المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوفية


عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:20 AM
الصوفية
ــــ

آل البيت .. منزلتهم - خصائصهم
---------------------

(عبد الحكيم بن محمد بلال)
----------------

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcS9G1OScRYPNr-GW-ZYMdOXqPAZpkKR6bBDwLlDD-okS8g5oJ9A

أولاً : التعريف، والمراد بهم :
------------------

(الآل) في اللغة : من الأَوْل، وهو : الرجوع . وآلُ الرجل : أهل بيته، وعياله؛ لأنه إليه مآلهم، وإليهم مآله[1] .
المراد بآل النبي[2] : اختلف في آل بيت الرسول على قولين :
القول الأول : أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم : بنو هاشم، وبنو عبدالمطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛ وهذا القول هو اختيار الأكثرين . ولا شك أن بعضهم أخص بكونه من آل البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين : أخص من غيرهم .[3]
ومن أدلة هذا القول :
أ- حديث (غدير خمّ) عن زيد بن أرقم أن النبي خطبهم، وفيه : أنه حث على التمسك بكتاب الله ورغب فيه، ثم قال : (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهـل بيتي)، فقال له : حصين : ومَنْ أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم . وفي رواية : قيل مَنْ أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال : لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته : أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده)[4] .
ب- حديث عمر بن سلمة قال : نزلت هذه الآية على النبي : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } [الأحزاب : 33] في بيت أم سلمة، فدعى النبي فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال : (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)[5] .

القول الثاني : أنهم ذريته وأزواجه خاصة :
---------------------------
ومن أدلة هذا القول :

أ- قوله (تعالى) : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ .... } حتى قوله : { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } [الأحزاب : 30-33] فدخلن في آل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه .

ب - ما جاء في روايات حديث الصلاة على النبي بعد التشهد : (اللهم صل على محمد وآل محمد)، قالوا : فإنه مفسر بمثل حديث أبي حميد : (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)[6] ، فجعل مكان الآل : الأزواج، والذرية؛ مفسراً له بذلك .

ج - أن الله (تعالى) جعل امرأة إبراهيم من آله، فقال : { رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ .. } [ هود : 73] كما جعل امرأة لوط من أهله، فقال : { ... إنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلاَّ امْرَأَتَكَ ... } [العنكبوت : 33] .
وقيل في معنى (الآل) أقوال أخرى لا تصح .هل أزواج النبي من آله ؟ :
يأتي إفراد هذه المسألة من أهميتها؛ فالرافضة ينكرون كون أزواج النبي من آله، وحجة من ذهب إلى هذا من أهل العلم : حديث زيد، وحديث ابن سلمة .

ويمكن مناقشة الاستدلال بهما كما يلي :

أولاً : حديث زيد، إنما وقع فيه نفيه في الرواية الثانية على أن يكون المراد بأهل بيته نساؤه فقط دون غيرهن، ولذا : قال في الرواية الأولى : (نساؤه من أهل بيته)، فأثبت كونهن من أهل بيته، ونفى كونهن أهل بيته دون غيرهن، ويحتمل أيضاً : أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث بالآل الذين حرموا الصدقة استقلالاً، وهم قرابته دون أزواجه، ولكن الاحتمال الأول أرجح؛ جمعاً بين الروايتين، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة[7] .

ثانياً : وأما استدلالهم بحديث عمر بن سلمة، فمناقشته من أوجه :

1- أن الحديث يحمل على أن النبي ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية، وجعلهم أهل بيته، كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرَمِيّة، وعليه : فأهل الكساء جُعلوا من أهل بيته بدعائه، أو بتأويل الآية على محاملها .

2- أن الحديث لا يقتضي حصر آل البيت في أولئك؛ لما جاء في الرواية الأخرى : (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)[8] ، وهذا غايته أن قرابته أحق بهذه التسمية، وليس فيه إخراج الأزواج من الآل .
3- أن قصر أهل البيت على المذكورين في الحديث (يقتضي أن تكون الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها) .
4- أن قوله لأم سلمة حين قالت : وأنا معهم يا رسول الله ؟ : (أنت على مكانك، وأنت إلى خير)[9] ليس فيه ما يفيد منعها من ذلك؛ لأن المراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها، وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها به[10] . وبعد هذه المناقشة يتبين أن القول الذي تجتمع به الأدلة هو : شمول الآل للقرابة والأزواج، وهذا القول هو اختيار كثير من أهل العلم، وصححه ابن تيمية[11] .

واليوم : فإن نسل البيت الطاهر لم ينقطع، كما دلت أحاديث خروج المهدي على أنه من نسله، ولكن لا يثبت النسب لكل مدع، إذ لا بد من إثبات النسب، فإن كان ذاك فلآل بيت رسول الله ما سيأتي ذكره من الخصائص والحقوق والواجبات .

ثانياً : خصائصهم ومناقبهم :
--------------
1- خصائصهم :

أ- تحريم أكل الصدقة عليهم قال : (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد) .[12]

ب- إعطاؤهم خُمُس خمس الغنيمة، وخمس الفيء : قال (تعالى) : {واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } [الأنفال : 41]، وقال : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } [الحشر : 7]، فإذا حرموا نصيبهم هذا أعطوا من الصدقة .

ج- فضل النسب وطهارة الحسب :

قال : (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفاني من بني هاشم)[13] .
2- مناقبهم العامة :

أ- تخصيصهم بالصلاة عليهم : وذلك كما في التشهد في الصلاة عليه وعلى آله .
ب- وصية الرسول بهم : كما تقدم .
ولا يثبت لآل البيت والله أعلم غير ذلك من الخصائص العامة، فيجب الحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ودسائس المبتدعة .

3- المناقب والفضائل الخاصة ببعض آل البيت :

قد ثبت لكثير من أفراد آل البيت مناقب كثيرة، حفظتها السنة، ففضائل علي أشهر من أن تذكر، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وخديجة خير النساء، وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام[14] ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وحمزة سيد الشهداء يوم القيامة ... وهذا غيض من فيض .
ثالثاً : عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت :

تتلخص عقيدة أهل السنة في آل البيت في أنهم يحبون المؤمنين من آل البيت، ويرون أن المؤمن من آل البيت له حقان عليهم : إيمانه، وقرابته .
ويرون أنهم ما شرفوا إلا لقربهم من الرسول، وليس هو الذي شَرُف بهم، ويتبرؤون من طريقة الروافض، ومن طريقة النواصب، ويحفظون فيهم وصية الرسول، ولازم هذه المحبة : توليهم ونصرتهم، وهي من لوازم حفظ الوصية فيهم .
ويرون أنهم مراتب ومنازل، وأنهم وإن تميزوا فلا يعني أن لهم الفضل المطلق على من فضلهم في العلم والإيمان، فالثلاثة : أبو بكر، وعمر، وعثمان، أفضل من علي، وإن امتاز عنهم بخصوصيات؛ لأن هناك فرقاً بين الإطلاق والتقييد[15] .
(وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه (رضي الله عنهن)، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين)[16] .
قال ابن كثير (رحمه الله) : (ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم، وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين)[17] .
ويبين الطحاوي أن البراءة من النفاق لا تكون إلا بسلامة المعتقد في آل البيت فيقول : (ومن أحسنَ القولَ في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق)[18] .
ولقد كانت حياة سلف الأمة شاهدة على رعايتهم وصية رسول الله في أهل بيته، والوقائع كثيرة، هاك شيئاً منها :
-قال أبو بكر (رضي الله عنه) : (ارقبوا محمداً في آل بيته) يخاطب الناس بذلك ويوصيهم به، يقول : احفظوه فيهم؛ فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم[19] .
وقال (رضي الله عنه) : (والله، لَقرابة رسول الله أحب إليّ من أصل قرابتي)[20] .
-وقال عمر للعباس (رضي الله عنهما) : (والله، لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب)[21] .
هذه بعض الشواهد، وإلا فإن الأمر أكبر من هذا، كما شملت هذه الرعاية أزواجَ النبي؛ فإن أهل السنة يعرفون لهن حقّهن، فإنهن أمهات المؤمنين بنص القرآن، وأفضلهن : خديجة وعائشة (رضي الله عنهن أجمعين) .
وقد كان بقية آل البيت فضلاً عن سائر الصحابة يعرفون مكانتهن؛ فقد قيل لابن عباس (رضي الله عنهما) بعد صلاة الصبح : ماتت فلانة لبعض أزواج النبي فسجد، قيل له : أتسجد في هذه الساعة ؟ فقال : أليس قال رسول الله (إذا رأيتم آية فاسجدوا)، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ؟[22] .
ولما كان صحابة رسول الله يحفظون لآل البيت قدرهم، فقد كان آل البيت أيضاً يعرفون منزلة إخوانهم من الصحابة، ويقدرون صاحب الفضل منهم (رضي الله عن الجميع) ويكفي الشاهد التالي : عن ابن عباس قال : (إني لواقف في قوم، فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي فقال : رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله يقول : كنتُ وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتّ فإذا علي بن أبي طالب)[23] فهذا هو علي (رضي الله عنه) الذي يرفعه الرافضة فوق منزلته، ويزعمون ظلم الصحابة له وسلبهم حقوقه، إنه (رضي الله عنه) يرد عليهم بفعله وقوله . ومن أجمل ما في هذا الباب : رسالة للشوكاني سماها (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي )، ذكر فيها إجماع أهل البيت على تحريم سب الصحابة، من اثني عشر طريقاً، ثم سردها عن جماعة من أكابرهم . ثم ذكر طائفة من أقوالهم، تبين معتقدهم في صحابة رسول الله، والترضي عنهم، وتحريم سبهم، وأن السب إنما هو من فعل الروافض الضلاّل، ومن تشبه بهم في فعلتهم هلك معهم، وذكر في آخر رسالته أن من لم يقنع بما ذكر من الأدلة والإجماع فهو : إما جاهل، أو مكابر . وصدق (يرحمه الله) .

رابعاً : معتقد أهل البدع والضلال في آل البيت :

افترق الناس في آل البيت، فهلكوا، ونجا أهل السنة، وهذا بحكم علي (رضي الله عنه) حيث قال : (يهلك فيّ رجلان : مفرط في حبي، ومفرط في بغضي)[24] ، وأهل السنة وسط بين طرفين، وقد سلك أهـل الزيغ في آل البيت مسلكين : مفرط في الحب وهم الروافض والصوفية، ومفرط في البغض وهم النواصب .
المسلك الأول : مسلك الرافضة والصوفية :
معتقد الرافضة في آل البيت :
غلا الرافضة في محبتهم كما غلت النصارى في المسيح[25] ، وقالوا : لا ولاء إلا ببراء، أي : لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)[26]، وأطلقوا (النّصْب) على من تولى الشيخين (رضي الله عنهما)؛ بناءً على أن : (من أحبهما فقد أبغض عليًّا)، و (من أبغضه فهو ناصبي)، وهاتان مقدمتان، أولاهما باطلة[27] . ورفعوهم فوق منزلتهم، وادعوا لهم ما لم يثبت، بل ما لا تقبله العقول !
وقد تبرأ خيرة آل البيت من تلك المحبة ودعوا إلى الاعتدال فيها، قال علي بن الحسين (رحمه الله تعالى) : (يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً)[28]، وعن الحسن بن الحسن أنه قال لرجل يغلو فيهم : (ويحك ! أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعاً أحداً بقرابة من رسول الله بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم)[29] .
قولهم بإمامة الاثني عشر :[30]
الإمامة عندهم في المرتبة الرابعة من أصول الدين، بعد التوحيد والعدل والنبوة، فزعموا فيها أن النبي نصّ على إمامتهم نصًّا جليًّا أو خفيًّا . ومن أصول الرافضة في الإمامة :

أ - أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة الأنبياء .
ب- أن كل ما يقولونه فقد تلقوه عن النبي .
ج- أن إجماع العترة (وهم الأئمة الاثني عشر) حُجة، وأن كل ما قاله أحدهم فقد أجمعوا عليه كلهم ! .
وبراءة آل البيت من لزوم طاعتهم على ما قرره الرافضة ثابتة : فعن علي بن الحسين أنه قال : (من زعم منا أهل البيت أو غيره أن طاعته مفترضة على العباد فقد كذب علينا، ونحن منهم براء، فاحذر ذلك إلا لرسول الله ولأولي الأمر من بعده)[31] . وعن أبي جعفر محمد بن علي، قال : (يزعمون أني مهدي، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما يدعون)[32] .

انحراف الرافضة في أئمتهم :
---------------
وقد بلغ مبلغاً عظيماً، ومن صوره :
أولاً : اختلافهم في تعيين الأئمة اختلافاً متبايناً، كلّ يدعي الحق دون حجة ولا برهان .
ثانياً : مخالفتهم لأئمتهم، حيث فارقوا أهل السنة والجماعة .
ثالثاً : أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات .
رابعاً : كذب الرافضة على أئمتهم :
فلم يقفوا عند حدّ القصور في تمييز المنقولات، وقد عظم كذبهم، لا سيما على جعفر الصادق، فإنه ما كُذب على أحد مثل ما كذب عليه، حتى نسبوا إليه : كتاب الجَفْر، والبطاقة، والهَفْت، واختلاج الأعضاء، وجدول الهلال، وأحكام الرعود والبروق ... وغيرها .
خامساً : اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم :
فقد مات الأئمة من سنين كثيرة، فأين مهديّهم ؟ ! والذين يوجهون الرافضة، ويطيعهم الرافضة، هم الشيوخ، أو كتب صنفها الشيوخ .
سادساً : سخافة قول الرافضة في أئمتهم :
وماذا حصّلوا من انتظارهم إمامهم المزعوم محمد بن الحسن العسكري إلا العناء وسخرية العقلاء بهم ؟ ! .
سابعاً : زعمهم اختصاص آل البيت بشيء من التشريع، لم يعلم به غيرهم :
ومن ذلك : زعمهم اختصاصهم بمصحف فاطمة، ويكفينا هنا رد علي نفسه لما سئل : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما كان في كتاب الله ؟ قال : (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن ... )، ولمسلم : (ما خصنا رسول الله بشيء لم يعم به الناس كافة)[33] .
ثامناً : شرك الرافضة في أئمتهم :
حيث ينسبون إليهم أفعالاً لا تليق إلا بمقام الربوبية، وتأمل هذه القصة : عن القاسم المطرّز، قال : دخلت على عبّاد الكوفة، وكان يمتحن الطلبة، فقال : من حفر البحر ؟ قلت : الله، قال : هو ذاك، ولكن من حفره ؟ قلت : يذكُرُ الشيخ، قال : حفره علي ! ! فمن أجراه ؟ قلت : الله، قال : هو كذاك، ولكن من أجراه ؟ قلت : يفيدني الشيخ، قال : أجراه الحسين، وكان ضريراً، فرأيت سيفاً وحَجَفَة، فقلت : لمن هذا ؟ قال : أعددته لأقاتل به مع المهدي، فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال : من حفر البحر ؟ قلت : حفره معاوية (رضي الله عنه)، وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبتُ وعَدَوْتُ فجعل يصيح : أدركوا الفاسق عدوّ الله، فاقتلوه .[34]
حقيقة مذهب الرافضة :
والحقيقة التي ينبغي أن تُعلم : أن كل ما يدعيه الرافضة لآل البيت، لم يكن مودة لآل البيت، ولا محبة فيهم !، فإن القوم قوم بُهت، وأهل كيد وخداع، وإن وراء الأكمة ما وراءها، ويشهد التاريخ أنهم كادوا للإسلام ويكيدون له؛ فهم قوم منافقون باطنيون أقصد أهل زماننا من الرافضة،قال الإمام الدارمي : (حدثنا الزهراني أبو الربيع قال : كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من رأيه الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فقال رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه : قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه، فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي ؟ قال : إذن أصدقك أنا، إنْ أظهرنا رأينا الذي نعتقده رُمينا بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواماً ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاؤوا، ويعتقدون ما شاؤوا، ويقولون ما شاؤوا، فنُسبوا إلى التشيع، فلم نر لمذهبنا أمراً ألطف من انتحال حب هذا الرجل ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال لنا : رافضة أو شيعة، أحب إلينا من أن يقال زنادقة كفار، وما علي عندنا أحسن من غيره ممن نقع بهم .
ثم قال : وصدق هذا الرجل فيما عبر عن نفسه ولم يراوغ . وقد استبان ذلك من بعض كبرائهم وبصرائهم ... ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم لعلى يقين)[35] .
معتقد الصوفية في آل البيت :
والصوفية يرون أن آل البيت هم خواص الأمة؛ ومن هنا أتى غلوهم في الأولياء . وينبغي أن يعلم أن لهم اصطلاحاً في الولاية يخالف اصطلاح أهل السنة، فأهل السنة يعرفون الولي بأنه : كل مؤمن تقي، ليس بنبي .
أما ولي الله عند الصوفية فهو : من اختاره الله وجذبه إليه، ولا يشترط الصلاح ولا التقوى عندهم، بل هي وَهْب إلهي دون سبب ولا حكمة، وجعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة أولياء، وقسموا الأولياء إلى مراتب : الغوث، والأبدال، والنجباء، ولكل منهم تصرف في الكون حسب مرتبته .
والمطلع على حقيقة مذهبي الرافضة والصوفية يجد الأصل واحداً، والغاية واحدة، كما يجد الاشتراك في كثير من العقائد والشرائع[36] ، وخير مثال على ذلك ما نحن بصدده، وهو :
1- الإمامة الشيعية والولاية الصوفية :
زعم الرافضة أن أئمتهم مختارون من الله، خُصوا بخصائص دون غيرهم، ورفعوهم فوق مقامات الأنبياء، وهذا نفسه ما ادعاه الصوفية لأوليائهم، وكما جعل الرافضة للأئمة مقامات بعد مقام الولاية كالنقباء، وهم وكلاء الإمام ...، فقد جعل الصوفية المقام الأعظم للقطب الغوث، ثم الأبدال السبعة، ثم النجباء السبعين ...

2- تقديس القبور وتعظيم المشاهد :

الشيعة أول من بنى المشاهد والمساجد على القبور في الإسلام، وكان ذلك منذ بداية القرن الثالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمونها ... ونسج الصوفية على المنوال نفسه؛ فجعلوا أهم مشاعرهم : تعظيم القبور والأضرحة، والطواف والتبرك بها ...
ولعل من الأمثلة على شدة التقارب بين الفئتين : ما قام به الرافضة في بلد إسلامي من بناء مسجد عظيم أنفقوا فيه بسخاء على مقام (السيدة زينب)، وهو من المقامات التي أنشأها الصوفية، بل صار مزاراً عظيماً للرافضة ! ! ويكفي في بيان التقارب : أن التشيع ما دخل إفريقيا في العصر الحديث إلا عن طريق الصوفية التي كانت ضاربة أطنابها في إفريقيا ولا زالت، بل إن دولة العبيديين (الفاطميين) كانت تسعى لنشر التشيع والرفض، وما أراد العبيديون أصلاً بإنشاء الأزهر إلا ليكون معلماً للرفض، ومركزاً لنشر تلك العقيدة المزيفة، ولكن الله رد كيدهم، ولما سقطت دولتهم على يد صلاح الدين، الذي أعاد الله به ضياء السنة، بقي دين الرفض مختبئاً، واتخذ طريق التصوف أسلوباً وسبيلاً لمحاولة بقائه .
المسلك الثاني من مسالك أهل البدع في آل البيت :
سبهم وتكفيرهم، كما يفعلون مع بقية الصحابة (رضي الله عنهم)، وهذا مسلك المارقة الخوارج الحرورية .
والأدلة على تحريم سب الصحابة وآل البيت ظاهرة، وأقوال السلف في حبس سابّهم وعقوبته متكاثرة، قال (تعالى) : { وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } [الحجرات : 12]، وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً، وقال (تعالى) : {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [الهمزة : 1]، وقال (تعالى) : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإثْماً مُّبِيناً } [الأحزاب : 58]، والله (تعالى) قد رضي عن الصحابة رضاءً مطلقاً، فقال : { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة : 100]، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً .
وقال رسول الله : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه)[37] . وقد فصل ابن تيمية في الصارم المسلول حكم ساب الصحابة بعد أن نقل نقولاً كثيرةً عن العلماء، وهناك جملة من أنواع سب الصحابة مما يعدّ ناقضاً من نواقض الإيمان[38] ، وهي :
1- أن يسب الصحابة أو جمهورهم، سبًّا يقدح في دينهم وعدالتهم؛ كأن يرميهم بالكفر، أو الفسق، أو الضلال .
2- أن يسب صحابيًّا تواتر فضله .
3- أن يقذف عائشة، أو غيرها من أمهات المؤمنين .
وواضح أن هذا السب قاسم مشترك بين الروافض والنواصب ! ! .
ولماذا كان السب ناقضاً للإيمان ومكفراً ؟
لأن في سب الصحابة (رضي الله عنهم) تكذيباً للقرآن الكريم، وإنكاراً لما تضمنته آيات القرآن من تزكيتهم والثناء عليهم .
لأن سبهم يستلزم نسبة الجهل إلى الله (تعالى)، أو العبث في تلك النصوص الكثيرة التي تقرر الثناء على الصحابة .
ولأن فيه تنقصّاً وأذى للرسول؛ فهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم .
ولأن سبهم طعن في الدين، وإبطال للشريعة، وهدم لأصله؛ لأنهم هم نقلة الدين، فإذا طعن فيهم انعدم النقل المأمون للدين .
ونحن نبرأ إلى الله من فعل الخوارج الذين يناصبون الصحابة وآل البيت العداء، وقتلوا عليًّا على يد ابن ملجم (عليه من الله ما يستحق) . كما نبرأ من صنيع الروافض وافترائهم وبهتانهم .
وأخيراً : أما وقد ثبت هذا الفضل لآل البيت، فهل يا ترى يناله كل من كان منتسباً لهذا النسب الشريف كائناً من كان ؟ .
إن أصول الشريعة لتدل دلالة واضحة على أن النسب بحد ذاته لا يمكن أن يكون كافياً لتحصيل تلك المزية والمنقبة وذلك الفضل، إذ لو كان كافياً لنفع أبا لهب وأبا طالب، إذ لا بد أن ينضاف إليه الإيمان والعمل الصالح؛ فإن النسب وحده لا يعني حصول العصمة، ولا سقوط التكاليف .. هذا أمر .
وأمر آخر وهو : أن القرب من النبي كما أنه تشريف، فهو تكليف أيضاً؛ فإن الله (تعالى) ضاعف الأجر لأزواج النبي وهنّ من آله وبيّن لهنّ مضاعفة العقوبة، وهذا من خصائصهن (رضي الله عنهن) لعظم قدرهن؛ لأن قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها، قال (تعالى) : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاًتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } [الأحزاب : 30، 31]، فلما كانت مكانتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا؛ ***** لجنابهن وحجابهن الرفيع .
إذن : فالفضل الوارد لآل البيت إنما يستحقه المؤمنون منهم، المتبعون للسنة، وهم الذين ندين لله (تعالى) بحبهم، والاعتراف بفضلهم، وموالاتهم، ومعاداة من عاداهم .
أما الواقع المشاهد لبعض المنتسبين لآل البيت، من الذين بدلوا وغيروا وحرفوا، وصاروا دعاة للضلالة، ناصرين للبدعة، محيين للشرك الصراح، موالين لأهل الكفر، أما هؤلاء فلا حب لهم ولا كرامة، فإنهم لا يعتبرون من آل البيت، بل حقهم الكراهية والبغض والبراءة والعداوة، كما هو مقرر في باب الولاء والبراء، فتسري عليهم أحكام الشريعة، كما تسري على غيرهم، في حين أن الأمر في حقهم أشد وأقبح؛ فهم يسيئون إليه، ويؤذونه و آل بيته (رضي الله عنهم)، لكن أفعالهم الشنيعة، وأعمالهم البشعة لا تغض من قدر آل البيت شيئاً، بل قدرهم عند أهل السنة محفوظ، لا يزيله تحريف غالٍ، ولا انتحال مبطل، ولا تأويل جاهل .
إن كثيراً من أولئك الدجاجلة الأفاكون استغلوا نسبتهم لآل البيت، وصدقوا معتقد الرافضة وغلاة الصوفية في أئمتهم، فادّعوا العصمة لأنفسهم وصاروا دعاة على أبواب جنهم، ينشرون البدع والضلال والكفر والشرك الأكبر ! .
ألا فليعلم أولئك، والمغترون بهم، والسائرون في ركابهم، أنهم ليسوا على شيء؛ فإن الله (تعالى) ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب، إلا سبب الإيمان والعمل الصالح، وإن النبي لا يغني عن أحد شيئاً، ولو كان أقرب قريب، ولو كان نافعاً أحداً لنفع أباه، وقد قرر ذلك أعظم تقرير وأوضحه، ولكن القوم في غيهم يعمهون . عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : لما أنزلت هذه الآية : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } [الشعراء : 214] دعى رسول الله قريشاً، فاجتمعوا، فعمّ وخصّ، فقال : ( ... يابني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ... ) .[39]

----------------------------------
(1) لسان العرب، م1 ص171 .
(2) انظر جلاء الأفهام، لابن القيم، ص 210 228 .
(3) انظر منهاج السنة، ج7 ص75 78 .
(4) رواه مسلم، ح/2408 .
(5) أخرجه الترمذي، ح/3787، ومسلم بمعناه، ح/2424 .
(6) أخرجه مسلم، ح/407 .
(7) انظر تفسير ابن كثير، ج3 ص486 .
(8) المسند، ج4 ص170 .
(9) تفسير الطبري، ج10 ص297، بنحوه .
(10) انظر : تفسير ابن عاشور، ج22 ص16 .
(11) منهاج السنة، ج7 ص76، ج4 ص24 .
(12) أخرجه مسلم ح/1072 ص6 .
(13) أخرجه مسلم ح 2276 .
(14) أخرجه مسلم ح 2276 .
(15) مسلم، ح/2430 وما بعده 8 .
(16) انظر شرح مقدمة التفسير، لابن عثيمين ص108 .
(17) عقيدة الإمام الصابوني، ج4 ص113 .
(18) تفسير ابن كثير، ج4 ص113 .
(19) شرح الطحاوية، م2 ص737 .
(20) انظر الفتح ج7، ص98، والأثر في الصحيح .
(21) أخرجه البخاري، ح3712 .
(22) تفسير ابن كثير، ج4 ص113 .
(23) أخرجه الترمذي، ح3891، وهو صحيح .
(24) أخرجه البخاري، ح3677 .
(25) أخرجه اللالكائي، م7ص1397، وإسناده قوي .
(26) شرح الطحاوية، م2ص697 .
(27) انظر التدمرية، ص122 .
(28) أخرجه اللالكائي، م7 ص1398 .
(29) السابق، م7 ص1400 .
(30) انظر مجلة البيان، ع93 ص8-19 .
(31) أخرجه اللالكائي، م7 ص1398 .
(32) السير، ج4 ص407 11 .
(33) أخرجه البخاري، ح3047، ح1978 بنحوه .
(34) السير، ج11 ص538، وإسنادها صحيح .
(35) الرد على الجهمية، ص179 180 .
(36) انظر : الفكر الصوفي، عبدالرحمن عبدالخالق، ص514 48 .
(37) أخرجه مسلم، ح/204 .
(38) انظر نواقض الإيمان، د عبدالعزيز العبداللطيف، ص405 .
(39) أخرجه مسلم، ح 2540 .
------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:27 AM
الأضرحة في العالم الإسلامي "مشاهد متفرقة"*
ــــــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ


https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTg_M00Pa3o4iHCaLWpVzAIgLkqaOved t-dbe9caDxFETQl8EGzww


الخرطوم : عثمان محمد سليمان
دكا : عبد الله الشهيد
القاهرة : أحمد محمد
أسمرة : إدريس محمد إدريس

هذه بعض المشاهدات التي أرسلها للبيان بعض الكتاب نضعها بين يدي القارئ ليزداد بصيرة بحجم هذا المرض الفتاك (تقديس القبور والأضرحة) وللمارسات غير الشرعية التي تقوم بها العامة تحت سمع وبصر بعض العلماء، ومما يندى له الجبين أن بعض العلماء يشارك في هذه الطقوس المبتدعة تحت اسم مولد الولي فلان أو الرجل الصالح علان .
ومن هذا القبيل شد الرحال لما يسمى بالعتبات المقدسة وما يحصل فيها من استغاثات للأموات وتمسح بها . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
- البيان -
----------
القبور والأضرحة مزيد من البيان :
---------------------
منذ عصر دولة بني عبيد بن القداح الذين ادعوا زوراً وبهتاناً أنهم فاطميون عرفت البدع الشركية طريقها إلى السودان، وأخذت تنتشر وتستفحل، ثم زاد الطين بلة وجود التوجهات الصوفية البدعية في عصر الدولة العثمانية، فأعطت زخماً جديداً لهذه البدع التي أضحت أحد العناصر الأساس في الحياة الاجتماعية لأكثر السودانيين، قبل أن تأتي الدعوة السلفية وتحاول الوقوف أمام هذا الطوفان ..
ويقف على رأس هذه البدع : ما يتعلق بالقبور؛ فقد أصبح اتخاذ القباب والأضرحة على قبور من يُعتقد صلاحهم أحد ذرائع البدع القولية والعملية، والكبيرة والصغيرة في حياة الناس .
والقبة عبارة عن بناء شاهق يُتخذ على شكل مخروطي أو نصف كروي، يقام على قبر من يُعتقد فيه الصلاح والولاية .. ولكن كيف يعرف احتواء هذا القبر على من يعتقد في صاحبه الصلاح أو الولاية ؟ ..
يتم ذلك عن طريق ما يسمونه بـ (البيان) !، فحسب الاعتقاد السائد في السودان : يمكن أن يرى شخص ما رؤية منامية، يرى فيها شيخاً من الشيوخ ممن ماتوا ودفنوا في مكان ما، فيرى الرائي أن هذا الشيخ دله على مكان معين و (بيّن)، أي : ظهر فيه، فيبادر هذا الرائي عند استيقاظه بالتوجه إلى ذلك المكان فيرفعه عن سطح الأرض، وينصب عليه الخرق والرايات، معلناً أن الشيخ الفلاني بيّن في هذا المكان، فيعرف المكان بأنه (بيان) الشيخ الفلاني، ثم يزار كغيره من الأضرحة والقباب، وتُعقد له وحوله الطقوس المعروفة بهذه الأضرحة .
ومن حيث أماكن اتخاذها تنقسم القباب والأضرحة إلى قسمين :
أ - قباب تبنى في مقابر المسلمين العامة، حيث تبدو القبة شاهقة وسط القبور .
ب - قباب تبنى في المساجد، أو تبنى عليها المساجد، وقد تكون في قبلة المسجد، أو في الخلف، أو في أحد جوانبه .

ومن أشهر القباب والأضرحة في السودان :
------------------------
* قبة الشيخ/ محمد عثمان عبده البرهاني (شيخ الطريقة البرهانية) بالخرطوم السوق الشعبي .
* قبة الشيخ/ قريب الله، بأم درمان، ودنوباوي .
* قبة الشيخ/ دفع الله الصائم ديمة، بأم درمان أميدة .
* قبة الشيخ/ حسن ود حسّونة، بالخرطوم بحري .
* قبة الشيخ/ دفع الله الفرقان، بأم درمان، جنوب السوق .
* قبة الشيخ/ أبو زيد، بأم درمان، سوق ليبيا .
* قبة الشيخ/ حمد النيل، بأم درمان .
* قبة الشيخ/ محمد بن عبد الله كريم الدين (شيخ الطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية) .
* قبة الشيخ/ إبراهيم ود بَلاّل، بالقطينة .
* قبة الشيخ/ الطيب ود السايح، بأبي شنيب، قرب الحداحيد .
* قبة الشيخ/ حمد ود أم مريوم، بالخرطوم بحري، حي حِلّة حمد .
* قبة الشيخ/ خوجلي أبو الجاز، بالخرطوم بحري، حلة خوجلي .
* قبة الشيخ/ صديق ود بُساطي، غرب النيل الأبيض .
* قبة الشيخ/ طه الأبيض البطحاني، بشمال الجزيرة .
* قبة الشيخ/ الطريفي ود الشيخ يوسف، بأبي حراز .
* قبة الشيخ/ عبد الرحيم ود الشيخ محمد يونس، بأبي حراز .
وجدير بالذكر أن منطقة أبي حراز بها ما يقارب (36) قبة، من أشهرها إضافة إلى ما سبق :
* قبة الشيخ أحمد الريح، وقبة الشيخ دفع الله المصوبن (أبو النعلين) .
وقد لوحظ على بعض القباب أنها حظيت برعاية بعض القادة السياسيين، مثل قبة الشيخ يوسف أبو سترة، التي شيدت برعاية الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وكذلك قبة الشيخ مدني السني، بمدينة ود مدني، كما لوحظ أيضاً عدم اقتصار اتخاذ القباب على قبور المعظمين في المسلمين، بل من شدة الجهل والغفلة اتخذت قبة على مقبرة (الرفيق) الصيني الشيوعي يانغ تشي تشنغ، في ود مدني، ولوحظ كذلك : أن بعض هذه القباب يتوسط المساكن .

أما في إريتريا : فمن أشهر الأضرحة التي يرتادها الناس :
---------------------------
* ضريح الشيخ بن علي بقرية (أم بيرم) القريبة من مدينة مصوع الميناء الرئيس لإريتريا .
* ضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية بمدينة مصوع، وعلى كل من هذين القبرين مبنى مستقل على شكل مكعب ومغطى بالقماش مثل الكعبة، وفي كل زاوية منه خشبة مستديرة الشكل يتبرك بها بعد الانتهاء من الطواف بالقبر !
* ضريح الشيخ جمال الأنصاري، وله وقت مخصص لزيارته، وإن كانت أهميته لدى الناس أقل من سابقيه .
* ضريح جعفر، وقد بني عليه مسجد، ويقوم المصلون في المسجد بزيارته بعد كل صلاة مفروضة .
* ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو ضريح وهمي في قرية (حوطيت) بالقرب من مدينة جندع على ساحل البحر الأحمر .
* ضريح الشيخ الأمين المقام في أحد مساجد مدينة (أسمرا) العاصمة .
* ضريح سيدي هاشم في مدينة (كرن) التي تقع على الساحل الجنوبي من إريتريا، وهو يعتبر من أكبر المشاهد التي يقصدها الناس من أنحاء عديدة في البلاد، بل ومن الدول المجاورة كالسودان .
* ضريح أحمد النجاشي في (عدي قرات) التي تقع على الحدود الإريترية الإثيوبية، وله يوم محدد (مولد) يقصده الناس فيه من أنحاء إريتريا وإثيوبيا .

بنجلاديش :
-------

ولا تختلف الصورة كثيراً في شرق العالم الإسلامي حيث تنتشر الأضرحة و (المزارات) ففي بنغلاديش، خاصة في مدن داكا (العاصمة) وشيتاغونج وسلهت وخولنا، ولكن من الغريب ارتياد الناس لمزارات يوجد بها سلاحف وتماسيح يعتقد فيها بعض الجهلاء النفع والضر، فيقدمون الأكل لها أملاً في الحصول على وظيفة أو لتفريج كربة، وتحرص بعض النساء على مس هذه الحيوانات أملاً في حدوث الحمل والرزق بالذرية، وقد نتجت هذه الاعتقادات والممارسات عن الزعم بأن هذه الحيوانات تحولت إلى هذه الصورة بعد أن كانت من الأولياء الصالحين ! وهناك أيضاً مزارات تحتوي على أشجار يعتقد فيها وتعلق على أغصانها الخيوط والخرق .
ويولي المعتقدون في هذه الأضرحة والمزارات اهتماماً كبيراً بعمارتها ومظهرها حيث تكون المباني مزخرفة ومزينة، ولكل قبر قبة مبنية بأحجار قيمة، وتقوم على أمر هذه المزارات لجنة تضم أصحاب السلطة والمنتفعين من ورائها؛ حتى أصبح حالنا وحال هذه الأضرحة كما قال الشاعر المصري حافظ إبراهيم :
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم وبألف ألف يرزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة قامت على أحجارها الصلوات
تعددت المظاهر والانحراف واحد :
يعتبر الغلو والبدع والانحراف عن التوحيد الخالص عوامل مشتركة بين مرتادي الأضرحة والمعتقدين فيها وإن تنوعت المظاهر حسب بيئة كل بلد وعادات أهله .
ففي إريتريا يقصد كثير من القبوريين الأضرحة حاملين معهم الأغنام والأبقار والسكر والقهوة والشاي وغيرها من أنواع الأطعمة إضافة إلى الأموال؛ ليقدموها قرباناً إلى صاحب الضريح، وقد يذبحون الأنعام تقرباً أيضا للولي أو الشيخ، ويطوفون بالقبر وبتمرغون بترابه، ويطلبون قضاء الحوائج وتفريج الكربات منه، كما يحصل من الفساد الأخلاقي حول الأضرحة ما يستحيي الإنسان من ذكر تفاصيله وخاصة الاختلاط وانتهاك الأعراض، وتكثر هذه الممارسات حول الأضرحة الشهيرة، كضريح الشيخ (بن علي) وضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية، وضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وضريح سيدي هاشم وضريح أحمد النجاشي .
ويزداد الأمر سوءاً في السودان؛ حيث يحرص أتباع هذه الأضرحة والمنتفعون منها على التأصيل لهذه الانحرافات، فتلقى المحاضرات وتؤلف الكتب في الحث على ذلك، ومن أشهرها :
رسالة عبد الله المحجوب الميرغني، المتوفى سنة (1207ه)، واسمها : (تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء)، يقول فيها :
(ولهذا يتبين لك (وجوب) التعلق بالوسائل والأسباب، وتأكد لزوم التزام الوسائط والأبواب، فتعلق بالوسائل والأسباب، والجأ واستغث، وانده [من النداء] لخواص الله والأحباب، واطرق لدى الخطوب ما شئت من الأبواب، تنل بذلك من فيض الوهاب ما لا يدخل في حساب) .
ونتج عن إشاعة هذا الاعتقاد والدعوة إليه أن تأثيره لم يقتصر على الطرقيين فقط، بل امتد ليشمل جماهير عريضة في الشعب السوداني، وهذا ما شاهدته بنفسي أثناء مطالعتي لتلك المزارات، فهناك عادات ارتبطت بتلك القباب، يقوم بها روادها، منها :
1- ينبغي أن يخلع الزوار نعالهم خارج القبة، وبعضهم يخلعها خارج ساحة المسجد، احتراماً لصاحب الضريح . وعلى أية حال : فمن المسلّم به عندهم أنه لا يجوز دخول القبة بالنعلين .
2- يتم دخول القبة بإذن من حارسها، كما يتولى خادم الضريح (تطويف) الزوار .
3- يتبرك الزوار بالضريح والقبة بطرق شتى : فمنهم من يأخذ من ترابها، ومنهم من يضع يديه على السياج المعدني الذي حول القبر ويتمسح بها، ثم يمسح على جسده وملابسه .
4- الطواف داخل القبة حول القبر من الممارسات الشائعة والمألوفة عند هؤلاء الزائرين .
5- وكذلك دعاء المقبور والاستعانة به والإلحاح عليه في الدعاء، فقد رأيت بعض الزائرين يجلس عند القبر ممسكاً بسياجه، ويلح في طلب حاجته، وأحياناً يصرخ، وبعضهم الآخر يدعو المقبور أثناء الطواف حول القبر، ومما يندى له الجبين أن امرأة شوهدت عند قبة الشيخ عبد الباقي تحمل طفلاً، ترفعه بيديها وتهزه وهي تخاطب الشيخ المقبور راجية منه البركة في صغيرها، ثم تقول : (يا شيخ .. سمعت ؟ ) لتتيقن سماعه وقضاء حاجتها !
6- ومنهم من يلتزم القبر بداخل القبة، ويصيح عنده ويجأر به .
7- ورأيت من يسجد وهو مستقبل القبة نسأل الله السلامة .
8- ومن المعتاد : تقديم النذور عند هذه القباب .
9- ومن الناس من يعكف عندها أياماً وشهوراً، التماساً للشفاء أو لقضاء حاجة من حوائجه، وقد أُلحقت ببعض القباب غرف انتظار الزائرين لهذا الغرض .
10- وقد لوحظ أن زيارة القباب تتم في جميع أيام الأسبوع، وتزداد في أيام الجمع والأعياد؛ حيث يكتظ كثير من القباب بالزوار في هذه المناسبات، كما لوحظ اختلاط الرجال والنساء في هذه الزيارات، وأن معظم الزائرين من النساء .
وفي بنجلاديش يأتي الناس إلى المزارات ويظنون أنها أقدس مكان على وجه الأرض، لذا : فهم يسجدون أمام الأضرحة إجلالاً لها واحتراماً، ويطلبون من أصحابها الذرية ودفع المصائب وتفريج الكروب، كما يقدمون لهم النذور من الأموال والحيوانات كالغنم والبقر التي تذبح باسم صاحب القبر، وأخيراً ينصرفون وهم يظنون أنهم فعلوا خيراً كثيراً؛ لأنهم يعتقدون أن لأصحاب هذه الأضرحة يداً في تصريف الأمور، بل وفي إدخالهم الجنة، ويكون عدد المترددين أكثر بعد العصر وخاصة ليلة الجمعة .
وينتشر حول هذه الأضرحة بعض القبوريين الذين يعيشون في ساحاتها ويلازمونها، وهم صنفان من حيث مظهرهم :

الأول : أناس أصحاب هيئة رثة لا يلبسون إلا القليل من الملابس، التي تكاد ألا تستر غير عوراتهم، ويطلقون شعورهم ولحاهم وشواربهم التي بدا عليها التلبد والقذارة، فهم لا يغتسلون من أوساخهم ولا ينظفون ملابسهم .. ومع ذلك يختلط الناس بهم طلباً للبركة منهم، وتبيت معهم النساء، ولا يتحرزن عن معاشرتهم .
الثاني : يهتمون بمظهرهم وينظفون ملابسهم إلى حد ما، يجلس الواحد منهم في ساحة الضريح وحوله الناس ينادونه بكل شوق ورغبة باسم (بابا)، وهم دائماً يحققون ما يأمر به، وتبيت النساء أيضاً عنده من غير تحرز عن ارتكاب الفواحش معه، حيث يتناولون المخدرات والمسكرات ويغنون بإيقاع خاص أشعار الشرك والفجور، ولا يتورعون عن ارتكاب الزنا .

وفي مصر تلقى الأضرحة احتراماً وتبجيلاً لدى كثير من الناس، حيث يندفع أكثرهم لا شعورياً للقيام ببعض الممارسات المتنوعة والمتعلقة بهذه الأضرحة، وتبدأ هذه الممارسات بالحرص على الصلاة في المسجد الذي به الضريح، ثم الحرص على زيارته وترديد بعض الكلمات والصلوات والدعوات . وبالطبع فإن هذا الحرص يتفاوت حسب شهرة الضريح ومكانته في نفوس الناس وحسب دوافع الزائر له، ويلي ذلك : التمسح بالضريح وتقبيله طلباً للبركة، ويليه : التوسل بجاه صاحب الضريح اعتقاداً أن ذلك أقرب إلى إجابة الدعاء، ثم ينتهي المطاف ببلوغ غاية الضلال والخرافة عندما يتوجه إلى صاحب الضريح بالدعاء والرجاء وطلب قضاء الحاجات منه، وغالباً ما يصحب الدعاء استقبال للضريح حتى ولو كانت القبلة خلف ظهره، كما يظهر على الزائر الخشوع والسكينة والتأثر الذي قد يصل إلى حد البكاء، وقد يصل الولع والوجد ببعضهم إلى الإغراق في حالة من انعدام الوعي، فيصبح (مجذوباً) .
وعادة ما يضع الزائر بعض ما تجود به نفسه في صندوق النذور صدقة أو قربة لصاحب الضريح .
ومن الملاحظ أن طبيعة النذور المقدمة تطورت من الماضي إلى الحاضر، كما أنها تختلف بحسب وجود الضريح في وسط قرى ريفية أو وسط تجمعات عمرانية حضرية .
ومن الملاحظ أيضاً : أن حركة الناس في الدخول إلى الضريح والخروج منه تختلف حسب مكانة صاحب الضريح، ولكنها عموماً تزداد في أوقات الصلوات، وهذا بالطبع بخلاف أوقات الموالد التي تعج بالزائرين .
وماذا عن الموالد ؟
-------------

تكثر الموالد في مصر، ويشتهر منها : المولد النبوي، ومولد البدوي الذي حضره عام 1996م حوالي 3 ملايين زائر، حسب تقرير الحالة الدينية في مصر الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية، ومولد إبراهيم الدسوقي، ومولد أبي الحسن الشاذلي، ومولد المرسي أبي العباس، ومولد أبي الحجاج الأقصري، ومولد إبراهيم القنائي .

والاحتفال بالمولد النبوي كغيره من الموالد يغلب عليه مظاهر الاحتفال الشعبي الفولكلوري المصطبغ بالصبغة الدينية، ويشترك مع غيره من الموالد في سمة حضور جمهور كبير من أنحاء متفرقة، وإقامة بعضهم حول أحد الأضرحة، وإنشاد المدائح الخاصة بصاحب المولد، مع نشاط اقتصادي واجتماعي حول أحد الضريح، إضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من ممارسات وطقوس يقوم بها الزائر تجاه صاحب الضريح . وتعجب أشد العجب أن تجد بعضاً ممن ينتسب إلى العلم والدعوة يحضر بعض هذه الموالد، بل ويروج لها عند العامة، ولا يتورع عن ممارسة بعض البدعيات المحدثة، فيكون قدوة سيئة للجهلة، نعوذ بالله من الخذلان .

ويوم الاحتفال بالمولد النبوي يكون إجازة رسمية في البلاد، ويقام بصفة رسمية في كل محافظة بمصر حيث تشرف عليه السلطات لضمان سيره بانتظام وأمان، وهو يقام في ساحة عامة بجوار أحد المساجد الكبيرة غالباً، وعادة يكون المسجد ضريحاً لأحد الأولياء المشهورين، وقبل المولد تهيأ الساحة والشوارع بالزينات والأضواء، ويستعد أصحاب كل نشاط بما يلزم من *** البضائع ونصب الملاهي، ويزدهر نشاط الباعة والمحلات وبخاصة أنشطة بيع الحلوى والألعاب وأنشطة المقاهي والمطاعم وبيع الأدوات المنزلية، وتزدحم الفنادق، وهي غالباً ذات مستوى متدنٍ .. ويشيع جو من المرح والضجيج في مكان المولد .
وقد شاهد مندوب البيان احتفال (الليلة الكبيرة) للمولد النبوي في القاهرة، حيث سار موكب ممثلي الطرق الصوفية لمدة (45) دقيقة تقريباً مشياً على الأقدام حاملين الأعلام والرايات في جو من البهجة والاحتفال بدءاً من ضريح الشيخ صالح الجعفري بمنطقة الدرّاسة إلى مسجد الحسين، وهناك وجدوا في انتظارهم بعض المستقبلين، على رأسهم شيخ مشايخ الطرق الصوفية، فقاموا بالسلام عليه وقراءة الفاتحة والدعاء جماعيّاً . ويشهد هذا الاحتفال أيضاً كبار رجال الدولة أو ممثلون عنهم، وعلى رأسهم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية ورئيس جامعة الأزهر ووزير الأوقاف ومحافظ القاهرة؛ حيث يلقي معظمهم كلمات في الاحتفال، كما يشهد حضوراً إعلاميّاً واضحاً من صحافة وإذاعة وتلفاز .
وبعد نهاية الاحتفال الرسمي ينصرف أتباع الطرق الصوفية لإلقاء أناشيدهم ومدائحهم وأذكارهم في أماكن معدة لذلك سلفاً، ويستمرون في ذلك حتى منتصف الليل تقريباً .
ولا تختلف نوعية زوار المولد النبوي عما ذكره (تقرير الحالة الدينية بمصر) عن زوار مولد البدوي، فهم يشملون :
* فريقاً هدفه إحياء ذكرى المحتفل به .
* وآخرين يحرصون على التبرك، ومنهم البسطاء والفقراء والأغنياء، الأميون والمثقفون، ويرى هؤلاء أنه إذا لم يتمكنوا من الحضور لأي سبب، سواء أكان بإرادتهم أو رغماً عنهم، فسيصيبهم أذى أو ضرر، ويعتقدون أن الزيارة ستفتح أبواب الرزق أمامهم، بل وتغمرهم بسعادة بالغة .
* ومنهم من كان مريضاً جاء لطلب الشفاء، أو من كانت عاقراً وعقيماً تأمل في تحقيق أملها بإنجاب طفل .
* وفريقاً آخر يبحث عن الترفيه والسياحة وقضاء وقت ممتع، وهم الفئة الشبابية .
* وهناك نمط آخر من الزوار يهدف للتسويق والتجارة سواء بالبيع أو الشراء .
وبالإضافة إلى ذلك : هناك الجمع الغفير من أتباع الطرق الصوفية، هدفهم إحياء الذكرى ونوال البركة ونشر طريقتهم الصوفية . أما عن المشاركة بين المسلمين والأقباط فهي قديمة جدّاً؛ إذ إن التاريخ يذكر أن ابن طولون كان يقيم الولائم وكان المسلمون يحتفلون بالأعياد القبطية مشاركة للأقباط، وسار على نهج الطولونيين الإخشيديون في الاحتفال بأعياد النصارى .. ولا تزال هذه المشاركة موجودة حتى عصرنا الراهن ! ومن أغرب الأمور بهذا الصدد؛ أن مولداً يقام سنوياً باسم (مولد سيدي أبو حصيرة) وهو يقام عند ضريح لرجل يهودي بهذا الاسم، وتأتيه كل عام وفود كبيرة من السياح اليهود من إسرائيل، وتقام حراسة مشددة لحماية الاحتفال حتى ينفض ! !

