت في الأمر ان الكنيسة القبطية في مصر تعيش أزهى عصورها في ظل اعتراف الدولة باستقلالها السياسي، مما جعل البعض ينظر لهذا الامر بإيجابية فتخوف الأقلية من المجتمع يجعلها أكثر تحفظاً تجاهه، لكن إعطاءها الحرية المطلقة يفترض أن يجعلها أكثر انفتاحاً وهو ما لم يتم فاستمرت الكنيسة مع ذلك بالتمسك بالهوية القبطية على اعتبارها هوية موازية للهوية الأم الدولة المصرية!
لذلك استطاعت الكنيسة أن تستغل نفوذها في قطاعات واسعة لاسيما قطاع الإعلام وباتت الكثير من برامج "التوك شو" تتحدث عن قبطية مصر والتأكيد عليها وكان أشهرها حديث الاعلامي إبراهيم عيسى الذي أكد خلاله على أن "مصر دولة قبطية شئتم أم ابيتم" في المقابل أصبحت مؤسسة الأزهر أشبه بمرجع ديني ليس لها تأثير واضح في المجتمع المصري، حتى ان الدولة بدأت مؤخراً بتعديل المناهج الدينية لجميع مراحل التعليم بحجة وجود عبارات تحض على العنف والتطرف، كما شهدت الاسابيع الاخيرة حركة مشابهة بعد دعوة الرئيس المصري لتغيير الأفكار الدينية التي تعادي العالم أثناء الاحتفال بالمولد النبوي وهو ما حظي بتجاوب كبير من الازهر الذي أعلن عن خطة جديدة لعام 2015 تحت عنوان "ثورة تصحيح المفاهيم الإسلامية".
خلاصة القول: تبقى منظومة القيم الاجتماعية في مصر متجهه نحو الانهيار في ظل محاولات تغيير هوية مصر الإسلامية وسيطرة الدولة على وسائل الاعلام التي تلعب دور كبير في تشكيل الوعي الثقافي، كما ان ارتفاع نسب الطلاق وتراجع نسب الزواج من شأنه ان يعزز من ظاهرة التحرش وغيرها من الظواهر غير الاخلاقية التي تسيء لمجتمع بأكمله.

----------------------------------