وفي السودان يتم الاحتفال بالمولد النبوي في صورتين :
--------------------------------

الصورة الأولى : الاحتفال في الميادين والساحات :
-----------------------------

وقد تأصل هذا النوع من الاحتفالات حتى خصصت لها ميادين معينة، عرفت بميادين المولد؛ ففي كل مدينة ميدان يسمى ميدان المولد الكبير، وهو ساحة متسعة مخصصة لهذا الغرض، وتلتقي فيه كل الطرق الصوفية المشتركة في الاحتفال بالمولد، وتتم المشاركة فيه بعد الحصول على تصديق رسمي من الدولة يتم بموجبه السماح للطريقة المعينة بنصب سرادقها في المكان المخصص لها في ساحة المولد، وعمل تجهيزاتها اللازمة لها ..
وتقوم كل طريقة بعمل الأذكار التي تخصها والمدائح المتعلقة بالمولد، كما تتم قراءة الكتب المؤلفة في المولد النبوي في شكل حلقات تشبه حلقات تلاوة القرآن، وعند مرورهم بمواطن معينة في هذه الموالد المؤلفة يقف الحاضرون اعتقاداً منهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحضر عند ذكر ولادته، ويرددون في صوت واحد عبارة (مرحبا بالمصطفى يا مرحبا ... ) وفي بعض المواضع من القراءة يضعون الأيدي على الرؤوس، وفي مواضع أخرى يضربونها أو يوجهونها نحو الأرض عند الاستعاذة من بعض الأمراض أثناء قراءة المولد .
وفي المولد يضربون أيضاً على الطبول الكبيرة (النوبة) التي تصدر أصواتاً قوية، ويرددون معها القصائد الملحنة كنوع من الذكر الذي يُتقرب به إلى الله .. وكل هذا مع الحركة والاضطراب الشديد، وربما دار أحد الدراويش على رجل واحدة وهو (يترجم)، أي : يصدر أصواتاً لا تفهم، فيوصف بأنه غرق في الذكر .
ويزداد الزحام في الليلة الأخيرة، ويكون الناس في هذه الساحات خليطاً من الرجال والنساء، وقد شاهدت في أحد الموالد نساءً يصفقن ويتحركن مع رجال يضربون هذه الدفوف (النوبة) حتى انتهين إلى أحد السرادقات المقامة وهن يصفقن على أصوات المديح، ويتحركن على صوت ضربات الطبول، إلى أن يستقبلهن شيخ ممسك بمسبحته وهو يهز رأسه استحساناً لهذا الصنيع .

أما الصورة الثانية للمولد : فهي الاحتفال به في المساجد والزوايا الخاصة :
----------------------------------------

وفيها يتم قراءة كتاب المولد المؤلف لكل طريقة، وإطعام الطعام لا سيما في الليلة الختامية، ويكون صبيحة هذه الليلة عطلة رسمية في البلاد بمناسبة ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- .
وفي بنجلاديش تكون الاحتفالات حول الأضرحة أسبوعية وسنوية، حيث تعتبر ليلة الجمعة عيداً أسبوعيّاً حول الضريح يأتي إليه الزوار من جميع الأصناف :
أغنياء، وفقراء، ومسؤولين في الحكومة، وغيرهم، ويشاركون في المعاصي من شرك واختلاط وغناء وتكون الفرصة مهيأة للفاحشة والزنا، ويستمر هذا الاحتفال حتى الصباح، ويكون لكل (بابا) مجلس خاص ويتحلق حوله مريدوه .
وبمثل هذا ولكن بشكل موسع يتم الاحتفال السنوي الذي يسمى (عرساً) تحت إشراف لجنة نظامية حكومية ويستمر مدة أطول قد تصل إلى أسبوع، فيجتمع الناس من أماكن مختلفة بعيدة حاملين معهم نذورهم من ماشية وأموال، وتنتشر كل مجموعة حول صاحب بدعة (البابا) الذي يرتدي ملابس غير ساترة مدعين أنهم وصلوا إلى مرتبة تؤهلهم لعدم التمثل بشريعة الله، ويصدقهم الجهلاء في ذلك، ويشيع في هذه الاحتفالات شرب الخمر والمخدرات ولعب الميسر والخرافات إضافة إلى ترك الصلاة، وأيضاً السجود لغير الله، وغير ذلك من الشرك الصريح .
كما يحضرها كذلك كبار المسؤولين والأغنياء والفقراء على حد سواء، وبعض هؤلاء من يشاركون (البابات) الإثراء والمنافع المادية الكبيرة من وراء رواج سوق الخرافة حول الأضرحة .
ونلاحظ أن أهل البدع ينقسمون أقساماً عدة في ممارساتهم البدعية:
فمنهم : أناس لا يؤدون الشعائر ويلبسون الملابس القصيرة، ولا يهتمون بنظافتهم، ويقيمون في بيوت أتباعهم حفلات أسبوعية كل ليلة جمعة، يبدؤون الحفلة بما يسمونه (ذكر الله) بصوت مرتفع، ثم ذكر بعض من سيرة السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم ثم يوردون بعضاً من أخبار عبد القادر الجيلاني، ثم بعد ذلك يدخلون في ذكر جماعي مختلط، تنزع فيه النساء الحجاب؛ لأنهمن يزعمن أن الحجاب الأصلي هو الحجاب الداخلي في القلب، فلا حاجة للحجاب الخارجي، ويرقص الجميع مع الموسيقى، ثم تُطفأ الأنوار، ويحدث ما يحدث . (والله المستعان)
ومنهم : من يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله وأنه محب للرسول ويطيل شعره ولحيته ويلبس الملابس البيضاء، وهو مع ذلك لا يصلي ويستحل الغناء والموسيقى، ولكنه لا يصل إلى أفعال القسم الأول، ويظن أنه بهذه الأفعال يدخل الجنة .
ومنهم : من يصلي ويصوم ويدعي أنه أقرب الناس إلى الله، ولكن مرشده لا يشدد عليه لاتباع الشريعة كلها، ويكتفي ببعض النصائح فقط، وأتباع هذا الشيخ يظنون أنه أقرب الناس إلى الله، وأن له قدرة على تفريج كروب الدنيا والآخرة، ويقبل الناس قدمه ويسجدون عليها من غير إنكار منه؛ لأنه مستفيد من وراء استمرار هذه الأوضاع في الأعراس وغيرها .
نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ويهدينا وإياهم سواء السبيل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م:البيان}
ـــــــــــ

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:35 AM
دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها (1/2)
ـــــــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://oujda-portail.net/ma/wp-content/uploads/2009/11/moulaye-ali-cherif.jpg


ليس من الطبيعي أن يتوجه إنسان إلى حجر أو شجر أو قبر أو أي مخلوق آخر بأشكال التقديس والتقرب، ولذا : فإن الصورة الساذجة المباشرة لهذه الأعمال لا يتصور أنها تنطلي من أول وهلة وبصورتها الساذجة على المخلوق المكرم بعقله، المميز بفطرته؛ إذ لا بد من وجود حجج وحيثيات تزين هذا الانحراف وتسوغه
له، أي : لا بد من وجود (فلسفة) لهذا الأمر حتى ولو لم تظهر مصاحبة له، فهي في كثير من الأحيان تظهر في صورة أشبه ما تكون بالاتجاه النفسي[1] لدى المبتلين بهذا الداء، وهنا تكمن الصعوبة في هذا الجانب من البحث؛ لأننا نريد دخول منطقة (اللاوعي) عند القبوريين للخروج بالوعي الكامن الذي يحركهم ويدفعهم إلى هذه الأفعال التي من المفترض ألا يقبلها عقل راشد، ولا تستسيغها فطرة سليمة، ولا تسمح بها شريعة منزلة .. فكيف فعلها هؤلاء ؟ بل كيف تمسكوا بها ودافعوا عنها ؟
عودة إلى الوراء :
الأمر يستدعي منا أن نعود إلى الوراء لننظر : كيف كان يُدعى الناس من خلال (الحكمة والفلسفة) إلى الانحراف العقدي ؟في البدء كان التوحيد، ولم يكن شرك على وجه الأرض، وكان في الناس بعض المميزين بصلاحهم المبرزين بعبادتهم، ثم طالت فترة الناس عن نور الوحي فقلّ فيهم عدد هؤلاء المميزين، ولكن يبقى الناس مجلين هؤلاء الصالحين، متمسكين بشعاع التقوى والعبادة يريدون عدم الانسلاخ منه، وهنا يبرز الشيطان مزيناً بداية خط الانحراف : (لو صوّرتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم)، و (أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه به)، فقط اتخاذ (الرمز)؛ للتذكرة بالعبادة والصلاح .. !، فصوروا، ثم ماتوا .. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس : (إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها) فعبدوها . إنه (التقليد) ..
فباتخاذ (الرمز) واحترامه وتعظيمه، ثم بـ (التقليد) الذي قاد إلى التقديس حدث أول شرك، وهذا ما حدث في قوم نوح عليه السلام[2] . فكيف كانت (فلسفة) الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام ؟ !
نشأت عبادة الكواكب عندهم من التعلق بالملائكة، واعتقاد أنهم (وسطاء) بين الله وخلقه، وأنهم موكول إليهم تصريف هذا العالم، ثم اعتقدوا أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى، وزعموا أنها أحياء ناطقة مدبرة للعالم، وأنها بالنسبة للملائكة كالجسد للروح، فهي الهياكل، والملائكة الأرواح، وأنها متصفة بصفات مخصوصة، ولوجود هذه الصفات استحقت أن تكون آلهة تعبد .. فكانوا يتقربون إلى الهياكل تقرباً إلى ********ات، ويتقربون إلى ********ات تقرباً إلى الباري تعالى، وهؤلاء يسمون (أصحاب الهياكل) .
ولما كانت هذه الكواكب يختفي أكثرها في النهار وفي بعض الليل لما يعرض في الجو من الغيوم والضباب ونحو ذلك رأوا أن ينصبوا لهذه الكواكب أصناماً وتماثيل على هيئة الكواكب السبعة (الشمس، والقمر، والزهرة، والمشتري، وعطارد، والمريخ، وزحل) حينما تصدر أفعالها عنها كما يزعمون، كل تمثال يقابل هيكلاً ... واعتقدوا أن التقرب إلى هذه الأصنام هو (الوسيلة) إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى ********ات، التي هي وسيلة إلى الله تعالى .. وهؤلاء يسمون (أصحاب الأشخاص)[3] .
مرة أخرى : إنه (الرمز)، ولكن يظهر هنا جليّاً دور قدسية (الأرواح) التي نسبوها إلى الملائكة، وعقيدة (الواسطة) و (الوسيلة) .
ويعيد إبراهيم عليه السلام إرساء عقيدة التوحيد صافية نقية، وينشر إسماعيل عليه السلام ملة أبيه إبراهيم بين العرب، ويظل أبناؤه على ذلك التوحيد، معظّمين أول بيت وضع للناس الذي جدده خليل الله مع ابنه إسماعيل .. إلى أن بعدت الفترة بين العرب ونور النبوة، ثم اندرس كثير من آثار العلم، فقلّت حصانتهم ضد الانحراف، وأصبحت الفرصة مواتية للتحريف، وهنا برز عمرو بن لحيّ الخزاعي آتياً بالأصنام إلى مكة، فنصبها وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها[4]، فعبدوها، ولكنهم لم يعبدوها لمجرد كونها حجارة أو أخشاباً، بل عبدوها (معتقدين أنها منازل الأرواح كما بيّن الإخباريون )[5] .. مرة أخرى : إنه ( الرمز ) و (الأرواح) .. ثم : بسبب (التقليد) وبسبب ضعف تمثل تعاليم الملة الحنيفية في نفوس الناس بل ربما كانت تفاصيل هذه التعاليم قد ضاعت استمرت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقوداً متتابعة[6]، ووصل الولع
بـ (تقديس الرمز) إلى هاوية سحيقة، حيث روى أبو الرجاء العطاردي : (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير ( ! ) ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به .. )[7] .. ومع ذلك قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر : 3]، وقالوا أيضاً :
{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه } [يونس : 18] ... إنها : (الواسطة) و (الوسيلة) .
ونفترض هنا سؤالاً مهماً : لو كان عمرو بن لحي خرج في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى عبادة الأوثان تقرباً إلى الرحمن، أكان يجد من يتبعه منهم ؟ بداهة : لا، وإذا كان الأمر كذلك : فلماذا لم يرفض العرب ما جاء به عمرو من تحريف دين إبراهيم وعبادة الأصنام من أول وهلة ؟ ..
يوضح الإجابة على مثل ذلك كلام لابن القيم رحمه الله حيث يقول : (قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيانفكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع ... وسر ذلك : أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته ... )[8] .
لم يكن عمرو بن لحيّ أول من ألقى إلى العرب مفهوم تقديس الرمز وإن كان هو أول من جسده في صورة أوثان وأصنام، لقد كان العرب بسبب ضعف آثار علم النبوة الذي أشرنا إليه، وبذريعة (تقديس الرمز) وصلوا إلى ما يمكن أن نطلق عليه: (حالة القابلية للشرك)، فلقد ذكر ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وابن إسحاق في سيرته (أنهم كانوا لا يظعن من مكة ظاعن إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم؛ تعظيماً للحرم وصبابة به، فحيثما حل وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمناً منهم بها، وصبابة بالحرم، وحباّ له)[9] .
فتقديس (الرمز) ذريعة إلى الشرك، (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيراً من الأمم : إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب، ونحو ذلك، فلأن يُشْرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه .. أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها، ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد، بل ولا في السّحَر .. )[10] .
حقيقة القبورية :
وهنا نأتي إلى القبوريين : كيف تبدأ علاقتهم بالقبر أو الضريح ؟ وكيف تنتهي بهم إلى الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك حسب تعبير ابن تيمية رحمه الله ؟ .. تبدأ العلاقة بتقديس (الرمز) .. رمز الصلاح والتقوى والمنزلة الرفيعة عند الله، ومن ثم : تستحب زيارة تلك البقاع، ليس لتذكر الموت والآخرة، بل لتذكر (الرمز) والاعتبار به، ولأن هذه الأماكن (مباركة)، ولأن الملائكة و (الأرواح) تنتشر حولها كما يزعمون، فإن دعاء الله يحسن عندها، فهو أرجح منه في البيت والمسجد وأوقات السّحَر، كما أن البركة (تفيض) على كل شيء حول القبر، فمن أراد التزود منها فليلمس، ويقبّل، ويتمسح، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة تالية : من دعاء الله عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، أي : اتخاذه (واسطة) و(وسيلة) للاستشفاع به عند الله؛ فصاحب الضريح طاهر مكرم مقرب له جاه عند الله، بينما صاحب الذنب أو الحاجة يتلطخ في أوحال خطيئته، غير مؤهل لدعاء الله، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة أخرى : فما دام هذا المقبور مكرماً فليس بممتنع أن يعطيه الله القدرة على التصرف في بعض الأمور التي لا يقدر عليها طالب الحاجة، فيُدعى صاحب القبر، يُرجى ويُخشى، يستغاث به، ويطلب المدد منه، ولِمَ لا ؟ !؛ فهو صاحب (السر) الذي توجل منه النفوس، وترتجف له القلوب، وتتحير فيه العقول !، فإذا تقرر ذلك هبط دركة ليست أخيرة، حيث (يتخذ قبره وثناً، يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله، واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده، ثم ينقله[الشيطان] درجة أخرى : إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ... )[11] .
هذا هو الواقع : ليست المسألة مظاهر وطقوساً مجردة، بل هي أعمال جوارح، نتجت عن أعمال قلوب، تحركها تصورات واعتقادات رسخت في النفوس وتخللتها وذابت فيها إلى الحد الذي لم تعد فيه بارزة منفصلة عن تلك المظاهر والطقوس .. هذا هو التصور المقنع لما يعمله أي إنسان عاقل؛ ف (مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة . فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها)[12] .
فالحقيقة أن : (من يدعو الأموات ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، لا يصدر منه ذلك إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم، هذا إن أراد من الميت الذي يعتقده ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامها من تقربهم إلى الله، فلا فرق بين الأمرين . وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية ... )[13] .
فالمسألة في حقيقتها : تقديس (الرمز) واتخاذه (واسطة) أو (وسيلة) لقضاء الحاجات وللشفاعة عند الله ..
هكذا هي في أدبيات القبوريين : (جاء في الرسالة (42) من رسائل إخوان الصفا[14] (4/21) قولهم : من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين والتعظيم لهم ومساجدهم ... فإن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلا اتباع آثارهم والعمل بوصاياهم والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم وتعرف أحوالهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك، طلباً للقربة إلى الله والزلفى لديه ... )[15] ..، ومما نقله الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب لأحد دعاة القبور : (وكل ما في الأمر أنه[اي : المتوسّل بغير الله] يرى نفسه ملطخاً بقاذورات المعاصي، أبعدته الغفلات عنه[اي : عن الله] أيما إبعاد، فيفهم من هذا أنه جدير بالحرمان من تحقيق مطالبه وقضاء حاجاته، وله الحق في هذا الفهم ... )[16] .
وهكذا هي في مكنون تراثهم الشعبي؛ فإذا استطلعنا الأمثال الشعبية المصرية كنموذج لهذا التراث في العالم الإسلامي نجد منه قولهم : (من زار الاعتاب ما خاب) أي : من زار الأضرحة والأعتاب (المقدسة) قضيت حاجته ونال مراده، (فالاعتقاد الشعبي في الأولياء يتلخص في أن الله قد منح بعض عباده المقربين (امتيازات) لا حدود لها .. يكوّنون حول الرسول ديواناً سماوياً ينشر قدرته)[17] .
ونجد في هذا التراث أيضاً : (يوضع سره في أضعف خلقه)، والمفهوم من كلمة (سره) أنها القدرة المستندة إلى أسباب غيبية ومحيرة، وأضعف خلقه مقصود بهم : المجانين والمجاذيب والأطفال ...
ولعل من دقيق فقه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في دين الله، وإحاطة فقهه بواقع الناس وحالهم .. ما جاء في معرض تعريفه للألوهية والإله؛ حيث قال : (فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا : السر، والولاية . والإله معناه : الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه : الفقير، والشيخ، وتسميه العامة : السيد، وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلجأ إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله)[18]، ويقول أيضاً : ( ... هذا الذي يسميه المشركون في زماننا : الاعتقاد، هو الشرك الذي نزل فيه القرآن .. )[19] .
وكذلك هي في واقعهم؛ يقول أحدهم : (إن الوهابيين يقولون : إن أولياء الله لا يستطيعون دفع الذباب عن قبورهم، ولكنهم لا يعلمون أن لهم قدرة أن يقلبوا العالم كله، ولكنهم لا يتوجهون إلى ذلك)، ونقلوا عن محمد الحنفي أنه قال في مرض موته : (من كانت له حاجة فليأت إلى قبري، ويطلب حاجته أقضها له)[20]، (فالاعتقاد السائد : أن البركة إنما تسري من الولي إلى الضريح إلى المناديل والملابس التي مسحت بها، والأغرب من ذلك : ما يحدث عند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي الخاصة، هنا يسعى الجميع للحصول على قطع من هذه الكسوة أو العمامة مع استعدادهم لسداد أي مبلغ يطلب منهم ... )[21] .
وذكر المؤرخ الحضرمي صلاح البكري : أن بعض المرضى يأكلون من تراب بعض تلك القبور طلباً للشفاء[22]، وتقول إحدى الفرق في قبر شيخها : (إن قبره ومزاره دار الشفاء للمرضى، وأنه حلاّل المشاكل، ومسهّل الأمور، وقاضي الحاجات) و (إن المرضى كانوا يستشفون من عيسى، ولكن أحمد رضا يحيي الأموات ! )[23] .
والمسألة في حقيقتها : اعتقاد في تأثير (الأرواح)؛ (فإنهم قالوا : الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علق الزائر روحه به وأدناه منه : فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوهما على الجسم المقابل له)[24] .
ويقول الشيخ أخلاق حسين القاسمي، أحد أبناء طائفة الديوبندية الصوفية : (إن أرواح المؤمنين وخاصة أرواح الأولياء والصالحين قادرة على التصرف في هذا الكون بعد مفارقة الأجساد ... )[25] .
وهذا ما يشهد به واقعهم : فأعراب شرق الأردن يسمّون المقام ولياً؛ لأن أرواح الصالحين تقطن في ذلك البناء، بل يزعمون (أن أرواح الأولياء تسكن في القبور حيث يرقد جثمانها، وهي كالبشر في جميع احتياجاتهم من أكل وشرب، فيدّعون أن الرياح والثلوج تؤثر بهم، والجوع يفنيهم)[26] .
وينقل الشيخ محمد رشيد رضا عن أحد دعاة القبورية قوله : (إن الدعاء والاستغاثة بالموتى وبالأحياء من هؤلاء الأحباب سواء؛ لأن الموتى منهم أحياء في قبورهم يفعلون أفعال الأحياء فيها وفي خارجها)[27]، ويقول آخر : (إن تصرف الأولياء يزداد بعد وفاتهم)[28] .
فالقبوريون (أمام قبر الولي يركعون ويبكون ويتوسلون إليه، معتقدين أن الولي ينظر إليهم ويراهم، وأن روحه الطاهرة تحوم حولهم)[29] .
ومما يؤكد اعتقاد القبوريين في تأثير أرواح (الأولياء) بالتصرف أن كثيراً من هؤلاء المقبورين كانوا في معظم حياتهم ( غير فعالين ) في الخوارق، ووجد القبوريون فيهم ذلك بعد مماتهم؛ فالشيخ عبد الله في معان بالأردن عاش بالصلاح والتقوى وكان خطيباً ينذر القوم بالوعد والوعيد، فلم يجد في عشيرته من يعي كلامه ويحفظه، فلما استوفى أيامه أظهر الله كراماته بشفاء كثير على ما زعموا[30] ...
بل وصل الأمر إلى حد (أن الأكراد عظموا شريفاً صالحاً مر عليهم في سفره، ولحبهم فيه أرادوا قتله ليبنوا عليه قبة يتوسلون بها)[31] .
وهكذا هي في التراث الشعبي، فمن الأمثال الشعبية المصرية : (بعد ما راح المقبرة بقى سكّره) أي : أصبح مرغوباً فيه مثل السكر .. فما الفرق بين الحياة والممات إلا في انفصال (الروح) عن الجسد ؟ ! .
والمسألة في حقيقتها : تعلق القلوب بالضريح وصاحبه والتوجه إليه بمشاعر الإجلال والمهابة ..
هكذا يشهد حالهم : (فإن عباد القبور يعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع ورقّة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه)[32] .
ولعل السبب في ذلك أن (غرّهم الشيطان، فقال : بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيماً، وأشد فيهم غلوّاً، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد)[33] .
وهذا ما يقرره أحد مشائخ القبوريين، الذي يقول : (إن صاحب هذا القبر شيخنا محمد إلياس يوزع النور الذي ينزل من السماء في قبره بين مريديه حسب قوة الارتباط والتعلق به)[34] .
فكلما توغل القبوري في غيّه كلما حرص على إبراز قوة الارتباط والتعلق بالضريح وشدة تعظيمه وغلوه فيه، وفي ذلك قال ابن الرومي في (شرح المختار) : (قد قرر الشيطان في عقول الجهال أن الإقسام على الله بالولي والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك)[35]، وعلى ذلك ( فقد يقسم الأعرابي بالله دفعات متوالية على أنه يخشى أن يذكر اسم (شعيب) بالكذب مرة واحدة؛ لأنه ( مظهر الأسرار وموضح الخفيّات ([36]، وعندما سئل أحد التجار : لماذا يقسم بصندوق ضريح القرية، ولا يقسم بالله عندما يحاسب زبائنه ؟ أجاب : (إنهم هنا لا يرضون بقسم الله، ولا يرضون إلا بقسم صندوق نذور الضريح أو سور الضريح لسيدنا فلان)[37] .. فهل هذا إلا للتعظيم والإجلال والرهبة وتعلق القلب بالضريح وصاحبه ؟
وأحوالهم في ذلك عديدة : فمقام (النبي هارون) بالأردن : (يهجع الزائر (المؤمن) تحت ظله فيشعر بما لا يوصف من المسرة والحبور)، وتزور المرأة العاقر مقام (النبي يوشع) (حافية خاشعة، وتجثو أمام الضريح وتقبله بدموع وتضرع .. ومنهن من يرقدن الليالي الطويلة بين أسواره بالصوم والصلاة ثم يغادرنه وفي أنفسهنّ الآمال والمسرات)[38] .. ويلخص هذا التعلق أبو الثناء الآلوسي عندما يصف موقفاً مر به في إحدى زياراته للأضرحة والمزارات، فيقول : (حتى أتينا قرية يقال لها (قارحين) وهناك قبر عليه قبة ثلجية قد زرناه فلم نحس منه ( بروحانية([39] .. ويقول البريلوي أحمد رضا المسمي نفسه بعبد المصطفى : (إنني لم أستعن في حياتي بأحد ولم أستغث بغير الشيخ عبد القادر، وكلما أستغيث أستغيث به، ومرة حاولت أن أستغيث وأستعين بولي آخر، وعندما أردت النطق باسمه للاستغاثة والاستعانة ما نطقت إلا بـ (يا غَوْثاه)، فإن لساني يأبى أن ينطق الاستعانة بغيره)[40] .. وهذا الموقف النفسي يرصده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما يتحدث عن تفرق القبوريين حسب تمسك كل منهم بالضريح الذي تتوق نفسه إليه، فيقول : (ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم قد فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم، ويقولون : الدعاء عند قبره يستجاب، وقلوبهم معلقة به دون غيره من قبور الأنبياء والصالحين وإن كان أفضل منه، كما أن عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد ما يألهه وإن كان غيره أفضل منه)[41] .
وهكذا هي في تراثهم الشعبي، فيقول المثل الشعبي : (الشيخ البعيد سره باتع)، أي : صاحب الضريح البعيد سره مؤكد مقطوع به، والبعد : مسألة نسبية، فالبعيد بالنسبة إلى هؤلاء قريب لغيرهم، والقريب إليهم الذي لا يرغبونه بعيد عن غيرهم، فما الذي يجعل الضريح البعيد مرغوباً أكثر من غيره ؟ .. إنه شوق القلب وحنينه الذي يساعد البعد في تولده، وهذا ما يعبرون عنه في مثل آخر يقول : (ابعد حبة (بعض الشيء) تزيد محبة) .. فتعلق القلب رغبة ورهبة ومحبة تجعل (آمال وآلام الزائرين لا تمضي إلى أي ضريح بالمصادفة، ولكن شهرة الولي واختصاصه بالشفاعة، والبعد المكاني، لهم تأثير كبير في قصد الزيارة؛ فالضريح الذي نتكبد إليه مشاق السفر يصبح أكثر جذباً ورهبة من ذلك الضريح القريب المتاح زيارته في أي وقت)[42].
وتبقى التساؤلات :
- ما الذي يدفعهم للاعتقاد في الأضرحة أنها قوة قاهرة وسلطة نافذة وإن اعتبروها (واسطة) و (وسيلة) ؟
- وما الذي يدفعهم لإسناد ذلك إلى الأرواح، أو بتعبير أدق إلى سرّ غيبي محيّر ؟
- وما الذي يدفعهم إلى التوجه بمشاعر قلوبهم نحوها ل*** رضاها أو دفع مضرتها، أو للتمتع بالمسرة والحبور في أنفسهم ؟
- لماذا تحولت العلاقة بالرمز من ذكرى واحترام إلى تقديس واعتقاد إلى تعلق وانجذاب ؟
إن الذي حملهم على كل ذلك وحمل غيرهم على نظيره هو إشباع (التأله) لدى قلوبهم المحرومة من التأله للإله الحق؛ وهذا ما يقرره الإمام ابن تيمية رحمه الله حين يقول : (ومن لم يكن محبّاً مخلصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبّداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين ... وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفاً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه، كان مشركاً)[43] .
ويقرر ذلك أيضاً تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله، حين يقول : (العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة)[44] .
وهذا ما تقرره أيضاً الدراسات الإنسانية الحديثة، فقد ( أيدت دراسات الأنثربولوجيا[علم الإنسان] وعلم الأديان أن الحاجة إلى الدين موجودة عند جميع الناس في كل العصور وفي جميع المجتمعات، فالإنسان منذ القدم وهو يبحث عن إله يعبده، ويتوسل إليه، يعتقد أنه قوي مسيطر على الكون، خالق كل شيء، حي لا يموت)[45]، ( هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين : لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد)[46] .
وهذه الغريزة هي التي أضفت على (الرمز) حتى عند أهل الإلحاد أشكال المهابة و (القداسة)، ف (في ظل نظام كالنظام الشيوعي الذي لا مكان للدين في فكره العلمي، اصطبغ الإيمان بالمادية الديالكتيكية بصبغة الحماس الديني، واتخذت الاجتماعات والاستعراضات سمة الاحتفالات والمواكب الدينية، وأحيط واضعو النظرية ومؤسسو الدولة بهالة دونها هالة القديسين والرسل؛ فهم يوصفون بالخالدين، أو بالشمس التي لا تغرب، وها هي تماثيلهم الضخمة وصورهم وقد حلت مكان التماثيل الدينية والأيقونات تطل على الجماهير في الساحات وكافة المباني العامة، وعلى الأفراد في مساكنهم الخاصة، وها هي قبورهم وقد تحولت إلى مزارات مقدسة تحج إليها الملايين، وتصطف الصفوف خارجها لساعات من أجل إلقاء نظرة، أما كتبهم فهي بمثابة الكتب المقدسة، من قبيل التجديف أن ينسب إلى فكرة فيها الخطأ، بل ويبيت البعض ليلهم (كالحرس الأحمر في الصين) وهي إلى جوارهم أو تحت وسائدهم حتى تصرف الشرور عنهم ! )[47] .
ويؤيد القول بأن دافع إشباع التأله هو الذي يحرك القبوريين عدة أمور، منها :
أولاً : إن بعض طقوس القبوريين تعتبر امتداداً لعادات وثنية كانت سائدة في أجدادهم قبل الإسلام، (وأول هذه العادات : تقديس الأولياء، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعاً وعميقاً في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ، ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني، ولا سند لها في القرآن والسنة .. )[48] .
وعلى ذلك نرى أن الطقوس التي كانت تقام داخل معبد الأقصر للإله (آمون) في عصر الفراعنة هي الطقوس ذاتها التي تتبع في مولد (أبي الحجاج الأقصري) والذي يقع ضريحه داخل معبد الأقصر نفسه، وأهم ظاهرة في هذا المولد : تلك المراكب التي يجرها جموع المريدين وسط صيحات التكبير والتهليل، مما يلقي بظلاله على ما كان يحدث في المهرجانات الدينية في عصور الفراعنة؛ حيث كان لمعظم الآلهة عدد من القوارب التي تلعب دوراً رئيساً في طقوس الاحتفالات الدينية، وإلى الآن يستمر هذا التقليد في مولد (أبي الحجاج الأقصري)، على الرغم من تأكيد أهالي الأقصر على أن هذه القوارب مرتبطة بمجيء أبي الحجاج من مكة، أو
بحجه إليها، كما يتماثل أيضاً في مولد (عبد الرحيم القنائي) الذي أقيم قبره على طلل معبد إله من آلهة قدماء المصريين[49] .. ولعل منشأ كل ذلك عائد إلى التقديس الخاطئ للرموز الإسلامية إضافة إلى القياس الفاسد على من كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فقد يبدأ الأمر بالرغبة في تعظيم الرمز الإسلامي والزعم بأن الأولياء ليسوا بأقل من الذين كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فيعظمونهم بمثل ما كانوا يمارسونه مع معبوداتهم الوثنية .
ومن أمثلة ذلك أيضاً : ضريح الشيخ (هلال) المقام على قبر مزعوم قرب دمشق، حيث كان القدماء يعبدون (القمر) .. وكذلك : فإن عبادة الأشجار معروفة في الوثنيات القديمة و (الحديثة)، وقد ظهر التأثر بهذا الانحراف الوثني عند القبوريين إما في صورة شجرة قائمة إلى جوار الضريح، وإما بزعم أن روح الولي المقبور تسكن فيها، وكثيراً ما يحظر قطع الأشجار المحيطة بقبر الولي[50] .
ثانياً : إن بعض هذه الطقوس تعتبر طقوساً مشتركة بين القبوريين وأصحاب الديانات الأخرى، يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة : (هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله تعالى عنهم ... وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين)، ويقول أيضاً : (ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري ... واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله تعالى بنفسه، بل لا بد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى)[51]، ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي : (وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم؛ فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومدّ يد الطلب والضراعة إليهم، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم ..)[52]، ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه، فيقول : (في بنارس[في الهند] قبر أبي البشر آدم عليه السلام وقبر زوجه وقبر أمه ! (ويقال : إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة) وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف وقباب غيره ... وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها والتمسح بها وتلاوة الأدعية والأوراد عندها كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها)[53] .
ومن الطرائف ذات المغزى في هذا المعنى أن شريف مكة (الشريف عون) عندما استجاب للشيخ أحمد بن عيسى في هدم جميع القباب بالحجاز، اعترض القناصل الأجانب في جدة على هدم قبر حواء، بحجة أن حواء أم لجميع الناس وليست أمّاً للمسلمين فقط[54] .
فحقيقة الأمر : أن ما يفعله القبوريون عند القبر والضريح هو بعينه الذي تفعله الجاهلية الوثنية (وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغير
المعاني)[55] .
ثالثاً : إن الاهتمام بالقبور والتوجه إليها تجاوز حواجز الملل والمذهبيات والفرق ليشكل طقساً مشتركاً من طقوس التدين (الباطل) يجتمع عليه القبوريون مع إخوانهم في التأله للمقبورين؛ ففي كثير من الأحيان يمارس القبوريون هذه الطقوس بالاشتراك مع غيرهم ممن أشرنا إليهم .
ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى فقد ظهر هذا الاشتراك جليّاً منذ القِدَم، فقد ثبت أن منشأ الأضرحة الموهومة والمكذوبة كان واحداً عند النصارى والقبوريين، وهو (أضرحة الرؤيا)، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل أخذ شكل الاشتراك العملي في ممارسة الطقوس والعبادات؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر أن كثيراً (من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم)[56] .
وكثير من (موالد) النصارى ليست مقصورة عليهم، بل يشارك فيها كثير من جهلة المسلمين (وهذا أمر ليس بمستغرب، فهم يذهبون أيضاً لبعض القساوسة ليخلصوهم من الأرواح الشريرة ! .. وكما تتردد بعض القبطيات على أضرحة الأولياء؛ لتحقيق أمنية بالحمل، وتنذر نذراً إن تحققت أمنيتها .. )[57]، وأيضاً فإن بعض النصارى يشارك جهلة المسلمين في الاعتقاد في ضريح الشيخ أبي الحجاج الأقصري[58] .
ومثل ما توضع الرسائل في أضرحة الأولياء وخاصة ضريح الإمام الشافعي توجد أوراق وأقلام على قبر البابا كيرلس السادس وغيره، لمن يرغب في تحقيق أمنية أو رجاء منه، ويوضع في مدخل الكنيسة أو الدير صندوق للنذور، كذلك توهب الأضاحي التي تذبح هناك[59] .
والأهالي على اختلاف مللهم ومذاهبهم وطبقاتهم يزورون مقام (النبي يوشع) في أكبر الأعياد الإسلامية وأيام المصائب والنكبات[60] .
ويحكي الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربة شخصية له كيف أن إحدى قريباته عندما مرضت أصر أهلها على الطواف بها على بعض الأضرحة والكنائس أيضاً[61] .
فما الذي جعل هؤلاء يشاركون أولئك إلا أنهم جميعاً وجدوا في القيام بتلك المظاهر إشباعاً لدافع واحد يجمعهم هو : التدين، أو (التأله) ؟
رابعاً : من أوضح الأمور التي تدل على أن الدافع لدى القبوريين هو إشباع التأله في قلوبهم : تعلقهم بمشخصات لا علاقة لها بالأولياء مطلقاً، بل هي أنصاب وأوثان صريحة، يصرفون إليها مشاعر المحبة والخوف والرهبة والرجاء .. فإضافة إلى ما زعمه القبوريون من القبور المكذوبة على أصحابها، والقبور المنسوبة إلى صحابة وأولياء مزعومين ليس لهم وجود في السيرة والتاريخ .. هناك القبور الموهومة التي ليس بها أي دفين، فلقد (وُجِدت بعض الأضرحة الوهمية التي لا يوجد بها جثمان لأحد المشايخ، بل عبارة عن هيكل أو كوم من الطوب تحت قبة توارث الناس الاعتقاد فيها، وتفيد محافظ المجلس الصوفي عن حالة كهذه.. واتضح أنه ليس هناك شيخ، بل هناك كوم تراب يدعونه الناس سيدي فرج)[62] .
ولأن أمر هذه القبور المكذوبة والموهومة أصبح شائعاً، ولأن الأمر ليس في حقيقته إلا إشباع التأله في القلوب، فقد قرروا ذلك في صراحة، فقال أحدهم : (ولا يحتاج أن يطلب دليل وسند لصحة نسبة هذه الآثار إلى أصحابها، ويكفي أن تكون نسبتها مشهورة بين الناس)[63]، وقال الآخر : (وعلى كل حال : فلا بأس من زيارته[أي : القبر] على من توهم من وجوده)[64]، فالمهم أنه (يجب علينا التسليم في ذلك كله، واعتقاد تعظيم القبور المذكورة بما يعد تعظيماً، وبكل ما يليق من الاحترام، ولو على تقدير توهم الصحبة ... ) (10)، ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى أَضْرَحة (دواب الأولياء)، ففي اللاذقية بسورية حضرة يقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تزار وتبخر[65]، فالقبوريون عباد كل ضريح حتى لو ثبت عدم صحة نسبة الضريح إلى صاحبه أو كان الضريح لدابة أو ثبت عدم وجود قبر أصلاً .
وما دام الأمر كذلك، فما الفرق بين كوم تراب وحجارة أو أخشاب أو نحاس... أو أي شيء من المخلوقات ؟ .. لا فرق .. المهم وجود (السر) والتوجه إلى صاحبه ! ..
وهذا ما أوقع القبوريين في وثنية صريحة لا خفاء فيها ولا مواربة .
ففي الهند (يأخذون قليلاً من التراب من مكان ما، ويعطونه حكم نعش الإمام الحسين، ويضعونه على مكان مرتفع كصُفّة وغيرها، ثم يقدمون له كل يوم أنواعاً من الشراب والحلاوة، والزهور والعطور وغيرها، ولا يسمحون لأحد أن يمر بتلك الصفة متنعلاً، ويسجدون لذلك التراب الذي أعطوه حكم قداسة جنازة الحسين، ويطلبون منه المال والأولاد ... )[66] .
ولقد شاهد الشيخ محمد رشيد رضا بعض الرجال والنساء من العامة في مسجد (الحسين) بالقاهرة (يطوفون بعمود من الرخام، ويتمسحون به التماساً للبركة وتقرباً إلى (السيد البدوي) ! معتقدين بأنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين، ومنهم من يزعم أن روح السيد ترفرف دائماً هناك .. )[67]، وفي نابلس بفلسطين عمود حجري كان مقدساً قبل الإسلام فوجد من يطلق عليه بعد انحراف الناس عن دينهم الحق : قبر الشيخ العمود[68] .
وفي أوزبكستان أوقع الفراغ الروحي الذي خلفته الشيوعية الناس هناك في التعلق بأي شيء (مقدس)، وهذا ما دعاهم إلى ترتيب عملية سطو منظمة للظفر بقطعة من كسوة الكعبة، ومن ثم : ***وها إلى بلادهم ووضعوها في إطار زجاجي علق في فناء المسجد؛ ليأتي الناس للتمسح والتبرك بها، كما يتبركون ويتمسحون هناك أيضاً بصورة الكعبة ![69] .
بل ويتزاحم الناس في مولد البدوي بمصر (حول حمار يأتي به دراويش الطريقة الشناوية إلى قبر السيد، فيتسابقون لنزع شعرات من جسمه يصنعون منها الأحجبة، وهذا بالضبط ما كان قدماء المصريين يفعلونه بهذا الحيوان ! )[70] .. إلى غير ذلك من مظاهر لا يقبلها عقل رشيد ولا دين صحيح .
هذا ما تيسر ذكره حسب المصادر المتاحة لي، وهي تعتبر عينة عشوائية لما يحدثه القبوريون في معظم أنحاء العالم الإسلامي ..
فما الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد وتقديم هذه القرابين والطقوس غير إغواء الشيطان لهم بالتأله لغير الله ؟ .. وإلى أي مدى تأخذ الخرافة والوهم والدجل من يريدون أن يضيئوا حياتهم بقبس من الظلمات ؟

-----------------------------------------------
(1) الاتجاه النفسي : (ميل عام مكتسب، نسبي في ثبوته، عاطفي في أعماقه، يؤثر في الدوافع النوعية، ويوجه سلوك الفرد)، انظر : أسس علم النفس الاجتماعي، للدكتور مختار حمزة، ص244 .
(2) انظر : ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة نوح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى : [ ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ] [نوح : 23 ]، وانظر : تفسير الطبري، ج 29، ص62، وإغاثة اللهفان، لابن القيم، ج1، ص184 .
(3) بتصرف عن : التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام، لعبد المجيد بن سالم بن عبد الله المشعبي، ص43، ص45 وانظر : تفسير ابن كثير، ج2، ص140 141 .
(4) روى القصة بتفاصيلها ابن إسحاق (1/76) عن أبي هريرة مرفوعاً، وصححها محمد بن رزق بن طرهوني في (السيرة الذهبية)، 1/65، وانظر : فتح الباري، ج6 ص 634، وصحيح مسلم، ك/كسوف الشمس، باب رقم 9، 60، والمسند : 3/353، 5/137 .
(5) د أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ج1، ص84 .
(6) انظر : السابق، ص83، 84 .
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة .
(8) الفوائد، ص44، 45 .
(9) د محمد محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، ج 1، ص71 .
(10) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص 334، وانظر : حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، لمحمد بن سلطان المعصومي .
(11) ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ج1، ص217 .
(12) ابن القيم، الفوائد، ص236 .
(13) الإمام محمد بن علي الشوكاني، رسالة وجوب توحيد الله عز وجل، ت : د محمد بن ربيع هادي المدخلي، ص80 .
(14) تعتبر (رسائل إخوان الصفا) مرجعاً مهماً في تسويغ عقائد الباطنية الشركية، وقد ألفها مجموعة من الفلاسفة أشياع الفاطميين (العبيديين) في القرن الرابع الهجري .
(15) عن : هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ص 32، ص102 .
(16) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 .
(17) موالد مصر المحروسة، عرفة عبده علي، ص85 .
(18) رسالة (هدية طيبة)، ضمن مجموعة التوحيد، ص152 .
(19) رسالة (كشف الشبهات)، ضمن مجموعة التوحيد، ص102، ص 113 .
(20) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص1083، وانظر : البريلوية، عقائد وتاريخ، إحسان إلهي ظهير، ص74، ص59 .
(21) هيام فتحي دربك، مقال بعنوان : موالد الأولياء في مصر، المجلة العربية، ع/131، ذو الحجة 1408هـ، ص43 .
(22) انظر : الانحرافات العقدية، ص335 .
(23) البريلوية، ص75 .
(24) محيي الدين البركوي الحنفي، زيارة القبور الشرعية والشركية، ص 48 .
(25) الديوبندية تعريفها، عقائدها، سيد طالب الرحمن، ص78 .
(26) الخوري بولس سلمان، المزارات في شرقي الأردن، مجلة المشرق، 11/11/1920م، ص901 .
(27) المنار، ج3، م33، ص216 .
(28) البريلوية، عقائد وتاريخ، ص74 .
(29) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص43 .
(30) المزارات في شرقي الأردن، مجلة المشرق، ص908 .
(31) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص23، هامش1 .
(32) ابن القيم، إغاثة اللهفان، ج1، ص198 .
(33) السابق، ص189 .
(34) الديوبندية، ص132 .
(35) حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، لمحمد بن سلطان المعصومي الحنفي، ص25 .
(36) مجلة المشرق، المزارات في شرقي الأردن، ص905 .
(37) د عبد الكريم دهينة : الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص117 .
(38) مجلة المشرق، ص906، ص903، ص 913 .
(39) الانحرافات العقدية، ص347 .
(40) عن : البريلوية عقائد وتاريخ، إحسان إلهي ظهير، ص58 (10) مجموع الفتاوى، ج27 ص164 .
(41) موالد مصر المحروسة، ص81، 82 .
(42) رسالة العبودية، ت : محمد بشير عيون، ص65، 66، وانظر : مجموع الفتاوى، ج10، ص216 .
(43) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، تحقيق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية، ص277.
(44) د محمد محمد عودة، ود كمال إبراهيم مرسي، الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام، ص103 .
(45) د يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، ص99 .
(46) حسين أحمد أمين، تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين، مجلة العربي، ع/226، رمضان 1397هـ، ص131 .
(47) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص128 .
(48) انظر : موالد مصر المحروسة، ص69، والصوفية والسياسة في مصر، ص50، ومقال : تأملات في حقيقة أولياء الله، ص137، ص136 .
(49) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص135 .
(50) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 218 .
(51) عن : الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، لمحمد عبد الرؤوف القاسم، ص780.
(52) مجلة المنار، ج3، م33، ص220 .
(53) انظر : الانحرافات العقدية، ص304 .
(54) تطهير الاعتقاد، للإمام الصنعاني، ص18 19 .
(55) مجموع الفتاوى، ج27، ص461 .
(56) موالد مصر المحروسة، ص73 .
(57) الصوفية والسياسة، ص50 .
(58) انظر : موالد مصر المحروسة، ص72، 75 .
(59) انظر : مجلة المشرق، مقال : المزارات في شرقي الأردن، ص902 904 .
(60) اعترافات كنت قبورياً، ص30 .
(61) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص159 .
(62) البريلوية، ص138 .
(63) الانحرافات العقدية، ص285 .
(64) نفسه، ص293 .
(65) انظر : السابق، ص300 .
(66) رسالة في تحريم اتخاذ الضرائح، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ص21 .
(67) عن : السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعة والدينية، لمحمد أحمد درنيقة، ص222 .
(68) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص 315 .
(69) انظر : مقال (مسلمو أوزبكستان)، د عبد الرحمن محمد عسيري، مجلة : دراسات إسلامية، ع/1، ص218 .
(70) حسين أحمد أمين، مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص136 .

------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:40 AM
دوافع تقديس القبور والأضرحة(2/2)
ــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQYQ6f4EOIVHnVvUAgyLMEY36D3XSmxi O3m27C8NmdeKwsMFkay


عندما أطلق (ماركس) عبارته الشهيرة ( الدين أفيون الشعوب ) لاقت رواجاً بين كثير من الشعوب الأوروبية؛ حيث كانت تتلطخ في أوحال النصرانية المحرفة المشبعة بالوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية التي آلت إلى طغيان كنسي شامل سيطر على عقول الناس وأرواحهم وأموالهم ونظم حياتهم، صاحبه فساد خلقي واسع لرجال الكنيسة واستعباد لأتباعهم وصل إلى حد توزيع قسائم حجوزات في الجنة (صكوك غفران) مقابل أموال يدفعها الراغبون، مستغلين في ذلك شيوع الخرافة والدجل بين هذه الشعوب .
جدت مقولة ( ماركس ) رواجاً بين هذه الشعوب التي أرادت أن تنعتق من طاغوت الكنيسة، فكفرت بما ينبغي الكفر به، ولكنها - بدلاً من الإيمان الصحيح بالله - انتقلت إلى عبادة طاغوت جديد قديم شعاره : تقديس المادة والعقل .
وما كان للإسلام أن تطوله هذه الشطحات أو تلك الخزعبلات، فهو من جهة يعلي قيمة التفكر والتدبر ويراعي الحاجات الطبيعية التي غرزها الله في بني الإنسان والتي تمثل عوامل الدفع للاستخلاف في الأرض وعمارتها، ومن جهة أخرى : فإن العروة الوثقى في دين الله تعني بكل وضوح : الإيمان بالله والدخول في عبوديته وحده لا شريك له، وذلك لا يتم إلا بالخروج من عبادة كل مخلوق أو الخضوع له، حياً كان أو ميتاً، تقياً كان أو فاجراً، عظيماً أو حقيراً، غنياً أو فقيراً .. { فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة : 256] : (جئنا لنخرج من شاء الله من العباد من عبادة العباد (كل العباد) إلى عبادة رب العباد) .
وعلى الرغم من وضوح هذه القيم في النصوص الشرعية وممارسات الرعيل الأول وأتباعهم، إلا أنه في غفلة من أهـل الإسلام تسلل رويداً رويداً انحراف عقدي وشذوذ فكري أخذ ينخر في جسد الأمة، فعشش في عقول كثير من أبنائها وتربع على قلوبهم حتى أفرخ وثنية سافرة حيناً ومستترة أحياناً .. أعني بذلك : داء تقديس القبور والأضرحة والمزارات !، ذلك الداء الذي فعل في أمة الإسلام – أو كاد - ما فعلته خرافات الكنيسة وطغيانها بأمة النصارى .. أفيون اجتماعي مدمر للشعوب تماثل آثاره أفيون المخدرات المدمر للأفراد مع تغييبهم وتخديرهم - إن لم تزد عليها - ..
فما هو حصاد السنين من نتائج وآثار تقديس القبور والأضرحة ؟ أصل الانحرافات وأخطرها :
من الصعب على الباحث أن يحصر آثار تقديس القبور والأضرحة، ولكن هناك آثاراً يمكن إبرازها، لخطورتها، ولكونها تعتبر أمهات لانحرافات أخرى نتجت عن هذا الداء، ويقف على رأس هذه الآثار : أظلم الظلم : الشرك بالله - تعالى -، فالراصد لأحوال القبوريين يلحظ بوضوح انتشار الشرك بينهم بجميع أنواعه وصوره ودرجاته .. شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات .. شرك أكبر، وشرك أصغر ... وما أدراك ما يحدثه الشرك من آثار نفسية واجتماعية على الفرد والمجتمع !
فمن شرك الربوبية ظهر واضحاً اعتقاد القبوريين في الأضرحة وأصحابها : أنهم يسمعون ويبصرون ويجيبون من يتوجه إليهم، وأنهم يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وأن لهم قدرة في التصرف والتأثير في الكون بما ليس في طاقة البشر : كالخلق والإفناء، والإحياء والإماتة، وشفاء الأمراض، والنفع والضر، والعطاء والمنع، والإغناء والإفقار، وتحويل الأشياء عن حقيقتها ... كما زعم القبوريون أن في الأضرحة وأصحابها القدرة على الرفع والوضع في الدنيا والآخرة، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومحو الذنوب وغفرانها..
وبناءً على هذا التصور المنحرف في الربوبية نشأ شرك الألوهية، حيث توجه القبوريون إلى الأضرحة وأصحابها بالعبادات والتقربات التي لا يصح صرفها إلا لله - عز وجل -، ففضلاً عن تبركهم بها على وجه غير مشروع وجعلهم إياها عيداً ومنسكاً حتى إنهم ليحجون إليها ... فإنهم عظموها كما لو كانوا يعظمون الله - سبحانه -، فاقسموا بها، واستشفوا، واستنصروا، ولاذوا .. وأيضا : فإنهم دعوها، واستغاثوا بها، وذبحوا لها، ونذروا، وطافوا حولها، وسيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها الهدي ...
فإذا بدأنا بأقل الصور الشركية، وهو ما يحتمل أن يكون ذريعة إلى الشرك أو يكون شركاً أكبر نجد أن التبرك بالقبور والأضرحة من أبرز هذه الصور؛ فلقد اعتاد القبوريون على ( أنهم بزيارتهم لهذه الأضرحة ستأتيهم البركة ويشفون من مرضهم أو يفكون عقم نسلهم ... وكانوا يَمَسُّون عمامة صاحب الضريح – بعد الولائم - أملاً في شفاء أوجاع الرأس، ويَمَسّون قفطانه للعلاج من الحمى، ولحس الحجر لفك عسر اللسان، وتقديم العرائض طلباً لرفع الظلم، وتمسح النساء في الضريح أملاً في إنجاب الذكور .. )[1] ، ولم يستحي القبوريون في طلبهم المنهوم للبركة المزعومة أن يستسيغوا المعاشرة الزوجية في هذه الأضرحة، فهذا الشعراني صاحب أكبر سجل لخرافات القبوريين يذكر من (كرامات) البدوي أنه دعاه إلى فض بكارة زوجته فوق قبة قبره ( فكان الأمر ! )[2]، وفي السودان (وصل الأمر- في العصر الحاضر- عند بعض الرجال المخرفين إلى مجامعة زوجاتهم عند أضرحة الأولياء، بدعوى نيل البركة )[3] .
وبالطبع فإن هذا التبرك يفتح باب الرقى والتمائم الشركية على مصراعيه .
من الأصغر إلى الاكبر :
فإذا ما تركنا التبرك وقصدنا بيان الشرك الصريح في أقوال المعتقدين في الأضرحة وأفعالهم، فإننا نكاد ألا نستطيع الفصل بين أنواع الشرك في هذه الممارسات؛ فالشرك في الربوبية مصاحب للشرك في الأسماء والصفات، وينبني عليه باعتباره نتيجة حتمية : الشرك في الألوهية .. وإليك بعض نماذج لهذا الشرك أو ذاك :
من النماذج الصارخة التي تحوي أنواع الشرك كله (ربوبية - وألوهية - وأسماء وصفات) ما أورده أبوبكر العراقي عن أحد القبوريين ( وهو إمام وخطيب في أحد مساجد ديالى المهمة، يقول : دعوت الله ست سنوات أن يرزقني الولد فلم أرزق، وذهبت إلى شيخي مصطفى النقشبندي في أربيل فما أن استغثت به وطلبت منه الولد حتى رزقت بطفلين توأمين ! )[4] تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
فهذا (الإمام) أشرك في الربوبية لاعتقاده أن لشيخه النقشبندي القدرة على التصرف والتأثير في الكون بالنفع والعطاء من دون الله، ومن ثم فإنه : أشرك في أسماء الله الحسنى : النافع الضار، والوهاب، والرزاق .. وأشرك في الألوهية لصرفه عبادة لغير الله؛ وذلك بدعائه لشيخه النقشبندي أن يرزقه الذرية .
فالانحراف في توحيد الربوبية عند القبوريين يتبعه دوماً انحراف في توحيد الألوهية، وإليك إيضاحاً آخر :
يقول عرفة عبده علي : ( وقد احتشدت مؤلفات مناقب السيد البدوي بكرامات أسطورية غريبة لا تحصى، منها - على سبيل المثال - : إحياء الموتى، وانقاذ الأسرى في بلاد الفرنجة، وقوله للشيء كن فيكون بإذن الله ! ) ..
فماذا ترتب على هذا الاعتقاد في البدوي ؟ .. يقول الكاتب نفسه : ( وكثير من أتباعه يجعلونه في منزلة أسمى من مرتبة الأنبياء ! [5] .. فما هذه المنزلة ؟
استمع إلى شهادة أحد العلماء : فقد رأى الشيخ رشيد رضا جماعة من هؤلاء القبوريين ) تطوف حول قبر السيد البدوي، الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد، لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته العجيبة في قضاء الحوائج[6]، فإذا كان ذلك في أحد القبور، فهل يختلف الحال في الأضرحة الأخرى ؟

تفشى الداء :
--------
إذا شملنا واقع الأضرحة بنظرة عامة وجدنا أن الطقوس التي يمارسها المعتقدون في القبور تعدت إلى كثير من الصور التي تجسد أنواع الشرك بدرجاته المختلفة، وهذا هو واقع القبوريين :
* فبالأضرحة والقبور أقسموا : يقول الإمام الصنعاني : ( ... ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله - تعالى - لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه )[7] ( ... ولن يصدق أحد من الحالف إلا إذا حلف بواحد منهم، وهذا كان شيئاً طبيعياً كنا نراه في القرى ونحن صغار، ولا زال يجري للآن )[8] .
وهذا الانحراف العقدي أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله - تعالى - : العظيم ، والرقيب، والشهيد، والعليم ...
* وبها لاذوا واحتموا : فكما جعل الله - سبحانه - البيت الحرام ملاذاً من دخله كان آمناً، جعل سدنة الأضرحة ( تلك الأضرحة الوثنية حرماً آمناً يهرع إليها المجرمون والفارون، ويلجأ إليها الخائفون، ليأمنوا في رحابها، ويستريحوا في ظلالها، ... وكثيراً ما عفي عن اللائذين بالأضرحة من المجرمين إكراماً للمدفونين أو خشية ورهبة من انتقامهم وبأسهم )[9] .
وقد يدخل ذلك في الإلحاد في أسمائه - تعالى - : الكافي، والولي، والنصير، والعزيز ...
* واليها توجهوا بالطلب والدعاء : وهذه بدأت بأن (بث بعض المتصوفة فكرة أن الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين مستجاب )، وانتهت بأن (أخذ العوام يطوفون بقبور الصالحين، يستعينون بهم، ويخاطبونهم، ويستنهضون هممهم بالصياح والصراخ ) [10] ، حتى أصبح الواقع ( أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله - تعالى - من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل : يا سيدي فلان، أغثني .. )[11] .
ولا شك أن من الدعاء : الاستغاثة والاستعانة : ومن المفارقات أن تلك العبادة تتجلى واضحة عند القبوريين في المواطن التي كان المشركون يخلصون فيها الدعاء لله وحده؛ لأنهم يعلمون أن آلهتهم لا تجيبهم ولا تنفعهم في تلك المواطن، ويحكي محمد السنوسي أنه ( حين كان راكباً في البحر، وهاجت الرياح، وتلاطمت الأمواج حتى كادت السفينة أن تغرق، أخذ يستجير-كما يقول- بكل ما يستحضره من الأولياء كي يكشفوا كربته ! )[12] ، وليس هذا حالة خاصة، بل إن ( من المشاهد اليوم أن كثيراً من الناس يستغيثون بالمشائخ والأنبياء والأئمة والشهداء[13] .
فأمثال تلك المشاهدات المستقاة من الواقع الشركي للقبوريين دعت كثيراً من العلماء إلى التصريح بأن شرك الأولين من عباد الأصنام أخف وطأة من شرك القبوريين، وذلك من عدة وجوه بينوها في كتبهم[14] .
ومن الدعاء أيضا : الاستشفاء، ولعلنا نوضح هذا الجانب لاحقاً عند الحديث عن الآثار الاجتماعية للاعتقاد في القبور والأضرحة .
ولا شك أن هذا الانحراف في الدعاء أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله - تعالى - الحسنى، ومنها :
السميع، المجيب، المعطي، الرزاق، القادر، النافع , الضار، النصير، العليم، الشافي ...
* ولها ذبحوا ونذروا : وهذه أيضاً من الشعائر اللازمة للاعتقاد في القبور والأضرحة، فالرعاة في شرقي الأردن يطوفون بالأغنام حول مقام النبي يوشع) في أزمان الأوبئة ويختارون خير النعاج، ويصعدونها إلى سطح المقام وينحرونها فيسيل دمها على عتبته[15] ، فـ ( غاية الزيارات لمقامات الأولياء هي تقديم الذبائح ) [16] .
وكثيراً ما يقترن الذبح بالنذر، ولا شك أن الذبح والنذر ( سواء أكان ذبحاً، أو إهداء زيت، أو إعطاء نقود .. ) من العبادات التي لا تجوز إلا لله - تعالى -، لذلك يقول الإمام الصنعاني - رحمه الله - : ( والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً .
والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر وسماها ماءً, ما شرب إلا خمراً ... )[17] .

ابحث عن الضريح ! :
-------------
وكل ذلك لا يخص ضريحاً دون آخر، بل هو عام في جميع الأضرحة المقصودة بالتوجه والاعتقادت فحيثما كان ضريح يعتقد فيه؛ كان الشرك بجميع صوره وأنواعه ودرجاته؛ فهذا قبر ابن عربي بدمشق، يحكي عبد الله بن محمد بن خميس مشاهداته عنده، فيقول : ( لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون .. وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به، ويعلنون دعاءهم له من دون الله . وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح وتمرغه وتنادي : اغثني يا محيي الدين . وجدت الصبايا البريئات يجئن إليه، ويمددن أمامه الأكف، ويمسحن الوجوه، ويخشعن، ويتضرعن )[18] ..
باختصار : عند قبر ابى عربي في دمشق يمارس القبوريون شتى ألوان الشرك الأكبر )[19] .
وفي الهند : أصبح قبر الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني ( مرجع الخلائق في العصر الأخير، ويطوفون حوله، ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال اللائقة بالمعبود، كالسجود، والنذور، وما أشبه ذلك .. وضريح الشيخ علي الهجوري في لاهور في باكستان، وهو من القبور العظيمة، والناس يزورونه كل سنة، بل كل يوم، ويطوفون حوله، ويسجدون له، ويقدمون النذور، ويستغيثون به، ويطلبون العون والمدد )[20] ، و ( عند القبر المنسوب إلى هود في حضرموت يحدث من الشرك الأكبر ما يعجز القلم عن وصفه، شأنه في ذلك شأن كل الأضرحة في البلاد الأخرى . وقد بولغ في تقديس هذا الضريح، فتراهم يشدون الرحال لزيارته وعندهم شيء من بقايا الشعور الوثني الذي كان يشعر به العرب للات والعرى، يستعينون به ويتوجهون إليه، ويولون وجوههم شطره لقضاء الحاجات، واستنزال البركات، ودفع الكربات)[21] .
بل لقد اعترف أحد كبار منظِّري القبورية وهو الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري بوجود الشرك الأكبر والكفر الصراح في القبورية، فقال :( إن كثيراً من العوام بالمغرب ينطقون بما هو كفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له، ويقبل الأرض بين يديه في حال سجوده، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية، ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله - تعالى - وإن عندنا بالمغرب من يقول في ابن مشيش : إنه الذي خلق الابن والدنيا، ومنهم من قال - والمطر نازل بشدة - : يا مولانا عبد السلام، الطف بعبادك ! . فهذا كفر )[22] .
بين الفرد والمجتمع :

كان هذا عرضاً لأهم صور الشرك، الذي هو أخطر مساوئ الاعتقاد في القبور والأضرحة على دين الإنسان ودنياه، فهو يناقض أساس الاسلام ويهدم الركن الأول منه، كما أنه يحمل في طياته مما يحمل : ( التمزق النفسي والتفكير الخرافي, فإذا أمعنا النظر إلى أثر هذا الشرك في المجتمعات وجدنا آثاراً لا يستهان بسوئها، اقترنت بهذه المظاهر الشركية، ومنها :

شرك في التوحيد وشرك فى التشريع :
----------------------
لا شك أن التشريع مرتبط بالتأله والتعبد، فهو أحد أقسام التوحيد، لذا : رأينا دائماً أن الانحراف في توحيد العبادة والنسك يصاحبه انحراف في توحيد التشريع والتحاكم، ) فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه : { ولا يشرك في حكمه أحدا } [الكهف : 26] ... وقال في الإشراك به في عبادته : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف : 110] فالأمران سواء كما ترى إيضاحه )[23]، وعلى هذا ( يرتبط التحليل والتحريم (التشريع) بالمعبود ارتباطاً وثيقاً، حتى لقد توافقت وتزامنت دعوة العرب للشرك بالله في عبادته وتغيير دين إبراهيم - عليه السلام -، مع إدخال تشريعات لم يأذن بها الله، بل أمر بها الطواغيت، فعمرو بن لحي الذي كان أول من غير دين إبراهيم - عليه السلام - وأدخل عبادة الأصنام في العرب، كان هو نفسه أول من سيَّب السوائب وشرع لهم الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها )[24] .
وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا : { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة : 103]، أنهم يفترون على الله الكذب بتحريم ما حرموا على أنفسهم، وأن ذلك من أعمال الكفر به، بل يظنون أنهم يتقربون إليه ولو بالواسطة، لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب .. ليست بزعمهم إلا وسائط بينهم وبين الله - تعالى - .. وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه )[25] .
وتعدى أمر التشريع عند القبوريين تسييب عجل للضريح، إلى التلاعب في بعض العبادات المفروضة، ويمثل الحج أبرز مثال لهذا التلاعب، الذي بدأ بسن آداب وطقوس معينة لزيارة تلك الأضرحة، ( فالزيارة ليست مجرد مرور عابر، ويجب أن تؤخذ بمعناها الدقيق، فعملية الاستقبال داخل الضريح هي لقاء بين الولي (الداعي) والزائر (الضيف)[26]، لذلك لم يقتصر القبوريون ) .. على إقامة المباني والأضرحة عليها فحسب، بل صنعوا في آداب زيارتها وترتيبها المصنفات الطوال، منها : كتاب شمس الدين محمد بن الزيات المعروف (الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة)[27] .
ومن (آداب للزيارة) إلى (مناسك للحج)، فقد ( آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه : (مناسك حج المشاهد) مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عُبَّاد الأصنام )[28] .
ولم يكتفوا بتصنيف الكتب في ذلك، بل أشاعوا ذلك التشريع في جمهورهم، فالدكتور عبد الكريم دهينة يذكر عن قريته التي بها أكثر من ثلاثين ضريحاً تقام لها موالد ونذور ونسك، أنه ( قد أفتى بعضُ الفسقة بأن الحج ينفع إليهم )[29]، كما ( أن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوي بقنا .. فيه غناء عن أداء الحج إلى بيت الله الحرام .. )[30] .
وعلى ذلك فليس بمستغرب أن يقول السخاوي : ( جاء الحُجاج هذه السنة لسيدي أحمد البدوي من الشام وحلب ومكة، أكثر من حجاج الحرمين ! )[31] .
فهذا باب من التشريع، وهو أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله الحسنى : الحكيم، والحكم، والعليم، والعزيز، والملك، والعظيم ...
وكل ذلك أدى إلى الاستهانة بأوامر الله - عز وجل -، واستبدالها بتعظيم شعائر الأضرحة وأوامر سدنتها، وبذا كانت القبورية أحد الأسباب التي هيأت شعوب العالم الإسلامي لقبول العلمانية الوافدة وتشريع ما لم يأذن به الله .

شرك في التوحيد، ونكوص عن مجاهدة الأعداء :
-------------------------
ولست هنا بصدد تقييم علاقة أهل التصوف بمقاومة الأعداء - سلباً وايجاباً -، ولكننا نريد بيان أثر الأضرحة في جهاد أعداء الأمة، ضمن تأثيرها على حياة الشعوب الإسلامية في شتى المناحي . والمتتبع لأثر الأضرحة في هذا المجال يجد أن الأضرحة والقبور هيمنت على هذا الجانب ضمن هيمنتها على الحياة كلها، فأصبحت الأضرحة والمزارات تمثل بحق (أفيون الشعوب الإسلامية) ! ..
فقد اتخذتها الشعوب مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، باعتبار أنها (الرموز المقدسة) التي لا ينبغي أن تمس، ( ففي ريف المغرب الذي كان يحتله الإسبان قامت القبائل هناك بثورة عارمة ضدهم، حين بنى الإسبانيون مركزاً للحراسة بقرب ضريح تقدسه القبائل )[32]، وقد فطن الأعداء لهذا الأمر، فحرصوا على عدم المساس بهذه القبور والأضرحة لعدم إثارة الذين يقدسونها، بل ساهموا في الترويج لها ولطقوسها، بينما كانوا يبدلون منهج حياة المسلمين تبديلاً كاملاً، وينهبون ثروات البلاد نهباً منظماً، (ويرحل بنا المؤرخ العظيم عبدالرحمن الجبرتي إلى زمن الحملة الفرنسية، يوم تقلد الشيخ خليل البكري نقابة الأشراف ... (وفيه سأل صاري عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم ؟ !، فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقُّف الأحوال، فلم يقبل، وقال : لابد من ذلك، وأعطى له ثلاثمئة ريال فرنساوية معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد، ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ... )[33] .
وكما مثلت القبور والأضرحة لدى المعتقدين فيها مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، فإنها شكلت عندهم بديلاً لأي جيش يناهض هؤلاء الأعداء .
فهي عندهم (هيئة المستشارين) التي تقرر قتال الأعداء أو لا تقرره، يقول الدكتور عمر فروخ : ) لا ريب في أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك واستغلوه في أعمالهم الاستعمارية، ذكر مصطفى كامل بطل الوطنية المصرية في كتابه (المسألة الشرقية ) قصة غريبة في أذن القارئ العادي، قال :
ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس : أن رجلاً فرنسياً دخل في الاسلام وسمى نفسه سيد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنساويون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل (سيد أحمد) الضريح، ثم خرج مهولاً بما سينالهم من المصائب، وقال لهم : إن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنساويون آمنين في (26) أكتوبر سنة 1881 م)[34].
وهي عندهم (حرس الحدود) الذي يقوم على صد الأعداء، بل ومنع الفتن والأوبئة !، فـ(كل مدينة كبيرة أو صغيرة محروسة بولي من الأولياء، فهو الذي يحميها من العين ومن الغارات ومن نكبات الطبيعة، ومن طمع الطامعين ) [35]، وبناء على ذلك الاعتقاد يذكر الكوثري ( أن أرض الشام يحرسها من الآفات والبلايا أربعة من الأولياء الذين يتصرفون في قبورهم ! )[36] .
وبخلاف الأضرحة الكبرى التي (تحرس) المدن المهمة والمراكز الحيوية، يشيع هذا الاعتقاد أيضاً عند القبوريين في القرى والنجوع، ففي ( مركز مغاغة بالمنيا، وعلى وجه التحديد بقرية (بني واللمس) على البحر اليوسفي، يشتهر مقام سيدي (حسن أبو رايتين) ... ويعتقدون أنه يحرس القرية ويحفظها من السرقة وعداوات الدم، ويلجؤون إليه لرفع المظالم ... )[37] .
وهي عندهم (وسائل دفاع جوي ! )، فضريح (علي الروبي) بالفيوم بمصر ( أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية، ببركته التي حولت مسار القنابل إلى بحر يوسف ! )[38] .
وهي عندهم (معين المدد والذخيرة)، فأثناء الثورة العرابية روَّج القبوريون إشاعة قوية مفادها ( أن كبار الأولياء (الدسوقي - البدوي - عبد العال) أهدوا أحمد عرابي ثلاثة مدافع ليستعين بها على منازلة الإنجليز )[39] .
وعندما يستدعي الموقف الإمداد بـ (قوات خاصة) لمنازلة عدو شديد البأس يطلب القبوريون المدد من الأضرحة وأصحابها أيضاً، فعندما أغار التتار على بلاد الشام ( كان القبوريون يخرجون يستغيثون بالموتى عند القبور، ولذا قال بعض شعراء القبورية :
ياخائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر )[40]
وحين أغار جنود الفرنسيين والإفرنج على مصر ( صاح المحاربون في المسلمين وصرخوا مستغيثين بغير الله مع الله : ( يا رب يا لطيف، ويا رجال الله، ونحو ذلك) )[41] .
وذكر الشيخ رشيد رضا ( أنه عندما زحفت روسيا على مدينة بخارى فزع الناس إلى الاستغاثة بحامي بخارى ! - كما يسميه أهلها - شاه نقشبند، فلم يغن عنهم شيئاً )[42] .
وذكر أيضاً أنه ( انتشر بين أهل مراكش، عند حلول النوائب بهم، وتعدي الأجانب عليهم، الاجتماع حول قبر الشيخ إدريس في فاس، طالبين أن يكشف ما نزل بهم من الشدة، تاركين ما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم والإعداد العسكري للأعداء )[43] .
- وهي عندهم (جيوش متكاملة)، فلماذا الإعداد، والقبور والأضرحة عند المعتقدين فيها بمثابة جيوش متكاملة تفعل ما لا يستطيعه المحاربون ؟ !، فقد قال أحد كبار الصوفية في زمن احتلال الإنجليز لمصر، ما معناه : ( لو أراد إبراهيم الدسوقي خروج الإنجليز من مصر ما بقي إنجليزي واحد، وقال بعضهم في نكسة سنة 1967 م ما يدور حول هذه الفكرة )[44] .
وذكر الدكتور سيد عويس في كتابه المهم (رسائل إلى الإمام الشافعي) أن إحدى الرسائل الموجهة إلى ضريح الإمام الشافعي، والمؤرخة في أكتوبر سنة 1955م، يطلب صاحبها فيها ( عقد جلسة شريفة يحضر فيها معه سيدنا الحسين وسيدنا الحسن، والست زينب أم هاشم، وجميع أهل بيت النبي ! ويطلبون من الله مسح إسرائيل اليهود، وإزالتها من على وجه الأرض المقدسة في الأسبوع، ويكون- إن شاء الله - آخر ميعاد يوم الثلاثاء القادم ! ![45] .
ولها تعقد احتفالات النصر، فمما يذكره الجبرتي أنه عند ( مغادرة الفرنسيين للقاهرة سنة 1216هـ هرع قائد الجيش العثماني (حسين باشا القبطان) إلى زيارة المشهد الحسيني، وذبح فيه خمس جواميس وسبعة أكباش، واقتسمتها خدمة الضريح )[46] . فهل أضر مؤثر بقوة الأمة أعظم من هذا (التخدير) الذي سرى
في جسدها بفعل أفيون تقديس القبور والأضرحة ؟

شرك فى التوحيد وتخلف في المجتمع :
-------------------------
وترتفع الخرافة إلى ذروتها حينما يعمد القبوريون إلى إضافة التخصصات للأضرحة بعد تقسيم درجاتها إلى كبرى وصغرى، فمثلما كان للإغريق – ومن بعدهم للرومان واليونان - إله لكل شيء . إله للحرب، والهة للحب، وإلهة للخصب، إله للخمر .. وجدنا عند القبوريين أضرحة ومزارات تشتهر بتخصصها في حاجات مختلفة، يخصونها بالتوجه إليها لطلب هذه الحاجة منها .
ولعل من هذا القبيل : الأضرحة والمزارات النسائية، كمقام ( الشيخة مريم التي يحتفل بمولدها مرتين : مرة في شم النسيم[**]، والأخرى في ذكرى مولد النبي، وقد اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم )[47]، وكذلك يطلب القبوريون ( من ضريح الشيخة صباح في طنطا إبراء النساء من العقم )[48]، ومزار ( بنات عين) في معان بالأردن : ( انتشر ذكره بين العواقر، يفدن إليه بالقرابين والمصابيح لنيل البرء والشفاء، وهو مختص بالنساء فقط ويدعونه بالمستشفى النسائي! )[49]
وإضافة إلى تلك الأضرحة والمزارات التي اشتهرت بتخصصها النسائي، هناك ضريح (النبي شعيب) في وادي السلط الجنوبي بالأردن ( وهو ولي ! مرهوب مختص بالأقسام الكبرى، إذا أشكلت الدعاوى واستعجمت مذاهبها .. ويطلب القاضي البدوي القسم الرهيب في بركة شعيب .. )[50]، وفي حلب بسورية ( اعتاد بعض الناس هناك أن يسافروا إلى ضريح الشيخ ريح زاعمين أنهم يشفون من ريحهم ... وللناس في قبر أبي العلاء المعري [بمعرة النعمان بسورية أيضاً] اعتقاد عظيم، يبيِّتون على قبره شربة ماء ويستعملونها للبرء من الحمى .
وفي مدينة طنطا [بمصر] يطلب الناس هناك من ضريح عز الرجال – وهو أحد تلاميذ البدوي - شفاء الأطفال .. ومن ضريح محمد الحدري المعروف بالعمري شفاء أمراض الروماتيزم ! )[51] .
فإذا كان هذا الاعتقاد الناشئ عن الانحرافات في اسم الله - تعالى - : الشافي، دعا المعتقدين في الأضرحة إلى التوجه إليها بالقربات والعبادات لنيل مرادهم، فإنه أثمر أيضاً تخلفاً اجتماعياً مريعاً؛ حيث استغنى الناس بالأضرحة عن الطب وعلومه، فما حاجتهم إلى طب (الكفار ! ) وعندهم أضرحة المسلمين التي تشفيهم - وبأيسر السبل - مما يعجز عنه الأطباء ؟ !، وذلك صرف الناس عن تعلم الطب، فأثر ذلك بدوره في تدني مستوى الطب في المجتمع، مما كان يدفع الناس نحو الأضرحة مرة أخرى لطلب الشفاء منها .
وإضافة إلى إهمال تعلم الطب فقد أهملت العلوم الأخرى، بل أهملت الخدمات الاجتماعية للأحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ! .

شرك فى التوحيد، وفساد في الأخلاق :
-------------------
إضافة إلى المفاسد الأخلاقية التي تحدث حول الأضرحة[52]، هناك أشكال من هذه المفاسد ارتبطت بها أيضاً، وفي ذلك تضرب (الموالد) بنصيب وافر، حيث يشيع فيها الفساد الأخلاقي مقترناً بالشرك الأكبر والأصغر .
ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى الأثر النصراني واليهودي في هذه الموالد، حيث تكاد تتطابق أشكال طقوس احتفالات أعياد الميلاد والموالد للقديسين و(الأولياء) النصارى واليهود مع ما يحدث في موالد الأولياء المسلمين[53]، حتى إن مولد (أبي حصيرة) اليهودي في قرية (ميتوه) بدمنهور في مصر - والذي كان يُحتفل به قبل التطبيع مع اليهود على أنه ولي مسلم، ويعقد مولده كل عام على هذا الأساس - يأتي إليه اليهود من أنحاء شتى ليقيموا مولده، وفيه :(تقاد الشموع وتسكب زجاجات الخمر على القبر، ويرقص النساء والرجال عرايا أو شبه عرايا على أنغام شرائط الكاسيت، وفي نهاية الليل يتمددون وهم سكارى فرادى ومتزاوجين في ظل حراسة جنود الشرطة والأمن المركزي ! )[54] .
هذه صورة من موالد (اليهود)، فماذا عن موالد (المسلمين) ؟
في صدر مقالها عن موالد الأولياء في مصر، تعرف هيام فتحي دربك (المولد) بأنه : ( الاحتفال بيوم ميلاد ولي من أولياء الله، والاحتفالات بالموالد تمارس في المنطقة التي فيها قبر الولي، وهي حفلات فولكلورية شعبية من غناء ورقص وتسلية، والاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وألعاب الأطفال والمراجيح وحلقات الذكر الذي يتخذ مظهر الرقص أحياناً ومظهر الشعوذة أحياناً أخرى، ففيها يقوم الرجال بعمل حركات من قيام وقعود والى الشمال وإلى اليسار وهم يذكرون لفظ الجلالة .. الله، الله، حي، حي .. وقد يندمج بعضهم في حلقات الذكر فيشد شعره ويتمرغ على الأرض ! )[55] .
ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى ؟ يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول : ( ينصبون خياماً كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالَم الأكبر من أخلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً .. )[56] .
فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط .
فالمولد فرصة لأن ( تنتهك فيه حرمات النساء، وتشرب الخمور )، حتى إنه ( أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكاناً للهو والرقص والغناء الساقط )[57] .
وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) (فترى الفتيات يرقصنَ حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة ..)[58] ..
فليس هذا خاصاً ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة .

وبعد :
---
فقد كانت هذه صورة لبعض نتائج تفشي داء تقديس القبور والأضرحة في العالم الإسلامي، والملاحظ أن هذه الصورة ما كانت إلا تعبيراً عن الهيمنة السلبية على حياة الناس كلها، وليس هذا الحال خاصاً بمحلة دون أخرى، بل وصل الحال إلى أن أصبح ( أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات، بل عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعاً من الشرك بالله - تعالى - ! )[59] ..
ولم يقتصر ذلك على الجهال والطغام، بل شمل جمهرة من المنتسبين إلى العلم الشرعي أو من يسمون أنفسهم بالمثقفين والمتحضرين !، لا ينجو من ذلك إلا المتحصن بعقيدته، المستحضر توحيد ربه، الذي امتلأ قلبه بمحبة الله - عز وجل- وخشيته ورجائه .
إن تقديس القبور والأضرحة داء يعمل في أعز مشخصات هذه الأمة وأبرز ما يميزها، وهو التوحيد، وإن من علامات صحة الجسد إحساسه بالألم؛ فالجسد الميت أو الواقع تحت تأثير مخدر لا يحس بالألم رغم وجود مقتضاه، وهذه الأمة لا تموت ولا تنتهي إلا عند الإيذان بانتهاء الحياة في هذه الدنيا، ولكنها قد تدخل في غيبوبة عن أمر دينها أو أمر دنياها، إما بسبب غفلة من أبنائها أو بسبب كيد من أعدائها، أو بكليهما، وعند ذاك فإن كل من يساهم في إزالة أثر المخدر عنها، وكل من يساعد في (إيلامها) أو إظهار ألمها، فإنه يضرب بسهم في معافاتها، لأنها عندما تحس بالألم تعرف أنه أصابها داء، وعندما تدرك أنها مريضة تبحث عن الداء الذي أصابها لتقضي عليه وتفيق من رقادها .
فهل يبذل الدعاة -بل كل مسلم موحد -جهودهم ويجردون سيوف دعوتهم لإنقاذ الغارقين في غيبوبة الخرافات والأوهام الشركية، الذين أوشكوا على الهلاك ؟
هذا ما نرجوه ونأمله، وندعو الله العلي القدير أن يوفقنا وإياهم لما يحب ويرضى .

------------------------------------------------
(1) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر، ص 129 .
(2) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص 744، نقلاً عن الطبقات الكبرى للشعراني .
(3) د ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع، التبرك - أنواعه وأحكامه، ص 473 - 474 .
(4) حوار مع الصوفية، ص 56 .
(5) موالد مصر المحروسة، ص 80 .
(6) محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص 207 .
(7) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص 26 .
(8) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 89 .
(*) نلاحظ أن الإلحاد في اسمه - تعالى - : العظيم، يدخل فيه معظم الشركيات، لأنها ناتجة عن تعظيم القبوريين لهذه الأضرحة واصحابها.
(9) الانحرافات العقدية، ص 339 .
(10) محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص217 .
(11) روح المعاني، م 3، ج6، ص 128 .
(12) الانحرافات العقدية، ص 321 .
(13) جهور علماء الحنفية، ص 416، نقلاً عن أبي الحسن الندوي في رسالته (تقوية الإيمان) .
(14) انظر على سبيل المثال : رسالة (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورسالة (أربع قواعد) له أيضاً، و***** الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، لمحمد بشير السهسواني الحنفي، ص 166، وغاية الأماني في الرد على النبهاني، لمحمود شكري الألوسي، 1 /295 .
(15) مقال (المزارات في شرقي الأردن)، ص 903 .
(16) ا لسابق، ص 914 .
(17) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص 18 - 19 .
(18) شهر في دمشق، ص 64 .
(19) علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العقدية، ص 327 .
(20) السابق .
(21) السابق، ص 326 .
(22) عن : جهود علماء الحنفية، ص 479 - 480، نقلاً عن : إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد على القبور، للغماري .
(23) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان، ج7، ص 162 .
(24) بتصرف عن : أضواء على ركن من التوحيد، لعبد العزيز بن حامد، ص 16، وحديث أن عمراً بن لحي ( أول من سيَّب السوائب ) في البخاري، ك / التفسير، ب /13 .
(25) تفسير المنار، ج7، ص 204 .
(26) موالد مصر المحروسة، ص 83 .
(27) د سعاد ماهر فهمي، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج 1، ص 47 .
(28) إغاثة اللهفان، لابن القيم، ج 1، ص 197 .
(29) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 128 .
(30) حسين أحمد أمين، مقال (تأملات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين)، ص 137 .
(31) نقلاً عن : بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص 268 .
(32) الانحرافات العقدية، ص 305 .
(33) عرفة عبده علي، موالد مصر المحروسة، ص 14 .
(34) نقلاً عن : التصوف بين الحق والخلق، لمحمد فهر شقفة، ص 211، وانظر : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن ال****، ص 171 .
(35) ا لانحرافات العقدية، ص 324 .
(36) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص 461 .
(37) موالد مصر المحروسة، ص 53 - 54 .
(38) السابق، ص 53 .
(39) الصوفية والسياسة، ص 120 .
(40) جهود علماء الحنفية، ص 458 .
(41) السابق، ص 460 .
(42) عن : الانحرافات العقدية، ص 320 .
(43) محمد أحمد درنيقة، مصدر سابق، ص 218 .
(44) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 120 .
(45) نقلاً عن : مقال (الأضرحة - مدخل تاريخي واجتماعي)، للأستاذ/ وليد فكري فارس، مجلة التوحيد المصرية، السنة (24)، العدد (4)، وانظر : الصوفية والسياسة، ص 51 .
(46) عن : بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص 269 .
(**) أصله عيد فرعوني، ويراد له الانتشار الآن مزاحمة لأعياد المسلمين.
(47) موالد مصر المحروسة، ص 53 .
(48) الانحرافات العقدية، ص 336 .
(49) مجلة المشرق، 11 / 11 / 1920 م، مقال : المزارات في شرقي الأردن، ص 907 .
(50) السابق، ص 903 .
(51) الانحرافات العقدية، ص 336 .
(52) انظر على سبيل المثال : الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، للدكتور زكريا سليمان بيومي، ص133 - 137 .
(53) انظر : موالد مصر المحروسة، ص 17 .
(54) جريدة (الوفد) القاهرية، 4/8 /1416 هـ، ص 6 .
(55) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص 41 .
(56) نقلاً عن : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن ال****، ص 161 .
(57) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 131 .
(58) المزارات في شرقي الأردن، ص 906 .
(59) الشيخ مسعود الندوي، نقلاً عن : جهود علماء الحنفية، للدكتور شمس الدين السلفي، ص 472 .

--------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:44 AM
الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQa83Gjxs1r99JEbVde20_ld9D_2E2Ab 05D68DJndnhl4r_8gS7OA



الأمة الواعية هي التي تراجع نفسها من حين لآخر، تتأمل ماضيها بعين البصير، وتنقد حاضرها بعين الرقيب، وتستشرف مستقبلها بعين الناصح الأمين .
والعلماء (ورثة الأنبياء) يضطلعون بالدور الأكبر في هذه المراجعة، دور الطبيب الحاذق الخبير، الذي يتفحص الأعراض والظواهر؛ ليقف على حقيقة العلة والداء، ثم يصف بناءً على ذلك مسترشداً بالنور وشفاء الصدور علاج هذا الداء وطريقة استئصاله، ليعمل أهل الخير وطائفة الحق منطلقين من أرضية ثابتة، معلومة الأبعاد لتصحيح ما فسد، وإقامة ما اعوج .
والرسالة التي نحن بصددها هي من هذا النوع المُعِين على الوقوف على حال الأمة وواقعها بعد عهود من انفراج خط الانحراف، حتى وصل إلى مرحلة يصعب فيها إلا على من وفقه الله (عز وجل) إبصار الصراط المستقيم، وسط تشويش الداعين إلى أبواب الضلال .
وهذه الرسالة من الأهمية بمكان في هذا المجال، حتى قال عنها مقدمها والمشرف عليها الشيخ محمد قطب (وفقه الله) في تقدير بالغ ممزوج بتواضع جم : ( .. ولكني أشهد أن رؤيتي لهذه القضية كانت رؤية الخطوط العريضة فحسب، أما الباحث : فقد حاول وبنجاح أن يقرأ الخطوط الدقيقة، وقد فوجئت وأنا الذي وجهته ووجهت طلابي إلى هذه النقطة بأن واقع الأمة الذي أحدثهم عنه كان أسوأ بكثير مما حدثتهم عنه، وأسوأ بكثير مما كنت أعرف منه .. ) .
( ولقد وضع يده على أخبار وحوادث لم أكن على علم بها، وهذه شهادة مني له، شهادة تقدير للعمل الذي قام به) .
وموضوع الرسالة : (الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة) .
وهي رسالة علمية تقدم بها مؤلفها الباحث (علي بن بخيت الزهراني) إلى قسم الدراسات العليا الشرعية، فرع العقيدة، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونال عنها درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية فرع العقيدة، بتقدير ممتاز، مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها، وخرجت الرسالة بعد طبعها فيما يزيد عن ألف صفحة، من القطع العادي (17سم) .
وقد قسم الباحث أطروحته التي أمضى خمس سنوات لإتمامها إلى :
مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة :
اشتملت المقدمة على بيان الموضوع، وأهميته، والأسباب التي دعت إلى اختياره، وبعض ما اعترضه من عقبات، وعرض خطة البحث .
أما التمهيد : فتناول فيه باختصار : أحوال الأمة الإسلامية قبل القرنين محل الدراسة، وركز فيه على أهمية العقيدة في حياة الأمة، مع بيان حال الصدر الأول من الصحابة، وأثر العقيدة فيهم، ثم عرّج على ظهور الفِرَق وبذور الانحرافات قبل القرنين المقصودين بالدراسة .
وكان موضوع الباب الأول : الأحوال العقدية والعلمية عند المسلمين في القرنين الماضيين، ويعتبر هذا الباب عمدة الرسالة وأساسها، وقد حوى تسعة فصول :
ناقش في الأول : انحصار مفهوم العبادة، والآثار السيئة التي ترتبت على ظن كثير من الناس أن العبادة هي مجرد أداء الشعائر التعبدية فقط .
وعرض في الثاني : الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان، وخطورة هذا الانحراف الذي هيمن على ساحة الفكر الإسلامي .. حتى قال عنه الأزهري : (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) .
وكان الفصل الثالث عن : ضعف عقيدة الولاء والبراء، التي تحولت إلى عقيدة عمياء عند أبناء المسلمين، وأوضح الأدوار التي أسهمت في إضعافها، بدءاً من دور السلطان العثماني (محمود الثاني) الذي قال : (إنني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود إلا في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية ( ! ) أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق، وبحمايتي الأبوية .. ) .
ثم عرض الباحث لأدوار أخرى أضعفت هذه العقيدة .
وفي الفصل الرابع : بيّن غربة العقيدة الصحيحة ومقاومتها، والافتراءات الكاذبة والتهم الباطلة التي حوربت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) .
ثم أوضح في الفصل الخامس : هيمنة الفلسفة وعلم الكلام على علماء العقيدة ومؤلفاتها، بدءاً من العصر العباسي، وكيف انتهت دراسة العقيدة إلى مجرد دراسات لعلم الكلام في الكليات الشرعية في الجامعات الإسلامية المشهورة .
وأما الفصل السادس : فقد أطنب في بيان انتشار مظاهر الشرك والبدع والخرافات، وقسمه إلى قسمين : أولاً : انتشار مظاهر الشرك، ثانياً : انتشار البدع والخرافات .
فتحدث في القسم الأول : عن بناء المساجد على الأضرحة والقبور، والاستغاثة والاستعانة بأصحاب هذه الأضرحة، والذبح والنذر لها، ... وغير ذلك من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي هيمنت على حياة الناس، الذين وصل الغلو ببعضهم إلى القول ( بإسقاط فريضة الحج عمن يشد الرحال إلى بعض الأضرحة التي يعظمونها ويعبدونها من دون الله عز وجل)، وأصبح عندما (يداهم الأمة عدو أو ينزل بها خطب فلا تستعد كما يجب إن هي استعدت أصلاً؛ لأن عندها من (الأرباب) ما لم يخل منهم قُطر ولا مصر، فإذا دهمهم خطر فسرعان ما يهرع كل أهل بلد إلى مربوبهم ! (مقبورهم) ... فيلوذون به ويستغيثون بجنابه ... ) ! نعوذ بالله من الخذلان .
وفي القسم الثاني : تحدث عن انتشار البدع والخرافات، ومنها الموالد والاحتفالات .
ثم كان طبيعيّاً أن يكون الحديث في الفصل السابع عن : الصوفية في هذين القرنين : نشأتها، وأسباب انتشارها، ونفوذ أربابها في العالم الإسلامي، ونظرتهم إلى العلم والحياة، ودعائم نظامهم التربوي وعقائدهم المنحرفة .
ثم تحدث في الفصل الثامن عن : ازدياد نشاط الفرق المنحرفة وحربها للمسلمين في هذين القرنين، من رافضة، ونصيريّة، ودروز، وإسماعيلية . وبهائية، وقاديانية ...
وكان الفصل التاسع والأخير من أهم فصول هذا الباب، حيث تحدث عن :
موقف العلماء، وأنه لم يكن على المستوى المطلوب، فقد تجافى كثير منهم عن المشاركة في الحياة العامة والتأثير في الأحداث، كما شارك كثير منهم في الابتداع في الدين، مما جعل الإسلام أشبه ما يكون بالديانات المحرفة؛ لكثرة ما ابتُدِعَ فيه، كما انغمس كثير منهم في متاع الحياة الدنيا، فكانت النتيجة : عدم قيامهم بالأمانة التي حمّلهم الله (عز وجل) إياها، (بينما البقية الصالحة منهم قد قبعت في بيوتها، أو انزوت في الدرس والكتاب، تحسب أن مهمتها قد انتهت إذا لقنت الناس العلم) .
وبذلك انتهى الباب الأول الذي استغرق حوالي نصف الرسالة، إذ هو كما يقول الباحث : (المقصود الأعظم من البحث) .
أما الباب الثاني : فقد كان موضوعه : الانحرافات العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وقد فصله إلى فصول ثلاثة :
تحدث في الفصل الأول عن : المستوى التعليمي ومناهج التعليم، حيث (حدث تقلص ضخم (في مناهج التعليم) أبعد بالتدريج كل العلوم (الدنيوية) من معاهد العلم، في ذات الوقت الذي اقتصرت فيه العلوم الشرعية على فكر القرن الخامس على أكثر تقدير .. ) وبدون أي تغيير، فكان المستوى التعليمي مقيداً بالمختصرات والشروح والحواشي والتقريرات، مع عدم اهتمام العلماء بعلم الحديث .
وفي الفصل الثاني : تناول : التعصب المذهبي وآثاره السيئة على الحياة العلمية في هذين القرنين .
وختم هذا الباب بالحديث في الفصل الثالث عن رفض إعادة فتح باب الاجتهاد الذي أغلق منذ القرن الخامس الهجري؛ لعدم الحاجة إليه آنذاك ! !، وقد أشار الكاتب إلى الأسباب التي دعت إلى إعلان غلق باب الاجتهاد، ونوّه بجهود الإمام الشوكاني في مقاومة تلك المشكلة، وذَكَر الآثار المترتبة على رفض إعادة فتح باب الاجتهاد، التي كان من أهمها : تجميد حياة الأمة وتوقفها عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها، ثم خروج هذه الحياة عن هذه القوالب، في الوقت الذي تخرج فيه من ظل الشريعة، فكان استيراد المبادئ والنظم الأوروبية بديلاً عن مرونة الاجتهاد الذي أُغلق بابه .
وكان الباب الثالث : نتيجة حتمية للبابين السابقين، حيث تحدث عن الآثار المترتبة على الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين محل الدراسة، فتحدث بعد التمهيد في الفصل الأول عن : الآثار الداخلية (تفشي الضعف في الأمة)، فتناول : الضعف السياسي والحربي، الذي كانت ذروته : سقوط الدولة العثمانية، وتفكك ولاياتها، وما سبق ذلك من امتيازات أجنبية، وما وقع من ضعف حربي عسكري، كان سبباً مباشراً في هزائم المسلمين .
وتناول أيضاً : الضعف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي في تلك الفترة، وأسباب حدوثه .
ثم أوضح ثالثاً : الضعف العلمي، حيث التخلف في كل المجالات، ومن ذلك : الأمية التي ما زالت نسبتها مرتفعة جدّاً، ووصل الضعف في هذا المجال إلى حد دراسة الدين واللغة والتاريخ في جامعات الغرب .
ثم تحدث أخيراً عن : الضعف الأخلاقي والاجتماعي، وسقوط كثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية، بعد أن تحولت إلى مجرد تقاليد خاوية وعادات جوفاء لا رصيد لها من الدين .
أما الفصل الثاني، فكان عن : الآثار الخارجية، واشتمل على ثلاث نقاط :
أولاً : الاستعمار الذي بسط سيطرته إثر قابلية العالم الإسلامي له؛ نتيجة الانحرافات المشار إليها سابقاً، ولم يكن رحيله إلا ظاهريّاً في أكثر الأحيان .
ثانياً : الغزو الفكري واستيراد المبادئ والنظم من الغرب، وقد كان الواقع العقدي المنحرف مدعاة للتغريبيين أن يقودوا الأمة حيث يريدون، حيث ركزوا على تنحية الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة (العلمانية)، وقضية تحرير المرأة، وقضية التطور ونبذ الدين، وقضية القومية والوطنية ... وقضايا أخرى كثيرة حاولوا استغلالها لتهميش الإسلام والطعن فيه .
ثم كان المبحث الثالث في هذا الفصل عن : النشاط التنصيري في العالم الإسلامي : حيث استفحل هذا النشاط، مستغلاً الظروف الاجتماعية السيئة من فقر وجهل ومرض وتخلف ... ولئن أخفق هذا النشاط في تنصير أحد من المسلمين إلا في النادر إلا إنه نجح في زعزعة إيمانهم، وخلخلة عقيدتهم، وبث سمومه الفكرية والأخلاقية فيهم، ونزع الثقة من نفوسهم، حتى تمكن من هزيمة أرواحهم وأسر عقولهم .
وكان الباب الرابع والأخير عن : الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل، وقسمه إلى فصلين : تحدث في الأول عن : أثر حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العالم الإسلامي، وقد اهتم فيه ببيان زيف ادعاء تأثر بعض الحركات والشخصيات بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)، أكثر من اهـتمامه بمن تأثر بدعوته حقيقة، وبيّن أن الأثر الأكبر لدعوة الشيخ كان في تبوؤ المنهج السلفي مكانة مرموقة في فكر شباب الصحوة الملتزمين بذلك المنهج .
أما الفصل الثاني فكان عن : الصحوة الإسلامية في العصر الحاضر، فتناول أولاً : العقبات في طريق الصحوة، وأهمها : استمرار الانحرافات العقدية، وما يقع من تفرق وتشاحن بين الفصائل داخل الصحوة، بالإضافة إلى تواطؤ أعداء الإسلام من منافقين ومشركين ويهود ونصارى على ضرب الصحوة، وحربها، والعمل على إجهاضها .
ثم تناول ثانياً : المبشرات في طريق الصحوة وآفاق المستقبل، حيث ذكر بعض المبشرات الواقعية : كاتساع القاعدة الجماهيرية، وإفلاس المذاهب المعادية للدين، ثم تحدث عن آفاق المستقبل في ضوء النصوص الشرعية .
وأخيراً : أنهى الكاتب بحثه بخاتمة موجزة حوت سبع عشرة خلاصة، هي أهـم النتائج التي توصل إليها .
وبعد : فإننا لا نستطيع إلا أن نشيد بهذا الجهد، الذي ندعو الله (عز وجل) أن ينفع به، وأن يكون ذخراً لكاتبه وكل من أسهم فيه .
وإن كانت هناك بعض الملاحظات (التكميلية) للرقي بهذا العمل إلى أقصى درجات النفع (من وجهة نظري الشخصية)، ومن ذلك :
1- طول البحث وكثرة استطراداته ووفرة شواهده، وهذا إن كان ميزة في أطروحة علمية كما هو أصل الكتاب إلا أنه كان ينبغي إعادة النظر في ذلك عند نشره كمطبوعة يتم تداولها بين المخاطبين بالكتاب، وذلك حتى تتسع دائرة المستفيدين منه؛ لكي (لا ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، ولعل الله (عز وجل) ييسر اختصاره أو تهذيبه؛ لتعم الفائدة منه .
2- عدم اعتنائه بذكر ودراسة الشخصيات والحركات التي حاولت مقاومة تلك الانحرافات، مكتفياً بالتنويه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط، فمع أهمية جهود حركة الشيخ (رحمه الله)، إلا أنه كان ينبغي عدم إغفال الجهود الأخرى لهؤلاء، حتى لو كان هناك على بعض هذه الشخصيات والحركات بعض المآخد والملاحظات، فكان لا ينبغي إهمال جهودهم في تصحيح انحرافات عديدة (شرك القبور العلمانية الولاء والبراء التعصب المذهبي والجمود الفقهي ... )، ومن هؤلاء على سبيل المثال : الصنعاني الشوكاني القاسمي مصطفى صبري عبدالحميد بن باديس وجمعية العلماء بالجزائر سيد قطب محمد رشيد رضا جماعة أنصار السنة المودودي والجماعة الإسلامية بباكستان ...
كما كان ينبغي دراسة مدى نجاح أو فشل جهودهم، وأسباب ذلك، فمن وجهة نظري : كان ينبغي إفراد باب لهذه الجهود، وعدم الاكتفاء بذكرها عرضاً كما فعل الباحث، مع الاعتراف بأن هذه النقطة تبعد قليلاً عن عنوان البحث، ولكنها مهمة .
وفي هذا الباب : كان سيبدو الفصل الرابع من الباب الأول والفصل الأول من الباب الرابع في مكانهما الصحيح؛ حيث بدا الفصل الرابع (غربة العقيدة الصحيحة [التي حملتها حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ] ومقاومتها (غريباً موضوعيّاً عن فصول الباب الأخرى، كما بدا الفصل الأول من الباب الرابع (أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي) غير وافٍ لموضوع الباب (الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل) .
3- ومما يتعلق بما سبق، فقد كان تناوله لأثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يشوبه بعض العاطفية وعدم العمق، وكنا ننتظر اتباع الباحث المنهج العلمي الرصين، الذي اتبعه في بقية الرسالة، خاصة مع حركة بثقل وتأثير حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) .
4- كما كان يحسن بالباحث (تكميلاً لجهوده) بحث طرق ووسائل علاج الانحرافات المذكورة؛ لتكمل إنارة الطريق لشباب الصحوة المباركة .
والرسالة على العموم جهد طيب وعمل مشكور جدير بالاطلاع عليه .. وملاحظاتي هذه لا تغض من أهمية الرسالة وقيمتها العلمية .
--------------
(*) نشر هذا البحث عن طريق دار الرسالة للنشر والتوزيع بمكة المكرمة .
------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:51 AM
انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها(2/2)
ـــــــــــــــــــــــــــ

(خالد بن محمد حامد)
ــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.islamcds.com/wp-content/uploads/2012/02/mohapl8.gif

لا تحمل الخرافة في ذاتها قوة الدفع اللازمة لاستمرار ترويجها لدى المصابين بها؛ فهي لا تصمد أمام الحقائق العقلية والشرعية في حلبة صراع الأفكار، ومع ذلك فقد استمر داء تقديس القبور والأضرحة، بل انتشر واستفحل حتى إنه يذكر عن عدد الذين يحضرون مولد البدوي أو الدسوقي في مصر مثلاً أنهم : يقدرون بالملايين من البشر[1]، فما هي العوامل التي ساعدت على هذا الانتشار والاستمرار ؟
إن المتأمل في شأن القبورية يستطيع القول : إنه لم يكن السبب في هذا الانتشار عاملاً واحداً، بل هناك عدة عوامل متشابكة عملت جميعها على ذلك الانتشار والاستمرار، نذكر منها : العوامل الدينية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية .. وإليك بيان بعض هذه العوامل :
العوامل الدينية :
فـ (فلسفة القبورية) تعد من أهم عوامل استفحال داء تقديس القبور والأضرحة، وأعني بذلك : مع تقديم مسوّغات لهذه الممارسات، ووجود الفراغ (التوحيدي) لدى القبوريين مع بقاء الدافع الفطري في (التأله) لدى البشر عموماً، كما أن القبوريين توهموا سهولة الدخول تحت طقوس القبور والأضرحة مقابل تخليهم عما عدوه صعوبة تكاليف التوحيد الخالص، فكانوا كما قال فيهم ابن قيم الجوزية نقلاً عن أبي الوفاء بن عقيل رحمهما الله : (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم ... )[2] ، فإذا أضفنا إلى ذلك : ترويج مشايخ القبورية لشبهات ساقطة على أنها أدلة شرعية وحقائق دينية تسمح بهذه الطقوس لازداد تأثير هذا العامل في ترسيخ فتنة القبورية، لذلك فإننا نلمح أن انتشار هذا الداء يتناسب عكسيّاً مع تصاعد أمرين :
الأمر الأول : محاولة القضاء على الدين عموماً والعمل على قتل فطرة الإيمان بالغيبيات في القلوب، الأمر الذي يصرف هذه الفطرة إلى نوع آخر من الإيمان بنوع تأليه للمادة والعقل بدلاً من الغيب والخرافة، وهذا ما ظهر واضحاً عقب الانقلاب العلماني على الخلافة العثمانية، (ويذكر رشيد رضا لعباد القبور ما فعله ملاحدة الأتراك عندما استلموا الحكم، فقد حارب هؤلاء البدع والخرافات وعبادة القبور، وقاموا بنبش قبور بعض الأولياء، وعرضوا أمام الناس رميم عظامهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم، بله أن ي***وا النفع أو يدفعوا الضر عن الناس)[3] .
الأمر الثاني : ملء الفراغ التوحيدي الذي شغلته الخرافة عندما تألهت القلوب للأضرحة والقبور وساكنيها، كما يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله : (من غَمَرَ قلبه بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه)[4] ، لذا : رأينا أن انتشار هذا الداء تناقص نسبياً في الأماكن والأوقات التي نمت فيها الصحوة الإسلامية المباركة، التي أخذت على عاتقها الدعوة إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك كبيره وصغيره، والرد على شبهات أهل الزيغ، وهنا يبرز الدور الخطير سلباً وإيجاباً الذي يمكن أن يقوم به العلماء والدعاة، فعلى الرغم من جهود مشكورة لكثير من العلماء والدعاة الذين بينوا للناس حقيقة التوحيد وحذروهم من الوقوع في الشرك إلا أن القبوريين خادعوا أنفسهم ووجدوا ملاذاً لهم في بعض من ينسب إلى العلم والدين فأبوا إلا أن يُصغوا آذانهم ويفتحوا مغاليق قلوبهم لكل من ساهم بقول أو فعل في التلبيس على الناس وفتنتهم عن دينهم الحق .
وإليك إيضاحاً لبعض مواقف هؤلاء الداعين بأقوالهم أو أفعالهم إلى القبورية :
فحضور هؤلاء المشائخ لهذه الأماكن وعدم إنكارهم لما يحدث فيها، بل مشاركتهم في طقوسها في أحيان كثيرة .. فتنَ كثيراً من الدهماء . فمما يذكره الجبرتي بعد وصف المنكرات التي تحدث في أحد الموالد (مولد العفيفي) : ( .. ويجتمع لذلك أيضاً الفقهاء والعلماء ... ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ... فضلاً عن كونهم يفعلونه .. )[5] .
ويقول محمد أحمد درنيقة : (وهذه الأمور كانت تجري في بيت الله ويراها ويسمعها العلماء الذين لا يفعلون شيئاً للتخلص من هذه الانحرافات، لا، بل ... ذهب بعض العلماء إلى تهنئة هذه الفئة بهذا الموسم الشريف والدعاء لهم بأن يطول بهم العمر لإحياء مثله أعواماً عديدة . يرى رشيد رضا أن هذا السكوت من قِبَل العلماء قد أوقع في ذهن العامة أن هذه الأعمال وأضرابها من مهمات الدين)[6] .
ومن المواقف المعاصرة العديدة في ذلك : أنه (قد زعم الخليفة الحالي للسيد البدوي في مولد عام 1991م : (أن السيد البدوي موجود معك أينما كنت، ولو استعنت به في شدتك وقلت : يا بدوي مدد، لأعانك وأغاثك) ! قال ذلك أمام الجموع المحتشدة بسرادق وزارة الأوقاف في القاهرة أمام العلماء والوزراء، وقد تناقلته الإذاعات وشاشات التلفاز)[7] .
ليس هذا فحسب، بل تؤلف الكتب في الدعوة إلى ذلك، ويتواطأ (العلماء) في إقرارها، فقد ذكر رشيد رضا أن أحد (المنسوبين للعلم) ألّف كتاباً يدعو فيه إلى ذلك التوجه (المنافي للحنيفية)، (وواطأه على ضلاله وإضلاله (63) عالماً أزهرياً كما ادعى، وذكر أسماءهم وإمضاءات أكثرهم بخطوطهم، وبنى على هذا أنه انعقد الإجماع؛ لأن سائر علماء الأزهر يوافقونهم فيه، وأنه يجب على جميع المسلمين اعتقاده والعمل به .. )[8] ..
والأمر تجاوز التنظير والتسويغ ليصل إلى الممارسة الفعلية كما يقوم بها أي خرافي، فهذا (أحد المشايخ الكبار في عهد إسماعيل باشا كتب شكوى ضده وأرسلها بالبريد إلى طنطا، ومنها إلى قبر السيد البدوي، حيث تقوم محكمته داخل قبره ! )[9]، (ولما وقع صراع بين الأحناف والشوافع حول مشيخة الأزهر بسبب تعيين أحد مشايخ الأحناف شيخاً للأزهر، هرع الشوافع بقيادة الشيخ محمد بن الجوهري الشافعي إلى ضريح الإمام الشافعي، ولم يزالوا فيه حتى نقضوا ما أبرمه العلماء والأمراء وردوا المشيخة إلى الشافعية ! )[10] .
وانظر إلى إنكارهم .. لأي شيء وقع ؟ ! : (فعندما صودر أولاد سعد الخادم وهم سدنة ضريح السيد البدوي هاج العلماء في الأزهر وامتنعوا عن التدريس إنكاراً لمن قام بمصادرته، ولم يعودوا إلا بعد أن طيبت خواطرهم ووعدوا بتلبية رغبتهم)[11] .
ثم انظر إلى إقرارهم .. على أي شيء وقع ؟ : (ذكر الشيخ رشيد رضا أنه كان مرة في قبة الإمام الشافعي، وكان ثَمّ جماعة من أكابر علماء الأزهر وأشهرهم، فأذن المؤذن العصر مستدبراً القبلة، فقال لهم : لِمَ لم يستقبل هذا المؤذن القبلة كما هي السنة ؟ فقال أحدهم : إنه يستقبل ضريح الإمام ! .. وذكر أيضاً أنهم لا ينكرون على من يستقبل قبر الإمام في صلاته)[12] .
ثم هم لا يسكتون على من يقوم بواجب إنكار المنكر حقيقة، بل ينكرون على من ينكر المنكر الشركي، (كما حدث حين اعترض الواعظ الرومي (التركي) في سنة 1711م ... وأبدى رأيه في اعتباره زيارة الأضرحة وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم من قبيل الكفر، بل وطالب بهدم الأضرحة والتكايا، فثار عليه مشايخ الأزهر الصوفية وأصدروا فتوى بكرامات الأولياء وتوسطوا لدى الحاكم السياسي حتى نفاه)[13] .
فما الذي يحمل هؤلاء (العلماء) على تلك الممارسات ؟
يحملهم على ذلك ما يحمل غيرهم من دهماء القبوريين :
فهم يرون أن ذلك من شعائر الدين، حتى إن أحد علماء الأزهر كتب مقالاً يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الحسين في القبر المنسوب إليه : (إنك (جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية، فإنك تريد أن تطيّر البقية من دينه( [14] .
وهم يعتقدون في القبور والأضرحة وأصحابها الضر والنفع، تماماً مثلما يعتقد الدهماء والعامة من القبوريين، (ويبين رشيد رضا أن الذي دفع العلماء إلى السكوت عن هذه الأمور خوفهم من الوقوع في قضية إنكار الكرامات أو الاعتراض على الأولياء الذي يخشى معه أن يلحقوا بهم الأذى والضرر)[15] ، وليس أدل على ذلك من أنه (في أيام حكم السلطان المملوكي جقمق قيل لأحد العلماء أن يفتي بإبطال مولد البدوي لما يحدث فيه من زنا وفسق ولواط وتجارة مخدرات، وما يشيعه الصوفية من أن البدوي سيشفع لزوار مولده، فأبى هذا العالم أن يفتي، قائلاً ما معناه : إن البدوي ذو بطش شديد)[16] ..
فإذا كان هذا هو حال شريحة من العلماء المقتدى بهم، فماذا يُنتظر من العامة والدهماء ؟ .. إن الذي يعرض منهم عن السماع للعلماء الربانيين ويتخذ مثل هؤلاء قدوة وأسوة فلا بد أن يتخبط من مس الخرافة والأوهام .
العوامل النفسية :
يرتبط بما سبق بعض الأسباب النفسية التي تعمل على انتشار تقديس القبور والأضرحة واستمراره، حيث يمثل (الخوف) منها الذي نتج عن الاعتقاد فيها حاجزاً لمنع هدم الأسطورة التي قامت عليها، وكذلك تمثل (المسرة والحبور) الناتجين عن الاعتقاد فيها أيضاً أحد المرغبات في استمرار هذا الكيان .
وهذا ما يذكره الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربته القبورية .. (شيء آخر أشعل في فؤادي لهباً يأكل طمأنينتي في بطء .. أن الدكتور [الذي يدعوه إلى الكفر بهذه الطقوس الوثنية] يضعني في مواجهة صريحة ضد أصحاب الأضرحة الأولياء، والخطباء على المنابر صباح مساء يعلنونها صريحة : إن الذي يؤذي ولياً فهو في حرب مع الله سبحانه وتعالى .. وأنا لا أريد أن أدخل في حرب ضد أصحاب القبور والأضرحة؛ لأنني أعوذ بالله من أن أدخل في حرب معه جل جلاله )[17] .
وعن أحد أسباب عشقهم يقول : ( ... لأني أحب أشعارهم، وأحب موسيقاهم وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة ... أو ناي مصري حزين ينفرد بالأنين مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء ****** بمحبوبه ... وكل حجتي التي أبسطها في معارضة (الدكتور) أنه وأمثاله من الذين يدعون إلى (التوحيد) لا يريدون للدين روحاً، وإنما يجردونه من الخيال ! )[18] ..
ولعل ذلك الخيال الذي كان يريد للدين أن يسبح فيه هو ما عبّر عنه بقوله : (أحياناً أخترع لهم كرامات، أو أتصورها، أو أتخيلها .. )[19] .
وهنا تلعب الإشاعات ونسج الأكاذيب دوراً مهماً في بناء العامل النفسي؛ فالصوفية دأبوا على تحذير الناس من غضب (الأولياء)، (وقد صاغوا هذه الأفكار المخيفة في صورة حكايات مرعبة حول رجال لهم سمعتهم العلمية ومكانتهم الفقهية اعترضوا على الصوفية فأذاقهم طواغيتهم من العذاب الأليم ألواناً)[20] .. وليس هذا الإرهاب النفسي مع العلماء والفقهاء فقط، (فمع أن الحكام من المماليك كانوا يسيرون في ترهات أباطيل الصوفية ويقيمون لهم الخوانق والرباطات والزوايا، فلم تخل قصص التخويف من تخويفهم، وأطلقوا على البدوي لقب : العطاب)[21] ..
فإذا كان هذا الحال هو ما يشاع بين العلماء والحكام فما بالنا بما يروج بين دهماء الناس ويؤثر على نفسيتهم المستسلمة لهذا الداء ؟ .. لننظر إلى بعض الصور : فأهالي الإسكندرية بمصر يتحدثون بكثرة عن الكرامات التي تحدث لضريح أبي الدرداء، (ويذكرون على سبيل المثال ما حدث عندما أرادت بلدية الإسكندرية سنة 1947م نقل الضريح إلى مكان آخر ... وبدأت فعلاً في تنفيذ المشروع، ولكن واحداً من العمال الذين يعملون في نقل الضريح توقفت يداه وأصيب بالشلل !، فامتنع باقي العمال عن العمل ... واضطرت البلدية أن ترضخ لاعتقاد العامة وأبقت الضريح كما هو[22]) .
ومما رصده الشيخ رشيد رضا بخصوص هذه الظاهرة أنه (شاع لدى العامة أن من تعوّد على حضور هذه الموالد أو على إنفاق شيء فيها، ثم امتنع عن قيامه بعادته تلك : لا بد أن يصاب بنكبة أو مصيبة .. )[23] .
فماذا لو تم بالفعل إبطال أحد الموالد ؟ ! .. (حدث أن السلطان جقمق أبطل مولد البدوي لما فيه من الوثنيات الموبقات والفواحش بين الرجال والنساء، وحدث لبعض المقيمين بإبطال هذا المولد ابتلاء لهم ... فمنهم من عزل من منصبه، ومنهم من أمر السلطان بنفيه، ومنهم من وضع في السجن، فأشاع الصوفية أن كل ذلك من عمل البدوي؛ لأنه غضبان عليهم)[24] فآلة الحرب النفسية الصوفية تعمل على كل حال .
وهناك بعد آخر في العامل النفسي، وهو أن أضرحة الأولياء تمثل للعامة تعويضاً وهميّاً لانتصارها أوقات الاستبداد والتسلط السياسي؛ (فالإنسان المقهور يكون بحاجة إلى قوة تحميه تجسدت في الأولياء، فهم المحامون والملاذ؛ ويتضح هذا جليّاً في كرامات الأولياء؛ فهي تشكل النقيض تماماً لوضعية الإنسان المقهور، وحيث ترسم صورة الإنسان المتفوق ضد الإنسان المهان واقعيّاً، وتجسد أماني المغلوبين في الخلاص من خلال وجود نموذج الولي صاحب الخوارق الذي يفلت من قيود الزمان والمكان، ولذا : نرى أن الجماهير المقهورة تتجمع حول أضرحة الأولياء كما يتجمع أعضاء حزب معين حول شخص زعيمهم)[25] .
النساء والعامل النفسي في استفحال داء القبور والأضرحة :
لوحظ من خلال متابعة الواقع وتتبع الوقائع أن للنساء دوراً ملحوظاً في ترويج تقديس القبور والأضرحة والمزارات، نشأةً وارتياداً :
فأم الخليفة العباسي المنتصر هي أول من أنشأ قبة في الإسلام كما مر ذكره في حلقة سابقة، ويذكر أن الخيزرانة أم هارون الرشيد هي أول من كسا الحجرة النبوية الشريفة، وصارت من بعدها سنة الملوك والسلاطين[26]، ويذكر أيضاً أنها أول من حوّل البيت الذي ولد فيه الرسول إلى مسجد [27]، كما قامت والدة السلطان العثماني عبد العزيز بترميم قبب مسجد الزبير بن العوام بالبصرة وتكبيره [28] .
ويسجل الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني ظاهرة كثرة ارتياد النساء للقبور والأضرحة في الهند فيقول : (وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصاً وقت عروض مرض الجدري ... بحيث لا تكاد توجد امرأة خالية من دقائق هذا الشرك .. إلا من عصمها الله تعالى .. )[29] .
كما لوحظ أيضاً تخصيص بعض الأضرحة والمزارات بالنساء، كمزار (بنات العين) بالأردن الذي يعرف بـ (المستشفى النسائي)، وضريح الشيخة مريم التي (اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم)، وضريح الشيخة صباح بطنطا التي اشتهرت بالبركة ذاتها ![30] ... إلى غير ذلك من الأضرحة والمزارات الخاصة بالنساء، بينما لم يبلغ علمنا اهتمام الرجال بتخصيص أضرحة تقتصر عليهم وحدهم أو يزعمون أن لها ميزات تخصهم دون غيرهم .
ولعل ذلك راجع إلى طبيعة نفسية النساء التي تغلب عليها العاطفة والانبهار بالمظاهر، كما يتعاظم فيهن الإحساس الفطري بالضعف البشري وحاجتهن إلى قوة خفية تجبر هذا الضعف، ولعل لهذا السبب أيضاً جاء في السنة النبوية تخصيص النساء بالزجر الشديد عن أن يكن زوارات للقبور، فعن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (لعن زوارات القبور) [31]، وورد فيهن كذلك أنهن أكثر أتباع الدجال ( ... فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه)[32] .
العوامل الاجتماعية :

حيث تمثل المسايرة الاجتماعية والمجاملات دوراً مهماً في انتشار هذا الداء وعدم الانخلاع عنه، وهذا ما يسجله الأستاذ عبد المنعم الجداوي في تجربته أثناء خروجه من الاعتقادات القبورية، وذلك عندما وجد نفسه في صراع بين ما اعتقده من خطأ هذه الاعتقادات الباطلة وما يمليه عليه الواجب الاجتماعي من ضرورة مجاملة ابنة خالته وأسرتها، بمشاركته لهم في الوفاء بنذر تقديم (القربان) إلى السيد البدوي؛ حتى يعيش ابنهم الوحيد كما يعتقدون[33] .
ويدخل في هذه العوامل أيضاً : صفة الهيبة والوجاهة الاجتماعية التي يخلعها تقديس القبور والأضرحة على سدنتها وخدمها والقائمين عليها، مما يصعب معه إلا على من رحم الله الاعتراف بخطأ الاعتقادات والممارسات التي تقام وتنسج حول هذه الأضرحة؛ الأمر الذي يعني تخليهم عن هذه المكانة التي أكسبتها لهم الأضرحة والقبور، فلقد (كان سادن الضريح سيداً مطاعاً وشخصاً مهاباً، يستمد طاعته وهيبته من الضريح الذي يقوم على سدانته ... وكانت سدانة الأضرحة وظيفة متوارثة يرثها الأبناء عن الآباء، وتنتقل في عقبهم وذراريهم، ولا ينزعها منهم إلا ظالم كما يزعمون، ولم تكن لتنزع من أسرة إلا ليعهد بها إلى أسرة أخرى)[34] .
ويدخل في هذه العوامل كذلك : التفاخر بين أهل القرى والمدن والمحلات بهذه القبور والأضرحة؛ حيث يعتبر المعتقدون فيها أن وجود ضريح وخاصة إذا كان من ذوي الشهرة والمكانة من دواعي فخرهم بين أهل البلاد الأخرى، يقول الغزي بعد أن ذكر الخلاف في دفين الجامع الأموي بحلب : (وعلى كل حال فليس يخلو الجامع من أثر شريف نبوي جدير أن تفتخر حلب بوجوده)[35] .. ومن هذا الوجه أيضاً : الاهتمام بالأضرحة باعتبارها آثاراً وتراثاً تاريخياً ينبغي عدم تضييعه، فالدكتورة سعاد ماهر ترثي وتأسف لحال ضريح (ذي النون المصري)، حيث تقول : (والضريح في مكان مهجور خرب وبحالة سيئة للغاية، ومكانه بجوار مسجد سيدي عقبة بن عامر بجبانة الإمام الليث، وإني أناشد وزارة الأوقاف أن تعيد بناء ضريح أول صوفي في مصر الإسلامية، بل ومن أبرز متصوفي الرعيل الأول في العالم الإسلامي كله)[36] .
فكيف بعد هذا كله يستمعون لمن يقول لهم : إن بقاء هذا الكيان عار على عقيدتهم ودينهم وعقولهم ؟
العوامل الاقتصادية :
ونستطيع أن نطلق عليها : المنافع المادية، وهذه المنافع ظهرت مصاحبة لهذا الداء، فمنذ القدم استعمل الشيعة القبور والأضرحة والعتبات المقدسة وسيلة للتكسب والعيش، مثل الفاتحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد والقبور[37]، وعندما راجت هذه التجارة وازدهرت ظهر من يبتكر للناس أصنافاً من هذه الأضرحة لزيادة دخله، وهذا ما يذكره ابن تيمية رحمه الله، حيث يقول : ( .. حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبراً تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة)[38] ، واستمرت هذه البضاعة رائجة عند أهل الوهم والدجل حتى أضحى استمرار تقديس القبور والأضرحة ضماناً لاستمرار تدفق مورد رزق مهم لكثير من فئات المنتفعين بترويج هذا الداء .
ويقف على رأس هؤلاء المنتفعين : سدنة الأضرحة وخدمها والقائمون عليها، فقد مثّلت هذه الأضرحة مراكز حضرية جذابة، مما دعا الأهالي إلى (بناء مساكن حول الأضرحة، وأصبحت الأضرحة بذلك وسط المدن والقرى توحي للسكان باستمرار هذه العادات .
ومن أهم العادات التي تبعت هذه العادة : تقديم النذور والصدقات، وهو أمر أثّر في مزيد من الإقبال على العمل في هذه الأضرحة ..[39]، فصناديق النذور شكّلت وعاءً استثمارياً مهماً لمروجي الخرافة، و (مما يوضح أهمية هذا المورد بالنسبة للمجلس الصوفي وكافة الطرق التابعة له أيضا : الموقف الشديد الذي وقفوه ضد المفتي حين أصدر فتوى شرعية ببطلان النذور شرعاً، واعتبار الباب الثالث من لائحة الطرق الصوفية الذي يقر ويبيح هذه النذور مخالفاً للشرع والدين ... وهذا الأمر يدعو البعض لتفسيره بأنه دفاع عن مصالح طبقية أكثر من كونه دفاعاً عن مبادئ شرعية . ومن الموارد المهمة أيضاً : الصدقات التي كان يمنحها أصحاب الجاه والقادرون سواء أكان عطاؤها سراً أم جهراً، وسواء أكانت عينية أم نقدية .. )[40] .
ليس ذلك فحسب، بل يضاف إلى ذلك : الموارد الرسمية كالأوقاف التي كانت توقف على هذه الأضرحة وخدامها وسدنتها، والإعانات المالية والعينية التي تصرف لهم من وزارتي الأوقاف والشؤون الاجتماعية[41] ، وهكذا صار لهذه الأضرحة (ألوف من السدنة يعيشون في رغد وثراء من ورائها، وكانوا يتوارثون هذه الوظائف ... ويكفي أن تعلم أن ما كان يصل إلى ضريح الجيلاني في السنة من أموال الزائرين، يفوق ما كانت تنفقه الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين في السنة الواحدة أضعافاً مضاعفة)[42] .
والأمر لا يقتصر فقط على الأوقاف والصدقات والنذور التي يدفعها المعتقدون في الأضرحة لدفع الضرر عن أنفسهم أو لشكر نعمة، والتي تمثل المصدر الرئيس لهذا الدخل، بل يتعداه إلى كل الطرق الموصلة إلى المال بما فيها الاحتيال على السذج المعتقدين في هذه الأضرحة، فعند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي يمزقون الكسوة والعمامة القديمتين إلى قصاصات صغيرة، وهنا (تظهر العملية التجارية غير الرسمية التي يقوم بها خدم المسجد، فيبيعون هذه القصاصات نظير مبالغ كبيرة)[43] ، وبالطبع يتم ذلك وسط تهافت هؤلاء المعتقدين في الأضرحة للحصول على أي بركة من (ريحة) الولي .. وربما لأجل مثل هذه النشاطات وغيرها ذكر الجبرتي عن سدنة الأضرحة أنهم أغنى الناس ![44] .
ويتحدث الدكتور زكريا سليمان بيومي عن أهمية فئة خدام الأضرحة باعتبارها مركز ثقل دعائي واقتصادي للطرق الصوفية فيقول : ( ... فئة خدام الأضرحة، التي تشكل أكبر فئة من حيث العدد والأهمية الاجتماعية والاقتصادية بالنسبة للطرق الصوفية، فهم بمثابة مراكز متناثرة في كل مصر لنثر أساليب هذه الطرق والدعوة لها، ويروجون للاعتقاد في الأولياء بكل مراتبهم، ويكثرون من ذكر كراماتهم وخوارقهم، مدفوعين إلى ذلك بدافع الانتماء للطرق من خلال عملهم، وبدافع أساسي وهو أن هذه الأضرحة تمثل مصدر معيشتهم ... وكانت هذه الأضرحة تستوعب عدداً كبيراً من الخدم، فمن الممكن أن نجد أسرة كاملة تخدم في ضريح واحد، ولم تكن هذه الوظيفة مقصورة على الفقراء والمحتاجين، بل كانت لما تدره من دخل كبير مغرية لفئات متعددة؛ فنجد مشايخ طرق كبيرة يسعون لهذه الوظيفة، بل ويفضلونها أحياناً على مشيخة الطرق .. )[45] .
فكيف يهدمون بأيديهم الكيان الذي يغلون من وراء إقامته مصدر دخلهم ورغد عيشهم ؟ لا بد أنهم سينافحون بكل ما يملكون لاستمرار هذا الكيان، إلا من رحمه الله ولفظ من قلبه حب الدنيا وشهواتها .
ومن المنتفعين باستمرار وجود كيان الأضرحة والقبور : (آلاف من الفقراء الذين يتعيشون بجوار الأضرحة ويستفيدون من الموالد، وهذا أمر واضح عياناً بياناً، لاحظه الباحث في كل الأضرحة التي زارها، وخاصة الحسين والسيدة زينب .. ) [46]، ولقد كان الفلاحون يحرصون على المشاركة في الولائم التي تقام حول الضريح، حيث (يقصدون بها استجلاب البركة)[47] .. كما أن هناك مئات الأسر التي تتعيش على استمرار الأضرحة من خلال المقاهي والمطاعم والفنادق وغيرها من الخدمات المنتشرة حول كل ضريح، إضافة إلى السيارات ووسائل المواصلات التي تغدو وتروح على حساب الزوار[48] .
ومن الموارد المهمة التي ارتبطت بتقديس القبور والأضرحة : ما يجري في الاحتفالات والموالد التي تقام لهذه الأضرحة التي (اعتبرها رجال الصوفية مواسم للإرشاد وتعليم الآداب الاجتماعية والدينية، وكمدارس شعبية للوعظ والإرشاد الديني .. ) [49]، ولكنها تحولت إلى بؤر متحركة لنشر المفاسد والانحرافات، وقد تعددت هذه الموالد وكثرت حتى إنها لم تكن تقام أحياناً (بمناسبة تاريخ وفاة صاحب الضريح أو مولده، وكان يصادف أحياناً أن تقام في مواسم الحصاد ... ونادراً ما كان يحدث مولد لشيخين في ليلة واحدة إلا إذا كانت المسافة بينهما بعيدة حيث كان مشايخ الطرق يحرصون على ترتيب هذه الموالد بحيث يتمكنون من الانتقال بينها .. )[50] ، وقد كانت ليالي الموالد تصل في بعض الأحيان إلى شهرين ونصف[51] ، يصاحبها نشاط وافر لفئام من المنشدين والمداحين والمشببين الذين يحيون هذه الموالد بشتى أنواع الاحتفالات، ومنها ما يطلقون عليه : (الذكر)، (وقد اعتاد من يحضر (الذكر) أو يمارسه أو يشاهده خصوصاً في السرادقات المقامة أمام المسجد من أن يقوم بدفع (النقوط)، وهي المبالغ التي تدفع للمنشد لتشجيعه على حسن الأداء، وهي في هذه المناسبة تعتبر تحية لولي الله نفسه، حيث يعتقد بأن هذه النقوط هدية ترد إلى مقدمها من جانب الولي صاحب المولد، سوف يردها في شكل آخر، فينعم عليه بكثير من الهبات التي تتمثل في زيادة الدخل ووفرة المحصول وسداد الديون ... ) [52]، أما النشاطات الأخرى : فـ (يبدو الجامع كتلة من الأنوار المبهرة، وتنتشر السرادقات حوله في ساحته وفي المنطقة المحيطة به، وتظل المطاعم والمقاهي تستقبل روادها طوال (24) ساعة، ومع غروب الشمس ليس هناك موطئ لقدم، ضجيج الميكروفونات يتصاعد من جميع السرادقات ... روائح البخور والعطارة والشواء تتضوع في الأجواء، شوادر الحمص والحلوى بأنواعهتا تشارك بالإعلان عن بضاعتها في الضجيج العام، باعة الشاي على الأرصفة، وباعة المسابح والطراطير الملونة ولعب الأطفال..)[53] ..
فهي أنشطة حياتية متكاملة، وهذا ما أكده علي مبارك باشا، فيقول : (وفي هذه الموالد ما لا يخفى على أحد من المزايا والمنافع، كمنفعة من يكترى منهم الدواب أو المراكب أو سكة الحديد للمضي إليه والانصراف عنه، ومنفعة من يكون فيه من الفراشين والطباخين وغيرهم من أرباب الحرف والصناع وأصحاب الدور التي تكترى والأشياء التي تشترى، ثم ما يكون فيه من سعة التجارة، فإنا نرى كثيراً من التجار في طنطا وغيرها من سائر مدن مصر يعلقون أداء ديونهم وقضاء بعض شؤونهم على هذا المولد .. )[54] .
وبالطبع : فخلف كل نشاط جمهور من المنتفعين الذين يحرصون على استمرار هذه الموالد التي تقام حول الأضرحة ضماناً لتدفق مورد رزقهم .
وأخيراً : فإن من العوامل الاقتصادية لاستمرار تقديس القبور والأضرحة : اهتمام بعض الدول بهذه الأضرحة باعتبار ما تدره الأنشطة المرتبطة بها وحصيلة صناديق نذورها والأوقاف التي توقف عليها ... أحد الموارد الاقتصادية للدولة التي بها مثل هذه الأضرحة .


----------------------------------------
(1) انظر : موالد مصر المحروسة، ص40، والأضرحة وشرك الاعتقاد، ص64، وعقيدة المسلم، لمحمد الغزالي، ص76 .
(2) إغاثة اللهفان، ج 1، ص195 .
(3) عن : السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، لمحمد أحمد درنيقة، ص223- 224 .
(4) إغاثة اللهفان، ج 1، ص214 .
(5) عن : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن ال****، ص161، وجهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي، ص1004 .
(6) السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص208 .
(7) محمد حامد الناصر، بدع الاعتقاد، ص256، عن : السيد البدوي، دراسة نقدية، وانظر : الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص121 .
(8) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 .
(9) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص116 .
(10) الانحرافات العقدية، ص352 .
(11) السابق، ص306 .
(12) السابق، ص350 .
(13) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص83 84 .
(14) مجلة المنار، ج3، م33، ص 222 .
(15) محمد أحمد درنيقة، مرجع سابق، ص 207 .
(16) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 120 .
(17) اعترافات كنت قبورياً، ص 9 10 .
(18) السابق، ص12 .
(19) السابق، ص 8 .
(20) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص125 .
(21) السابق، 127 .
(22) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، د سعاد ماهر فهمي، ج2، ص 33 .
(23) محمد أحمد درنيقة، مصدر سابق، ص211 .
(24) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص127 .
(25) د مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكيولوجية الإنسان المقهور، ص149- 150، انظر : الصوفية والسياسة، ص180 .
(26) انظر : الانحرافات العقدية، ص275 .
(27) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين)، ص134 135 .
(28) انظر : الانحرافات العقدية، 292 .
(29) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص452، ولزيادة توضيح مثل هذه الأحوال، انظر : الانحرافات العقدية، ص311، ومقال (مسلمو أوزبكستان)، مجلة (دراسات إسلامية)، ع/1، ص 218، ومقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، مجلة العربي، ع/226، ص135 .
(30) انظر : المزارات في شرقي الأردن، ص907، وموالد مصر المحروسة، ص53، والانحرافات العقدية، ص336 .
(31) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، وهكذا حكم الألباني على الحديث، انظر : مشكاة المصابيح، ح/ 1770، وصحيح سنن ابن ماجه، ح/1281 .
(32) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، 2/67، وابن ماجه، وهو صحيح لغيره، انظر : الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لمصطفى العدوي، ص497 .
(33) انظر : اعترافات كنت قبورياً، ص 20 .
(34) الانحرافات العقدية، ص 306 .
(35) السابق، ص 280 .
(36) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج 1، ص 134 .
(37) انظر : الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، ص 427 .
(38) مجموع الفتاوى، ج 27، ص 459 .
(39) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 129 .
(40) السابق، ص 104 105 .
(41) انظر : السابق، ص 99 102 .
(42) محمد حامد الناصر، بدع الاعتقاد، ص 267 .
(43) هيام فتحي دربك، مقال (موالد الأولياء في مصر)، المجلة العربية، ع/131، ص 43، 44.
(44) انظر : الانحرافات العقدية، ص 309 .
(45) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 126، 127 .
(46) عمار علي حسن، الصوفية والسياسة في مصر، ص 110 .
(47) السابق، ص 129 .
(48) انظر : شهر في دمشق، لعبد الله بن محمد الخميس، ص 67 .
(49) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 130 .
(50) السابق، ص 106 .
(51) انظر : السابق .
(52) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص 44 .
(53) موالد مصر المحروسة، ص50، وانظر : ص 51 55 .
(54) عن : (السيد البدوي ودولة الدراويش في مصر)، لمحمد فهمي عبد اللطيف، ص 127 .

--------------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 08:57 AM
انحرافات القبوريين الداء والدواء (2/2)
ــــــــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ـــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTmQWOBxLH3lc-EYdz_CKVmiTxkJhnH9VADASAR2KcMSrbIq6vL


في عرضه لسبل معالجة انحرافات القبوريين تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى المسلك الدعوي، وأوضح فيه ضرورة أن يُعنى العلماء بتقرير التوحيد وتربية الأمة على الانقياد للشرع انقياداً والتزاماً، ومخاطبة عقول الناس لبيان تهافت اعتقادات القبورية، ثم شرع في إيضاح المسلك الثاني، وهو : المسلك العلمي الذي بين فيه ضرورة إيضاح قواعد الاستدالال عند أهل السنة وأهل البدع، والتنبيه على أن أدلة اعتقاد أهل السنة هي غالباً من المحكمات بخلاف أهل البدع، ثم بين تهافت استدلالات القبوريين على انحرافاتهم، ويواصل في هذه الحلقة مقارعة ما تبقى من دعاويهم، وبيان جوانب أخرى في الموضوع .
- البيان -
------------

4- ومن دعاويهم العريضة : احتجاجهم بأن الكثير من المسلمين في القديم والحديث يبنون على القبور، ويتخذون المشاهد والقباب، ويتحرون الدعاء عندها .

والجواب عن هذه الدعوى من وجوه :

أحدها : أن أكثر هذه المشاهد مكذوبة لا تصح نسبتها إلى أصحابها، وكما يقول شيخ الإسلام : (وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح؛ فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبيّ بن كعب الذي في دمشق، اتفق العلماء على أنه كذب)[1] .
ويقول في موضع آخر : (عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق، لا يكاد يوقف منه على العلم إلا في القليل منها بعد بحث شديد؛ وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام .. بل قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يفعله المبتدعون عندها .. )[2] .
ثانياً : إن البناء على القبور وتحري الدعاء عندها ونحو ذلك من البدع المنكرة التي حذّر منها الشارع أيما تحذير، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذّر ما صنعوا) متفق عليه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (قد كان من قبور أصحاب رسول بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به . ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جُهّالهم)[3] .
ويقول ابن القيم مبيّناً أن صنيع القبوريين مفارق لما كان عليه سلف الأمة :
(هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم [ أي : السلف الصالح ] بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً أن يصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك...)[4] .
يقول العلامة الصنعاني جواباً عن هذه الشبهة : (إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل وقبيلاً بعد قبيل؛ فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل بلدته يلقنونه : أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له، ويرحلون إلى محل قبره ... فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير ... ولا يخفى على أحد يعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع المنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر)[5] .
ويقول العلامة الشوكاني : (اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول -صلى الله عليه وسلم- لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين)[6] .
ثالثاً : أن سكوت العلماء عن هذه المظاهر الشركية والبدعية عند المشاهد والقبور لا يعني الرضا والإقرار، فقد يتعذر عليهم الإنكار باليد وباللسان، ولم يبق لهم إلا الإنكار بالقلب، لا سيما وهذه المشاهد والقباب قد بناها حكام وسلاطين؛ كما يقول الصنعاني : (فما كل سكوت رضى؛ فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلامه، فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد . فإن هذه القباب والمشاهد أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، وغالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة إما على قريب لهم، أو على من يحسنون الظن فيه ... )[7] .
ومن هذا القبيل ما يحتج به القبوريون بأن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ضُمّن المسجد النبوي دون نكير، ولو كان ذلك حراماً لم يدفن فيه، كما يحتجون بوجود القبة على قبره صلى الله عليه وآله وسلم .
والجواب : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها شرقي المسجد، فلم يدفن في المسجد، والأنبياء يدفنون حيث يموتون كما جاءت بذلك الأحاديث .
كما أن الصحابة رضي الله عنهم دفنوه في حجرة عائشة كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت : فلولا ذلك أُبرِزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) أخرجه البخاري ومسلم .
وأمر آخر وهو أن الحجرة النبوية إنما أُدخلت في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة[8] ؛ حيث أمر الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه على سبيل التوسعة، فأدخل فيه الحجرةَ النبويةَ حجرةَ عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد[9] .
فلا يصح الاحتجاج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الثابتة وما فهمه سلف الأمة، وقد أخطأ الوليد في إدخاله الحجرة النبوية ضمن المسجد، وكان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة النبوية[10] .
وأما دعوى عدم الإنكار فهذه دعوى بلا دليل، وعدم العلم ليس علماً بالعدم، وسكوت العلماء لا يعني الرضا والإقرار؛ كما سبق الإشارة إليه آنفاً؛ لا سيما وأن الذي أدخل القبر النبوي ضمن المسجد خليفة ذو شوكة وسلطان وهو الوليد بن عبد الملك وكذا الذي اتخذ القبة هو السلطان قلاوون .
ومع ذلك فإن المعوّل عليه هو الدليل والبرهان وليس واقع الناس وحالهم . والله المستعان .
ومما يبين تهافت هذه الدعوى : ما نقل عن علماء أنكروا هذا الصنيع وحذّروا منه .
فيحكى عن سعيد بن المسيب رحمه الله : أنه أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد، كأنه خشي أن يتخذ مسجداً[11] .
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى إنكار هذه القبة؛ حيث قال : (ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه)[12] .
يقول العلاّمة حسين بن مهدي النعمي في الرد على هذه الدعوى : (قوله [أي المخالف] : ومن المعلوم أنه -صلى الله عليه وسلم- له قبة، وأولياء المدينة وأولياء سائر البلدان .
أقول : الأمر كذلك؛ فكان ماذا ؟ بعد أن حذر -صلى الله عليه وسلم- وأنذر وبرأ جانبه المقدس الأطهر -صلى الله عليه وسلم-، فصنعتم له ما نهى عنه، أفلا كان هذا كافياً لكم عن أن تجعلوا أيضاً مخالفتكم عن أمره حجة عليه وتقدماً بين يديه ! فهل أشار بشيء من هذا أو رضيه أو لم ينه عنه ؟ )[13] .
وقال العلاّمة الصنعاني في الجواب عن هذه الشبهة : (فإن قلت : هذا قبر رسول الله قد عمرت عليه قبة عظيمة، أنفقت فيها الأموال . قلت : هذا جهل عظيم بحقيقة الحال : فإن هذه القبة ليس بناؤها منه، ولا من الصحابة، ولا من تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره -صلى الله عليه وسلم-، من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور في سنة 678هـ، ذكره في تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة، فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر الأول)[14] .
ويُذكر أن الإخوان رحمهم الله قد هموا في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله عند دخولهم المدينة المنورة أن يزيلوا هذه القبة، ولكنهم خشوا من قيام فتنة أعظم من إزالة القبة[15] .
ج - المسلك الاحتسابي : وهذا مسلك يقوم به أصحاب الحسبة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لاسيما أصحاب النفوذ والسلطة والشوكة .

ويتمثل هذا المسلك في أمرين :
------------------
أحدهما : أن يسعى إلى هدم هذه القباب ونقضها وإزالتها، امتثالاً للوصية النبوية واتباعاً لسلف الأمة .
فعن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) . أخرجه مسلم .
ولما ذكر ابن القيم هدم مسجد الضرار وتحريقه، قال : ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساداً منه، كالمساجد المبنية على القبور، فإن حكم الإسلام فيها أن تهدّم كلها حتى تسوّى بالأرض، وهي أوْلى بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك القباب التي على القبور، يجب أن تهدم كلها؛ لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور .. فبناءٌ أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم)[16] .
ومن الأمثلة على هذا المسلك الاحتسابي ما فعله الحارث بن مسكين رحمه الله (ت 250هـ) عندما هدم مسجداً كان قد بني بين القبور[17] .
قال ابن كثير في حوادث سنة 236ه : (فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس : من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبنا به إلى المطبق (السجن [18] .
وقال أبو شامة (ت 665هـ) : (ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبينأني أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدّب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت : امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله : فإنا في ***** ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذّن الصبح عليها، ثم قال : اللهم إني هدمتُها لك فلا ترفع لها رأساً، قال : (فما رُفِعَ لها رأس إلى الآن)[19] .
وذكر ابن غنام في تاريخه ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مع عثمان بن معمر من هدم القباب وأبنية القبور فقال : (فخرج الشيخ محمد بن الوهاب ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه)[20] .
ومما يجدر التنبيه عليه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد سلك هذا المسلك الاحتسابي العملي لما كان عنده من شوكة وقوة، ولكنه كان في أول أمره قد سلك مسلك الدعوة برفق ولين كما قال تلميذه وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : (كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ابتداء دعوته، فإذا سمعهم يدعون زيد ابن الخطاب -رضي الله عنه- قال : (الله خير من زيد) تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام، نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة)[21] .
ويذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخولهم مكة شرّفها الله سنة 1218هـ فكان مما قاله : (فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يُعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه مع جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يُعبد؛ فالحمد لله على ذلك)[22] .
ومما سطره المؤرخ ابن بشر عن بعض الأعمال التي قام بها الأمير سعود بن عبد العزيز رحمه الله ما يلي :
ففي حوادث سنة 1216هـ حين توجه سعود بالجيوش إلى كربلاء، فهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين)[23] .
ويقول أيضاً : (وفي حوادث سنة 1217هـ حين دخل سعود مكة وطاف وسعى، فرّق جيوشه يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية، وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها، وأعلاها، ووسطها، وبيوتها) .
فأقام فيها أكثر من عشرين يوماً، ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوماً يهدمون، يباكرون إلى هدمها كل يوم، وللواحد الأحد يتقربون، حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها، وجعلوها تراباً)[24] .
وفي سنة 1343هـ قام أتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والأبنية على القبور بمكة، مثل القبة المبنية على قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها .
وقام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في جنوب الجزيرة العربية بهدم قبة في الساحل بمشاركة بعض زملائه، وبقايا قبة على قبر الشريف حمود المكرمي في سامطة[25] .
ويقول الشيخ الألباني : (ومن تلك الأشجار شجرة كنت رأيتها من عشر سنين شرقي مقبرة شهداء أحد، خارج سورها، وعليها خرق كثيرة، ثم رأيتها سنة 1371هـ قد استأصلت من أصلها، والحمد لله، وحمى المسلمين من شر غيرها من الشجر وغيره من الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى )[26] .
الأمر الثاني : أن يسعى إلى فضح وكشف مكائد أرباب القبور وسدنتها، وبيان حقيقة هؤلاء الدجالين الملبسين، وما هم عليه من الفجور والولوغ في الفواحش، وأكل أموال الناس بالباطل، وأنهم خونة وعملاء للاستعمار وأذنابه .
وقد كشف أهل العلم حقائق مخزية وأحوالاً فاضحة لأولئك السدنة المضلين وأتباعهم، وما يرتكبونه من انخلاع عن شرائع الله تعالى، وولع بالفجور والقاذورات .
يقول العلاّمة النعمي حاكياً بعض أوضاعهم : (ومن ذلك أن رجلاً سأل من فيه مسكة عقل، فقال : كيف رأيتَ الجمع لزيارة الشيخ ؟ فأجابه : لم أرَ أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الأيام فريضة .
فقال السائل : قد تحمّلها عنهم الشيخ .
قلت [النعمي] : وباب (قد تحمّل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد)[27] .
ومما سوّده المؤرخ الجبرتي في شأن مشهد عبد الوهاب العفيفي (ت 1172هـ) وما يحصل عنده من أنواع الفسوق والفجور ما يلي : (ثم إنهم ابتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد، فينصبون خياماً كثيرة ومطابخ وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الأرياف وأرباب الملاهي والبغايا، فيملؤون الصحراء، فيطؤون القبور ويوقدون عليها النيران، ويصبون عليها القاذورات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر)[28] .
وتحدث الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن مفاسد عُبّاد القبور، فكان مما قاله : (ومنها : ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات وفعل الخلاعات التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من الفجور والطبول والزمور والخمور)[29] .
ويصف الشيخ عبد الرحمن ال**** أحوال عبّاد القبور من الصوفية وغيرهم ويشير إلى جملة من صور الكفر والفجور في تلك المشاهد والموالد، فيقول : (وسلِ الآمّين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها .. فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبّحون بحمد جيفتها، ويسجدون أذلاء لرمتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و (الحشيش)، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية، ويسمونها موالد، أو مواسم عبر وذكريات خوالد ... )[30] .
وسرد الكاتب أحمد منصور أقوال المؤرخين في الانحلال الخلقي عند مشهد الإنبابي .. وأن فيه من الفساد ما لا يوصف، حتى إن الناس وجدوا حول هذا المشهد أكثر من ألف جرة خمر فارغة، وأما ما حكي من الزنا واللواط فكثير لا يحصى .. حتى أرسل الله تعالى عليهم ريحاً في تلك الليلة كادت تقتلع الأرض بمن عليها ...[31] .
وأمعن عبّاد القبور في أكل أموال الناس بالباطل، وارتكبوا أنواع الأكاذيب والدجل في سبيل نهب أموال العامة وممتلكاتهم .
وقد حكى العلامة الشوكاني هذه الحالة فقال : ( وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر وي***ون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليست***وا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق ويقنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولون ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً ... )[32] .
وصندوق النذور عند ضريح البدوي في مصر يستقطع من الدهماء ملايين الجنيهات، وللحكومة 39% من هذه الأموال ! ! وسائر الأموال لسدنة الضريح والعاملين عليه ! ! وحسبك أن تعلم أن ما يناله خادم الضريح من هذه الأموال أكثر مما يناله كبار الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات ... ومع ذلك لم يقف طمع أولئك السدنة وشرههم عند هذا الحد، بل ويعمدون إلى التلاعب والتزوير في هذا الصندوق من أجل مزيد من الأموال[33].
وأما الحديث عن خيانتهم وعمالتهم للاستعمار، فنكتفي بهذا المثال وهو أن فرنسياً أسلم وتنسّك وصار إماماً لمسجد كبير في القيروان بتونس، فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل الضريح ثم خرج مهولاً لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم، فاتبع أولئك البسطاء قوله واستسلموا لعدوهم[34].

----------------------------------------
(1) الرد على البكري، ص 310، وانظر : اقتضاء الصراط المستقيم، 2 /646 649، ومجموع الفتاوى، 27/459 .
(2) مجموع الفتاوى، 27/449، 450، باختصار .
(3) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/681 .
(4) إغاثة اللهفان، 1/318 .
(5) تطهير الاعتقاد، ص 36، باختصار .
(6) شرح الصدور، ص 8 .
(7) تطهير الاعتقاد، ص 41 .
(8) انظر : الرد على الأخنائي، ص 184، ومجموع الفتاوى، 27 323 .
(9) انظر : تاريخ ابن كثير، 9/74 .
(10) انظر : تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للألباني، ص 93، وصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق محمد، ص 106 .
(11) انظر بحثاً : حول القبة المبنية على قبر الرسول، لمقبل الوادعي، ص 357 .
(12) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/279 .
(13) معارج الألباب، ص 147، بتصرف يسير .
(14) تطهير الاعتقاد، ص 43 .
(15) انظر بحثاً حول القبة المبنية على قبر الرسول، لمقبل الوادعي ص 275 .
(16) إغاثة اللهفان، 1/327 .
(17) انظر : ترتيب المدارك للقاضي عياض، 1/332، والديباج المذهب، لابن فرحون، 1/339 .
(18) تاريخ ابن كثير، 1/315 .
(19) الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 103، 104 .
(20) تاريخ ابن غنام، 1/78، بتصرف يسير .
(21) مجموع التوحيد، ص 339 .
(22) الهدية السنية، ص 37 .
(23) عنوان المجد، 1/257 .
(24) المرجع السابق، 1/263 .
(25) انظر : الشيخ حافظ الحكمي، حياته ومنهجه في العقيدة، لأحمد علوش، ص 357 .
(26) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، ص 139 .
(27) معارج الألباب، ص 177 .
(28) تاريخ الجبرتي، 1/304، باختصار .
(29) منهاج التأسيس، ص 55 .
(30) هذه هي الصوفية، ص160، 161، باختصار .
(31) انظر : السيد البدوي، ص 323 236، وانظر : الصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق، ص 49، 50، والألوهية في العقائد الشعبية، لعبد السلام البسيوني، ص 9698 .
(32) الدر النضيد، ص 27 .
(33) انظر تفصيل ذلك في كتاب : (الله توحيد وليس وحدة) لمحمد البلتاجي، ص 302، 308، وكتاب : البدوي، لأحمد منصور، ص 298، 299 .
(34) انظر : التصوف بين الحق والخلق، لمحمد الشقفة، ص 211، 212 .

-----------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:02 AM
البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد
ـــــــــــــــــــ

(فضيلة الشيخ. عبدالله بن سليمان المنيع)
ــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://i226.photobucket.com/albums/dd73/almjhool/Gt_63CA.jpg

الحمد لله حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكمال وجهه، والصلاة على رسوله الهادي إلى صراطه المستقيم بالحكمة والبصيرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واستن بسنته وسلك سبيله إلى يوم الدين، وبعد .

إن الله بفضله ورحمته وشمول رعايته خلقه قضى بإنقاذ عباده من مكايد الشيطان ومخططاته، فأرسل رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- على فترة من الرسل وبعد أن تحولت الديانات السماوية بفعل الأحبار والرهبان إلى ديانات ممسوخة يمجها العقل وتأباها الفطر السليمة سواءً ما كان منها متعلقاً بعلاقة العبد بربه أو ما كان متعلقاً بعلاقة العباد مع بعضهم، فجاء -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً ورسولاً عاماً للثقلين الجن والإنس، مؤيداً بكتاب كريم من رب رحيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فيه العظة والعبرة، وفيه الحكمة والموعظة، وفيه الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وفيه التشريع الضامن لأحسن علاقة بين العبد وبين ربه، وبين العباد فيما بينهم، ضمن لهم الحفاظ على كامل الحقوق الأساسية - الدين والنفس والعقل والمال والعرض - وعلى كامل ما تفرع عنها مما يعود عليها بالكمال ورفع الحرج .
جاء -صلى الله عليه وسلم-كماوصفه ربه : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة : 128]، فبلغ - صلى الله عليه وسلم- رسالة ربه وأمانة من أرسله، ونصح -صلى الله عليه وسلم- للأمة النصح الكامل، ما من خير إلا دل الأمة عليه وما من شر إلا حذرها منه، فانقاد لدعوته -صلى الله عليه وسلم- صفوة مختارة من عباد الله، آمنوا بالله، وأخلصوا دينهم لله وجاهدوا مع رسول الله حق الجهاد مضحين في سبيل الله بأموالهم وديارهم وأهليهم، حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وحطم -صلى الله عليه وسلم- الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول { وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء : 81] .
وكان -صلى الله عليه وسلم- مدركاً أن الشيطان حريص على نقض ما أبرمه - صلى الله عليه وسلم- من وحدة إسلامية ترجع في حياتها وفي تكييف علاقاتها إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وأن مداخل الشيطان على عباد الله مختلفة ومتنوعة، فمن كان إيمانه ضعيفاً انقض عليه بخيله ورجله في التشكيك وطرح الشبهات في أصول الإيمان وفروعه حتى يرتد عن دين الله بالكفر والإلحاد والزندقة . وإن كان إيمانه قوياً لا مدخل عليه في التشكيك والزعزعة دخل عليه من باب الابتداع ومن باب الغلو في الدين وأتباعه كما هي حاله لعنه الله مع الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى حيث انقادوا لوساوس الشيطان ومكايده وضلالالته، فحرفوا كتب الله، وغيروا مقتضيات شرعه، حتى صارت ديانات ممسوخة ليس لها عند الله القبول، قال تعالى : { ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ } لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدركاً طرق غواية الشيطان وإضلاله فركز -صلى الله عليه وسلم- لحماية هذا الدين على أمرين : أحدهما : التحذير من الغلو والإفراط في الدين ومجاوزة الحد في المدح والثناء إذا كان ذلك لغير الله، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله » .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : « إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .
ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : « هلك المتنطعون » قالها ثلاثاً . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال : « أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند اله » .
ولهما عنها قالت : لما نزل برسول الله-صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » - يحذر ما صنعوا - ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً .
ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول : « ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- : ما شاء الله وشئت، قال .« أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده » . رواه النسائى وابن ماجه .
ولأبي داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد » .
ولأبي داود بسند جيد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : انطلقت مع وفد بني عامر إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقلنا : أنت سيدنا . فقال : « السيد الله تبارك وتعالى ». فقلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً . فقال : «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان » .
فهذه الأحاديث وغيرها من عشرات الأحاديث ومئات أمثالها كلها تؤكد حرص رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على سلامة أمته من وساوس الشيطان وخواطره وإيحاءاته وهمزاته، وتحذر هذه الأمة أن يدخل الشيطان عليها مع مداخله على من سبقها من الأمم من يهودية ونصرانية وغيرهما، فإن أكبر باب للشيطان للضلالة والإضلال هو باب الغلو والابتداع . فلقد نهى -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يتجاوزوا الحد في إطرائه ومدحه وتعظيمه، وحمى جناب التوحيد من أن تدنس مقتضياته أو تطمس معالمه، وأوضح في أكثر من مقام أن ضلال من قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم كان بسبب غلوهم في أنبيائهم وصالحيهم حيث كانوا يتخذون المساجد على قبورهم، فيعظمونها على سبيل العبادة، وكانوا بذلك شرار الخلق عند الله، وكانوا بذلك أبعد الخلق عن الله، وكانوا بذلك أولياء الشيطان وحزبه . { أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ } .
ومع هذا الحرص الشديد من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وتناقل علماء السنة الآثار الواردة في ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- وإشاعتها بين عباد الله إلا أن الشيطان كان دائب الحركة في سبيل الغواية والضلال والإضلال، وقد وجد له من الصوفية والمتصوفة، من اتخذهم له أولياء واتخذوه لهم وليًّا فغلوا في دين الله، وشرعوا من الدين مالم يأذن به الله، فاعتقدوا النفع والضر عند غير الله، والمنع والعطاء لدى غير الله، لدى مشايخ الطرق وأدعياء التصوف والدجل والشعوذة أحياء وأمواتاً، وصرفوا للمخلوق مما هو محض حق الخالق حقوقاً لا تصح نسبتها إلا لله فهذا البوصيري يقول :
يا أكرم الخلق ما لي من أوذ به سواك عند حلول الحادث العم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا البرعي يقول :
يا سيدي يا رسول الله يا أملي يا موئلي يا ملاذ يوم تلقاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت داري وأوطاني
وهذا البكري يقول :
وناده إن أزمة أنشبت ظفارها واستحكم المعضل
عجل بأذهاب الذي اشتكى فإن توقفت فمن أسأل ؟ !
وهذا رابع يقول :
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي يا عمدتي بل وا ذخري ومفتخري
فإنني عبدك الراجي بودك ما أملته يا صفي السادة الغرر
وبالرغم من حركات الشيطان في الغواية والإضلال، وقدرته على اصطفاء مجموعة من عباد الله ليكونوا أعواناً في الضلال والإضلال؛ إلا أن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلقد وعد الله تعالى بحفظ كتابه من التحريف والتغيير والتبديل، وتم وعد الله فلقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرناً وهو محفوظ بكل وسائل الحفظ سراجاً منيراً ومحجة بيضاء، كما أن الله تعالى قيض لسنة رسوله (ص) رجالاً أتقياء أذكياء صالحين نقلوها إلى الأمة الإسلامية نقية صافية وبذلك تحقق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك » ؟ وقوله : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله » الأمر الثاني من الأمرين اللذين ركز عليهما -صلى الله عليه سلم- في حماية الدين : الابتداع في الدين .
لقد عرَّف العلماء البدعة بأنها طريقة محدثة في الدين يضاهي بها أحد مقتضياته، إلا أن هذه المضاهاة تنطلق من معقول بشري محدود ليس له القدرة على استطلاع حكمة الله في تشريعه، ولا علم الله بما تصلح به أمور عباده، يأتي العقل البشري فيرى حسناً ما ليس بالحسن ويظن نقصاً فيما فيه الكمال، فيقول اجتهاداً أو انسياقاً وراء هوى أو إغواء شيطان ما ليس في الدين في شيء مما هو محض الإحداث والابتداع .
لقد كان -صلى الله عليه وسلم- حريصاً كل الحرص على تجنيب أمته شر الابتداع فأكثر من ذم الابتداع وحض الأمة على التمسك بسنته -صلى الله عليه وسلم- فقال : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » .
وقال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » وفي رواية : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » - وقال : « إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسول الله، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة » .
ولم يكن منه -صلى الله عليه وسلم- إلا أن التشريع مكتمل فما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، وقد حكى الله سبحانه وتعالى كمال الدين فقال : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } فلقد وقف -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جمع كبير من أصحابه، فذكرهم ووعظهم وبين لهم ما على العبد من حقوق لله وحقوق لعباده، وكان -صلى الله عليه وسلم- في كل أمر يقوله لهم : « ألا هل بلغت اللهم فاشهد » ؟ ثم انتقل -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة أتم بلاغ، وأدى الأمانة أتم أداء .، ونصح للأمة النصح البالغ، وبين لهم حبائل الشيطان ووساوسه وخواطره ومكائده ومداخله على العباد .
لا شك أن الابتداع الطريق القصير إلى تشويه الدين وطمس معالم الإشراق فيه، والتحكم على الله وعلى رسوله، والاشتراك مع الله تبارك وتعالى في التشريع بما لم يأذن به الله، وفضلاً عن هذا الأثر السيء للابتداع فإنه يستلزم أموراً مهينة أهمها ما يلي :
أولاً : القول بلسان المقال أو بلسان الحال : أن الدين ناقص وأن هناك جوانب تكميلية ينبغي الأخذ بها تكملة للدين، وفي هذا رد قوله تعالى . { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } كما أن فيه تكذيباً لقول رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : « تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك » ؟ فإن من يبتدع يعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنه يدعي أنها عمل صالح . فما صلاح عمل لم يأمر به الله ولم يفعله رسوله الله ؟ ! وما صلاح عمل يراد به إكمال ما أكمله الله على أتم وجه ورضيه ؟ ! ولكنها وساوس الشيطان وهمزاته .
ثانياً : إن الابتداع يستلزم القدح في إبلاغ رسول الله رسالة ربه، فلقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره بإبلاغ الرسالة، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } فبلغها –صلى الله عليه وسلم- أتم بلاغ . فإذا كان المبتدع يرى في بدعته الخير والعمل الصالح، ويعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة ولكنها حسنة في نفسها - حسب زعمه - فإن هذا يعني أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حاشاه وكلا - بين أمرين : إما أن يكون جاهلاً بما ينفغ الأمة وأن هناك جملة من جوانب الخير لا يعلمها فجاء معاصرو القرون المتأخرة فأخرجوها للأمة وأضافوها إلى الدين، أو أن يكون - صلى الله عليه وسلم- يعلم حسن هذه الأعمال المبتدعة، إلا أنه كتمها عن الأمة وهذا يعني تخونه والقدح في أدائه رسالة ربه، وكلا الأمرين شر وقدح في شهادة أن محمداً رسوله، ورسول الله-صلى الله عليه وسلم- مبرأ عنهما معاً .
ثالثاً : إن في الابتداع مخالفة صريحة لأوامر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أكد ضرورة التمسك بسنته والابتعاد عن الابتداع والإحداث في الدين، كما أكد أن الإحداث في الدين مردود ولا شك إن مخالفته -صلى الله عليه وسلم- مظنة الفتنة . قال تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ولقد فهم أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وتابعوهم هذا الفهم، ففي الجامع لأبي بكر الخلال أن رجلاً جاء إلى مالك بن أنس فقال : من أين أحرم ؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وأحرم منه . فقال الرجل : فإن أحرمت من أبعد منه ؟ فقال مالك : لا أرى ذلك . فقال الرجل : ما تكره من ذلك ؟ قال : أكره عليك الفتنة . قال : وأي فتنة من ازدياد الخير ؟ فقال مالك : فإن الله تعالى يقول : { فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ؟ وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-وفي رواية : وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسوله ؟ !
لقد حرص أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ الأمة سنة رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وبالغوا في التحذير عما يخالفها من قول أو فعل مهما كان ذلك وعلى أي وجه يكون، ولم يفرقوا في الإنكار بين ما ظاهره الحسن وما ظهر سوءه، فلم يقولوا بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، بل اعتبروا البدعة أمراً منكراً وزوراً من القول والعمل، وقولاً على الله بلا علم، وتشريعاً من الدين بما لم يأذن به الله، حجتهم في ذلك الإيمان بأن الله أكمل دينه وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم- بلغ رسالة ربه وأدى أمانته وبين لعباد الله خصائص دينهم ومقتضيات أعمالهم وأن الأخذ بالبدعة يعني مناقضة ذلك الإيمان باعتبار أن البدعة في ظن مبتدعيها والآخذين بها إكمال نقص في الدين، كما أن حجتهم كذلك الامتثال للانتهاء عن الابتداع مطلقاً مهما كان وعلى أي سبيل يقع، يستوي في ذلك حسنة وسيئة للعموم في نفي البدع والابتداع، فقد حذر -صلى الله عليه وسلم- عن الابتداع بلفظ العموم فقال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » ؟ وبلفظ الاختصاص والحصر فقال : « إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » .
ومن حججهم رحمهم الله في رد الابتداع إدراك أن الابتداع باب الشيطان إلى الغواية والإضلال والضلال، فمنه دخل على الأمم السابقة يضلهم ويمنيهم ويغويهم ويزين لهم أبواب الابتداع حتى غيروا كتب الله وحرفوها . وبدلوها فأحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله .
أدرك أصحاب رسول الله ذلك وكانوا حربًا على البدع والابتداع والإحداث والمحدثات، وفيما يلي مجموعة من الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله في محاربة البدعة .
فقد روى محمد بن وضاح القرطبي في كتاب البدع والنهي عنها بإسناده فقال : بلغ ابن مسعود رضي الله عنه أن عمرو بن عتبة- في أصحاب له - بنوا مسجداً بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً، ويهللون ويكبرون، قال : فلبس برنسًا ثم انطلق فجلس إليهم فلما عرف ما يفعلون رفع البرنس عن رأسه ثم قال : أنا أبو عبد الرحمن، ثم قال : لقد فضلتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- علماً أو لقد جئتم ببدعة ظلماً، قال : فقال عمرو بن عتبة : واللهِ ما فضلنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم- علماً ولا جئنا ببدعة ظلماً، ولكننا قوم نذكر ربنا، فقال : بلى والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم لتسبقن سبقاً بعيداً، ولئن حُرْتُم يميناً أو شمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً .
وذكر بإسناده عن بعض أصحاب عبد الله بن مسعود قال : مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول : سبحوا عشراً، وهللوا عشراً، فقال عبد الله : إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أو أضل، بل هذه، بل هذه، يعني : أضل .
وروى بإسناده عن أبان بن أبي عياش قال : لقيت طلق بن عبد الله بن كرز الخزاعي فقلت له : قوم من إخوانك من أهـل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوماً وفي بيت هذا يومًا، ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونهما، فقال طلق : بدعة من أشد البدع والله لهم أشد تعظيماً للنيروز والمهرجان من غيرهما ثم استيقظ أنس بن مالك فوثبت إليه فسألته كما سألت طلقاً فرد عليَّ كما رد علي طلق كأنما كانوا على ميعاد .
وروى بإسناده قال : ثوب المؤذن في المدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك فجاءه فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل ؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا . فقال له مالك . لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا البلد عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا مالم يكن فيه . فكف المؤذن عن ذلك، وأقام زماناً ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال : ما هذا الذي تفعل ؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر . فقال : ألم أنهك لا تحدث عندنا مالم يكن ؟ ! فقال : إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك : لا تفعل . فكف أيضاً زماناً، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له : ما هذا الذي تفعل ؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك : لا تفعل، لا تحدث في بلدنا مالم يكن فيه .
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله تفسير التثويب الذي نهى عنه مالك رحمه الله بأن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة حي على الفلاح . وذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام قال : وقال ابن حبيب أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكاً يقول . من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خان الدين لأن الله تعالى يقول : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } وأختتم هذا البحث بما روى أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها الدموع فقلت : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال : «أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة » . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

-------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:09 AM
تعظيم الآثار رؤية شرعية(1 - 2)
ــــــــــــــــــ

(. د. محمد بن عبد الله الهبدان)
ـــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.ibtesama.com/vb/imgcache2/27925.gif


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فتعظيم الآثار ظاهرة قديمة، تأخذ صوراً وأشكالاً متعددة عند كثير من الشعوب والأمم، وقد درجت بعض الدول في العصور المتأخرة على إحياء آثارها التاريخية لأسباب سياسية واقتصادية، ونشطت كثير من المنظمات الدولية في رعاية تلك الآثار ودعوة الدول إلى العناية بها .
وبعد حادثة تحطيم الأصنام التي جرت في أرض أفغانستان كثر حديث الساسة والمنظمات الدولية والقنوات الإعلامية عن الآثار التاريخية وضرورة العناية بها، فكتبت هذه الدراسة المتواضعة توضيحاً للمنهج الشرعي الصحيح، وبياناً للحق مستعيناً بالله - تعالى - فأقول، وبالله التوفيق :
تعريف الآثار لغة واصطلاحاً :

1 - تعريف الأثر لغة[1] :
-------------------
الهمزة والثاء والراء، لها ثلاثة أصول : تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي .
فالأول وهو تقديم الشيء : كأن تقول افعل يا فلان هذا آثِراً ما، أي : إنْ اخترت ذلك الفعل فافعل هذا إما لا . قال ابن الأعرابي : معناه : افعله أوَّلَ كلِّ شيء .
والثاني وهو ذكر الشيء : ومنه قول ابن عمر - رضي الله عنهما - : « ما حلفت بعدها آثِراً ولا ذاكراً » فقوله : آثِراً : أي مخبراً عن غيري أنه حلف به .
والثالث وهو رسم الشيء الباقي : قال الخليل : والأثر بقية ما يرى من كل شيء، وما لا يرى بعد أن تبقى فيه علقة . والآثار الأثر، كالفلاح والفلح، والسداد والسدد، قال الخليل : أثر السيف ضربته، وتقول : من يشتري سيفي وهذا أثره، يضرب للمجرب المختبر .
وقال الأصفهاني : أثر الشيء : حصول ما يدل على وجوده، يقال : أَثَر وإثْرٌ، والجمع : الآثار، قال - تعالى - : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا } ( الحديد : 27 )، { وَآثَاراً فِي الأَرْضِ } ( غافر : 21 ) .
ومن هذا يقال : للطريق المستدَل به على مَنْ تقدم : آثار، نحو قوله - تعالى- : { فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } ( الصافات : 70 )، { قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي } ( طه : 84 ) .
2 - تعريف الآثار اصطلاحاً :
من خلال البحث لم أجد أحداً عرَّف الآثار، ومجمع اللغة العربية عرَّف علم الآثار بقوله : علم الوثائق والمخلفات القديمة[2] .
وهذا التعريف قاصر؛ إذ لا يتناول المواقع التي لا يوجد فيها أمور عينية، وهي من الآثار .
ويمكن أن يقال في تعريفها بأنها : ما يدل على أثر مَنْ سلف من الأمم .
منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده وموقفهم من الاهتمام بالآثار :
من خلال تتبع بعض الأحداث يتبين لنا منهج رسول الله، فمن ذلك :
1 - الأماكن التي زارها النبي قبل البعثة وبعد البعثة لم يرد دليل واحد على أن النبي قصد زيارتها أو أمر بزيارتها أو حث على الاهتمام بها، ونحو ذلك . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « فإن النبي بعد أن أكرمه [الله] بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء أو نحو ذلك، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة، وأتاها بعد الهجرة في عمرة القضية، وفي غزوة الفتح، وفي عمرة الجعرانة ولم يقصد غار حراء، وكذلك أصحابه من بعده، لم يكن أحد منهم يأتي غار حراء .. »[3] ويقول أيضا : « وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر؛ عرفة و مزدلفة و منى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك؛ فإنه ليس من سنة رسول الله زيارة شيء من ذلك بل بدعة »[4] .
2 - عندما فتح النبي مكة وطاف بالكعبة كسر الأصنام التي حول الكعبة كلها كما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللَّه عَنْه - قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ صلى الله عليه وسلم : { جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } ( الإسراء : 81 )[5] وهذه الأصنام تعتبر من الآثار التي يحافظ عليها في مثل هذا الزمن؛ فلماذا لم يحافظ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ويعتني بها، ويجعلها في متحف ونحوه ؟ ! !
وعلى هذا المنوال سار أتباعه الكرام، وإليك البيان :
لقد كان هدي السلف الصالح الاهتمام بالآثار الفعلية والقولية من أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وأفعاله، ولا أدل على ذلك من هذه الكتب التي تزخر بالكثير من الآثار الفعلية والقولية .. فأفنوا أعمارهم من أجل المحافظة عليها، وقطعوا القفار وكابدوا مشقة الأسفار؛ وواصلوا الليل بالنهار؛ كل ذلك جمعاً لآثار النبي المختار صلى الله عليه وسلم وتدوينها ليعمل بها .. وبلغ من حرصهم على تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية أن يُنقَل لنا حتى شؤون النبي صلى الله عليه وسلم الزوجية في غسله ووضوئه، في أكله وشربه، وفي نومه واستيقاظه .. في كل شيء .. هذا كان ديدنهم، وتلك كانت همتهم . ولم يكن معروفاً عنهم تتبع الآثار المكانية والعينية والاهتمام بها وتشييدها أو عمل مزارات . يقول الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - : « ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم - أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكملهم نصحاً لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار، ولم يعظموها، ولم يدعوا إلى إحيائها .. ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمراً مشروعاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه .. »[6] .
ومما يدل على ذلك :
1 - موقفهم من الآثار الموجودة في مكة و المدينة وبيت المقدس : فلم يعرف أن أحداً منهم زار تلك الآثار أو تتبعها وأمر بتشييدها، بل كانوا يسدون هذا الباب؛ فإن المسلمين لما فتحوا تُستَر، وجدوا هناك سرير ميت باق ذكروا أنه « دانيال » ووجدوا عنده كتاباً فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً، ثم يُدفَن بالليل في واحد منها ويعفَّى قبره؛ لئلا يفتتن الناس به[7] ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « لم تَدَعِ الصحابة في الإسلام قبراً ظاهراً من قبور الأنبياء يفتتن به الناس؛ ولا يسافرون إليه ولا يدعونه، ولا يتخذونه مسجداً؛ بل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم حجبوه في الحجرة، ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان؛ إن كان الناس يفتتنون به، وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره .. »[8] .
وفي بعض الأحايين تحصل مناسبة لزيارة تلك الأماكن الأثرية ومع ذلك لا يزورونها كما حصل لعمر ابن الخطاب وابنه عبد الله - رضي الله عنهما – فقد زارا بيت المقدس ولم يأتيا الصخرة ولا غيرها من البقاع[9]، بل إذا خشيت الفتنة أمروا بإزالتها كما أمر عمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان .
2 - وجود الأهرامات في مصر : فبعد دخول الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ أن أحداً منهم زار تلك الأهرامات مع أنها تعتبر معلماً من معالم مصر فضلاً عن الاهتمام بها وتشييدها .
وكم هم العلماء الذين رحلوا إلى مصر لطلب العلم والحديث ! ! فهل نقل أن أحداً منهم زار تلك الآثار ؟ ! ! فهذا الإمام الشافعي و العز بن عبدالسلام و ابن خزيمة و أبو حاتم وغيرهم كثير .. وقد سئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها : « هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر ؟ فقال : كان أكثرها مغموراً بالرمال ولا سيما أبا الهول »[10] .
بل إن كثيراً من هذه الآثار لم تكتشف إلا أخيراً؛ فمعبد أبي سمبل مثلاً الذي يعد من أكبر معابد الفراعنة كان مغموراً بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن أو نصف قرن تقريباً، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريباً .
« ومما يدل دلالة واضحة على عدم الاهتمام بها أن بعض تلك الآثار يعلو عليها التراب، يقول ياقوت الحموي : وفي سفح أحد الهرمين صورة آدمي عظيم مصبغة وقد غطى الرمل أكثرها »[11] مما يدل على أنها مهملة .
وأشد من ذلك صدور محاولات عدة من الولاة لهدمها كالمأمون[12] والملك العزيز الأيوبي[13] . وقد ذكر ابن خلدون أن الخليفة الرشيد حاول كسر إيوان كسرى على ضخامته مع أن بعضهم أشار عليه بتركه؛ لا من أجل التفاخر به؛ ولكن من أجل أن يستدل به على عظم ملك آبائه الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل[14]؛ ومع ذلك لم يستجب فقام بمحاولة تكسيره - رحمه الله - .
وقال أبو علي الأوقي : سمعت أبا طاهر السِّلَفي[15] يقول : « لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها »[16] . مع أنها معلم من معالم الإسكندرية .
ولكن بدأ هذا النوع ينمو ويسري في بلاد المسلمين كلها وهو : العناية بالآثار، وعمل المزارات لها وارتيادها، والاهتمام بها، والحفاظ عليها، بل هذا يعتبر من أبرز اهتمامات وزارات السياحة، وإدارات الآثار .
بيان أن الاهتمام بالآثار من عادة غير المسلمين :
من المعلوم أن الدول الغربية هي التي شجعت على ظهور مثل هذا الاهتمام لتحقيق مطامعها في الشرق الإسلامي .. فها هو ( جب ) يقول بصراحة تامة : « وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي إندونيسيا وفي العراق وفي فارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دوراً مهما في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها » [17] .
وهذا التصريح يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم على الإسلام لتلاميذ المدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل من هذه البلاد بزي خاص ولا سيما غطاء الرأس مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره [18] .
وحتى يحصل لهم ما يريدون، ويتحقق لهم ما يشتهون « أعانت الدول المحتلة كُلاً في منطقة نفوذه على تدعيم قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس الناس بأسلوب علمي منظم، وذلك بمساعدتها على إحياء التاريخ القديم لكل قطر من هذه الأقطار، ونشط الحفر للبحث عن آثار الحضارات القديمة السابقة على الإسلام في كل من العراق و سوريا و لبنان و فلسطين وشرق الأردن ومصر؛ لتوهين عرى الجامعة العربية، ولتشتيت القلوب التي ألف بينها الإسلام وجمعها على لغة واحدة؛ فاستيقظت العصبيات الجاهلية، وراح كل بلد يفاخر البلاد الأخرى بمجده العريق، وشغلت الصحف بالكلام عن الكشوف الأثرية الجديدة وما تدل عليه من حضارات البابليين والآشوريين والكلدانيين والحثيين والفينيقيين والفراعنة .
وكانت أصابع الغربيين واضحة في هذه الجهود؛ فقد عاش المسلمون دهوراً وهم غافلون عن هذه الآثار القديمة لا يعيرونها التفاتاً، ولا يتحدثون عنها حين يتحدثون إلا كما يتحدثون عن قوم غرباء من الكفرة أو العتاة، لا يثير الحديث عنهم شيئاً من الحماس أو الزهو في نفوسهم، وظلوا على هذه الحال حتى بدأ الغربيون بالكشف عن كنوزهم ولفت أنظارهم إليها منذ اتجهت مطامعهم إلى بلادهم .
وللأوروبيين في ذلك أسلوب خبيث ماكر؛ فهم يبدؤون التنقيب ببعوث من علماء الآثار الغربيين، حتى إذا حققوا ما يهدفون إليه من اهتمام كل بلد من هذه البلاد بتراثه القديم وتحمسه له وغيرته عليه، ورأوا أن هذه الغيرة تدفعه إلى منافسة الأجانب في هذا الميدان الذي يعتبر نفسه أوْلى به وأحق، بوصفه وارث هذه الحضارة، عند ذلك يتخلون عن مهمتهم ويتركونها في رعايته، مطمئنين إلى أنه سيوالي السير في الخطوط التي رسموها له .
الأدلة على هذا الأسلوب الخبيث كثيرة لا تعوز الباحث؛ فقد بلغ من اهتمام الأوروبيين بنبش هذا التاريخ القديم واتخاذه أساساً لتدعيم التجزئة الجديدة للوطن العربي أن عصبة الأمم قد نصَّت في صك انتداب بريطانيا إلى فلسطين على الاهتمام بالحفريات، وذلك في المادة ( 21 ) التي تنص على : « أن تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ تنفيذ هذا الانتداب قانوناً خاصاً بالآثار والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية .. »، وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألَّفوا في خلال الحرب العالمية الأولى لجاناً في دمشق و بيروت لكتابة تاريخ الشام، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان وأهملوا تاريخ سوريا، ثم لم يلبث الآباء اليسوعيون في بيروت أن كلفوا ثلاثة من رهبانهم الفرنسيين سنة 1920م بكتابة هذا التاريخ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة عصور : العصر الآرامي والفينيقي، والعصر اليوناني والروماني، والعصر العربي .
ومما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن الثري الأمريكي اليهودي الأصل روكفلر ( ابن روكفلر الكبير ) صاحب الملايين، قد أعلن سنة 1926م عن تبرعه بعشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، واشترط لمنح هذه الهبة أن يوضع المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة مكونة من ثمانية أعضاء ليس فيها إلا عضوان مصريان فقط، على أن تظل هذه اللجنة هي المسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد لمدة ثلاث وثلاثين سنة .
وقد استرد الثري الصهيوني الأمريكي هبته وقتذاك، بعد أن أرسل مندوباً يمثله من علماء الآثار الأمريكيين المعروفين وهو الأستاذ بْرِسْتِدْ ومعه أحد محاميه، وذلك لرفض الحكومة شرط إشراف الأجانب الفني على المعهد، وقد كان واضحاً من تحديد صاحب الملايين مدة الإشراف بثلاث وثلاثين سنة أنه يهدف إلى خلق جيل من المتعصبين للفرعونية ثقافياً وسياسياً، ومصلحة الصهيونية في ذلك ظاهرة؛ لأنها إذا نجحت في سلخ الدول العربية عن عروبتها فقد سلختها من إسلامها، وإذا انسلخت هذه الدول من إسلامها ومن عروبتها أمن اليهود كل معارضة لاستقرارهم في فلسطين، وعاشوا مع جيرانهم في هدوء يمكن لهم من الإعداد لوثبة جديدة يأكلون فيها جيرانهم النائمين؛ لأن معارضة الدول العربية لمطامع اليهود في فلسطين إنما تستند إلى الإسلام والعروبة، فإذا انسلخ المصريون مثلاً من الإسلام والعروبة ولبسوا ثوب الفرعونية مات الحافز الذي يدفعهم إلى مجاهدة اليهود ومعارضة دولتهم في فلسطين؛ إذ يصبح اليهود والعرب لديهم عند ذلك سواء » [19] .
وقد وضح الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - أن إحياء الآثار القديمة تعتبر من دسائس الأعداء فقال : « ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة والفنون الشعبية المندثرة حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر بإحياء الحضارات القديمة والعودة إلى الوراء وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة ! والرسوم البالية الدارسة ! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد أو ألعاب قد فنيت وبادت ! في وقت هم في أمسّ الحاجة إلى العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب واحتلوا كثيراً من بلادهم وبعض مقدساتهم ! إنهم في مثل هذه الظروف بحاجة إلى العودة إلى دينهم وإحياء سنَّة نبيهم، والاقتداء بسلفهم الصالح حتى يعود لهم عزهم وسلطانهم، وحتى يستطيعوا الوقوف على أقدامهم لرد أعدائهم، وأن يعتزوا برصيدهم العلمي من الكتاب والسنة والفقه، ويستمدوا من ذلك خطة سيرهم في الحياة، ويقرؤوا تاريخ أسلافهم لأخذ القدوة الصالحة من سيرهم، أما أن ينشغلوا بالبحث عن آثار الديار، وإحياء الفنون الشعبية بالأغاني والأسمار، وإقامة مشاهد تحاكي العادات القديمة؛ فكل ذلك مما لا جدوى فيه، وإنما هو استهلاك للوقت والمال في غير طائل، بل ربما يعود بهم إلى الوثنية، والعوائد الجاهلية » [20] .

أسباب الافتتان بالآثار :
--------------
إن الله - تعالى - أرسل الرسل، وأنزل الكتب تبياناً لأهم قضية خُلقت الخلائق من أجلها ألا وهي قضية التوحيد والنهي عن الشرك، وقد ركز القرآن والسنة في بيان هذه القضية ووضحها غاية الإيضاح، وبينها غاية البيان حتى غدت من ضروريات هذا الدين التي لا يمكن جهلها، ولكن لما اشتدت غربة الإسلام وتباعد عصر النبوة؛ انتشر الشرك في الأمة وعظم الخطب في آثار الأنبياء والصالحين، وأصبحوا يعتقدون فيهم الاعتقادات الباطلة، والخرافات الساقطة، فلما كان ذلك كذلك احتاج الأمر إلى دراسة الأسباب التي جعلت الكثير من أفراد الأمة يفتنون في مثل هذه الآثار، حتى يتم علاجها وإيجاد الحلول المناسبة لهذه القضية الجلل « لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم » [21] وهذه الأسباب متفاوتة من جهة تأثيرها على الناس ومتعددة، وسأذكر إن شاء الله - تعالى - بعض هذه الأسباب مقدماً الأهم فالأهم، فأقول وبالله التوفيق :
السبب الأول : الجهل بحقيقة هذا الدين :
لقد كان الناس قبل البعثة في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، حتى جاءهم بمن أخرجهم من ظلمات الجهل، إلى نور العلم، جاءهم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } ( آل عمران : 164 ) . فما مات صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء، ثم قام أصحابه بتبليغ رسالته لمن بعدهم فكانوا أعلم الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم ثم حمل عنهم العلم مَنْ بعدهم، وهكذا كل جيل يحمل العلم عن سلفه، وفي هذا كله لا يزال العلم ينقص، ويكثر الجهل كلما امتد الزمان؛ وذلك مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن » [22] .
وقد حصل بالفعل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد انتشر « الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فقلّ نصيبهم جداً من ذلك، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يُبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم » [23] بل وصل الأمر عند بعض دهماء الأمة إلى جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً؛ ولذا يقول ابن القيم - رحمه الله - : « قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين » [24] .
وقد بين ابن الجوزي - رحمه الله - أن « الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل إلا مسارقة » [25] . وقال القرافي المالكي « .. أصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل؛ فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم؛ فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله - تعالى - هو المعين على الخير كله » [26] .
وهذا الجهل الذي وقعت به الأمة ناتج والله أعلم عن أمرين :
الأول : الإعراض عن الكتاب، والسنة تعلماً وتعليماً، وتدبراً وتفهماً لما فيهما :
فمن أعرض عن السنة اشتغل بالبدعة، « وأما من أصغى إلى كلام الله بقلبه، وتدبره وتفهمه، أغناه عن السماع الشيطاني الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بكليته، وحدّث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها، ومن بَعُدَ عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من غمر قلبه بمحبة الله - تعالى - وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضاً عن عشق الصور، وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أي شيء استحسنه ملكه واستعبده .
فالْمُعْرِض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى .. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » [27] .
الثاني : أنهم حملوا نصوص الكتاب والسنة على أناس قد مضوا، وأما هم فغير مخاطبين بهما؛ وهذا ما يتصوره « أكثر الناس، [حيث] لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- : « إنما تُنقَض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية »، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه .. » [28] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - : « .. ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم ووصفهم به خاص بقوم مضوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، ولم يعقبوا وارثاً، وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين : هذه نزلت في عباد الأصنام، هذه في النصارى، هذه في الصابئة؛ فيظن الغُمْر أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة »[29] .
السبب الثاني : علماء الضلال :
من أسباب انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين علماء أهل الضلال، وهؤلاء ابتليت الأمة بهم حتى وصل الأمر ببعضهم - كما قال شيخ الإسلام - أنهم : « يُصنِّفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك، ويتقربون إليهم بالتصنيف فيما يوافقهم .. » [30]، وقد صنف شيخ الرافضة ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد كتاباً سماه : « مناسك المشاهد » جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه [31] . وهؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب لهم أغراض فاسدة؛ منها التقرب إلى الأئمة، ومنها إضلال الأمة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله، ويفسدوا عليهم دين الإسلام، وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله .. ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أمماً كثيرة وصدوهم عن دين الله . وأقل ما صار شعاراً لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد؛ فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين . وأما المساجد فيخربونها؛ فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناءً على ما أصلوه من شعب النفاق، وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم، ونحو ذلك من ضلالتهم .. » [32] . بهذا تعرف مدى تأثير هؤلاء العلماء في انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين .
السبب الثالث : الأئمة المضلون :
لا يشك عاقل في خطر الأئمة المضلين، وكما قيل : الناس على دين ملوكهم، وقد حذر صلى الله عليه وسلم الأمة منهم بقوله كما في حديث ثوبان - رضي الله عنه - : « إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين » [33]، وعن زياد بن حدير قال : قال لي عمر : هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟ قال : قلت : لا، قال : يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين » [34] .
فمثلاً القبة التي على الصخرة لم تكن موجودة في عهد الصحابة رضي الله عنهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بل كانت مكشوفة حتى تولى عبد الملك بن مروان الملك فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس [35] . وقال في موضع آخر : « وظهر في ذلك الوقت تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها » [36] .
وذكر الشيخ أحمد بن عبد الحميد العباسي رحمه الله المتوفى في القرن العاشر الهجري في كتابه : « عمدة الأخبار في مدينة المختار » أنه لما كان عام ثمان وسبعين وستمائة هجرية أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي والد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ببناء قبة على الحُجرة الشريفة، ولم يكن قبل هذا التاريخ عليها قبة ولها بناء مرتفع وإنما كان حظير حول الحجرة الشريفة فوق سطح المسجد، وكان مبنياً بالآجر مقدار نصف قامة بحيث يميز سطح الحجرة الشريفة على سطح المسجد، وكان مبنياً بالآجر فعملت هذه القبة الموجودة اليوم .. » [37] .
والمشاهد لم تكن معروفة في العصور المفضلة، ولكن ظهرت وكثرت في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك [38]، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي - رضي الله عنه - بناحية النجف ذ .
السبب الرابع : الشبهات التي يتمسكون بها في تسويغ فعلهم :
ومن الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بآثار الأنبياء والصالحين بعض الشبهات التي يتشبث بها أصحاب الأهواء والشهوات، وهي شبه كبيت العنكبوت في الضعف والوهن، وكما قيل :
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور [40]
فمن تلك الشبهة مثلاً قولهم : « إن من التماثيل ما يعد أصناماً وما لا يعد كذلك، والأولى هي التي تعبد من دون الله ومن ثم فتحريمها مقطوع به على المسلمين، أما التماثيل التي لا تعبد فوصفها بأنها أصنام فيه افتئات ينبغي أن يتنزه عنه العقل الرشيد »، واستدل على هذا التفريق بقوله الله - تعالى - : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ } ( سبأ : 13 ) فسليمان - عليه السلام - كانت تصنع له التماثيل، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء [41] .
والجواب على هذا :
أولاً : أن ما فُرِقَ به بين التمثال والصنم لا دليل عليه لعموم النصوص الشرعية؛ فالحكم واحد؛ سواء جعل للعبادة أو لم يجعل لما رواه الترمذي ( 2806 ) وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتاني جبريل فقال : إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب؛ فمُرْ برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصيَّر كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن، ومُرْ بالكلب فيخرج . ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم » . « ومن المعلوم أن هذا التمثال الذي في بيت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متخذاً للعبادة، ولا يشك في ذلك مسلم؛ ومع ذلك فقد أمره جبريل بإزالته . وروى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير » [42] .
أما استدلاله بالآية فقد وضح الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره وغيره أن هذه الآية تدل على أن تصوير التماثيل كان مباحاً في ذلك الزمان، ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم [43] . والنصوص في تحريم صناعة التماثيل المجسمة كثيرة جداً لا يتسع المقام لذكرها وهذا قول جماهير العلماء قاطبة، بل نقل كثير من المالكية الإجماع على ذلك [44] .
السبب الخامس : الغلو في التعظيم [45] :
من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين هو الغلو في التعظيم، وقد جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من هذا الداء العضال على سبيل العموم سواء كان ذلك في جانب العقيدة أو العبادة، يقول الله - تعالى - : { قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ } ( المائدة : 77 )، وقوله سبحانه : { يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ } ( النساء : 171 )فهاتان الآيتان وإن كان الخطاب موجه فيهما إلى أهل الكتاب فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تدخل فيهما تبعاً [46] لأنها قد نُهيت عن اتخاذ سبيلهم والسير على منوالهم واتباع نهجهم، وهذا واضح غاية الوضوح لمن تتبع الأدلة واستقرأها [47] .
وجاء في حديث الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » [48] . قال شيخ الإسلام رحمه الله : « وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة بناءً على أنها أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم أي هدي من كان قبلنا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك » [49] .
وقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن سبب شرك بني آدم هو الغلو في تعظيم قبور الصالحين فقال : « والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين : أولها : تعظيم قبور الصالحين، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون، وهو شرك قوم نوح .. » [50] . وقد ذكر ابن القيم أن من أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله - تعالى - فتنته « ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتخذت أوثاناً، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل، ثم جعلت أصناماً، وعبدت مع الله - تعالى -، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر - سبحانه - عنهم في كتابه، حيث يقول : { قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً } ( نوح : 21-24 ) . قال غير واحد من السلف : « كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم » . فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين : فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة - رضي الله عنها - : « أن أم سلمة - رضي الله عنها - ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله » [51] . فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات؛ فقد روى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد { أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى } ( النجم : 19 ) قال : « كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره » . وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : « كان يلت السويق للحاج » .
فقد رأيتَ أن سبب عبادة وَدّ، و يغوث و يعوق و نسر واللات، إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوهم كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم .. » [52] .
السبب السادس : الحرص على تحصيل المال والجاه :
من أسباب الاهتمام بآثار الأنبياء والصالحين ونحوها الحرص على الحصول على الأموال والجاه والشرف والمكانة بين الناس؛ فمن ذلك ما ذكره عبد القدوس الأنصاري أن الحجر الذي جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني ظفر [53] رآه في خزانة زجاجية عالية بمدخل دار الكتب المصرية، وعلم من المدير العام لها أن شخصاً من أهل المدينة نقله إلى مصر فيما بعد وباعه إلى الدار بثمن كبير ! ! ! [54] .
يقول العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - : « وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر وي***ون الناس بأكاذيب عن ذلك الميت ليست***وا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم، وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم، فيبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النحائر » [55] .
السبب السابع : التأثر بأصحاب الديانات الضالة :
من أسباب الاهتمام بالآثار اختلاط المسلمين بأصحاب الديانات الأخرى من يهود ونصارى وغيرهم، وهؤلاء عندهم اعتقادات وأباطيل كثيرة، تأثر بها بعض ضعاف المسلمين، فتعظيم القبور كان موجوداً عند اليهود والنصارى، وفي النصارى أكثر وأشد؛ قال صلى الله عليه وسلم : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا » [56]، ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى كان التأثر بهم أكثر؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يذكر أن كثيراً : « من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم » [57] .
ولو تأملت بعض ما يفعله القُبوريون لعلمت أنه امتداد لعادات وثنية كانت سائدة قبل الإسلام : « وأول هذه العادات : تقديس الأولياء، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعاً وعميقاً في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ؛ ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني، ولا سند لها في القرآن والسنة .. » [58]
يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة : « هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله - تعالى - عنهم ... وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين » .
ويقول أيضاً : « ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري .. واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله - تعالى - بنفسه، بل لا بد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى » [59] .
ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي : « وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم؛ فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم ... » [60] .
ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه، فيقول : « في بنارس [في الهند] قبر أبي البشر آدم - عليه السلام -، وقبر زوجه وقبر أمه ! ويقال : « إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة »، وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف، وقباب غيره .. وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها، والتمسح بها، وتلاوة الأدعية والأوراد عندها، كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها » [61] .
بهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم، ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية سبب من الأسباب التي أدت إلى انتشار الاهتمام بالآثار .
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الاهتمام بالآثار والبحث عنها في بلاد الإسلام حتى عمت البلوى بها في كل مكان حتى لا تكاد ترى من يسلم من ذلك إلا من وفقه الله لسلوك سبيل المؤمنين الموحدين .
فنسأل الله - تعالى - أن يصلح حال الأمة، وأن يزيل عنها الغمة، وينصر السنة ويقمع البدعة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم ال**** .

---------------------------------------------
(1) انظر : مقياس اللغة (1/53)، لسان العرب (4/5)، مفردات ألفاظ القرآن، ص 62 .
(2) المعجم الوجيز، ص 5 .
(3) مجموع الفتاوى (11/18) .
(4) مجموع الفتاوى (26/144) .
(5) أخرجه البخاري (2478) .
(6) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (3/ 338 339) .
(7) مجموع الفتاوى (27/ 170 171) بتصرف، وقد ذكرها أيضا بسياق أتم في (27/270)، وقال: « رواه يونس بن بكر في : (زيادات مغازي ابن إسحاق) عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال » ثم ذكر الخبر .
(8) الفتاوى (27/271) .
(9) انظر : اقتضاء الصراط المستقيم 2/809 .
(10) شبه جزيرة العرب (4/1188) .
(11) معجم البلدان (5/400) وما بعده، وانظر : الموسوعة العربية العالمية (1/98) .
(12) انظر : مقدمة ابن خلدون ص 346، معجم البلدان (5/400) وما بعده تحفة النظار في رائب الأمصار وعجائب الأسفار (1/57 58) لابن بطوطة وقد بين سبب امتناع الخليفة عن الهدم؛ وهو بسبب إشارة بعض مشايخ مصر .
(13) انظر : التاريخ المنصوري (1/5) .
(14) انظر : مقدمة ابن خلدون، ص 346 .
(15) قال الذهبي في ترجمته في السير : هو الإمام العلاَّمة المحدِّث المفتي، شيخ الإسلام شرف المعمرين أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني الجرواني السير (21/5) .
(16) سير أعلام النبلاء (21/22) .
(17) انظر : أساليب الغزو الفكري، ص 78 .
(18) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (2/141) .
(19) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (2/137140)، محمد محمد حسين .
(20) الخطب المنبرية (3/85 86) .
(21) الرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 80 .
(22) أخرجه البخاري في كتاب العلم، ح/ 85، مسلم في كتاب العلم، ح/ 157 .
(23) إغاثة اللهفان (1/214) .
(24) زاد المعاد، (3/507) .
(25) تلبيس إبليس، ص 130 .
(26) الفروق (4/265) .
(27) إغاثة اللهفان (1/214) بتصرف يسير .
(28) مدارج السالكين (1/343 344) .
(29) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس، ص 59 60 .
(30) الاستقامة (1/43) .
(31) انظر : منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام (1/476) .
(32) مجموع الفتاوى، (4/517) .
(33) رواه أحمد، ورقمه (21359)، والترمذي (2229) وقال (حسن صحيح)، و أبو داود
(4252) .
(34) سنن الدارمي، (216) .
(35) انظر : مجموعة الرسائل الكبرى 2/62 .
(36) الاقتضاء 2/810 .
(37) ص 124، وانظر رياض الجنة في الرد على أعداء السنة، للشيخ مقبل الوادعي، ص 272 وما بعده .
(38) انظر : مجموع الفتاوى (27/176) .
(39) انظر : المرجع السابق (27/466) .
(40) قاله الخطابي في الرد على المتكلمين، انظر نقض المنطق ص 26، ومجموع الفتاوى 4/ 28، و الحموية، ص 114 .
(41) مقال في صحيفة الشرق الأوسط، لفهمي هويدي بتاريخ 24/11/1421هـ .
(42) رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب اللباس والزينة، ح/ 2112 .
(43) انظر : الجامع لأحكام القرآن (14/174) .
(44) انظر : أحكام التصوير في الفقه الإسلامي، ص 208 .
(45) انظر في هذا : الفتاوى (17/460)، و (27/124)، جامع الرسائل (2/53) .
(46) فقد بوب البخاري - رحمه الله - في صحيحه باب (ما يكره من التعمق والتنازع والغلوّ في الدين والبدع لقوله - تعالى - : [ قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ] (المائدة : 77) : « واستدلاله أي البخاري بالآية ينبني على أن لفظ أهل الكتاب للتعميم ليتناول غير اليهود والنصارى، أو يحتمل على أن تناولها من عدا اليهود والنصارى بالإلحاق)، وانظر مقاصد الشريعة الإسلامية، ص60، لمحمد الطاهر عاشور .
(47) انظر في ذكر الأدلة التي تأمر بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم اقتضاء الصراط المستقيم، ص 12، وما بعده .
(48) أخرجه النسائي، ورقمه (3057)، و ابن ماجه (3029)، وأحمد (1/215، 347)، و الحاكم (1/466)، وابن خزيمة (4/274)، و ابن حبان، ورقمه (1011)، والحديث صححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان وشيخ الإسلام ابن تيمية، كما في الاقتضاء ص 106، وقال : « هذا إسناد صحيح على شرط مسلم »، وصححه من المعاصرين العلامة الألباني في السلسة الصحيحة، ورقمه (1282) .
(49) نقلاً من تيسير العزيز الحميد، ص 275، ويوجد نحوه في الاقتضاء (1/289) .
(50) الرد على المنطقيين، ص 285، الفتاوى (17/460) .
(51) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، ح/ 434، مسلم في كتاب المساجد، ح/ 528 .
(52) انظر : إغاثة اللهفان (1/183 184) بتصرف واختصار وانظر زاد المعاد (3/458) .
(53) ولا يعني هذا التسليم بصحة أن هذا الحجر هو الذي جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم .
(54) آثار المدينة المنورة، ص 131 .
(55) الدر النضيد، ص 93 94 .
(56) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، ح/ 435، 436، مسلم في كتاب المساجد، ح/ 531 .
(57) مجموع الفتاوى 27/461 .
(58) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 128 .
(59) مجلة المنار ج 3، م33، ص 216 218 .
(60) عن : الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 780 .
(61) مجلة المنار ج 3، م33، ص 216 218، نقلاً من مجلة البيان عدد 131، ص 81 .

------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:14 AM
كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم (1/2)
ـــــــــــــــــــــــ

(عبد اللطيف بن محمد الحسن)
ــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSZvv-pruZlG3zI_WHflzHs8fwrIErpoGuhhJnjKRkdUJzmG8Dewg


الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، وآله وصحبه، وبعد :

فإنه لما صحت أفهام سلف الأمة - من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان - وأحسنوا العبادة وما أراد الله منهم، انصرفت عنايتهم لما كُلّفوا به، فحرصوا على ما ينفعهم غاية الحرص، ولم يأبهوا بما يشغلهم عن ذلك ويلفت قلوبهم إلى سواه، فقلّ كلامهم، وبلغوا من العمل منتهاه .
ولما كثر الكلام، وقل العمل، وزاد الانحراف حدة عظمت المخالفة في أمور؛ منها ما حصل في مفهوم الأولياء وكراماتهم، وشرّق الناس في أمر الكرامات وغربوا، حتى صارت تشكو من الأحوال الآتية :
1- استفحال أمر الصوفية في المبالغة في الكرامات، وما يسمونه بالكشف والإلهام، حتى أتوا فيها بما ينافي الشرع والعقل؛ ويظهر هذا جلياً لمن نظر في كتبهم مثل : (الطبقات الكبرى) للشعراني، و (جامع كرامات الأولياء) لابن الملقّن، و (كرامات الأولياء) للنبهاني ونحوها . والخطير في الأمر تصديق عامة الناس من السذج والبسطاء والمغفلين لمثل هذه الخرافات المنكرة، حتى صارت تصوغ عقول كثير من الناس، وأصبحت معياراً للاستدلال، وطريقاً للتعبد .
2- توسّع أهل الكلام (الأشاعرة والماتريدية) من وجه آخر، وتجويزهم أن تصل كرامات الأولياء إلى حدّ معجزات الأنبياء .
3- إنكار معتزلة الأمس، ومعتزلة اليوم (العقلانيين) للكرامات .
4- تلبيس أهل ***** والشعوذة بخوارقهم على العامة، وادعاؤهم أنها كرامة !
ويبقى أهل السنة بوسطيتهم يقفون في أمر الكرامات موقفاً وسطاً يتميزون به، سيراه القارئ الكريم مدعّماً بالأدلة، محلىً بالأمثلة والضوابط والفوائد .
ولا بد من الكلام أولاً عن مفهوم الأولياء . والله المعين . معنى الولاية :
قال ابن فارس : (الواو واللام والياء أصل صحيح يدل على قرب . من ذلك الولْي : القرب . يقال : تباعد بعد ولْي، أي : بعد قرب . ومن الباب المولى : المعتِق والمعتَق والصاحب والحليف وابن العم والصاحب والجار، كل هؤلاء من الولْي وهو القرب، وكل من ولي أمر آخر فهو وليه)[1] .
(والوَلاية : النصرة، والوِلاية : تولي الأمر . وقيل : الولاية والولاية نحو : الدّلالة والدّلالة، وحقيقته : تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك)[2] .
أما الولاية الشرعية فأمرها غاية في الوضوح، قال الله - تبارك وتعالى - : { أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ } [يونس : 62 - 64] فكل مؤمن تقي هو ولي لله - تعالى - بالمعنى الشرعي، ويدخل في ذلك الأنبياء - صلوات ربي وسلامه عليهم - فهم سادة الأولياء . لكن الأولياء في الاصطلاح يراد بهم مَنْ سوى الأنبياء، فيمكن أن يقال إن الولي هو : كل مؤمن تقي ليس بنبي .
والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وهو قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح .
وقول القلب هو الاعتقاد الجازم، وعمله قيامه بالعبادات القلبية كالإخلاص والمحبة والخوف والرجاء .
والتقوى : فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه، وإذا قرنت مع البر (كانت التقوى اسماً لتوقي جميع المعاصي، والبر اسماً لفعل الخيرات)[3] .
قال ابن رجب : (فظهر بذلك أنه لا طريق توصل إلى التقرب إلى الله - تعالى - وولايته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فمن ادعى ولايته والتقرب إليه ومحبته بغير هذه الطريق تبين أنه كاذب في دعواه، كما كان المشركون يتقربون إلى الله - تعالى - بعبادة من يعبدون من دونه)[4]. وقال ابن حجر : (المراد بولي الله المواظب على طاعته، المخلص في عبادته)[5] .
وأولياء الله على مرتبتين :

إحداهما : مرتبة من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين .
وثانيتهما : من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، وهذه درجة السابقين المقربين، وقد ذكر الله تلكما الدرجتين ودليل الصنفين في سورة الواقعة والرحمن والإنسان والمطففين وفاطر[6] فقال : { فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ } [ الواقعة : 8] . ثم قال : {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ } [الواقعة : 10، 11] .
والحاصل أن الولاية مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً وباطناً بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ فهي درجة عالية لا يُصعد إليها إلا بسلّم الشريعة؛ بل من اعتقد ولاية من يترك الواجبات ويفعل المحرمات فهو كافر مرتد؛ لتكذيبه الآية[7] .
والولاية لها جانبان : جانب يتعلق بالعبد : وهو القيام بالأوامر، واجتناب النواهي، ثم التدرج في مراقي العبودية بالنوافل، وجانب يتعلق بالرب - تعالى - : وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة، أما الكرامات فهي أمر إضافي وليست شرطاً في الولاية[8] - كما سيأتي - .

فضل الولاية والأولياء :

يكفي الأولياء ما جاء في الآية من تولي الله لهم، ونصرتهم وتأييدهم ومعونتهم وإصلاح أحوالهم، وأنه لا خوف عليهم مما أمامهم في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما خلفهم من الدنيا، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
هنيئاً لهم، يوفقهم الله بهدايته وتسديده، ويحوطهم بحمايته ونصرته . قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إن الله قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)[9] . (وهذا أصح حديث يروى في الأولياء)[10] . وقد ذُكر فيه المقتصدون والسابقون، أما الظالم لنفسه بالإصرار على الذنوب فلا يكون ولياً حتى يتوب .

الولاية لا تستلزم العصمة :

الولي بَشَرٌ يجوز عليه ما يجوز على الناس من الغلط والسهو والظن الخاطئ ونحو ذلك، ولا يقدح ذلك في ولايته خلاف ما زعمت الصوفية من أن القلب إذا كان محفوظاً كانت خواطره معصومة من الخطأ ! فإنه ليس في النصوص ما يدل أو يشير إلى ذلك، بل نصوص الشريعة وإجماع العلماء على خلاف ذلك، قال - تعالى - : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأََ الَذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الزمر : 33 - 35]، فأثبت لهؤلاء المتقين المحسنين ذنوباً، وأنه يغفرها لهم، ولم تكن تقواهم مستلزمة لعصمتهم من الذنوب .
وأيضاً : فـ (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)[11] ، وهو من سادات الأولياء، ومع ذلك لم يكن يركن إلى ما يلقى في قلبه؛ بل يعرضه على الكتاب والسنة، ويدع ما خالفهما، وعلى هذا النهج مشى الركب . قال أبو سليمان الداراني : (إنه يقع في قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين : الكتاب والسنة)[12] .
وخطأ الولي في اجتهاده العلمي ليس نقصاً في ولايته إذا كان ممن استفرغ جهده في البحث والاستدلال، وخطؤه مغفور له، وهو مأجور غير مأزور . قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إذا حكم الحاكم فأصاب فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)[13] .

الولاية عند الصوفية :

اختص الصوفية بمفهوم آخر للولاية؛ حيث زادوا على الحدّ الشرعي فقال أبو القاسم القشيري : (الولي له معنيان : أحدهما : فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله - سبحانه - أمره . والثاني : فعيل، مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان، وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي ولياً)[14] . وقوله هذا تأسيس للقول بعصمة الولي . وعرفه الجرجاني بمثل تعريف القشيري، وقال الجرجاني أيضاً : (الولاية هي : قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه)[15] . وهذا يشير إلى الفناء أو الحلول .
ويمكن تلخيص انحرافات الصوفية - التي خالفوا بها الكتاب والسنة – في مفهوم الولي في نقاط عدة[16] :
1- زعمهم أن الولي يتطور ويتشكل ويتواجد في أماكن مختلفة في آن واحد .
قال الشعراني في ترجمة الشيخ حسين أبي علي : (كان هذا الشيخ من كُمّل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات : تدخل عليه الأوقات تجده جندياً، ثم تدخل عليه فتجده سبعاً، ثم تدخل فتجده فيلاً، ثم تدخل عليه فتجده صبياً، وهكذا)[17] .
2- أن ما يتخيله الولي ويتصوره في خياله فإنه يقع كما تخيّل . كما حكى الشعراني عما حصل للجوهري، حين غطس في البحر وتخيل أنه تزوج عراقية فأنجبت له أولاداً، فأتته بعد مدة بأولادها منه[18] .
3- دعواهم عصمة الولي وأنه لا يجوز الإنكار عليه ولو خالف الشريعة . فقد نقل الشعراني عن علي الخواص قوله : (إياك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء أو الفقراء، فتسقط من عين رعاية الله - عز وجل -) ثم قال : (وإنما نهى القوم عن المنازعة؛ لأن علومهم مواجيد لا نقل فيها) ثم وصفها بكونها
(وراثة نبوية)[19] .
4- أن الولاية تكون بأيدي الأولياء الكبار يهبونها لمن شاؤوا . يقول الدباغ : (يقدر الولي على أن يكلم أحداً في أذنه، ولا يقوم عنه حتى يكون هو والولي في المعارف على حد سواء)[20] . وهذا يبين وجهاً من مخالفتهم في كيفية اكتساب الولاية، كما قالوا باكتسابها بالتخلي والرياضة ونحو ذلك .
5- زعمهم أنهم يقابلون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة، ويتلقون عنه التشريع، ويسألونه عن الحلال والحرام، وصحة الحديث وضعفه [21] .
6- ادعاؤهم أن للولاية خاتماً كما للنبوة خاتم، وهي فكرة صوفية اخترعها الحكيم الترمذي، وطورها الصوفية بعده حتى جعلوا لكل زمان خاتماً، ومنهم من جعل لولاية الخصوص خاتماً، وخاتماً لولاية العموم، فلا ولي بعده ! [22] .
7- نسبتهم إلى الأولياء صفات الربوبية من علم الغيب، والتصرف في الكون . وانظر مثلاً ما حكاه الشعراني عن إبراهيم الجعبري من اطلاعه على خفايا من أحوال الناس [23] . وقد حكى الشعراني عن الجعبري أنه كان يُضْحِك ويُبْكِي من حوله إذا شاء، وأنه حبس بول ناس ثم أطلقه ![24] . ونقل عن محمد الحضري أنه يقول : (الأرض بين يدي كالإناء الذي آكل منه، وأجساد الخلائق كالقوارير أرى ما في بواطنهم)[25] . ونقل عن الشربيني أنه كان يقول للعصا التي كانت معه : (كوني إنساناً فتكون إنساناً، ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما كانت)[26] .


كرامات الأولياء :

تعد الكرامة نوعاً من خوارق العادات . والعادة هي : (الحالة المتكررة على نهج واحد، كعادة الحيض في المرأة)[27] . وخرق العادة إنما يكون بتمزيقها ووقوعها على خلاف الحال المعهودة المألوفة التي استقر وقوعها عليه[28] .
وخوارق العادات قد تكون باستغناء الإنسان عن الحاجات البشرية كالطعام والشراب بأن تحصل له بسبب غير معتاد، أو تكون بأن يعلم شيئاً فيراه أو يسمعه، وليس في إمكان البشر سماعه أو رؤيته عادة، وهذا المسمى : الكشف أو المكاشفة، وقد تكون بحصول الأثر في الأشياء مما ليس في قدرة البشر فعله في العادة، كوجود ضوء من غير مصدره، ومن هذا إجابة الدعوة .
إن تمام الغنى والعلم والقدرة - التي تكون الخوارق من جنسها - إنما هو لله - تعالى - وهو الذي يخرق العادة لمن شاء، ولذا نفاها نوح - عليه السلام - عن نفسه، وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن ينفيها عن نفسه، فقال - تعالى - : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ } [الأنعام : 50][29] .
كما أن تلك الخوارق منها ما يكون محموداً إذا أعان صاحبه على البر والتقوى، كمعجزات الأنبياء وكرامات الصالحين لحجة في الدين أو حاجة بالمسلمين، ومنها ما يكون مذموماً حيث كان عوناً على الظلم والفجور، كخوارق *****ة والفجرة، وما لم يكن من هذا ولا ذاك كأن كان عوناً لصاحبه على قضاء حاجته فإنه المباح، ثم إن استُغل في خير أو شر صار محموداً أو مذموماً[30] .

تعريف الكرامة :

الكرامة لغة : مصدر (كَرُم)، أو اسم مصدر من (كرّم) أو (أكرم) . و (الكاف والراء والميم : أصل صحيح، له بابان؛ أحدهما : شرف الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق)[31] . ويظهر أن الكرامة من الباب الأول لشرفها في ذاتها، وصاحبها كريم من الباب الثاني لشرفه في خلُقه مع الخالق - تعالى – ومع الخلق أيضاً . والكرامة من الكرم، وهو : ضد اللؤم ونقيضه[32] ، والكرامة : اسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطاعة في موضع الإطاع [33] .
أما اصطلاحاً : فلم ترد الكرامة بهذا اللفظ في الكتاب ولا السنة ولا كلام الصحابة، وقد سماها الله - عز وجل - آية، فقال بعد ذكر كرامة أهل الكهف في ازورار الشمس عن كهفهم المفتوح جهتها : { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } [الكهف : 17] فهي آيات وبراهين على قدرة الله، ودالة على كرامة صاحبها وإنما سميت بهذا تمييزاً لها عن المعجزة، وهذا التفريق في اللفظ إنما قال به كثير من المتأخرين[34]، ثم شاع، وصار هو المقول به في عامة أقوال العلماء .
وحيث وجد الخارق للعادة نظرنا فيمن وقع له؛ فإن كان مؤمناً تقياً، وكان هذا الفعل الخارق مما يصلح ظهوره على يد الولي : عددنا ذلك كرامة، وعلى ذلك فيمكن تعريفها بأن يقال : هي (أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي – ليس بنبي - علم الولي بذلك أم لا)[35]، ومنه يظهر أن شروط الكرامة هي :
1- وجود أمر خارق للعادة .
2- ظهورها على يد ولي، وإلا لم تكن كرامة، بل استدراجاً .
3- كون هذا الولي ليس نبياً .
4- كون هذا الخارق مما يصلح أن يكون كرامة لولي، فلا يشتمل على معصية، أو باطل[36] .
ولا يشترط عدم التحدي، ولا كونها لحجة أو حاجة [37]، ولا علم صاحبها بها .
الفرق بين الكرامة والمعجزة :
كرامات الأولياء من باب معجزات الأنبياء، والاختلاف بينهما في الدرجة، ويظهر الفرق بينهما في الأوجه الآتية :
الأول : الكرامة لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء، كما أن أصحابها - الأولياء - لا يصلون في الفضيلة والثواب درجات الأنبياء؛ فللأنبياء معجزاتهم الكبرى التي لا يظهر مثلها على يد أحد من الأولياء أو الشياطين، وهي من الأدلة على صدقهم، فلا يمكن أن تختلط بأحوال غيرهم، قال ابن تيمية - رحمه الله - :
(فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين)[38] .
ولكن هناك خوارق أقل درجة تسمى صغرى، وهي من التوابع والنوافل، ولا يعتمد عليها استقلالاً في صدق الأنبياء، وهي التي يجوز أن يظهر مثلها على يد الأولياء كرامة لهم، ودلالة على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي تبعوه؛ فهذه الدرجة من المعجزات التي يحصل مثلها للإنس أو الجن لا تكون وحدها آية للنبي؛ فإن الله أيد نبوتهم بتلك المعجزات الكبرى التي لا يقدر عليها إنس ولا جن[39] .
وهذه - بحمد الله - قاعدة واضحة للتمييز بين المعجزة والكرامة، يشهد لها قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)[40] . (والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها)[41] .
وبهذا يتبين خطأ قول من قال بأن كل ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي[42] .
الثاني : أن المعجزة تقع للنبي مقترنة بدعوى النبوة، وليست كذلك كرامة الولي .
الثالث : أن المعجزات من الدلائل على صدق النبي وتأييد الله له، وتأتي لحاجة الخلق وهدايتهم، وتحصل للأنبياء وهم عالمون بوقوعها، كما يجب عليهم إظهارها، خاصة إذا توقف إيمان الناس عليها، ولا يشترط كل ذلك في الكرامة .

الفرق بين الكرامات والأحوال الشيطانية :

وإذا اعتبرنا المعجزات والكرامات من باب واحد، وجعلنا النبوة أساساً للتفريق بين الكرامات والأحوال الشيطانية[43] سهل الأمر جداً، وتبين الفرق بينهما في الأمور الآتية :
1- أن الكرامات سببها الولاية الحقة لله - تعالى - وهي الإيمان والتقوى [44]، فلا عبرة بالخوارق بدون ذلك، إنما هي من الشيطان .

قال الشافعي - رحمه الله - : (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة)[45] . ومن النكت المليحة لأبي يزيد البسطامي قوله : (لله خلق كثيرون، يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير، فلا تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع)[46] .
2- أن الكرامات قائمة على الصدق، بخلاف تلك المخاريق المبنية على الكذب : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [الشعراء : 221، 222] .
3- أن الخوارق الشيطانية في حقيقتها هي تصرفات من جنس تصرفات الجن والإنس، تفعلها الشياطين في غيبة عن أعين الإنس؛ من نقل شيء أو قتل أو أذى ونحوه، وليس فيها تحويل جنس إلى جنس، ولا ما يختص الرب بالقدرة عليه، ولا ما تختص به الملائكة فأين هذا من تكثير الماء القليل، بحيث يفيض حتى يصير بذاته كثيراً [47] .
4- أن الكرامات هبة من الله، أما الخوارق والأحوال الشيطانية فتحصل بالتعلم والرياضة ودعاء الجن والشياطين، والتقرب إليهم[48] .
5- أن أولياء الله يحاولون إخفاء الكرامة، ولا يلتفتون إليها، ويعلمون أنها نعمة يجب شكرها، ويخشون أن تكون ابتلاء لا يثبتون فيه، ومن كان هذا حاله فلا يتصور منه أن يجعل الكرامات ميدان منافسة، فيسعى إلى إبراز كراماته، وإبطال كرامات غيره .. وأصحاب الأحوال الشيطانية على خلاف هذا تماماً، بل لا يظهرونها - غالباً - إلا في حضرة الناس، ويتحدى بعضهم بعضاً فيها، بغرض إبراز المهارات في الخديعة والمكر، فيقع بينها من التعارض الشيء الكثير[49] .
6- أن كرامات الأولياء أمر ثابت في النصوص الشرعية وواقع الصالحين، بخلاف تلك الأحوال الإبليسية التي يُبطل أثرها الذكر والقرآن . وشتان بين ما يخنس بتلاوة القرآن ويبطل أثره أو يضعف، وبين ما يقويه القرآن، ويزيده نوراً[50] !

الإلهام والفراسة من كرامات الأولياء :

الإلهام لغة :

(يدل على ابتلاع شيء ومن هذا الباب : الإلهام، كأنه شيء ألقي في الروع فالتهمه، قال الله - تعالى - : { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [الشمس : 8])[51] والإلهام : (إيقاع شيء في القلب، يطمئن له الصدر، يخص الله به بعض أصفيائه)[52] .
والملهم هو : المحدّث، المُفْهَم، الذي يصدق ظنه في الأشياء، تتكلم الملائكة على لسانه، فيجري عليه الصواب من غير قصد منه، ويطلق على ذلك المكاشفة .
و (المكاشفة الصحيحة : علوم يحدثها الرب - سبحانه وتعالى - في قلب العبد، ويطلع بها على أمور تخفى على غيره، وقد يواليها، وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها)[53] .
دليل الإلهام : قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لقد كان فيمن قبلكم ناس محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر)[54] .
ولا يعدو الإلهام أن يكون فتحاً من الله - تعالى - على عبد من عباده المؤمنين بما يوافق الحق الذي أنزله في كتابه وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، كالرؤيا الصالحة فيها كشف للنائم، وإطْلاع له على شيء مما لم يقع بعد . مصداقه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا : وما المبشرات ؟ قال : (الرؤيا الصالحة)[55] .
والإلهام - على منزلته - لا يمكن أن يكون مكملاً لنقص في الدين، أو محدِثاً لحكم جديد فيه، كما هو الحال تماماً بالنسبة للرؤيا؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام فأمره بأمر وجب عليه أن يعرضه على الشرع؛ لأن (كل من كان من أهل الخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعاً لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا يجعل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبعاً لما ورد عليه)[56] .
ومن الإلهام : ما وقع للصديق - رضي الله عنه - في موقفه يوم قتال أهل الردة، حين خالفه كثير من الصحابة، فقال : (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها)[57]، حتى شرح الله صدور أصحابه لما أراه من الحق، ومنها : تسيير جيش أسامة الذي عقده النبي –صلى الله عليه وسلم- قبيل وفاته .
وقال عمر - رضي الله عنه - : (وافقت الله في ثلاث، - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت : يا رسول الله ! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت : يارسول الله ! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال : وبلغني معاتبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه، فدخلتُ عليهن، قلت : إن انتهيتن، أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت : يا عمر ! أما في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ؟ فأنزل الله : { عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ... } [التحريم : 5])[58] . ومن إلهاماته : اختياره قتل أسارى بدر .

ب - الفراسة :

يراد بالفراسة في اللغة معنى ذا جانبين؛ أحدهما أخص من الآخر، وهما :
1- المعرفة بالأمور، والخبرة بالأحوال، من خلال النظر المحكم فيها .
2- المهارة في تعرف بواطن الأمور من ظواهرها[59] .
ويمكن تعريف الفراسة في الاصطلاح بأنها : نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن الملتزم سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، يكشف له بعض ما خفي على غيره، مستدلاً عليه بظاهر الأمر، فيسدد في رأيه، دون أن يستغني بذلك عن الشرع .
والفراسة المقصودة هنا الفراسة الإيمانية، وهي غير فراسة الرياضة، والفراسة الخلقية، بل هي (على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدّ فراسة)[60] (فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى ذلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره هذه الفراسة)[61] .
والسبب أن (هذه الفراسة نشأت له من قربه من الله - تعالى - فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه، وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه، وأضاء له من النور بقدر قربه، فرأى في ذلك ما لم يره البعيد والمحجوب) كما ثبت في حديث الأولياء، (وليس هذا من علم الغيب، بل علام الغيوب قذف الحق في قلب قريب منه)[62] .
وللفراسة من الفوائد :

1- الانتفاع بالمواعظ، والاستفادة من الحوادث والعبر، قال - تعالى – بعد أن ذكر قصة إهلاك قوم لوط - : { إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } [الحجر : 75] أي : الناظرين المتفرسين المتفكرين المعتبرين .
2- دقة الحكم بين الناس وخاصة من القضاة، وحفظ الحقوق، وتحقيق المصالح العامة، التي يهدف الشرع إلى تحقيقها[63] .
3- تولية الأكفاء في رعاية مصالح الأمة .
4- توقع الأحداث قبل وقوعها، فتؤخذ لها العدة والحيطة، فتُتّقى الشرور وتدفع المفاسد .
ومن الفراسة : ما وقع لعمر حين (دخل عليه نفر من مذحج، فيهم الأشتر النخعي، فصعّد فيه البصر وصوبه وقال :أيهم هذا ؟ قالوا : مالك بن الحارث، فقال : ما له قاتله الله ؟ إني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً .
وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - دخل عليه رجل من الصحابة وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها، فقال له عثمان : يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنى ظاهر على عينيه ؟ ! فقلت : أوَحيٌ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فقال : لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة)[64] .

-----------------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة، 6/141، وانظر : القاموس المحيط، ص 1732، ومختار الصحاح، ص 736 (الصاحب الأولى بمعنى المالك، والصاحب الأخرى بمعنى الرفيق) .
(2) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ص 885 .
(3) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن السعدي، ص 120 .
(4) جامع العلوم والحكم، 2/336 .
(5) فتح الباري، 11/342 .
(6) انظر : جامع العلوم والحكم، 2/335 337، وانظر الفرقان، ص 22 .
(7) انظر : أولياء الله عقلاء ليسوا مجانين، لابن تيمية : 21، 22 .
(8) انظر : مقدمة تحقيق كرامات أولياء الله للالكائي، لأحمد سعد حمدان، ص 7 .
(9) رواه البخاري، الفتح، 11/348 349 .
(10) الفرقان، ص 9، 30 .
(11) الحديث رواه الترمذي، ح/3682، وهو صحيح .
(12) انظر : الفرقان، ص 48 59، وما بعدها .
(13) أخرجه البخاري، ح/7352 .
(14) الرسالة القشيرية : 520 521، وانظر : 667 .
(15) التعريفات، ص 310 .
(16) انظر : تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، محمد أحمد لوح : 1/ 55 93 .
(17) الطبقات الكبرى، 2/87 .
(18) المرجع السابق .
(19) الطبقات الكبرى، 1/10 .
(20) الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز، لأحمد بن المبارك، 175، نقلاً عن تقديس الأشخاص، 1/75 .
(21) انظر : الطبقات الكبرى في ترجمة أبو المواهب الشاذلي؛ حيث ذكر له لقاءات كثيرة، 2/67 81، 75 .
(22) انظر : تقديس الأشخاص، 1/79، وما بعدها .
(23) المرجع السابق، 1/203، 204 .
(24) المرجع السابق .
(25) المرجع السابق، 2/107 .
(26) المرجع السابق، 2/136 .
(27) المعجم الوسيط، ص 635 .
(28) انظر : النبوات، لابن تيمية، 34، 35 .
(29) انظر : الصفدية : 183، وقاعدة في المعجزة من الكرامات : 8، كلاهما لابن تيمية، وشرح الطحاوية لابن أبي العز : 2/746 .
(30) انظر : النبوات : 27، 28، وشرح الطحاوية : 2/747 .
(31) انظر : معجم مقاييس اللغة (كرم) .
(32) انظر : القاموس المحيط (كرم) .
(33) انظر : لسان العرب، مادة (كرم) .
(34) انظر : النبوات، ص 15، وقاعدة في المعجزات والكرامات، ص 7 .
(35) تعريف مقتبس من كتاب : تقديس الأشخاص، محمد أحمد لوح، 2/ 278، 288 .
(36) انظر : الموافقات للشاطبي : 2/278 .
(37) انظر : النبوات، ص 18، 19، وشرح الواسطية، لهراس، 168، والفتاوى، 11/274 .
(38) النبوات، ص 4 .
(39) انظر : النبوات، ص 333، 335، والموافقات للشاطبي : 2/ 259، 262 .
(40) رواه البخاري، ح/4981، (الفتح، 8/618) .
(41) النبوات، ص 4 .
(42) وهم عموم الأشاعرة، كما سيأتي .
(43) كما فعل ابن تيمية - رحمه الله -، انظر : موقف ابن تيمية من التصوف، د أحمد بناني، 232 .
(44) انظر : الموافقات : 2/272 والنبوات، ص 20 .
(45) تفسير ابن كثير، قاعدة في المعجزات والكرامات .
(46) سير أعلام النبلاء، 13، 88، والحلية : 10/40 .
(47) انظر : النبوات، ص 20 23 .
(48) انظر : تقديس الأشخاص، 2/283 .
(49) انظر : السابق، 2/283، والفتاوى، 11/295 .
(50) انظر : تقديس الأشخاص، محمد أحمد لوح، ص 285 .
(51) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (لهم)، 5/217 .
(52) المعجم الوسيط، لعدة مؤلفين، مادة (لهم) 2/742 .
(53) مدارج السالكين، 3/233 .
(54) رواه البخاري، ح/3689 .
(55) رواه البخاري، ح/6990 .
(56) ابن تيمية، في الفتاوى، 13/74، وانظر : الموافقات : 2/272 .
(57) أخرجه البخاري، ح/6925 والعناق : الأنثى من ولد المعز وهي السخلة .
(58) رواه البخاري، ح/4483 .
(59) انظر : المعجم الوسيط، مادة (فرس)، 2/681 .
(60) مدارج السالكين، 2/504 .
(61) انظر : السابق، 2/515 .
(62) الروح لابن القيم، ص 532 .
(63) انظر : الطرق الحكمية، لابن القيم : 32، 33، 37 .
(64) الروح، لابن القيم، ص 532 537، وانظر : هذه الأمثلة وغيرها كثير في : الطرق الحكمية، ص 33 وما بعدها .
---------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:20 AM
كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم (2-2)
ـــــــــــــــــــــــــ


(عبد اللطيف بن محمد الحسن)
ــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://nnilsson.free.fr/mouled3/images/mouled068.jpg

في الحلقة الأولى : تقدم الكلام عن مفهوم الولاية والأولياء بين أهـل السنة والمتصوفة، ومفهوم الخوارق والكرامات وما تتميز به عن الأحوال الشيطانية، ثم الإلهام والفراسة والرؤى .
وتمام الحديث : شرح موقف أهل السنة والجماعة من الكرامات مُدعَّماً ببعض الأدلة والأمثلة والضوابط والفوائد، وتبع ذلك ذكر مواقف المخالفين من المنكرين للكرامات، أو المتوسعين فيها المتفلتين من الضوابط الشرعية .

عقيدة أهل السنة في الكرامات :
-----------------

من عاد إلى كتب أهل السنة وجد موقفهم من الكرامة وسطاً بين إنكار الجافين، وتوسع الغالين . قال الطحاوي عن الأولياء : (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم)[1] . وقال ابن تيمية : ( ومن أصول أهـل السنة والجماعة : التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة)[2] .
و (لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة والوقائع قديماً وحديثاً على وقوع كرامات الله لأوليائه المتبعين لأنبيائه)[3] والأدلة كثيرة . منها : ما ذكره الله من مجيء الرزق لمريم؛ لا من بشر، وكذا إنبات الرطب وإجراء النهر لها؛ ولم يكن شيء منها قبل ذلك، ومنها : ازورار الشمس عن أهل الكهف، فلا تصيبهم مع أنهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً، ومنها : ما وقع لسارة رضي الله عنها من حملها بإسحاق في سن اليأس، ومنها : إحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس إلى سليمان عليه السلام[4] وكذا : كفّ يد الظالم عن سارة، ومنها : نجاة أصحاب الغار من الصخرة التي انطبقت عليهم، ومنها : تكلُّم الغلام في المهد، ومنها : عجز الملك عن قتل الغلام حتى قال : بسم الله رب الغلام[5] .
ومن الكرامات الواقعة للصحابة رضي الله عنهم : أن عبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنهما توقّع مقتله في أول من يقتل يوم أحد، فحصل ذلك ودفن مع عمرو بن الجموح رضي الله عنهما فأخرجه جابر بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم دُفن غير أذنه، ثم دفنه في قبر وحده[6] .
وعن أنس أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله[7] .

ضوابط قبول الكرامة :
-------------
أ - ضابط عام في الكرامات :

ليس من منهج الإسلام التعويل على الكرامات، وجعلها شرطاً للإيمان؛ فقد عاب الله على المشركين لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آيات خارقة، فقال - تعالى - : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء : 90]، إلى قوله تعالى : {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } [الإسراء : 93] فقد كانت معجزاته صلى الله عليه وسلم معتمدة على الحجة والبرهان، وأجلُّها القرآن الكريم أعظم معجزة أعطيت لنبي، وهي أنفع المعجزات .
ولذا كانت حياته صلى الله عليه وسلم تجري موافقة للمألوف جرياً على العادة مع كونه أعظم الخلق وأشرفهم -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان يأخذ بالأسباب كما فعل يوم الهجرة[8] . وهذه خاصية الدين والمنهج الذي يصلح للبقاء، خلافاً لما يظنه كثير من الناس من أن الأولياء يجب أن يتصرفوا في هذا الكون ويُعْطَوا مفاتيحه ![9] .

ب - ضوابط من تقع له الكرامات :
---------------------
أولاً : أن يكون من وقعت له من عباد الله المؤمنين . ( فمن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر به ملتزماً طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً فضلاً عن أن يكون ولياً لله، ولو حصل له من خوارق العادة ما عسى أن يحصل؛ فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور - من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها - إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله المقربة إلى سخطه وعذابه )[10] .
ثانياً : أن لا يجزم في كل خارق يحصل له أنه كرامة؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله - سبحانه - وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان فلبَّس عليه[11] .
ثالثاً : أن لا يدعي صاحبها الولاية؛ لتعذر الجزم بقبول العمل، كما وصف الله - عز وجل - حال أوليائه المؤمنين المتقين، فقال : {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } [ المؤمنون : 60] . وقد سألت عائشة - رضي الله عنها - النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت : أَهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : (لا، يا بنت الصديق؛ ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات )[12] .
ثم إن في ادعاء الولاية تزكية للنفس وذلك منافٍ لحال الولاية .
رابعاً : أن لا تكون الكرامة غايته، يطلبها ويسعى في حصولها؛ فهو خلاف حال السلف .

ج - ضوابط الكرامة ذاتها :
------------------

أولاً : أن لا تشتمل الكرامة على ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات، أو التزام شيء من العبادات لم يرد فيه نص شرعي؛ وذلك لأن الولي إنما نال الكرامة بطاعته وإيمانه؛ فلا يمكن بحال أن تكون تلك الكرامة سبباً لتركه شيئاً مما نالها به، ثم إن المحرَّم خبيث، والله لا يكرم عبده بخبيث؛ كما أن من دلائل الولاية الوقوف عند النصوص الشرعية فلا يكون ولياً لله من أحدث في دين الله - تعالى - ما ليس منه .

قال ابن الجوزي - رحمه الله : (قد لبَّس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا - بزعمهم - أمر القوم؛ والحق لا يحتاج لتشييد بباطل ) ثم ساق قصة تُروى عن سهل بن عبد الله فيها أن أحد الأولياء اشترط عليه أن يرمي ما معه من الزاد حتى يعطيه نور الولاية فتكون له خوارق العادات، ففعل، إلى أن قال سهل : فغشيني نور الولاية ! ثم علَّق ابن الجوزي بقوله : (ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم : (اطَّرِحْ ما معك)؛ لأن الأولياء لا يخالفون الشرع، والشرع نهى عن إضاعة المال)[13] كما أمر بفعل الأسباب .
ومثال ذلك أيضاً : من تحمله الجن فيحج مع الناس بلا إحرام ولا مرور بميقات .. خداعاً من الجن له .
ثانياً : ألا تشتتمل على ما عُلِم في الشريعة عدم وقوعه، كدعوى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وكأن يرى شخصاً على صورة نبي أو ملك أو صالح يقول له : قد أبحت لك الحرام، وأحللت لك الحلال، أو أسقطت عنك التكاليف .

قال الشاطبي : (مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات، وليس كذلك؛ بل من أعمال الشيطان . كما يُحكى عن عبد القادر الجيلاني أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة : (يا فلان ! أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات) فقال له : (اذهب يا لعين) . فاضمحلت السحابة . وقيل له : بِمَ عرفت أنه إبليس ؟ قال : بقوله : (قد أحللت لك المحرمات ) . هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حَكَماً فيه لما عرف أنها شيطانية)[14] .

ثالثاً : ألا يستعين بالكرامة على معصية الله - عز وجل - فإن أكمل الكرامات ما كان معيناً على طاعة الله - عز وجل - أما الكرامة والكشف والتأثير إن ( لم يكن فيه فائدة كالاطّلاع على سيئات العباد، وركوب السباع لغير حاجة، والاجتماع بالجن لغير فائدة، والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب )[15] .
رابعاً : ثبوتها : قال الطحاوي : (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم)[16] . وقد يتعسر ذلك كثيراً بعد انقطاع عصر الرواية، ولقلة من يعتمد عليه في نقل الأخبار في الأعصر المتأخرة .

فوائد الكرامة :
----------

الفائدة الأولى : دلالتها على قدرة الله وكمال مشيئته وعلى كمال علمه وكمال غناه .
الثانية : أن وقوع الكرامات للأولياء في الحقيقة معجزات للأنبياء، والمعجزات فيها دعوة للإيمان، والكرامات تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسل[17] .
الثالثة : أن الكرامات من البشرى المعجلة في الدنيا المذكورة في آية الأولياء : {لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس : 64] . وهي (كل أمر يدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم، ومن ذلك الكرامات)[18] .
الرابعة : تقوية إيمان العبد وتثبيته، قال الله - تعالى - : {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ... } [الأنفال : 12] ولهذا قلَّت الكرامات في عهد الصحابة، وكثرت بعدهم؛ وذلك لقوة إيمانهم، وضعف من بعدهم بالنسبة إليهم، وذلك أن الصحابة شاهدوا التنزيل وعايشوا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم آمن بالغيب فاحتاج إلى شيء يزيد يقينه[19] .
الخامسة : إقامة الحجة على العدو، كما حصل لخالد - رضي الله عنه – في شرب السم، وكقصة أبي مسلم الخولاني[20] . وفي هذا نصرة لدين الله ورفعة لكلمته إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، كما حصل لأصحاب الكهف .
السادسة : إكرام من الله - تعالى - لعباده لصلاحهم وقوة إيمانهم، كما حصل لمريم من الرزق[21] .
السابعة : قضاء حاجة صاحب الكرامة أو حاجة غيره، وإنقاذه أو إنقاذ غيره، كما حصل لسعد - رضي الله عنه - في قصة مرورهم على الماء، وكما حصل لسارية حيث نُجِّي الجيش عامة، وليس هو وحده .
الثامنة : ابتلاء من وقعت له الكرامة أيشكر أم يكفر ؟ أيتواضع لله أم يغتر بعمله فيهلك ؟
التاسعة : في وقوع الكرامة لناس دون آخرين ابتلاء لمن لم تقع لهم : هل الكرامة غايتهم من الاستقامة ؟ وهل يثبتون بلا كرامة أم يتزعزع إيمانهم ؟

العمل بمقتضى الكرامات :
-------------
من فوائد الكشف والإلهام والفراسة والرؤى - وهي من الكرامات - : تحصيل الخير وتوقي الشر قبل وقوعه .
وشرط ذلك : ألا يعارض العملُ - بناءً عليها - حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، ومثاله : لو شهد شاهدان عدلان في أمر، فرأى القاضي في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : (لا تحكم بهذه الشهادة؛ فإنها باطل)، فإنه لا يجوز له العمل بمقتضى هذه الرؤيا؛ لأنها تهدم قواعد الشريعة . وكذا : لو حصلت له مكاشفة بأن الماء الذي يريد الوضوء به مغصوب أو نجس، فإنه لا يتركه ويتيمم؛ لأن فتح هذا الباب يبطل العمل بالظاهر، ويلغي الشريعة .

وقد ذكر الشاطبي - رحمه الله - أوجهاً مما يسوغ العمل بالخوارق على وفقها، منها :
1- أن يكون في أمر مباح، كأن يرى رؤيا بأن فلاناً سيأتيه في وقت ما، فيتأهب لاستقباله، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع .
2- أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه يراهم من وراء ظهره؛ لفائدة إقامة الصفوف، وأخرى هي تقوية إيمان من سمعه .
3 - أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد ويتأهب .
وقال : ( إنما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثالاً يحتذى حذوه، وينظر في هذا المجال إلى جهته)[22] .
أعظم الكرامة لزوم الاستقامة :
------------------

ليس وقوع الخارق أمراً لازماً للولي، فكم من الأولياء الصادقين – من الصحابة فمن بعدهم - قلم تقع لهم خوارق ! وكم من *****ة والمبطلين من وقعت لهم الخوارق !
ولا شك أن الخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم، وليس حصولها برهاناً على فضل الرجل عند الله، ولا عدمها دليلاً على هوانه . قال الله - تعالى - : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن . وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن . كلا } [الفجر : 15 - 17] .
لكن الكرامة الحقة - التي بها نجاة العبد - إنما هي استقامته على أمر الله - عز وجل - حتى يأتيه اليقين .
قيل لأبي محمد المرتعش : ( فلان يمشي على الماء ! قال : عندي أن من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم ممن يمشي على الماء !)[23] .
للاستقامة لا طالباً للكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة . قال الشيخ السُهروردي في عوارفه : وهذا أصل كبير في الباب؛ فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات؛ فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه، ولعل أحدهم يبقى متهماً لنفسه في صحة عمله؛ حيث لم يحصل له خارق [24] ، ولو علموا بسر ذلك، لهان عليهم الأمر، فيُعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً . والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وأمارة القدرة يقيناً، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة؛ فهي كل الكرامة )[25] .
ولا شك أن من أعظم الكرامات : ما أكرم الله به سلف الأمة وعلماءها والمجددين والمصلحين فيها؛ حيث بارك في أوقاتهم، وأعمارهم، وأعمالهم؛ فكتب بعضهم ما يعجز غيره على نسخه في مدة عمره[26] ، وكان لعلومهم من الأثر ما نراه إلى يومنا هذا، وكتب الله لها البقاء والنماء، وكم كان للمصلحين من الأثر، وكم يترتب على مواقفهم الحميدة من آثار تجنيها الأمة طيلة سنين أو قرون ! وتأمّل قوله - تعالى - في فضل من آتاهم العلم : { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } [البقرة : 269] .
فأين هذا ممن تكون كرامته : الإكرام بمال، أو طعام، أو كشف في حادثة، أو قدرة على أمر ؟ !
ومن أوجه تفضيل الاستقامة على الكرامة :
1 - أن الدين لا يُنال إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، واختصاصه به يفضله على بقية الخوارق .
2 - أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون، أما الخوارق فإنها لهم ولغيرهم .
3 - أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه ولا يضره، وقد يقع له من حصول الخارق مضرة من عُجْبٍ ونحوه .
4 - أنه يدفع مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة إلى كشف .
5 - أن الكشف والتأثير قد يكون فيه فائدة وقد لا يكون .
6 - أن الدين إذا صح أوجب خرق العادة إذا احتاج إليه صاحبه؛ لقول الله - تعالى - : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب ... } [الطلاق : 2، 3] .
7 - أن الدين هو إقامة حق العبودية، وهو فعل ما وجب عليك، وأما الخوارق فهي من حق الربوبية؛ إذ لم يؤمر العبد بتحصيلها وفعلها[27] .
المخالفون لأهل السنة في الكرامات :
وهم فئتان : متوسعون في إثبات الكرامة، ومنكرون لوقوع ما سوى المعجزات . فأما المتوسعون فهم : الأشاعرة والماتريدية والصوفية والرافضة .

الأشاعرة والماتريدية :
------------

خالف الأشاعرة أهل السنة في بعض تفاصيل مسائل النبوات والمعجزات والكرامات . ومن ذلك : ( قولهم : إن كرامات الأولياء ليست من آيات الأنبياء ) وهذا راجع إلى مذهبهم ( في شروط المعجزة؛ حيث جعلوا منها : أن تقارن دعوى النبوة، وهذا مخالف لمذهب الجمهور الذين جعلوها من آيات الأنبياء؛ لأنها مستلزمة لنبوتهم وتصديقهم فيها، ولولا تصديقهم للأنبياء واتباعهم لهم، لم تكن لهم كرامات )[28] .
وزعم الباقلاني أن ( الخوارق تدل على الولاية بالإجماع، مع تجويزه ظهورها فيه على أيدي الكفرة و*****ة . وهذا تناقض )[29] .
ومما غلط فيه الأشاعرة والماتريدية[30] : زعمهم : أن كل ما وقع معجزة لنبي جاز وقوعه كرامة لولي [31]، وهذا توسع في إثبات الكرامة، وهو مردود بكون ( معجزات الأنبياء التي هي دليل صدقهم لا يجوز أن يأتي بها أحد غيرهم لا من المخالفين، ولا من الموافقين؛ لأن المعنى في إعجازها أنها لا تتكرر لغيره ممن ليس في منزلته؛ لأنها إذا أتت على يد غيره لا تصلح أن تكون شاهدة على صدقه هو فقط؛ لأن أساس هذه الشهادة هو عجز غيره عن الإتيان بمثل ما أتى به حتى تبقى حاملة أسرار الإعجاز كلها )[32] .

الصوفية والكرامات :
--------------
غلا الصوفية في أمر الخوارق، فشرَّقوا فيها وغرَّبوا، ولعل أهم ما يميزهم عن أهل السنة - في هذا الباب - أمور أهمها[33] :
أولاً : اعتبار الخوارق معياراً للولاية، وأن من لا كرامة له لا ولاية له . قال الشعراني في ترجمة محمد الغمري عن قوله : ( وكان سيدي أحمد لا يأذن قط لفقير [ لمريد أو صوفيٍ ] أن يجلس على سجاده إلا إن ظهرت له كرامة )[34] .
ثانياً : الشغف بالخوارق، وتفسير كل خارق أو أمر غريب بأنه كرامة حتى صارت همهم، قال ابن الجوزي : ( عن إبراهيم الخراساني أنه قال : احتجت يوما إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة رأسه ألين من الخز، فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما وانصرفت) ثم علق عليها ابن الجوزي فقال : (في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز؛ ولكن قلَّ علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، والله - تعالى - لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعاً )[35] .
ثالثاً : لما جعل الصوفية الكرامة أساس الولاية حرصوا على جمع الكرامات لمن ادعوا لهم الولاية، وتعدى الأمر إلى الاختلاق والكذب، ومما نسجوه ما ذكره الشعراني عن أبي بكر البطائحي أنه ( أول من ألبسه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الخرقة ثوباً وطاقية في النوم، فاستيقظ فوجدهما عليه، وكان يقول : أخذت من ربي - عز وجل - عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي، ويقال : إنها ما دخلها سمك ولا لحم قط فأنضجته النار أبداً )[36] .
وكأن الكذب بدأ فيهم من قديم، فتنبه له بعض كبارهم؛ فقد قيل لرابعة العدوية : ( يا عمة ! لِمَ لا تأذنين للناس يدخلون عليك ؟ قالت : وما أرجو من الناس ؟ إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل . ثم قالت : يبلغني أنهم يقولون : إني أجد الدراهم تحت مصلاي، ويطبخ لي القدر بغير نار، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه قيل لها : إن الناس يكثرون فيك القول، يقولون : إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب؛ فهل تجدين شيئاً فيه ؟ قالت : يا بنت أخي ! لو وجدت في منزلي شيئاً ما مسسته، ولا وضعت يدي عليه)[37] .
رابعاً : كرامات الصوفية وخوارقهم كما أنها لا مكان لها عند العقلاء، فإنها لا كرامة لها عند العلماء بشريعة الله - عز وجل - وكم في كراماتهم المحكية من معارضات ومخالفات للشريعة المحمدية ! ومن ذلك : أن أحدهم كان يتشوش من قول المؤذن : الله أكبر فيرجمه، ويقول : عليك يا كلب، نحن كفرنا يا مسلمون حتى تكبروا علينا ؟ ![38] .
أما ما يذكرونه عن بعض من يذكرون بالخير من الشطحات والأحوال المُنْكَرَةِ، فإن الواجب التثبت منه؛ لعدم الثقة في نقلهم، وما ثبت منه فإن منه ما يكون عوارض تعرض لهم بسبب بعض أعمالهم؛ فإن من خلط في عمله اختلطت خوارقه، ولهذا أمرنا أن نقول كل صلاة : {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة : 6][39] .

الرافضة والكرامات :
----------------
يفضل غلاة الرافضة أئمتهم على الأنبياء، ثم صار ذلك من أصول الشيعة الاثني عشرية[40] .
ويرى الرافضة أن خوارق الأولياء ( معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة )، وأنها ليست من قبيل الكرامات بل هي كمعجزات الأنبياء أو أعظم، وقد بوَّب صاحب كتاب بحار الأنوار لهذا المعنى باباً بعنوان : ( إنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وجميع معجزات الأنبياء) . وأورد فيه جملة من أحاديثهم[41] .
( وللقوم ولع غريب وتعلق عجيب بسرد الحكايات وغرائب الأساطير التي هي أحياناً أشبه بعمل *****ة والمشعوذين، وحيناً هي من ضروب الخيال، وغرائب الأحلام . وهذه المعجزات لا تزال تتولد عند الشيعة وتتجدد )[42] .

المنكرون للكرامات :
----------------

وهم : الفلاسفة[43]، والمعتزلة[44]، ومن تأثر بهم[45]، وابن حز[46] ، وبعض الأشاعرة كالإسفراييني[47] . وتبعهم معاصرون من مدعي العقلانية، ويرون أنه لا يقع من الخوارق غير معجزات الأنبياء .
وهذه بعض شُبَهِ القوم مع مناقشتها :
الشبهة الأولى : قالوا : إن تجويز الكرامات يفضي إلى السفسطة؛ لأنه يقتضي تجويز انقلاب الحجر ذهباً، والبحر دماً عبيطاً . والرد على هذا من ثلاثة أوجه :
الأول : أنه لا يُسلَّم ببلوغها هذا المبلغ .
والثاني : أن ذلك يجوز ولا يقتضي سفسطة؛ لأن ما ذكرتم وارد عليكم في زمن النبوة .
والثالث : أن التجويزات العقلية لا تقدح في العلوم المادية؛ وجواز تغير العادة بسبب الكرامة تجويز عقلي فلا يقدح فيها[48] .
الشبهة الثانية : أن الكرامة لو جازت لاشتبهت بالمعجزة، فلا يبقى لها دلالة على النبوة .
والرد على هذه الشبهة بمنع الاشتباه - كما تقدم التفريق بينهما في مبحث سابق - . ثم إن الولي لو ادعى النبوة بعد ظهور الكرامة له لكان كاذباً، ولم يكن ولياً[49] .
الشبهة الثالثة : أن الكرامة لو ظهرت لولي لجاز الحكم له بمجرد دعواه أنه يملك شيئاً من غير بينة لظهور درجته المانعة من كذبه، وهذا خلاف قاعدة :
(البينة على المدعي ) والرد : أن الكرامة لا توجب عصمته ولا صدقَهُ في كل الأمور، وهذا يضبطه الشرع ولا يخرج عنه[50] .
الشبهة الرابعة : أنها لو جازت سراً وهو أولى من العلن، وهذا يفضي إلى أن لا يستدل بها على النبوة، ثم إن تكرارها يفضي إلى التحاق الخوارق بالعادات فلا تصدق معجزات الأنبياء ! والرد من وجهين :
الأول : أنها تجوز على وجه لا يصير ادة .
الثاني : وهو أنها تجوز بحيث لا تظهر ولا تشيع ولا تلتحق بالمعتاد .
وتكررها للولي لا يخرجه عن طريق السداد، وإلا فلا يكون ولياً على التحقيق، ثم إن المعجزة تتميز عن الكرامة كما سبق . وهذه الشبهة لو جاز إيرادها لكان في كرامات الأمم السابقة، دون هذه الأمة .
الشبهة الخامسة : أنه لو كان لها أصل لكان أولى الناس بها الصدر الأول، ولم يظهر عنهم شيء منها .
قال ابن السبكي : ( وهذا قول مرذول، فلو حاول مستقصٍ استقصاء كرامات الصحابة - رضي الله عنهم - لأجهد نفسه ولم يصل إلى عشر العشر )[51] .
وموردو هذه الشبهة يراوغون في الكلام، فمثلاً : القاضي عبد الجبار في المغني لم يعرض للأدلة المثبتة للكرامات من القرآن، والزمخشري يقول بخصوصٍ منفي على إبطال العموم، كما استدل بقوله - تعالى - : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } [الجن : 26]، على إبطال جميع الكرامات . ورد بقول الاسكندري في الانتصاف[52] .
الشبهة السادسة : أن مشاركة الأولياء للأنبياء في ظهور الخوارق يخل بعظيم قدر الأنبياء ووقعهم في النفوس[53] .
وهذا مردود؛ فلا يخفى أن في الكرامة تصديقا للأنبياء، وما حصلت لهم إلا ببركة اتباعهم للرسل[54] ، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - المنكرين ورد عليهم في النبوات[55] ، كما ناقش المعتزلة في خوارق العادات من أحد عشر[56] .
وبعد؛ فليس إنكار الكرامات سديداً؛ لمعارضته من قبل الشرع والواقع، ولا التوسع فيها جائزاً؛ لمخالفته نهج الصواب .
إننا نثبت الكرامات لأولياء الله الصالحين، ونقول : ليس كل من أتانا بخارق عددناه ولياً، ما لم يكن ملتزماً بهدى السابقين الأولين -رضي الله عنهم- . وفي الوقت نفسه : لا ننتقص أحداً من الصالحين؛ لأنه لم تقع له كرامة؛ فكم من ولي لم يحصل له خارق ! وإن أعظم كرامة لزوم الاستقامة . نسألك اللهم حسن الختام .

--------------------------------
(1) شرح الطحاوية : 2/745 .
(2) الفتاوى، 3/156، وانظر شرح الواسطية لخليل هراس، ص 176، وانظر الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف للصنعاني، ص 20 .
(3) التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة للشيخ السعدي، ص 97، وانظر لوامع الأنوار، 2/294 .
(4) هذه الكرامات تجدها في السور التالية : آل عمران : 37، مريم : 25، الكهف : 17، هود : 71، 72، النمل : 40 .
(5) انظر : صحيح البخاري، ح/2358، 5084، 3465، 3436، 206 .
(6) رواه البخاري، ح/1351 .
(7) رواه البخاري، ح/456 .
(8) مع أنه حصلت له معجزات في هجرته .
(9) انظر تقديس الأشخاص، 2/288-289 .
(10) الفتاوى، 10/431 .
(11) قطر الولي، ص272 .
(12) أخرجه الترمذي، ح/3175، وصححه الألباني، ح/2537 .
(13) تلبيس إبليس، ص285 .
(14) الموافقات، 2/275-276 .
(15) مجموع الفتاوى، 11/328 .
(16) شرح الطحاوية، 2/746 .
(17) النبوات : 19 - 20 .
(18) انظر : التنبيهات اللطيفة، للسعدي : 99-100 .
(19) طبقات الشافعية، 2/333، وانظر شرح الطحاوية، 2/747، 748، وتعليقات الشيخ ابن باز رحمه الله على التعليقات المنيفة، ص98، والفرقان : 128 : 4/534 والسير : 4/934 .
(20) انظر : تعليقات ابن باز، والرسل والرسالات للأشقر، ص 155، وانظر : الفتح، 7/443 فيما نقل عن ابن بطال .
(21) الرسل والرسالات، للأشقر، 155 .
(22) الموافقات : 2/275، انظر : 2/266، وما بعدها .
(23) سير أعلام النبلاء، 15/231 .
(24) الواجب أن يبقى الإنسان متهما لنفسه في صحة عمله، سواء وقعت له الكرامة أم لا لأنه جزم بقبوله شهادة لنفسه بأن من المتقين وأنه من اهل الجنة وقد كان داب الصالحين وسنتهم البقاء بين الخوف والرجاء بعد أداء الطاعات .
(25) شرح الطحاوية، 2/747 - 748 .
(26) عد السبكي هذا الأمر من الأدلة على وقوع الكرامات، انظر طبقات الشافعية، 2/333-334 .
(27) قاعدة في المعجزات والكرامات 29، 37 .
(28) موقف ابن تيمة من الأشاعرة، د عبد الرحمن المحمود، 3/ 1378، 1782 .
(29) المصدر السابق : 3/1382 .
(30) انظر : المتريدية دراسة وتقويما، أحمد بن عوض الله الحربي، ص 386 .
(31) انظر : أصول الدين، للبغدادي : 174، 175 والإرشادية للجويني : 267، 269 والمواقف للإيجي : 240 .
(32) موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية، د أحمد بناني، ص 231 .
(33) انظر : تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، محمد أحمد لوح، 2/ 293، 311 .
(34) الطبقات الكبرى، للشعراني 2/88 .
(35) تلبيس إبليس، ص382 .
(36) الطبقات الكبرى، للشعراني، 2/132 .
(37) انظر : تلبيس إبليس، ص 383، وانظر : تقديس الأشخاص، 2/ 298، وانظر امثلة أخرى في الطبقات الكبرى للشعراني : 2/107، 126، 136، 140 .
(38) الطبقات الكبرى، 2/140 وانظر : بدع الاعتقاد، محمد الناصر، ص 223 .
(39) انظر : أولياء الله عقلاء، لابن تيمية : 75 .
(40) انظر : أصول مذهب الشيعة، د ناصر بن عبد الله القفاري 2/ 614 .
(41) انظر : بحار الأنوار : للمجلسي : 27/29-31 .
(42) أصول مذهب الشيعة : 2/623 - 262 .
(43) انظر : شرح الواسطية، لهراس، ص 178 .
(44) انظر : المعغني لعبد الجبار، 15/241 والكشاف للزمخشري، 4/ 172، والنبوات ص 16، وشرح الطحاوية، ص752 .
(45) انظر رسالة التوحيد، لمحمد رشيد رضا، ص176، 177، وتسفير المنار 12/293، 2/74، 2/316 .
(46) انظر : الدرة فيما يجب اعتقاده، ص 194، 197 .
(47) انظر : طبقات الشافعية 4/260 .
(48) انظر : طبقات الشافعية، 4/260 وما بعدها، وانظر حول الأولياء والكرامات، د الأنور : 35.
(49) المرجع السابق، شرح الطحاوية، 2/75 ولوامه الأنوار، 2/394 .
(50) المرجع السابق، 35 .
(51) طبقات الشافعية : 4/260 .
(52) الانتصاف فيما بتضمنه الكشاف من الاعتزال مع الكشاف ص 172 .
(53) لوامع الأنوار، ج2، ص394 .
(54) الفرقان، 120 .
(55) انظر : النبوات ص 204، 206 .
(56) انظر : النبوات، ص 175 - 191 .

--------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:25 AM
متصوفة اليوم بين الصحو والمحو
ـــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.abouna.org/sites/default/files/imagecache/image-670x369/news/image/***_dance_into_the_light.333122339_std.jpg


لا جَرَمَ أن متصوفة هذا الزمان في حراك مستمر، وكدح متلاحق في سبيل إحياء التصوف، وبعث رميمه، وترميم متآكله، وإحياء « الغِناء » وإيقاظ « السُّكْر » و « الاصطلام » وأشباهه[1] !
فمؤتمرات القوم تتوالى، وندواتهم تترى، وتعاهد التصوف ورعايته تجاوز « الزوايا » إلى إشاعة التصوف عبر قنواتهم الفضائية، ومواقعهم الإلكترونية، فضلاً عن الإذاعات والمجلات . وسماع الصوفية اعتراه التحويل والتطوير فلم يعد قاصراً على الدفِّ والشبابة، بل أُقحمت آلات العزف وسائر أدوات الطرب في هذا الزمان، واتسع خرق هذا السماع المحدَث والفاجر واستطار ضرره وتفاقم شرّه .
وعمد المتصوفة في السنين الأخيرة إلى إنشاء الجامعات والمراكز البحثية والمجلات المحكَّمة التي تهدف إلى إحياء ما اندرس من هذا التصوف البائد، وسعوا إلى تكوين محاضن تربوية في سبيل تنشئة الأجيال على الرهبانية المبتدعة و********ة الشوهاء .
ويلحظ في هذا النشاط المربح مظاهر صارخة من العمالة المكشوفة للغرب، والتواطؤ مع الأنظمة العَلْمانية والتعاون على الإثم والعدوان ( محاربة المدّ السلفي )، إضافة إلى ضروب من الزندقة الصلعاء والكفر البواح، كما في إحداثهم الحج إلى أضرحةٍ ومشاهد، والمجاهرة بذلك، ومضاهاة شعيرة الحجّ إلى بيت الله الحرام، والدعوة إلى الإبراهيمية ( وحدة الأديان )، والتعبُّد بالرقص والفجور كما في الموالد والذكريات .
فصوفية « الأرزاق »[2] لهم علاقات حميمة مع أمريكا، ومن ذلك : اللقاءات المتكررة لشيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر مع السفير الأمريكي ( دوني )، بل عرض السفيرُ فكرةَ دخول المتصوفة إلى الانتخابات بوصفهم تياراً دينياً « معتدلاً »[3] ! كما أن السفير المذكور حريص على حضور مولد البدوي في طنطا كل عام[4] .
وفي مؤتمر تحت رعاية الطرق الصوفية في مصر طالبوا بجَعْل التصوف مقرراً دراسياً في التعليم العام، وإفساح المجال للمنهج الصوفي لعلاج « التطرف »[5] ! وأقامتْ مؤسسة ( داود الحمراء ) في فلسطين ندوة عن الإنسانية والإبراهيمية تحت رعاية يهودية نصرانية ثم صوفية؛ إذ جمعتْ بين الحاخام والقسيس وشيخ الطريقة الخلوتية[6] ! وطالب أحدهم الحكومة الجزائرية بإنشاء تجمُّع للطرق الصوفية لمحاصرة المدّ السلفي في الجزائر، خاصة أن الرئيس الجزائري بذل جهوده من أجل نفض الغبار عن الصوفية؛ على حدّ تعبير شيخ الطريقة[7] !
وعلَّل بعض الكُتَّاب سرَّ إحياء التصوف في المغرب بأنه إرادة الحكومة من أجل مواجهة التطرف[8] .
ولم يقتصر المتصوفة على التمسُّح بأعتاب الأولياء والمجاذيب، بل ضمُّوا إلى ذلك التمسُّح بالغرب والركون إليه، كما أنهم تجاوزوا عبادة الشيوخ والغلو في المعتوهين، إلى التذلل والانطراح للأنظمة والحكومات . هذا الصحو والاستيقاظ عند المتصوفة لا ينفك عن تهافت وإفلاس؛ حيث يكشف عوار هؤلاء الطرقية وتعثُّرهم؛ إذ ركنوا إلى الكفار والأنظمة المستبدة، فوالوا أعداء الله تعالى، ولاذوا بهم، ولا يعقب ذلك إلا الصغار والخذلان .
قال - تعالى - : { لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } (الإسراء : 22) .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : « من أحبَّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله؛ فإنما تُنال وَلاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً »[9] .
فكيف إذا كانت الصِّلات مع أعداء الله - تعالى - لأجل محاربة السنَّة وأهلها ؟!
قال ابن تيمية : ( والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضاً، وإن كانوا فعلوه بتراضيهم، قال طاووس : ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرّقا عن تَقَالٍ « بغضاء » .. )[10] .
وقال أيضاً : ( وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين ( زنكي ) و صلاح الدين، ثم العادل، كيف مكّنهم الله وأيّدهم، وفتح لهم البلاد، وأذلَّ لهم الأعداء، لما قاموا من ذلك بما قاموا به، وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذلَّه الله - تعالى - وكبته )[11] .
والمقصود أن التوكل على غير الله تعالى، والركون إلى أعداء الله - تعالى - لا يخلِّف إلا الفشل والاندحار؛ فما لم يكن بالله لا يكون، وما لم يكن لن ينفع ولا يدوم، والله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين .
وأحدث زنادقة المتصوفة الحج إلى ضريح أحمدو بامبا في السنغال، ويسمّون تلك البلدة « مكة الإفريقية »، ويقال : إن عدد الحجاج خلال العام المنصرم بلغ مليون حاج[12] !
كما أحدثوا الحج إلى كازاخستان، وسمّوه الحج الأصغر ! وأطلقوا عليه : مكة الثانية، وعللوا الحج إلى تركستان لأجل مشقة الحج إلى مكة وكثرة النفقة[13] ! هذه الزندقة البشعة امتداد لزندقة الحلاّج، إذ زعم أن من فاته الحج فإنه يبني في داره بيتاً ويطوف به كما يطوف ببيت الله الحرام، ويتصدَّق على ثلاثين يتيماً .. وقد أجزأه ذلك عن الحج، فاتفق العلماء على وجوب قتله، فقُتل بسيف الشرع سنة بضع وثلاثمائة من الهجرة[14] .
كما أنها زندقة تضاهي زندقة الروافض في الحج إلى قبر الحسين، وتفضيل كربلاء على الكعبة، وأن زيارة كربلاء يوم عرفة أفضل من سائر الأيام[15] .
إن المكر الكُبَّار من أجل حيلولة الأمة عن بيت الله الحرام، والسعي إلى تفريق اجتماعها، وصرف القلوب عن مهوى أفئدة المسلمين، وأفضل البقاع على الإطلاق :
لا يرجع الطرفُ عنها حين ينظرُها حتى يعودَ إليها الطرفُ مشتاقا
واتباع الشهوات والاستمتاع بالقاذورات والانفلات من اتِّباع الشرائع؛ هو ضربة لازب لا تفارق موالد الصوفية واحتفالاتهم، فضريح ( ابن حمدوش ) في المغرب حافل بالدعارة والفواحش والشذوذ[16] .. وضريح ( أبي حصيرة ) في مصر يشهده اليهود ويعمر بالرذائل والفجور[17]، والاحتفاء بالرقص والتعبد بالغناء والتمايل والقفز هو سبيلهم للتعريف بالإسلام في الغرب !
وقال أبو الوفاء ابن عقيل : ( نص القرآن على النهي عن الرقص؛ فقال - عز وجل - : { وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا } (الإسراء : 37)، وذمَّ المختال؛ فقال - تعالى - : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } (لقمان : 18)، والرقص أشد المرح والبطر .. وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص، فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفِّق على وقاع الألحان والقضبان؛ خصوصاً إذا كانت أصوات نسوان ومردان ؟! وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين صائر أن يشمس[18] بالرقص كشمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة ؟! )[19] .
إن هذا الصحو العارض للمتصوفة سيعقبه - بإذن الله تعالى - محو واندراس، فإن الله - تعالى - إذا أراد قطع بدعة أظهرها[20] .
ومن أسباب ظهور الحق ظهور المعارضين له[21] . وإن تربية الأمة على توحيد الله تعالى، والاعتصام بنصوص الوحيين، وتعظيم الشريعة واتِّباعها، وتحرير العقول من رقِّ الخرافة واستعباد شيوخ الطرقية، وهتك أستار التصوف، وكشف حمقه وسفهه، وبيان حكم الله - تعالى- في زنادقة المتصوفة .. كل ذلك ونحوه سبيل لمحوه وانقشاعه .
قال القاسم بن أحمد ( ت 1217هـ ) :
فدع التصوفَ واثقاً بحقيقة واحرصْ ولا يغررك لمعُ سرابهِ
للقوم تعبيرٌ به تسبى النُّهَى طرباً وتثني الصّب عن أحبابهِ
فيرون حق الغير غيرَ محرم بل يزعمون بأنهم أَوْلى بهِ
لبسوا المدارعَ واستراحوا جرأة عن أمر باريهم وعن إيجابهِ
خرجوا عن الإسلام ثم تمسكوا بتصوف فتستَّروا بحجابهِ
فأولئك القوم الذين جهادُهم فرضٌ فلا يعدوك نيل ثوابهِ[22]
(*) الصحو والمحو من مصطلحات الصوفية، فالصحوة عندهم هو الرجوع إلى الإحساس بعد الغيبة والسُّكْر، والمحو غيبة العقل وذهوله ! (ينظر : معجم الصوفية، لممدوح الزوبي، ص 242، 372)، والمقصود به ها هنا : صحوة التصوف من الرقاد والزوايا، وما يتبعه من محو وانطماس بعون الله - تعالى - وتوفيقه، فالعاقبة للتقوى .

---------------------------------
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب : التصوف بين التمكين والمواجهة، لمحمد بن عبد الله المقدي .
(2) صوفية الأرزاق هم الذين يقتاتون من الأوقاف، والأسوأ من ذلك الذين يقتاتون من سفارات الغرب والأنظمة المستبدة، وقد حكى محمد رشيد رضا - رحمه الله - أن أحد النقشبندية سئل عن سبب اختلاف أصحاب هذه الطرائق في عمائمهم وأورادهم مع دعواهم أن الغرض من سلوك كل طريقة منها معرفة الله - تعالى - وعبادته، قال : (تغيير شكل لأجل الأكل) ! (فتاوى محمد رشيد رضا : 6/2418)، وقد نقل الإعلام صورة مخزية من تكالب مشايخ الطرق على عضوية المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر، وما وقع بينهم من تهارش ونزاع حاد آل إلى الطعن في تلك الانتخابات ! ينظر : موقع إسلام أون لاين 4 /1 /2008م، كما وقع صراع على مشيخة الطريقة القادرية في الجزائر، ينظر : موقع إسلام أون لاين 14/أبريل/2008م .
(3) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن جريدة اللواء 27 / 11 /2007 م، ومجلة الصوفية، العدد الثامن، عن مجلة آخر ساعة 23/ إبريل/2008م .
(4) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن صحيفة دار الحياة 12 / 12 / 2007م .
(5) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن موقع : إسلام أون لاين 6 / 1 / 2008م .
(6) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع .
(7) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن موقع : إسلام أون لاين 2 / 12 / 2007م .
(8) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد الثامن، عن صحيفة هسبريس المغربية 27/مارس/ 2008م .
(9) أخرجه ابن المبارك في الزهد (353) .
(10) مجموع الفتاوى : 15/128 .
(11) مجموع الفتاوى : 28/643 .
(12) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن وكالة الأخبار الموريتانية، 30 /12 /2007م .
(13) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع .
(14) انظر : جامع الرسائل، لابن تيمية : 1/189، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية : 2/480 - 487، 35/108 - 119 .
(15) انظر : أصول الشيعة الإثني عشرية، لناصر القفاري : 2/453-477 .
(16) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن موقع : إسلام أون لاين 28 / 11 /2007م .
(17) مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السابع، عن المصري اليوم 7 / 12 /2007 م .
(18) شَمَس : جَمَح ونفر .
(19) تلبيس إبليس، لابن الجوزي، ص 289 .
(20) قال سحنون - رحمه الله - : (أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها)، ترتيب المدارك، لعياض : 2/611 .
(21) قال ابن تيمية : (من أسباب ظهور الإيمان : ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك)، الجواب الصحيح : 1/13 .
(22) الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد، للشوكاني، ص 70 - 71 .
--------------------------------------------
**{م:البيان}
-----------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:31 AM
منهج في دراسة التصوف
ـــــــــــــــ

(لطف الله بن عبد العظيم خوجه)
ـــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ

https://fbcdn-sphotos-g-a.akamaihd.net/hphotos-ak-frc3/v/t1.0-9/c0.14.851.315/p851x315/523491_432230990151527_792918647_n.jpg?oh=e61fba10 7f2ec453154086126abcce3d&oe=55281FF6&__gda__=1433344050_10dd1227e276e8b76ff8835e061349d 3


إن للإسلام أصولاً وأحكاماً معلومة متميزة من التزم بها فهو كامل الإسلام؛ فإن أخل بشيء من أحكامه نقص من إسلامه بقدر ذلك، من غير أن ينتفي عنه وصف الإسلام، وإن أخل بأصله عامداً عن علم ورضى وأظهر ذلك انتفى عنه الوصف كلياً، فإن لم يُظهر فهو منافق له اسم الإسلام الظاهر .
ومنه يتبين أن الإسلام في أصوله وأحكامه وخصائصه ثابت لا يتغير، والمنتسبون إليه يتغيرون ويختلفون؛ فمنهم الكامل، ومنهم دون ذلك، ومنهم المفرط، ومنهم من ليس له من الإسلام إلا الاسم .
وهكذا كل ملة ونحلة قد ثبتت أصولها واستقرت : قد لا تتغير كما يتغير أهلها ويتفاوتون بحسب تطبيقهم لأصولها وفروعها .
والتصوف فكرة ونحلة وملة قديمة، موجودة قبل الإسلام، أصولها وأحكامها معروفة مستقرة ثابتة، بإقرار كافة الباحثين، من متصوفة وغير متصوفة ومستشرقين، والمنتسبون إليه منهم المتحقق بالتصوف، ومنهم دون ذلك، ومنهم من ليس له إلا الاسم دون الحقيقة .
وبناء على هذا : إن أردنا التعرف على دين أو نحلة أو فكرة ما، فعلينا أن نعتمد مصادرها التي منها نبعت وظهرت واستقرت، وبذلك نفهم حقيقة الفكرة كما هي، ولا يصح أن نلجأ إلى المنتسبين فنعتمدهم مصدراً؛ إذ يتفاوتون في الالتزام والتحقق، كما يندر أن تكون جميع حركاتهم مردها اتباع قواعد الفكرة :
- فالإسلام مثلاً : لا تُعرف حقيقته كما هي إلا من خلال القرآن والسنة . أما محاولة معرفة ذلك من خلال ما يصدر من المسلمين فهو محض الخطأ؛ فليسوا كلهم يطبقون الإسلام كما هو، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن تطبيق لتعاليم الإسلام؛ إذ الإنسان في طبعه اقتراف الحسنة والسيئة .
- وكذلك التصوف لا يمكن معرفة حقيقته كما هي إلا بالوقوف على مصادره الأصلية، وهو الذي نشأ وتأسس واستقر في الثقافات القديمة، بشهادة كافة الباحثين .
أما الاعتماد على المنتسبين المقلدين من المسلمين فخطأ منهجي؛ فليسوا كلهم يطبقون التعاليم كما هي، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن التزام بالتصوف .
إن من الخطأ في دراسة التصوف : أن يُنظر إلى الإمام الصوفي في الإسلام على أنه فكرة صوفية في كل ما يصدر عنه !! .. إن معنى ذلك أن يلصق بالتصوف ما ليس منه، مما قد يناقضه، كقولهم : « علمنا مقيد بالكتاب والسنة »[1]، فهذه المقولة توافق الإسلام؛ لأن المعرفة في الإسلام مصدرها من خارج النفس، من الوحي، لكن لا توافق التصوف؛ لأن المعرفة في التصوف مصدرها من داخل النفس، من الذوق والكشف والمنام؛ فعندما يطلق أحد الصوفية هذه المقولة فمن الجناية نسبة هذا الأصل في التلقي إلى التصوف؛ لأنه يتناقض معه كلياً، والواجب هنا : وضع كل تصرف يصدر من الصوفية في سياقه الخاص به الموافق لأصوله، بدون أن تحشر جميعها في سياق واحد ولو تشتتت أصولها؛ فالقائل : « علمنا مقيد بالكتاب والسنة » إنما يتمثل الإسلام بقوله هذا، فلا تجوز إذن تزكية التصوف به، نعم ! قد يكون باباً لتزكية قائله، أو دفع تهمة عنه، أو إحسان ظن به، أو الاعتذار له، لكن دون زيادة . ولذا فإن المنهج الصحيح هو التفريق بين الفكرة والمنتسبين إليها؛ فالفكرة الصوفية باطناً وظاهراً مخالفة للإسلام، أما المنتسبون فمنهم كذلك، ومنهم دون ذلك، ومنهم ليس كذلك، معذور بجهل، أو قلة بصيرة وإدراك، أو شبهة، ونحو ذلك .
وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بأحوال المتصوفة لتزكية التصوف، كأن يقال :هذا إمام صوفي كان مجاهداً، وهذا كان محدِّثاً، وهذا نصر الله به الإسلام، وهذا قال كذا من الحق .. إلخ؛ فكيف تذمون التصوف ؟!
فكل هذه الأخبار صحيحة، وفي الطوائف الأخرى أمثلة مثلها، لكن ليس هذا هو محل النزاع، إنما النزاع في الفكرة ذاتها؛ فهل الإسلام يقبل أن يضم إلى أصوله القول بالحلول والاتحاد والوحدة، تحت أي ظرف كان ؟
فما يكون من متصوفة الإسلام من أعمال صادقة فمردها إلى تعاليم الإسلام، لا للتصوف، وهم في ذلك مسلمون مستنون بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ليسوا متصوفة؛ فالتصوف لا يأمر بجهاد، ولا بطلب علم، ولا يجادل في هذا إلا من لا يعرف حقيقة التصوف كما هي، ولذا كان من الخطأ الفاحش نسبة هذه الأعمال ذات المقامات العالية إلى التصوف .
هذا هو المنهج العلمي : ( معرفة حقيقة الفكرة من المصدر، لا من المنتسبين ) .
غير أن طائفة من الباحثين في التصوف لم تراعِ هذا المنهج، فاختل تقويمها وتحقيقها، ذلك أنها عمدت إلى أئمة التصوف في الإسلام فجعلتهم مصدراً لمعرفة صورة الفكرة الصوفية، فنسبت إلى التصوف كل ما صدر منهم، ولما كان أئمة التصوف يمزجون، في أقوالهم وأفعالهم، بين تعاليم التصوف الذي استمدوه من الثقافات القديمة، وتعاليم الإسلام الذي استمدوه من محيطهم، اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين، فظنوا ذلك المزيج هو الصورة الحقيقية للتصوف[2]، وقد كان هذا خطأ ظاهراً؛ إذ بذلك جمعوا بين النقيضين؛ حيث إن أصل الإسلام التوحيد، وأصل التصوف الوحدة، وتوحيد الله تعالى ووحدة الوجود نقيضان لا يجتمعان، وهذا مما حمل المستشرق نيكلسون على إظهار تعجبه من تقبل المسلمين للمتصوفة وهذه عقيدتهم[3] .
وقد ترتب على ذلك : الخطأ في تصوير الإسلام نفسه؛ حيث أُلحق به ما ليس منه مما يناقضه، وكذلك الخطأ في تصوير التصوف كما هو؛ حيث أُدرجت أصوله قسراً تحت معاني النصوص الشرعية المخالفة لها، ولما كانت مناقضة التصوف للإسلام واضحة لا تخفى، فقد اضطر طائفة من الباحثين كانوا أمثل طريقة من غيرهم، محاولة للتوفيق والجمع أن يجعلوا التصوف على قسمين : إسلامي، وفلسفي . فنسبوا إلى الفلسفي كل ما يناقض الإسلام، من الحلول والاتحاد والوحدة، وما عدا ذلك من الزهد والذكر والمجاهدة جعلوه من الإسلام، وهكذا قسموا الفكرة الواحدة إلى نقيضين، مخالفين بذلك العقل والواقع[4] .
وعلى ذلك : فالمنهج الصحيح لدراسة التصوف يكون وفق الطريقة التالية :
1 - حصر المنتسبين لهذه الطريقة، ممن عرف بالتصوف وأقر على نفسه بالانتساب إليه، دون من لم يقر بذلك؛ إذ قد أُلحق بالتصوف من لم يعرفه أصلاً .
2 - جمع ما نسب إليهم من أقوال وأفعال، سواء في كتبهم أو مما نقل على ألسنتهم، لأجل فحصها وتحليلها ومعرفة ما تدور عليه من معنى أو معانٍ .
3 - بعد تحديد المعاني واتجاهات كل إمام صوفي، تعقد مقارنة بينها وبين أصول الإسلام وأحكامه؛ فما وافق الإسلام فيلحق به، وما خالفه في شيء عزل جانباً .
4 - ينظر في هذا المعزول، للدراسة والتحليل، لمعرفة حقيقته أو حقائقه، ووسائله وغاياته، ولا بد في هذه العملية من الدقة والتمهل، لتمييز الأفكار والأصول منها خاصة، حتى لا تختلط بغيرها لمجرد شبه جزئي أو عارض .
5 - إذا عرفت حقيقة الفكرة ومعانيها، حينذاك تعرض على أدلة الشريعة، لمعرفة موقفها، وحكمها، ودرجة ردها، وهل هي من المكروهات ؟ أو من الكبائر ؟ أو من الكفر ؟
6 - هنا نصل إلى الحكم على الفكرة؛ فبعد معرفة حقيقتها، وعرضها على الأدلة الشرعية نخلص إلى الحكم النهائي على الفكرة . أما المنتسبون إليها فيؤجل إصدار الأحكام عليهم بالتعيين، للحاجة إلى معرفة تحقق الشروط وانتفاء الموانع .
7 - بعد ثبوت أجنبية الفكرة عن الإسلام، تأتي المرحلة الأخيرة في الدراسة وهي : البحث عن مصادر هذه الفكرة الدخيلة، فينظر في كتب المقالات المتعلقة منها بمقالات أهل الأديان والملل القديمة قبل الإسلام تحديداً، لمعرفة موضوعها وأصولها، ويتم ذلك عن طريق ما يلي :
أ - حين تتردد في تلك الثقافات كلمة « صوفية » أو اشتقاقاتها، فالبحث يقتضي تتبع هذه الكلمة ومعرفة كل ما ورد فيها من معانٍ، فهي المقصودة بالبحث أصالة .
ب - بعد حصر تلك المعاني والأصول، تعقد المقارنة بينها وبين الأفكار التي وردت عن أئمة التصوف في هذا المعنى لمعرفة مدى موافقتهم لأصول وفروع الفكرة في القديم، وما زادوا فيه وما نقصوا .
8 - بهذا تتم الدراسة من جميع جوانبها : عرضاً، ونقداً، ورداً إلى المصادر والجذور . تلك مسألة، وأخرى تتعلق بنسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .. فقد كان لثناء الإمام ابن تيمية على بعض أئمة التصوف أثراً في المعظمين لعلمه وجهاده، حملهم على التشكيك في صحة نسبة الأقوال المنحرفة إلى أولئك الأئمة، وترجيح عدالتهم وصحة طريقتهم، وبنوا على ذلك صحة تقسيم التصوف إلى :
- معتدلٍ : وهم رجال القشيري والغزالي ونحوهم، على حد قول أبي الوفا التفتازاني[5] .
- وغالٍ : يمثله الذين ثبت عنهم القول بالحلول .
وقد استفاد المتصوفة من موقف الإمام ابن تيمية لتخفيف حدة النقد، وبعضهم جعله من المتصوفة لأجل موقفه هذا، وبالغ آخرون فزعموا أنه لا خلاف بين التصوف والسلفية !! .. فهنا مسألتان جديرتان بالبحث :
- المسألة الأولى : التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .
- المسألة الثانية : تحليل موقف الإمام ابن تيمية من التصوف .
* المسألة الأولى : التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .
الأقوال المنسوبة إلى أحد أئمة التصوف : إما أن تكون واردة في كتاب للإمام نفسه، أو نقله عنه أحد المصنفين . فإن كانت في كتاب له، فإما أن يكون الكتاب صحيح النسبة إليه فالقول ثابت، وإلا فلا .
وإن كان نقله عنه أحد المصنفين في التصوف، فإما أن يكون تلقاه منه مباشرة فالقول ثابت حينئذ، إذا كان المصنف ثقة، أو بوساطة، فإن كانوا ثقات فالقول ثابت، وإلا فلا، وكذا إن رواه بغير سند .
فالحاصل أن نسبة القول إلى أحد الأئمة تعتبر ثابتة :
إذا كان في كتاب له، قاله على سبيل التقرير . أو إذا كان الناقل ثقة، أو النقلة ثقات .
- فيما يتعلق بالحالة الأولى : فقد صنف الأئمة القدماء في التصوف، كأبي سعيد الخراز، و الحلاج، و الطوسي، و الكلاباذي، و القشيري، و السلمي، و أبي طالب المكي، و الحكيم الترمذي، و الهروي على تفاوت بينهم كتباً ورسائل لم يشكك أحد في نسبتها إليهم، لا من المتصوفة ولا غيرهم، فيها كل الأقوال والأفكار الغالية التي تمثل أصول التصوف؛ فهي إذن وثيقة صوفية تثبت أن مصنفي تلك الكتب يعتقدون بكل تلك الأقوال والأفكار المنحرفة؛ فإنهم ما علقوها على سبيل الحكاية، كلاَّ، بل على سبيل التقرير والتأصيل، ما لم يرد ما يخالفه .
ومعلوم أن مقام التقرير والتأصيل ليس كمقام الإخبار والنقل المحض؛ فالذي ينقل الأقوال في حالة التأصيل والتقرير لفكر ما، وهو منتسب إلى ذلك الفكر، لا شك هو مؤمن معتقد بتلك الأقوال .
- فيما يتعلق بالحالة الثانية : فإن الملاحظ أن كثيراً من أقوال الصوفية ليست بأسانيد أصلاً، وما كان منها بأسانيد قد يكون البحث في صحتها مفيداً، من حيث تبرئة بعض الأئمة مما نسب إليهم من القول الغالي في حال بطلان السند؛ غير أنه لا يفيد في تبرئة الفكر الصوفي من الانحراف، بعدما امتلأت مصنفات التصوف بهذه الأقوال على جهة التقرير والتأصيل؛ وذلك كافٍ في الحكم على التصوف، ووصفه بالوصف الذي يستحقه بحسب ما في تلك الأقوال من معانٍ .
غير أن مما قد يحتج به من لا يبرئ الأئمة أنفسهم مما نسب إليهم من الأقوال الغالية : ما جاء في تراجمهم من تعرضهم لإنكار العلماء، حتى لا تكاد تجد إماماً صوفياً إلا وقد تعرض للإنكار عليه من أهل العلم . أفلا ينم ذلك عن صدق ما نسب إليهم ؟[6] .
وفي كل حال نقول : إن الحكم والوصف إنما هو في حق الفكرة لا الأشخاص؛ فالفكر الصوفي ليس من الإسلام في شيء، وما عليه الفكر الصوفي من حق :
- إما أن يكون حقاً متفقاً عليه عند جميع العقلاء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، كالصدق وعدم الكذب، وتوقير الكبير والضعيف، وعدم الغش، أو السرقة، أو الخيانة، ونحو ذلك ..
- وإما أن يكون أصله مما جاء به الإسلام، كالاجتهاد في العبادات .. ثم إن الصوفية زادوا فيها .
لكن ذلك لا يسوغ تصحيح التصوف وقبوله؛ فإن الاشتراك في الوصايا الإنسانية، أو في بعض ما جاءت به الشريعة لا يلزم منه التصحيح والقبول، إلا بشرط الاشتراك في الأصول الأساسية، وأصل دين الإسلام هو التوحيد الخالص لله وحده في : ربوبيته، وإلهيته . ومخالفة أية طائفة لهذا الأصل يقطع ما بينها وبين الإسلام من صلة، ولو اشتركت معه في أصل الزهد والذكر والمجاهدة .. إلخ .
* المسألة الثانية : تحليل موقف ابن تيمية من التصوف .
في تحليل موقف ابن تيمية لا بد من ملاحظة أن ثناءه لم يكن على الفكرة الصوفية، بل على بعض الأئمة، وليس كلهم، ثم لم يكن ثناؤه عليهم بإطلاق، بل بكلمات صدرت عنهم تؤكد وجوب التقيد بالكتاب والسنة، ومن موقف كهذا لا يمكن انتزاع تزكية للفكرة والمذهب؛ فالثناء على الأشخاص لا يلزم منه تصحيح المذهب، وقد كان هذا منهجه، فردوده على المتصوفة وغيرهم من الفرق لم يكن يمنعه من التنويه والإشادة بما أصابوا فيه .
وهذا مفيد لعامة المتصوفة الذين جعلوا من الشيخ إماماً لا يخالفونه في شيء، ولو خالف الشرع؛ فاستثمار مثل هذه الكلمات لهدم هذا الصنم الصوفي المسمى بالشيخ، والعود بالمتصوفة إلى التقيد بالكتاب والسنة مكسب كبير، يدل على فطنة هذا الإمام، حيث استطاع نقض هذه الفكرة الغالية من الداخل؛ فالأتباع لا يسمعون إلا للمشايخ، فلِمَ لا تستثمر كلماتهم في نقض مذهبهم ؟
ومما يؤكد أن ابن تيمية لم يقصد بثنائه على بعض الأئمة تزكية المنهج الصوفي : ردوده على البسطامي و الحلاج و ابن عربي و ابن الفارض و ابن سبعين و التلمساني وغيرهم، من الذين بينوا حقيقة التصوف؛ فالفكرة الصوفية كانت محل نقد الإمام، في قولهم : بالتشبه بالإله، والفناء، والحلول، والاتحاد، والوحدة[7] . حتى الهروي صاحب ( منازل السائرين ) كان محل نقد الإمام؛ هذا مع كونه من كبار أئمة المتصوفة، ومواقفه في باب الصفات معروفة[8] .
وبعد : فإن أهمية نقد الفكر الصوفي تأتي من جهتين :
الأولى : تتعلق بأصل الدين الأعظم الذي به أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجله خلق الجن والإنس : ألاَّ يعبد إلا الله وحده لا شريك له، والإعراض عن عبادة ما سواه؛ فالرد على المتصوفة في هذا الباب تحقيق لهذا الأصل، الذي خالفوه وعارضوه .
الثانية : الحضور الكبير للتصوف في العالم الإسلامي؛ فما من بلد إلا ولهم فيه وجود، وهم في بعضها السواد الأعظم، ونعني بذلك كل من انتسب إلى التصوف ولو ظاهراً بالاسم؛ فإن من المتيقن أن الذين يدركون حقيقة هذا الفكر من الصوفية أنفسهم قليلون . وأما أكثرهم فلا يعرفون منه إلا الموالد والذكر، دون القضايا الفلسفية التي تمثل أصول الفكرة .
إن كل واحد من هذين الأمرين، منفرداً، سبب كافٍ للكلام في التصوف عرضاً ونقداً؛ فكيف إذا انضم بعضهما إلى بعض ؟
ومن هذا كانت العناية بدراسة التصوف، ومعرفة المنهج الصحيح لذلك، ولعلي أسهمت ولو يسيراً في فتح هذا الباب . والله الموفق .

---------------------------------------
(1) من قول الجنيد، انظر : الرسالة القشيرية، 1/117 - 118 .
(2) كان هذا سبيل كل من قسم التصوف إلى : إسلامي، وفلسفي، وهو تقسيم فاسد؛ لأنه يجعل من الفكرة الواحدة جامعة للنقيضين، وهو محال، فإما إيمان وإما كفر، أما الجمع بينهما فمحال .
(3) قال : (ولعله أن يقال : كيف يمكن لدين أقامه محمد على التوحيد الخالص المتشدد أن يصبر على هذه النحلة الجديدة، بله أن يكون معها على وفاق ؟ وإنه ليبدو أن ليس في الوسع التوفيق بين الشخصية الإلهية المنزهة، وبين الحقيقة الباطنة الموجودة في كل شيء، التي هي حياة العالم وروحه، وبرغم هذا فالصوفية بدل أن يطردوا من دائرة الإسلام، قد تقبلوا فيها وفي تذكرة الأولياء شواهد على الشطحات الغالية للحلولية الشرقية)، [الصوفية في الإسلام، ص 31]، مع ملاحظة أن هناك تجاوزات في تعبيرات المستشرق كقوله (التوحيد المتشدد)، وقوله (الشخصية الإلهية) .
(4) انظر مثلاً كتاب : (مدخل إلى التصوف الإسلامي) لأبي الوفا الغنيمي .
(5) انظر كتابه : (مدخل إلى التصوف الإسلامي)، ص 19 .
(6) انظر اللمع للطوسي، باب : ذكر جماعة المشايخ الذين رموهم بالكفر، ص 497 .
(7) انظر : المجلد الثاني، والعاشر، والحادي عشر، من مجموع الفتاوى، فأما الثاني فقد خصص للرد على الغلاة .
(8) انظر : الفتاوى، 5/485 .

---------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:37 AM
هذه هي الصوفية
ــــــــ

(لطف الله بن عبد العظيم خوجه)
ـــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://library.ara.bi/books/covers/large/2HO/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A9.jpg


مما لا يُختلف فيه : أن الفكر الصوفي حادث في الإسلام .

فقد مر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجيل الصحابة - رضوان الله عليهم -، والتابعين، وتابعيهم - رحمهم الله -، دون أن يكون لهذا الفكر أثر واضح، حتى حدث وظهر في نهاية القرن الثاني، والصوفية يقرون بهذا، لكن من جهة اللفظ دون المعنى . يقول النواوي : « فأما كلمة التصوف؛ فقد أجمع الكاتبون في هذا المقام على : أنها من الكلمات الاصطلاحية التي طرأت في أواخر القرن الثاني للهجرة »[1] .
فالصوفية يقرون بأن مصطلح ( الصوفية ) حادث، لكنهم يقولون : الأحوال الصوفية موجودة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، تمثلت في أهل الصُّفَّة .
ولأجله ذهب بعضهم إلى أن أصل التصوف مشتق من ( الصُّفّة )، وهو مكان كان يأوي إليه الفقراء في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومن ترجم منهم لأئمة التصوف : جعل أبا بكر، و عمر، و عثمان، و علياً - رضوان الله عليهم - أوائل الصوفية، ونسب إليهم كلمات في المقامات والأحوال .
والوصف المشترك بين جميع من نُسبوا إلى التصوف من أئمة القرون الثلاثة الأولى هو : الزهد، والمجاهدة . الزهد في متاع الحياة الدنيا، ومجاهدة النفس لتهذيبها، ونفي عيوبها .
ونتيجة هذا : تمثل التصوف في الزهد والمجاهدة؛ فكل زاهدٍ مجاهدٍ متصوفٌ، ومن له حال في الزهد والمجاهدة فهو : صوفي . هكذا قال بعضهم .
لكنهم لم يتفقوا على رأي واحد في أصل كلمة ( صوفية ) واشتقاقها؛ فما قرره بعضهم نقضه آخرون، وقد رجعوا بالكلمة إلى أصول ستة أو سبعة، هي :
1 - الصُّفّة :
وبهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي : « التصوف مأخوذ من أهل الصُّفَّة »[2] .
وقال الكلاباذي : « وقال قوم : إنما سموا : صوفية . لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - »[3] .
وقال السهروردي : « وقيل : سُموا صوفية؛ نسبةً إلى الصفَّة .. وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكلهم حال أولئك، لكونهم مجتمعين متآلفين، متصاحبين لله، وفي الله، كأصحاب الصفَّة »[4] .
2 - الصفاء :
قال الكلاباذي : « قالت طائفة : إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها .
وقال بشر بن الحارث : الصوفي من صفا قلبه لله »[5] .
وقال السهروردي : « قيل : كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً »[6] .
وذكر نيكولسون : أن جمهور الصوفية ذهبوا إلى أن الصوفي مشتق من الصفاء، وأنه أحد خاصة الله، الذين طهر الله قلوبهم من كدورات الدنيا[7] .
3 - الصف الأول :
قال الكلاباذي : « وقال قوم : إنما سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله - عز وجل - بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه »[8] .
وقال السهروردي كقول الكلاباذي : « سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله - عز وجل - بارتفاع هممهم، وإقبالهم على الله- تعالى - بقلوبهم، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه »[9] .
4 - الصوف :
يقول الطوسي : « نُسبوا إلى ظاهر اللبس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون؛ لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء - عليهم السلام -، والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين »[10] .
ويقول السهروردي : « ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة؛ لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق، ولكونه كان لباس الأنبياء - عليهم السلام - . فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا، وقناعتهم بسد الجوعة، وسترة العورة، واستغراقهم في أمر الآخرة، فلم يتفرغوا لملاذ النفوس وراحتها، لشدة شغلهم بخدمة مولاهم، وانصراف همهم إلى أمر الآخرة، وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق؛ لأنه يقال : تصوَّف؛ إذا لبس الصوف، كما يقال : تقمَّص؛ إذا لبس القميص »[11] .
5 - صوفة :
ذكر ابن طاهر المقدسي القيسراني بسنده إلى الحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد المقدسي قال : « سألت وليد بن القاسم : إلى أي شيء نسب الصوفي ؟ فقال : كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إلى الله - عز وجل -، وقطنوا الكعبة؛ فمن تشبه بهم فهم الصوفية .
قال عبد الغني : هؤلاء المعروفون بصوفة، هم ولد الغوث بن مر »[12] .
قال ابن الجوزي : « كانت النسبة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان والإسلام، فيقال : مؤمن مسلم . ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله - سبحانه وتعالى - عند بيته الحرام، رجل يقال له : صوفة . واسمه الغوث بن مر، فانتسبوا إليه، لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله - سبحانه وتعالى -، فسُموا بالصوفية »[13] .
ثم ذكر أثر عبد الغني المقدسي الآنف الذكر، ثم قال : « وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال : كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة، ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم : صوفة . وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب : أجز صوفة . قال الزبير : قال أبو عبيدة : وصوفة وصوفان . يقال : لكل من ولي من البيت شيئاً من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم : صوفة وصوفان .
قال الزبير : حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال : إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنَّه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له : صوفة، ولولده من بعده »[14] .
6 - صوفانة :
قال ابن الجوزي : « وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة، فنُسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه لو نُسبوا إليها لقيل : صوفاني .
وقال : آخرون : هو منسوب إلى صوفة القفا . وهي الشعيرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق، وصرفه عن الخلق »[15] .
7 - النسبة إلى جميع ما سبق : الصف الأول، والصُّفَّة، والصوف، والصفاء :
نحا إلى هذا الرأي الكلاباذي؛ حيث صحح نسبة الصوفية إلى جميع ما ذكر باعتبار المعنى، وإن كان يقر باستحالة ذلك لغة، قال :
- « وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف؛ فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا .
- ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول؛ فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم .
- فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم، وصححت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ .
وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر؛ فإن المعاني متفقة :
- لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت : صفوية .
- وإن أضيفت إلى الصف والصُّفَّة، كانت : صَفية، وصُفِّية .
- ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية[16]، وزيادتها في لفظ : الصَفية . والصُفِّية إنما كانت من تداول الألسن .
- وإن جعل مأخذه من الصوف، استقام اللفظ، وصحت العبارة من حيث اللغة .
- وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان ولزوم الأسفار »[17] .
وصنيع الكلاباذي ليس بغريب على النهج الصوفي؛ فقد رأيناه في كلام السهروردي حينما قال : « قيل : كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً »[18] .
والملاحظ في كلامه افتراض أن أصل الكلمة هي :
- صَفيّة : من الصف .
- وصُفِّيّة : من الصُّفَّة .
- وصفوية : من الصفاء .
وإنما انقلبت إلى ( صوفية ) بسبب تداول الألسن، حيث زيدت الواو في : صَفيّة، وصُفِّيّة .
وتبادل الواو والفاء المواقع في : صفوية .
وهذا قول يحتاج إلى دليل، ولم يستند إلى شيء، ولم أره لغيره .
* نقد الصوفية لهذه التعريفات :
أكثر هذه الأقوال رواجاً : النسبة إلى الصفاء؛ فقد ذكر ( نيكلسون ) : أن مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى الصُّفَّة اثنا عشر تعريفاً ينسبها إلى الصفاء؛ وذلك بالنظر في تعريفات الأئمة الصوفية، في المدة بين عام 200 إلى 440 هـ، وقد نقلها في كتابه، ثم قال : « يتبين من النظر في التعريفات أن الزمن الذي وضعت فيه يكاد يقرب من قرنين ونصف؛ لأن أولها هو تعريف معروف الكرخي المتوفى سنة 200هـ، وآخرها تعريف أبي سعيد بن أبي الخير المتوفى سنة 440 هـ، ويتبين أيضاً أنها تعريفات من أنواع مختلفة :
- إذ منها الثيوسوفي المتصل بأحوال الصوفية .
- ومنها المتصل بوحدة الوجود .
- كما أن منها الأخلاقي اللغوي، وهو ما أشبه بالحكم .
وليس في عصرنا الحاضر من ينكر اشتقاق كلمة الصوفي من الصوف، ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها سيظهر له في وضوح أن الوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء »[19] .
فهذا ما اشتهر في تعريفات من تقدم من الأئمة المتصوفة : النسبة إلى الصفاء . فهو التعريف الشائع المشهور . أما مَنْ بعدَهم فقد صاروا إلى ترجيح النسبة إلى الصوف، على الرغم من أن أئمة الصوفية لم يأبهوا لهذا الرأي، كما ذكر ( نيكلسون ) آنفاً، وكما يذكر ( القشيري ) و ( الهجويري ) .
ثم تأتي في المرتبة بعدهما النسبة إلى الصُّفَّة وإلى الصف الأول؛ فقد قال بها جمع من المتقدمين، لكن يبدو أن القائلين بالنسبة إلى الصفة أكثر .
وأما النسبة إلى الصوفة، فهي تأتي على معنيين :
- الأول : نسبة إلى رجل يدعى : صوفة . وهو الغوث بن مر بن أدّ .
- الثاني : نسبة إلى صوفة القفا، وهي : شعيرات مهملة في قفا الرأس .
فهذه النسبة، والنسبة إلى الصوفانة : بقلة تنبت في الصحراء قد ذكرت، لكن ليس على ألسنة المتصوفة، وليس لها اعتبار ثقل يوازي الأقوال الأربعة الأولى، وإن كانت الأربعة فيما بينها متفاوتة، على ما سبق تفصيله .
ويلاحظ أن جميع النسب السابقة لا تصح لغة، باعتراف أئمة التصوف، وإن كان ثبوتها أو بطلانها لغة لا تشترط فيها شهادتهم، بل يرجع إلى اللغة، غير أن إقرارهم مفيد في كل حال .
يقول القشيري : « هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال : رجل صوفي . وللجماعة : صوفية . ومن يتوصل إلى ذلك، يقال له : متصوف .
وللجماعة : المتصوفة .
وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية : قياس ولا اشتقاق . والأظهر فيه : أنه كاللقب .
- فأما قول من قال : إنه من الصوف؛ ولهذا يقال : تصوَّف؛ إذا لبس الصوف . كما يقال : تقمَّص؛ إذا لبس القميص . فذلك وجه، لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
- ومن قال : إنهم منسوبون إلى صُفَّة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالنسبة إلى الصُّفَّة لا تجيء على نحو الصوفي[20] .
- ومن قال إنه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة .
- وقول من قال : إنه مشتق من الصف؛ فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم؛ فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف .
ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ، واستحقاق اشتقاق »[21] .
يلخص القشيري رأيه في كلمات :
« وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية : قياس ولا اشتقاق . والأظهر فيه : أنه كاللقب » .
لقد رفض هذه النسب جميعاً لغةً واشتقاقاً، ولم يأبه للنسبة إلى الصفة والصفاء من حيث المعنى، إلا الصف؛ فصحح المعنى، ورد الاشتقاق . وأما الصوف؛ فقد صحح الاشتقاق منه لغة، لكنه حكم ببطلان النسبة إليه، وعلل ذلك بأن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
فالنسب كلها باطلة لغةً إذن، يستثنى منها :
- النسبة إلى الصوف .
- والنسبة إلى صوفة .
فهاتان النسبتان صحيحتان لغةً، لكن الثانية منها غير مشهورة، فأئمة التصوف كالطوسي، و الكلاباذي، و القشيري، والسهروردي وغيرهم، لم يذكروها ألبتة؛ فهي مطّرحة عندهم إذن، ويشكل عليها : أن لقب ( صوفية ) لم يعرف ولم يشتهر إلا في القرن الثاني، بينما هؤلاء الزهاد والعباد ظهروا في زمن مبكر من القرن الأول في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم -؛ فلو كان هذا اللقب مستمداً من هذا الاسم ( صوفة ) فلِمَ لم يطلق عليهم في ذلك الوقت ؟ ولِمَ تأخر حتى منتصف القرن الثاني إلى نهايته ؟ فالاسم ( صوفة ) موجود منذ الجاهلية، والمنقطعون الزهاد العباد موجودون، ومع ذلك لم يطلق عليهم اسم ( صوفية ) حتى حل القرن الثاني، ومر نصفه، ثم بدأ هذا الاسم بالظهور، كما ثبت بالبحث التاريخي؛ فهذا مما يضعف هذه النسبة .
- فلم تبق نسبة صحيحة منها، من حيث اللغة، سوى النسبة إلى الصوف .
فهذه مقبولة لغة . أما من حيث المعنى فقد رُدّت كذلك بأقوال أقطاب التصوف كالقشيري والهجويري، وإن كانت مقبولة عند غيرهما كالطوسي والسهروردي .
والنتيجة التي نخرج بها من هذا العرض : أن الصوفية لم يتفقوا على نسبة معينة؛ فإذا اطَّرحنا ما ثبت بطلانه لغة، وهو الواجب؛ لأنه لا وجه لإثبات نسبة خاطئة لغة إلا سفسطة، بقيت النسبة الصحيحة لغةً : ( الصوف ) . وهذه أيضاً لم تسلم من النقد والرد، وكان علة ذلك، كما ذكر القشيري أن القوم لم يختصوا ولم يشتهروا به . قال : « القوم لم يختصوا بلبس الصوف »[22] [**] .
وشهادة القشيري خطيرة، فيها نقض لقول من ادعى أن الصوفية اشتهروا بلباس الصوف، شهد بها إمام عارف من أئمة الصوفية المتقدمين، العارفين بأحوال بدايات التصوف؛ حيث عاش في القرنين الرابع والخامس ( 377 - 465 )، فهو من الجيل الثالث أو الرابع، والتصوف إنما نشأ في هذه الأجيال الممتدة ما بين القرن الثالث إلى الخامس، وكل ما لم يكن في هذه المدة فليس من التصوف قطعاً؛ لأن أهلها هم أئمة المذهب، وواضعوا أسسه، لا يختلف على هذا أحد .
ومما يعطي الشهادة قيمة أكبر، أنَّا لم نسمع بإمام صوفي انبرى للرد عليه وإبطال زعمه هذا، فسكوتهم دليل موافقتهم له، ويبعد أن يكونوا غير مطلعين على كتابه، بل يستحيل، فكتابه ( الرسالة ) من أشهر كتب التصوف، فمن الذي لا يعرفه من الصوفية ؟ بل سايره على هذا الرأي، ووافقه : إمام آخر معاصر له هو الهجويري، حيث قال : « واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى؛ لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، وهم يشتقون الشيء من شيء مجانس له، وكل ما هو كائن ضد الصفاء، ولا يشتق الشيء من ضده، وهذا المعنى أظهر من الشمس عند أهله، ولا يحتاج إلى العبارة »[23] .* القول الراجح في نسبة الصوفية :
بقيت نسبة أخيرة لم يذكرها أحد من المتصوفة؛ فقد رجع بعض الباحثين والمؤرخين المختصين بعلوم الديانات القديمة : الهندية والفلسفية من غير المتصوفة، بالكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة : ( سوفيا )، ومعناها : الحكمة .
وأول من عرَّف بهذا الرأي : البيروني في كتابه : « تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة » وتبعه عليه جمع، خصوصاً الباحثين المعاصرين، وفيما يلي أقوال الذين يقررون أجنبية المصطلح والفكرة عن البيئة الإسلامية :
1 - يقول أبو الريحان البيروني مبيناً أصول التصوف في الفكر الفلسفي الهندي : « ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليها، وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق، والحق هو الواحد الأول فقط .
- وهذا رأي ( السوفية ) وهم الحكماء، فإن ( سوف ) باليونانية الحكمة، وبها سمي الفيلسوف ( بيلاسوفا )، أي محب الحكمة .
- ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم، سُموا باسمهم، ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى ( الصُّفَّة )، وأنهم أصحابها في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم صُحّف بعد ذلك، فصُيّر من صوف التيوس »[24] .
2 - وبهذا قال كل من : المستشرق الألماني ( فون هامر )، و ( محمد لطفي جمعة )، و ( عبد العزيز إسلامبولي ) وذهبوا إلى ما ذكره البيروني آنفاً[25] .
3 - المستشرق نيكلسون في كتابه : ( الصوفية في الإسلام ) قال : « وكلمة Mystic التي انحدرت من الديانة الإغريقية إلى الآداب الأوروبية، يقابلها في العربية والفارسية والتركية، لغات الإسلام الثلاث الرئيسة، كلمة ( صوفي )، واللفظان على كل حال ليسا مترادفين تماماً؛ لأن للفظة الصوفي مدلول ديني خاص، وقد قيدها بالصوفية الذين يدينون بالدين الإسلامي، والكلمة العربية وإن اكتسبت على مدى الأيام مدلول الكلمة الإغريقية الواسع : شفاه مقفلة بالأسرار القدسية، وعيون مغمضة على النشوة الحالمة؛ إلا أن مدلولها كان متواضعاً يوم جرت على الألسنة لأول مرة، حوالي نهاية القرن الثاني الهجري »[26] .
- الشاهد من كلامه : أن الكلمة اكتسبت مدلول الكلمة الإغريقية على مدى الأيام؛ فهذا الرأي يرجع بمضمون الفكرة إلى جهة إغريقية، وهذا هو المهم .
4 - إبراهيم هلال قال : « على أن الأصل في تسمية هذا المذهب بالتصوف، وأصحابه بالصوفية، يوقفنا على أن التصوف في أصله إنما هو استيراد أجنبي، ليس للإسلام فيه شيء، لا في نشأته، ولا في طريقته المتزيدة، ولا في غايته أو غاياته المتعددة »[27] .
5 - الدكتور محمد جميل غازي، الذي قال : « الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة ( صوفيا ) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف »[28] .
6 - المقبلي قال : « فالتصوف ليس من مسمى الدين؛ لأن الدين كَمُلَ قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة؛ لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية؛ فحينئذ هو بدعة ضلالة »[29] .
ولهذا الرأي أدلة ترجحه على النسب السابقة، وبخاصة النسبة إلى الصوف؛ فمن ذلك :
أولاً : التشابه ما بين كلمتي ( صوفية ) و ( سوفية ) في اللفظ والرسم، وجواز التبديل بين حرفي السين والصاد .
ثانياً : اتحاد مدلول الكلمتين : ( سوفية )، ( صوفية )؛ فمدلولهما : الحكمة .
يبين هذا :
- أن الصوفي عند الصوفية هو الحكيم، وهو صاحب الحكمة . لذا يكثر دورانهم على هذا المعنى، ويجعلونه وصفاً لازماً للصوفي؛ فمن لم يكن حكيماً فليس له حظٌّ من اللقب، هكذا يقرر ابن عربي وغيره فيقول : « ومن شروط المنعوت بالتصوف : أن يكون حكيماً ذا حكمة؛ وإن لم يكن فلا حظَّ له من هذا اللقب »[30] .
- وكلمة ( سوف ) باليونانية تعني الحكمة كذلك، والفيلسوف هو محب الحكمة، وفق ما ذكر البيروني آنفاً .
فإذا كانت ( الحكمة ) هي ( التصوف )، و ( الحكيم ) هو ( الصوفي ) .. و ( الحكمة ) هي ( سوف )، و ( الحكماء ) هم ( السوفية )، فأي اتفاق بعد هذا ؟
يقول نيكلسون : « بعض الباحثين من الأوروبيين يردها إلى الكلمة الإغريقية : سوفوس، بمعنى ثيوصوفي »[31] .
وكلمة « ثيوصوفي » معناها : الحكمة الإلهية . ( ثيو = إله )، ( صوفي = الحكمة )[32] .
ويقول عبد الواحد يحيى، وهو فرنسي معاصر، أسلم وتصوف : « وأما أصل الكلمة؛ فقد اختلف فيه اختلافاً كبيراً، ووضعت فروض متعددة، وليس بعضها أوْلى من بعض، وكلها غير مقبولة، إنها في الحقيقة تسمية رمزية .

وإذا أردنا تفسيرها، ينبغي لنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها، وإنه لمن الرائع أن نلاحظ : أن القيمة العددية لحروف ( صوفي ) تمثل القيمة العدديةلحروف ( الحكيم الإلهي ) . فيكون الصوفي الحقيقي إذن هو : الرجل الذي وصل إلى الحكمة، إنه ( العارف بالله )؛ إذ إن الله لا يُعرف إلا به »[33] .
وتأتي قيمة هذا النص، من كونه في نظر الدكتور عبد الحليم محمود : صوفياً متحققاً بالتصوف، من العارفين بالله [34]، وهذه شهادة من صوفي كبير، لا خلاف في إمامته، وعليه فهذا الفرنسي المسلم المتصوف، إنما يعبر عن التصوف بعمق وإدراك لحقائقه إذن .
ثالثاً : مضمون التصوف يوافق مضمون الفلسفة ( سوفية )، فكلاهما يرميان إلى التشبه بالإله، وهذا يتبين من تعريف ( التصوف ) و ( الفلسفة ) :
- قال الجرجاني : « الفلسفة التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية، لتحصيل السعادة الأبدية، كما أمر الصادق - صلى الله عليه وسلم - في قوله : « تخلَّقوا بأخلاق الله »[35]؛ أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات، والتجرد من الجسميات »[36] .

- وابن عربي يقول :

فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا لأنه خلق فانظر ترى عجبا[37]

رابعاً : كان عند قدماء اليونان : مذهب روحي يعتنقه النساك والزهاد، ينأون بجانبهم عن الدنيا، ويلجؤون إلى أنواع المجاهدات والرياضات الروحية، يتقربون بأرواحهم إلى خالقهم، لتلقِّي الحكمة والمعارف القدسية، كان يطلق عليهم لقب : ( تيو صوفية )، ومعناه : الحكماء الإلهيون . وإذا تأملنا هذا المذهب، وما يدعو إليه الصوفية، وجدناهما سواء، كما أنهما سواء في اللقب[38] .
خامساً : من هذا القبيل طائفة من الهنود القدامى، كانوا يُعرفون باسم : ( جيمنو صوفيا ) ومعناه : الحكيم العاري . كانوا يقضون حياتهم في السياحة، متأملين الله - تعالى - . وهذا أيضاً مذهب يعتنقه صوفية الإسلام : السياحة، والتأمل[39] .
إذن هي فكرة قديمة، تجتمع كلها في لقب الحكمة ( = صوفية، أو سوفية ) .
ولهذا الرأي إشارة محتملة في كلام القشيري والهجويري، اللذين قررا أنها كلمة جامدة غير مشتقة، وربما سبب جمودها كونها أعجمية .. نعم ! يوجد في العربية ألفاظ جامدة، والكلمات المعرّبة كذلك جامدة، وليس هذا بحثنا، إنما تحرير كلام هؤلاء الذين نفوا اشتقاقها؛ فإنه يحتمل الإشارة إلى أجنبيتها؛ فلنُعِد النظر فيما قاله القشيري والهجويري في هذا المقام :
- قال القشيري : « وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب .. القوم لم يختصوا بلبس الصوف »[40] .
- وقال الهجويري : « واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى »[41] .
- وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره المستشرق نيكلسون بقوله : « ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها، سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء »[42] .
إذن النتيجة المهمة هنا :
- أن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
- ولا يشهد لاسم ( صوفية ) من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق .
- والصوفية لم يأخذوا بهذا الرأي .
فالقشيري استظهر أنه لقب، ومنع هو والهجويري أن يكون له أصل لغوي .
كل هذه إشارات إلى أعجمية الكلمة، وإن لم يصرحا بذلك، وإن حاولا التفلت من هذه النتيجة بأشياء، من قبيل تعظيم الاسم أن يكون له جنس يشتق منه، كما فعل الهجويري، غير أن هذا التسليم بمنع اشتقاق الكلمة لغةً، مع استظهار القشيري أنها لقب، يرجِّح أن الكلمة أعجمية، يدل على هذا : أن أحداً من أهل اللغة لم يقل في هذه الكلمة إنها جامدة، كما قيل في لفظ الجلالة « الله » .

بل الذي قالوه إنها كلمة مولدة . يقول أحمد المقرئ :

- « تصوَّف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة »[43] .
وكأنهما عرفا بذلك، وهذا محتمل، لكن لم يكن من السهولة التصريح بأن أصل الكلمة يونانية فلسفية، تدل على مذهب قديم، له قواعد وأصول معروفة تتشابه مع أصول الصوفية في الإسلام؛ فمثل هذا لا يمكن أن يفصح به إمام صوفي، وإلا كان عوناً على نقض مذهبه .
فالكلمة إذن ليست عربية، بل هي يونانية، أصلها : ( سوفية )، ولما دخلت إلى العربية، بدخول فلسفتها ومضمونها، غُيّر حرف السين فأشبع فصُيّر صاداً، إما عمداً أو اتفاقاً، لقرب المخارج، فدخلت الكلمة في العربية لفظاً ومعنى، ساعد عليه جواز قلب السين صاد في اللغة العربية[44] .
واستفادوا من هذا التحوير : التعمية والتضليل عن أصل الفكرة؛ فهم ( صوفية ) في الظاهر، نسبة إلى اللباس، وفي الباطن ( سوفية ) نسبة إلى الفلسفة اليونانية الهندية . يقول الدكتور عمر فروخ : « كانوا، في حال اجتماعهم مع غيرهم، يحافظون على ظاهر الدين الإسلامي، وعلى فرائضه، أما في خلواتهم، وفيما بينهم، فكان لهم أشياء يستحي العاقل من ذكرها »[45] .

------------------------------------------------
(1) مقدمة التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 4، ويقول أحمد المقرئ : (تصوف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة) المصباح المنير، ص 134 .
(2) تسعة كتب في أصول التصوف والزهد، ص 365 .
(3) التعرف، ص 27 .
(4) عوارف المعارف، 5/ 84 .
(5) التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 26 .
(6) عوارف المعارف 5/84، ذهب إلى هذا الرأي الكلاباذي في التعرف، وسيأتي كلامه .
(7) انظر : في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 66 .
(8) التعرف، ص 26 27 .
(9) عوارف المعارف، 5/ 84 .
(10) اللمع، ص 41 .
(11) عوارف المعارف، ملحق بالإحياء 5/83، وقد ذهب إلى هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية
11/195، و ابن خلدون في المقدمة، ص 467 .
(12) صفوة التصوف، ص 154 .
(13) تلبيس إبليس، ص 161 .
(14) تلبيس إبليس، ص 161، 162 .
(15) تلبيس إبليس، ص 163 .
(16) هكذا في الكتاب، ويفترض أن تكون : (صفوية) .
(17) التعرف 27 32 .
(18) عوارف المعارف 5/84، ذهب إلى هذا الرأي الكلاباذي في التعرف، وسيأتي كلامه .
(19) في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 28، وكلمة (ثيو سوفي) يونانية، معناها الحكمة الإلهية، ثيو (Theism) : الإله؛ سوفي : (Sophy) الحكمة انظر : المعجم الفلسفي 1/ 360 (مادة : التوحيد)، المورد ص 879 مادة (Sophy) .
(20) ومن جهة المعنى كذلك، فلم يكن أهل الصفة متصوفة، ولا خبر لهم بأفكار الصوفية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في إبطال تصوف أهل الصفة انظر الفتاوى 11/37، 71، قال ابن الجوزي : (وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة؛ فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال، وخرجوا، ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل : صفي) تلبيس إبليس ص162، 163 .
(21) الرسالة القشيرية، 2/ 550، 551 .
(22) الرسالة، 2/ 550، 551 .
(**) رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية أن التصوف من لبس الصوف، وجاء هذا المعنى عند بعض المتقدمين كما في تلبيس إبليس، ووجه الاختصاص بالصوف؛ لأنهم يلبسونه على سبيل التزهد والتعبد، وكان النصارى يفعلون شيئاً من ذلك انظر منهاج السنة النبوية، 4/ 43 .
(23) كشف المحجوب، 1/230، 231 .
(24) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ص27، وفي قول البيروني جواب لقول من قال : لو كان (صوفي) مأخوذاً من (سوفيا) لقيل : (سوفي)، انظر التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص 24، 29 .
(25) انظر : التصوف المنشأ والمصادر، ص 33، قضية التصوف، المنقذ من الضلال، ص32 .
(26) ص10، عن كلمة (Mystic) ومعناها، ومرادفاتها في اللغات الأخرى، انظر : المعجم الفلسفي 1/282، 747 .
(27) قطر الولي، ص 181 .
(28) الصوفية الوجه الآخر، ص 47 .
(29) العلم الشامخ، ص 470 .
(30) الفتوحات المكية، 2/ 266 .
(31) الصوفية في الإسلام، ص 11 .
(32) كلمة (ثيو سوفي) يونانية، معناها الحكمة الإلهية، ثيو (Theism) الإله؛ سوفي . (Sophy) : الحكمة انظر : المعجم الفلسفي 1/360 (مادة : التوحيد)، المورد ص 879، مادة (Sophy) .
(33) قضية التصوف، المنقذ من الضلال، عبدالحليم محمود، ص32، وانظر : اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد الرومي 1/359 والمذكور فرنسي الأصل، كان اسمه : رينيه جينو انظر : م س قضية التصوف .
(34) انظر : قضية التصوف، المدرسة الشاذلية، ص 281 .
(35) لا أصل له السلسلة الضعيفة، للألباني، رقم (2822) .
(36) التعريفات ص 73 .
(37) الفتوحات، 2/ 266 .
(38) انظر : أضواء على التصوف، طلعت غنام، ص 66 .
(39) نشأة الفكر الفلسفي، 3/ 42 .
(40) الرسالة، 2/ 550، 551 .
(41) كشف المحجوب، 1/230، 231 .
(42) في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 28 .
(42) المصباح المنير، ص 134 .
(44) شاهد هذا ما ورد عن أئمة القراءات جواز قراءة قوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ) (الفاتحة : 6)، بالسين بدل الصاد .
(45) التصوف في الإسلام، ص 20، 21 .
------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:43 AM
هل التصوف سائغ محمود مقبول ؟
ــــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــ

http://www.salafi.net/images/book23cov.jpg

كثيراً ما يقع الخلاف بسبب ألفاظ مشتركة، ومصطلحات مجملة تطلق على معان متعددة، ومن ذلك « التصوف » فهو لفظ مجمل، وحمّال وجوه؛ فقد يطلق على معان صحيحة : كالزهد، والورع، وصفاء السريرة، وقد يراد به أوراد بدعية وعبادات محدثة، كما يراد به الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، مما هو من مقالات أهل الزندقة والإلحاد .
ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فقد بيّنوا ما في هذا التصوف من إجمال يحتاج إلى تفصيل، وتحدّثوا بعلم وعدل عن مفهومه وإطلاقاته .
يقول ابن تيمية : « لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت تصوفاً؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر »، وقد أُدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعاً من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعاً من الرهبانية المبتدعة في الإسلام .

والمؤمن الكيّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله »[1] .
وقال الشاطبي : « وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صحّ بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم .
ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولاً، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين » .
ثم ساق الشاطبي - رحمه الله - المعاني الصحيحة والفاسدة في التصوف[2] .
وإذا أردنا أن نحدد نوعية التصوف الحاضر الآن فلا بد أن نتعرّف على واقع طرق التصوف وأحوالها وأدبيّاتها، وأن نستبين مقالات أرباب التصوف المعاصرين؛ وبذلك نحدد نوعية التصوف السائد في كثير من الأمصار .
فلا يقتصر على إجابة مجملة وعائمة، لا تعالج واقعاً حاضراً، ولا تشفي عليلاً، بل ربما كانت تنصلاً عن تشخيص الواقع والحكم عليه .
وهذا ما ارتكبه بعض فضلاء هذا العصر؛ حيث قرروا « الصوفية الحقة » التي كان عليها الجنيد و الفضيل - رحمهما الله تعالى - ونحوهما؛ فأوقعوا بذلك التقرير لبساً وشكاً في انحراف الصوفية المعاصرة، وتهويناً لحالهم، واسترواحاً لبعض ممارساتهم في التزكية وأحوال القلوب .
مع أن زنادقة الصوفية القدامى مناقضون لمسلك الفضيل والجنيد، فضلاً عن متأخريهم ومعاصريهم؛ فابن عربي الطائي قد أنكر على الجنيد تقريره التوحيد؛ فكان الجنيد - رحمه الله - داعيةً إلى توحيد العبادة، وأما ابن عربي فناعق بوحدة الوجود »[3] .
فصوفية الجنيد والفضيل في ذاكرة التاريخ وبطون الكتب، فليس لها حضور أو ظهور عند الصوفية المعاصرة .
وأما التعويل على كلام شيخ الإسلام وما فيه من تقرير للتصوف الصحيح، فهذا ينطبق على العبّاد الأوائل من أمثال المذكورين - الجنيد والفضيل - ونحوهما .
وأما صوفية عصره، فقد حكى حالهم من خلال واقعهم وصنيعهم، فلم يكتف بمجرد التنظير، أو التقسيم لتصوف صحيح وفاسد، بل كشف شيخ الإسلام ابن تيمية عن مخالفة أولئك الصوفية لأصول ثلاثة كبار : ( التوحيد، والاتباع، والجهاد ) فقد تلبّسوا بالشرك الخفي والجلي، وأحدثوا بدعاً متعددة، « وأما الجهاد في سبيل الله، فالغالب عليهم أنهم أبعد عنه من غيرهم »[4] .
ويقول - رحمه الله - : « وهؤلاء يدّعون محبة الله في الابتداء، ويعظمون أمر محبته، ويستحبون السماع بالغناء والدفوف، ويرونه قربة؛ لأن ذلك بزعمهم يحرّك محبة الله في قلوبهم، وإذا حُقق أمرهم وجدتَ محبتهم تشبه محبة المشركين لا محبة الموحدين؛ فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله .
وهؤلاء لا يحققون متابعة الرسول، ولا الجهاد في سبيل الله، بل كثير منهم وأكثرهم يكرهون متابعة الرسول، وهم من أبعد الناس عن الجهاد في سبيل الله، بل يعاونون أعداءه، ويدّعون محبته »[5] .
إن ترك الجهاد في سبيل الله هو النتاج الطبيعي لمذهب يقول بالجبر وتعطيل الشرائع، كما أن إلغاء الجهاد عندهم هو محصلة ما يقررونه في السلوك من تربية المريدين على الاستعباد وعدم الاعتراض على الأشياخ .
يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - : « إن الدّجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة، فإذا رأوا أنفة في مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفع، جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة، والمحافظة عليها، حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه؛ وبذلك يكون مرشحاً لعبادة الله كما يجب .
ولم يَدْر المغفلون أنهم يرشحونه أيضاً ليكون عبداً للناس جميعاً، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين الذين يقيمون وجودهم على إذلال الأمم، وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها »[6] .
وأما كون بعض الحركات الجهادية لا تخلو من تصوف كالحركة السنوسية، فهذه الحركات إنما تُحمد بقدر اتباعها لنصوص الوحيين، وجهاد تلك الحركات باعثه تحقيق التوحيد واتباع سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فما كان التصوف باعثاً للجهاد .
فالسنوسية مثلاً تؤكد على تصحيح العقيدة وفق منهج أهل السنة، وكان أتباعها يتدارسون مقدمة ابن أبي زيد القيرواني، بل إن السنوسي انتقد ممارسات الصوفية في عصره .. كما هو مبسوط في موضعه »[7] .
إن الطرق الصوفية المعاصرة إجمالاً تترنح بين ابتداع ما لم يشرعه الله، وبين شرك ما أنزل الله به من سلطان، وهم في ذلك ما بين مستقلّ ومستكثر؛ ومن ذلك أن واحداً من المتصوفة المعاصرين والجاثمين على أكثر من قناة فضائية، يظهر للعامة والدهماء بصورة الواعظ المشفق، وربما بكى أو تباكى، وقد يدعو مخالفين إلى نقاش هادئ من خلال الكتاب والسنة .
وإذا خلا مع خاصته، تحدّث بلغة « الحقيقة » و « الباطن » فقلب ظهر وظاهر المجن، واستبدل بالنقاش الهادئ إقذاعاً في سبّ مخالفيه ( أهل السنة ) ووصفهم بالبلادة والجهل وانطماس البصيرة، وتجلى كشفه عن فجور في الخصومة مع جهل كثيف بأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فقد يحتج بأحاديث لا تثبت، وقد يردّ الأحاديث الصحيحة، مع تعويل على غرائب حكايات منكرة لا خطام لها ولا زمام .
ثم مع هذا كله فهو داعية إلى الوثنية؛ فقد جوّز دعاء الأموات، وزعم أن من استغاث بعبد القادر الجيلاني فإن عبد القادر يأتي إليه بروحه، أو بروحه وجسده .
ثم تراه ساخراً ومتهكماً بتوحيد العبادة واصفاً إياه بالتوحيد الإبليسي؛ فعلى دعاة الإسلام أن يحذِّروا من أفراخ عمرو بن لحي، وأن يكشفوا عن تلوّنهم وتقلّب آرائهم بين المجلات والقنوات، وبين الزاويا والخلوات، فهذا هو العدل الذي يستحقونه، فالعدل هو أن توضع الأمور في مواضعها، والنقاط على حروفها .
ولعل قارئاً يقول : إن كان التصوف المعاصر ينقض أصلَيِ الإسلام : عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له، واتباع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فما سر انتشاره ؟ فلا شك أن غلبة الجهل بدين الله - تعالى - من أبرز أسباب ذاك الانتشار؛ ولذا فإن أعظم أسباب وأد التصوف بذل الجهود، وتقديم البرامج في تقرير إفراد الله - تعالى - بالعبادة، وإظهار سنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - .
كما أن النفوس المتفلتة من الشرع المنزّل، والمسترسلة مع أهوائها وملذاتها، تجد في التصوف بغيتها، وتلوذ بأقوام يتدينون بالغناء والرقص وصحبة المردان ويجعلون ذلك قربة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : « ولقد حدّثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس لقي شيخاً ( أي المتصوفة ) وقد جمع الناس على اجتماع ( وأحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أحضر )، فقال له : يا شيخ ! إن كان هذا هو طريق الجنة؛ فأين طريق النار ؟ »[8] .
وقال ابن القيم : « وحكى لي شخص آخر أن مغنياً عزم على التوبة، فقيل له : عليك بصحبة الفقراء ( أي الصوفية ) فإنهم يعملون على حصول الأجر، والزهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع، ولا تكاد التوبة تنتهي إليه، لتزاحمهم عليه فترك صحبتهم، وقال : أنا كنت عمري تائباً ولا أدري »[9] .
وانظر ما يسمى بـ ( طبقات الأولياء ) للشعراني، وما سوّده من كرامات السيد وحيش الذي كان يقارف الفواحش والقاذورات .. ومع الحمير !! وما قام به ولي آخر من خطبة الجمعة وهو عريان؛ أفليس هؤلاء أولياء الشيطان ؟
وانظر ما كتبه الجبرتي عما يحصل في مولد العفيفي ( ت 1172هـ ) من أنواع الخنا والفجور[10] .
ويصف الشيخ عبد الرحمن ال**** - رحمه الله - موالد الصوفية قائلاً : « وسل الأمين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها؛ فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و « الحشيش » والأجساد التي طرحها الليل على الإثم فجوراً ومعصية »[11] .
إن التصوف الآن أفيون لمتعاطيه؛ فالتصوف غارق في مصطلحات الغناء والسكر والاصطلاح ونحو ذلك مما يحصل به غيبة العقل وزواله، وأرباب التصوف سادرون في الصعق والوجد و « العشق الإلهي » !
ومن أسباب انتشار التصوف ما يتحلى به المتصوفة من خيانة وعمالة للمستعمر، ومسارعة في الخنوع والانبطاح للأنظمة والحكومات .
ومن ذلك أن ( ليون روش ) الفرنسي قام برحلة إلى مصر سنة 1842م متنكراً في زي حاج مسلم، من أجل الحصول على موافقة من العلماء على نص فتوى جاء بها من الجزائر تجعل الجهاد ضد الفرنسيين من باب إلقاء النفس إلى التهلكة، ومن ثم ضرورة الرضا بحكم الفرنسيين في الجزائر، وعدم شرعية المقاومة التي يقودها الأمير عبد القادر الجزائري، وقد شارك ( روش ) في هذه الرحلة وصياغة مجموعة من شيوخ الصوفية[12] .
لذا لا غرابة أن يختار الغربُ التصوف سلاحاً في سبيل مواجهة المدّ السني السلفي .
وإن تفريط أهل السنة وتقصيرهم من أسباب انتشار التصوف، فقد فرّط بعض أهل السنة في تقرير وتحقيق أعمال القلوب، وما يتعلق بمسائل السلوك، وتزكية النفوس، والرقائق مع جلالة هذه الموضوعات، ومسيس الحاجة إلى الاشتغال .
وكذا تفريط بعض إخواننا في دعوة المتصوفة، ومناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والردّ على انحرافاتهم بعلم وعدل . فنسأل الله - تعالى - أن يهدي ضال المسلمين، وأن يثبت مطيعهم وبالله التوفيق .

---------------------------------------------
(1) الفتاوى، 11/28، 29 = باختصار وتصرف .
(2) انظر : الاعتصام، 1/ 265 269 .
(3) انظر : بسط ذلك في الاستقامة، لابن تيمية، 1/ 92، 93، ومجموع الفتاوى، 10/497، ومنهاج السنة، 5/40 .
(4) الاستقامة، 1/268 .
(5) منهاج السنة النبوية، 5/328، 329 = باختصار .
(6) تأملات في الدين والحياة، ص 173 .
(7) انظر : الحركة السنوسية في ليبيا، للدكتور علي الصلابي، 1/ 147 - 174 .
(8) الاستقامة، 1/317 = بتصرف يسير، وانظر : السماع، لابن القيم، ص 342 .
(9) السماع، لابن القيم، ص 342 .
(10) تاريخ الجبرتي، 1/304 .
(11) هذه هي الصوفية، ص 160، 161 = باختصار .
(12) انظر : الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية (من إصدار دارة الملك عبد العزيز بالرياض، 1/ 249، وتاريخ الجزيرة، لمسعود الجزائري، ص 284) .
-------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-20-2015, 09:48 AM
وَذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً
ـــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ـــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.islamland.com/uploads/books/%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%8 5%D8%B4%D8%B1%D9%83%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%AA%D8% B5%D8%AF%D9%8A%D9%82%D9%87%D9%85%20%D8%A8%D8%A7%D9 %84%D9%84%D9%87%20%D9%81%D9%8A%20%D8%B6%D9%88%D8%A 1%20%D9%82%D9%88%D9%84%D9%87%20%D8%AA%D8%B9%D8%A7% D9%84%D9%89%20%7B%D9%88%D9%85%D8%A7%20%D9%8A%D8%A4 %D9%85%D9%86%20%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1%D9%87%D9%8 5%20%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D8%A5%D9%84% D8%A7%20%D9%88%D9%87%D9%85%20%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9 %83%D9%88%D9%86%7D.jpg


شاهد بعض ملوك فارس اجتماعاً لبعض المتصوفة، وقد أُحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أُحضر، فقال الملك لشيخهم : يا شيخ ! إن كان هذا هو طريق الجنَّة؛ فأين طريق النار ؟[1]
لقد عكف فِئام من المتصوفة على سماع الْمُكاء والتصدية، والمصاحَب بالدفّ والشبابة والمزمار وضرب الأوتار، وإنما حدث هذا السماع بعد القرون المفضَّلة؛ فلما تأخر الزمان وفترت العزائم عن السماع المشروع مما أنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ استعاضوا عنه بالسماع المحدَث من العقائد والأشعار، والنظر إلى الصور المحرَّمة، وتمادوا في ذلك، حتى آلَ أمرهم إلى إنشاد قصائد الحلول والاتحاد ونحوها من البدع المكفِّرة [2] .
ومما استجدَّ في هذا العصر ما يسمى بالأغاني الدينية عند أهل الطرب والمجون؛ فبينما المغني ( يتكسّر ) بلهوه، ويترنَّم بمجونه على المسارح؛ إذا هو بعينه ينشد ( التواشيح الدينية )، ويتواجد في الزوايا والموالد، وبآلات العزف ولحون الغناء نفسها !
وأضحت ( الموالد ) و ( المشاهد ) أوكاراً للسماع المحدث وغناء المجون، واختلاط النساء بالرجال ومقارفة الفواحش .. ومن ذلك : ما سطّره المؤرخ الجبرتي في شأن مشهد عبد الوهاب العفيفي ( ت 1172هـ ) وما يحصل عنده من طرب وفحش فقال : ( ثم إنهم ابتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وأرباب الملاهي والبغايا ... ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً .. )[3] .
ومثال آخر : مشهد الإنبابي بمصر؛ فقد ذكر المؤرخون أن فيه من الفساد ما لا يوصف، حتى إن الناس وجدوا حول هذا المشهد أكثر من ألف جرة خمر فارغة، وأما ما حكي عن الزنى واللواط فكثير لا يحصى[4] .
ومن أواخر هذه البلايا ما حصل في مولد أحمد البدوي بطنطا مصر آخر عام 1428هـ الذي مضى قريباً، من الشرك الصراح، والزعيق والصراخ، ورقص الرجال مع النساء مصحوباً بالمعازف والاختلاط ( والاحتضان )[5] !
ورحم الله الشيخ عبد الرحمن ال**** القائل : ( وسلِ الآمِّين تلك الموالدَ عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها، فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويحتسون آثام الخمر ( والحشيش )، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية .. )[6] .
لقد أنكر العلماء السابقون ما وقع عند المتصوفة في عصرهم من الرقص واللهو، والتقرّب إلى الله بذلك؛ فقد سئل الحلواني من علماء الحنفية عمّن سمّوا أنفسهم الصوفية، واختصوا بنوع لِبسة، واشتغلوا باللهو والرقص وادّعوا لأنفسهم المنزلة . فقال : أفتروا على الله، أم بهم جنة ؟!
وقال القرطبي في كتابه ( الُمفهِم ) : ( وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير، حتى لقد ظهرتْ من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقحُ بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القُرَب وصالح الأعمال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل المخْرَقة، والله المستعان ) .
فكيف لو أدرك أولئك العلماء صوفيةَ هذا العصر، والمولعين بما هو أشنع وأقبح من أنواع المجون والفحش ؟!
ومع هذا التهتك والتفلُّت عن تحكيم الشرع واتِّباع السُّنَّة، إلا أن أولئك الصوفية أصحاب أمانٍ جامحة ودعاوى عريضة؛ فهم كما يرون أنفسهم أهل الذوق والوجد، وأرباب الصفا والحبّ، لكن هذه الدعاوى سرعان ما تتساقط وتزول عند أدنى ابتلاء أو امتحان، ( غاية الدعوى مع غاية العجز )، فأين الذوق وحبّ الله تعالى عند قوم نقضوا أعظم أسباب ذلك من الاتِّباع والجهاد في سبيل الله ؟!
والتنصُّل عن الصراط المستقيم، والانحلال من ربقة الاتِّباع هو ما تمليه النفوس الجاهلة والتي تركن إلى أهوائها، وتسترْوِح ملذاتها، وتأنف من التسليم والانقياد لأحكام الدين ( وذلك أن النفس فيها نوع من الكِبْر، فتحبّ أن تخرج من العبودية والاتِّباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله - : ما ترك أحد شيئاً من السُّنَّة إلا لكِبْر في نفسه )[7] .
( وقال ابن عقيل : لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَام، عَدَلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم )[8] .
إن التصوف بشهادة بعض المعجبين به تفرّد بالتجويد في الموسيقى والغناء، فكانت مجالس الذكر الصوفي مدارس لتخريج المغنين؛ إذ إن الذكر عندهم يكون وَفْق أنغام محددة، وآلات موسيقية[9] !
وسماع الصوفية بأصواته ولحونه له تأثيره على تلك النفوس؛ فهو يؤجج المشاعر ويحرك الوجدان، لكن بلا علم ولا كتاب منير ( ومعلوم أن النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيدة بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافتكّها من أسرها، وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين : إما غليظ كثيف الحجاب، وإما مكابر؛ فمضرة هذا السماع على النفوس أعظم من مضرة حُمَيَّا الكؤوس )[10] .
وهذا السماع وما يتفرع عنه من إنشاد متهتك، وصراخ وتواجد، وتواشيح مبتدَعة؛ لا ينفكُّ عن تشهِّي النساء وأشباههنَّ، بل يتجاوزه إلى الاختلاط والعشق والعناق ...
والمتأمل في العبادات الشرعية كالصلاة والصيام والاعتكاف والحج، يلحظ أن شأن هذه الشهوات ينافي تلك العبادات؛ ففي الصلاة مُنعت المرأة أن تؤمَّ الرجال، وأن تقف في صفهم، بل تتأخر عن صفوف الرجال، وجعل مرورها بين يدي المصلي قاطعاً لصلاته . ومُنِع المحرِم في الحج من النكاح والمباشرة والأسباب الداعية إلى ذلك . وكذلك الاعتكاف نُهي فيه عن مباشرة زوجه، وكذا الصيام؛ كل هذا لتخلو العبادات من التعلق بالنساء وصورهن، ويصير تعلّق القلب كله بالله وحده[11] .
كما أن السماع المحدَث دائر بين الكفر والفسوق والعصيان، بل اشتمل على أكثر ما حرّمه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الله تعالى قال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (الأعراف : 33) .
فاشتمل هذا السماع على هذه الأمور التي هي قواعد المحرمات؛ فإن فيه الفواحش الظاهرة والباطنة والإعانة على أسبابها، والإثم، والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله بلا علمِ ما اللهُ به عليم؛ فإنه تنوَّعَ، وتفرَّقَ أهله فيه، لكل قوم ذوق ومشرب يفارقون به غيرهم، حتى في الأشعار والحركات والأذواق، فوقع فيه الاضطراب والاختلاف، وصار أهله من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون[12] .

----------------------------------
(1) انظر : الاستقامة : 1/317، الكلام على مسألة السماع، ص 342 .
(2) انظر : الدرء : 7/290، ومجموعة الرسائل الكبرى : 2/302، والاستقامة : 1/304 .
(3) تاريخ الجبرتي : 1/304؛ باختصار .
(4) انظر : السيد البدوي، لأحمد منصور، 323 .
(5) انظر : مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السادس .
(6) هذه هي الصوفية، 160 161 .
(7) اقتضاء الصراط المستقيم : 2/612، والمنهاج : 5/332 .
(8) تلبيس إبليس، ص 450 .
(9) انظر : التصوف الإسلامي، لزكي مبارك، ص 189 - 199 .
(10) الكلام على مسألة السماع، ص 333، وانظر : الاستقامة : 1/378 - 306 .
(11) انظر : الاستقامة : 1/314، والسماع لابن القيم، ص 341 .
(12) انظر : الاستقامة : 1/310، والسماع، ص 337 .
------------------------------------------

عبدالناصر محمود
01-22-2015, 09:20 AM
الاستشراق الغربي ودعم الصوفية، طوفان مغرق متجدد*
ـــــــــــــــــــــــــــــ

2 / 4 / 1436 هــ
22 / 1 / 2015 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_9042.jpg



كمثل مالك لثروة لا يقدر قيمتها ورث أغلب المسلمين الإسلام ديانة، تعلموها بصفتها ديانة الأبوين، وربما تعلموا العلوم الشرعية، وربما صاروا أيضا من دعاتها وشيوخها لكنهم لم يقدروا قيمة هذا الدين الحقيقية، ولم ينتبهوا لما في هذا الدين من تلبية لحاجة كل إنسان ولا لجوانب عظمته التي نشأت من كونه العقيدة الخاتمة التي أرسلت للبشرية بعد نضجها وجعلت خاتمة الرسالات التي ستتعامل مع كل العقول البشرية إلى قيام الساعة.

وعلى الرغم من عدم انتباه الكثير من المسلمين لقيمة ما يحملون من دين ومن نقاط قوة فيه إلا أن المستشرقين درسوا الإسلام جيدا فوجدوه متكاملا قويا حيا نشطا ليس فيه نقاط ضعف يمكنهم أن يخترقوه منها، ولكنهم وجدوا نقطة يمكنهم التسلل من خلالها، ألا وهي الصوفية، فكان قرارهم دعم الصوفية كرؤية وحيدة مقبولة للإسلام حيث تساهم معهم في هدم حقيقة الإسلام بفصل الدين عن الحياة.

فيقول المؤرخ والباحث دانيال بايبس [1] "الغرب يسعى إلى مصالحة التصوف الإسلامي ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصائه نهائياً عن قضايا السياسة والاقتصاد، وبالطريقة نفسها التي استُخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة" [2].

ولهذا أيد الغرب الصوفية في العالم الإسلامي ودعمها ونفخ في نيرانها لتثبيت أركانها في الدول الإسلامية، فنشرت مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» الأمريكية تقريرا بعنوان "عقول وقلوب ودولارات"، جاء في أهم فقراته: "يعتقد الإستراتيجيون الأمريكيون بشكل متزايد أن الحركة الصوفية بأفرعها العالمية قد تكون واحداً من أفضل الأسلحة، ولذا فإنهم يدفعون علناً باتجاه تعزيز العلاقة مع الحركة الصوفية، ومن بين البنود المقترحة استخدام المعونة الأمريكية لترميم المزارات الصوفية في الخارج والحفاظ على مخطوطاتها الكلاسيكية التي تعود إلى القرون الوسطى وترجمتها، ودفع الحكومات لتشجيع نهضة صوفية في بلادها" [3].

وكما حرص المستشرقون على دعم الصوفية حرصت قوات الاحتلال لكل قطر إسلامي على دعم الصوفية بكل وسيلة، فحـينما دخلـت الـقـوات الصليـبية الأمريـكـية والبريطـانيـة إلى أفغانستان كـان أول ما قامـوا به أنـهـم فتـحوا المـزارات والأضـرحـة، وسـمحوا للمـوالد أن تقــام وروجـوا لها، فيقـول أحـد شيـوخ الطـرق واسـمه (صوفي محمد) وهو فـي الستـين من عمـره لوكـالة (رويتـرز): (إن حركة طالبان المتعـصبة أغلـقـت المزارات وأوقفت الاحتفالات ومنعتنا مـن حـلقـات الذكـر والإنشـاد طــوال فـتــرة حكـمــها رغــم أنـهـا لم تتـوقف حتـى في وجـود الحـكم الشيوعي والاحتلال الروسي! وأنـا سعـيد جداً بسقوط تلك الحركة المتعصبة، وأمريـكا سمـحت لنـا بمـمارسـة طقـوسنا وإقامة موالدنا، ونحن نشكر لها ذلك وبشدة) [4].

ولا يزال المستشرقون – حتى لو أعلنوا إسلامهم – يدعمون هذا الاتجاه الصوفي، ويحسنون صورته أمام المسلمين، ويروجونه على انه هو الصورة المثلى للإسلام، ومن العجب أنهم يبدءون بث هذه السموم في المغرب حيث تعتبر المغرب معقلا من أهم معاقل الصوفية التي بدلت الصورة التي حافظت الصوفية عليها من الذكر والزهد والمعاني الإسلامية ونقلتها فكريا إلى الأفكار والعقائد الباطلة مثل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية وغيرها.

فاستضاف منتدى "Tribune Libre"، المقام في مدرسة HEM بالرباط محاضرة للكاتب والمحاضر الفرنسي المسلم والمتصوف من جامعة ستراسبورغ إيريك جوفروا [5]، بعنوان "المسار الروحي في الإسلام" وعرض فيها تعريفا لظاهرة التصوف في الدين الإسلامي كمسار متطور وكممارسة تحمل الكثير من الأبعاد والدلالات، ورد فيها عن بعض الأسئلة المقلقة حول دور ومكانة التصوف في الإسلام واستخدم اللفتة الكريمة التي تكررت في القران الكريم "أفلا يتفكرون" للاستدلال على أهمية التصوف في الإسلام حيث اعتبر ان التفكر هو أول خطوات التصوف.

واعتبر هذا المحاضر أن "سبب تخلف المسلمين وارتكانهم إلى السطحية والجمود، هو التركيز على ظواهر الناس ومراقبة تدينهم عبر وضعه في قوالب قانونية وفقهية"، وهي فكرة خبيثة حيث تطرح جانبا بل وتهاجم أهمية فهم قضية شروط الإيمان والإسلام وأهمية مراعاة الضوابط والأحكام الإسلامية التي تحكم حياة المسلمين داخل سياج الإسلام.

ولم ينس المحاضر من الثناء على كتب الصوفية التي لم تخل من شطحاتهم ومنكراتهم دون أن ينبه إلى بعض ما فيها من غلو وإفراط في جانب وتهاون في جوانب صحيحة، فذكر كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي المتوفي سنة 505هـ، والكتاب فيه العديد من التحفظات أو المزيد من إنكار أهل العلم على ما جاء في بعضه، ولكنه قدمه كنموذج وحيد للكتب الإسلامية التي قال عنها أنها "تظهر ما في الإسلام من روح قادرة على بعث وإحياء العلوم الدينية عبر الاستفادة من وسطية الإسلام التي تدعوا إلى عقلانية منفتحة تجمع بين الذكر والفكر وبين التأمل في الآفاق وفي النفس كما جاء في الآية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).

ولم ينس المحاضر الذي جاء يعلم المسلمين دينهم أن للاجتهاد أهمية في الإصلاح خاصة إذا كان مستمدا من روحانية الإنسان الصافية والتي لا يمكن أن تقبل بالإسلام كإيديولوجية دوغمائية، فالإصلاح في نظر المحاضر هو التحول، أي الالتقاء بين كتل مختلفة وحصول تفاعلات تحولها، ويؤكد ويقول "خاصة إذا علمنا أن الحقيقة متعددة الأبعاد ولا تنحصر في زاوية واحدة "، وبهذا يمكن القول بان الاجتهاد المقبول في نظر المحاضر يشمل كل شئ في الإسلام من العقائد والثوابت والعبادات وغيرها، بل يقبل البحث أيضا في وجود دين آخر يمكن ان يقبل به المسلم على انه صواب أيضا لان الحقيقة كما زعم "متعددة الأبعاد"، والمسلمون يقبلون بالاجتهاد ويرحبون به ولا يعتبرون بابه مغلقا في الفروع لا الأصول، وفي الفقه لا في العقيدة.

وطالب الباحث المستشرق الفرنسي المسلمين بالا يكونوا دوغمائيين، ولم يكن الإسلام يوما داعيا للدوغمائية ولا يقبل بها، فالدوغمائية تعني التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته، والإسلام ابعد ما يكون عنها، فكم تكررت في القران الكريم الآية الكريمة "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".

وبالطبع استطال الباحث على الحضور بذكره المصطلحات التي تغمض على الكثيرين، فقال: "احذر من السقوط في الفكر النيتشوي العدمي الذي يكفر بكل شيء، فرغم الاعتراف بنسبية الحقيقة إلا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بإنكار وجود حقيقة، حقيقة بمعناها العام La Réalité. فعبر القرون لم يستطع الإنسان إنكار وجود الله فيه وبالتالي معرفته ولا يدري احد من قال في الإسلام بالفكر النتشوي العدمي الذي ينكر الحقائق، فالإسلام يخالف هذا الفكر جملة وتفصيلا، فما جاء الإسلام إلا ليقر الحقائق ويثبتها لا ان يلغيها ويهدمها ويترك الإنسان حائرا في أفكارهم الغربية العدمية التي أرادوا نشرها بين أبنائنا، فهذه بضاعتهم وليست بضاعتنا.

وفي نهاية محاضرته سمى المحاضر الصوفية باسم جديد ليدلل على قيمتها فسمها بالمشروع التحريري ******** للإسلام فقال: "إن المشروع التحريري ******** للإسلام قادر على حل كثير من الخلافات وإحداث نهضة عالمية، فهو على سبيل المثال يحقق تجاوزا للثنائية المادية للصراع بين الذكر والأنثى وينتقل بها إلى رحابة التوحيد في عبادة الله وحبه والاستخلاف في أرضه. وبذلك فإن فمنهج الفكر الصوفي هو الاحتواء وليس الإقصاء، الشمولية وليس التجزيئية. وهو ما انتبه إليه الشاعر الألماني جوته فقال "إذا كان هذا هو الإسلام، فنحن جميعا مسلمون".

وبهذا في نهاية كلامه وباستدلاله بكلمات الشاعر الألماني جوته فان الصوفية تفرغ تماما الإسلام من مضمونه لتجعله مجموعة طقوس وطلاسم تنحصر داخل زاوية مهجورة، ويصبح اغلب أصحابها بطون وفروج، وبهذا يتم إخراج الإسلام عقيدة وشريعة من الكون، فقال جوته معقبا "إذا كان هذا هو الإسلام، فنحن جميعا مسلمون"، وصوابها لو كانت الصوفية هي الإسلام فكلنا صوفيون " وهم العلمانيون والملاحدة واللادينيون، فلا فرق بين الصوفية وبين كل هؤلاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مؤلف ومؤرخ أمريكي متخصص في نقد الإسلام. بايبس هو مؤسس ومدير منتدى الشرق الأوسط وهو مركز أبحاث، وكذلك مؤسس كامبس وتش التي يصفها الكثير من المثقفين والباحثين بأنها منظمة لمضايقة الباحثين والعلماء الذين ينتقدون إسرائيل.

[2] جريدة (الزمان) ـ العدد (1633) ـ التاريخ (12/10/2003م).

[3] الملحق الأسبوعي للعرب اليوم الأردنية في25/4/2005 وأيضا الطبعة الإلكترونية من مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» الأمريكية العدد (25/4/2005م)

[4] نقض العرى.. رؤية في البديل الغربي للتيار السلفي. محمد بن عبد الله المقدي، موقع المختصر

[5] أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة ستراسبورج الفرنسية، أسلم بعد رحلة طويلة تنقل فيها بين العقائد والأديان مثل النصرانية والبوذية

--------------------------------------