المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهجوم العلماني يطال الإسلام المعتدل


عبدالناصر محمود
01-21-2015, 08:53 AM
الهجوم العلماني يطال الإسلام المعتدل*
ــــــــــــــــــــ

غرة ربيع الآخر 1436 هــ
21 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_9036.jpg

بناء على مبدأ المادية والنفعية التي تقوم عليه الليبرالية وأختها العلمانية، وانسجاما مع القانون الميكافيللي "الغاية تبرر الوسيلة"، يجد العلمانيون العرب فسحة ومجالا رحبا للنفاق والتلون مع الوقائع والأحداث، فعدو الأمس صديق اليوم ما دام قد وصل إلى سدة الحكم، وصديق اليوم عدو الغد إن ذهبت منه السلطة والقوة، ويبقى الإسلام هو العدو الأول والأخير للعلمانية في العصر الحديث.

فبعد أن كان الهجوم العلماني بكامله منصب على الإسلام المتشدد والمتطرف – حسب تعبيرهم وتصنيفهم الباطل فالإسلام حق ولا يوصف بمثل هذه الأوصاف –، بينما تكال عبارات المديح والثناء على ما يسمونه "الإسلام المعتدل"، تحولت بوصلة الهجوم العلماني في هذه الأيام على صديق الأمس – الإسلام المعتدل - والذي تمت مهادنته نفاقا لتجاوز عقبة أو مرحلة زمنية سياسية على ما يبدو.

وضمن هذا المنهج العلماني في التعاطي مع التيار الإسلامي بمختلف تصنيفاته وفئاته، يمكن فهم مقال الكاتب جعفر المظفر على موقع الحوار المتمدن بعنوان " حينما يكون الخلل في الإعتدال لا في التطرف".

بدأ الكاتب مقاله باتهام التيار الإسلامي بالنفاق بقوله: " الواقع أن هناك الكثير من جوانب النفاق وكثير من اللف والدوران على الجانب الإسلامي...فالإسلاميون يؤكدون على ضرورة وجود نص قانوني دولي يحرم التجاوز على المقدسات، لكن كثيرا منهم ينظرون إلى أتباع كل الديانات الأخرى بأفكار أفضلها تلك التي تعتبرهم أهل ذمة".

والحقيقة أن النفاق واللف والدوران سمة علمانية بارزة، والأحداث والوقائع التي مرت بدول ما عرف بالربيع العربي تؤكد ذلك، ثم أين الخطأ في مطالبة التيار الإسلامي بحرمة جميع الأديان دون استثناء ؟! وتحريم المس بالمقدسات وجميع الأنبياء والمرسلين ؟! أما تعبير "أهل الذمة" فيشمل غير المسلمين في الدولة الإسلامية، وتاريخ الخلافة الإسلامية لا يشق له غبار في حسن معاملة غير المسلمين حين كانت لهم دولة وخلافة.

وبعد أن كال الكاتب عبارات المدح والثناء على الغرب المتسامح مع المسلمين على أرضه، وسوء رد المسلمين لهذا المعروف والجميل حسب زعمه، استخدام الافتراء لتبرئة الغرب من العنصرية، وإلصاقها بالمسلمين بقوله: "ويوم يحتج المسلم اللاجئ ضد ما يدعيه من ممارسات عنصرية ضده، فإن أكثر أنظمته الإسلامية الحالية - حتى تلك التي تدعي الاعتدال - تعمل تحت شعار: "اطردوا الكفار من جزيرة العرب"، وتكاد البقية من المسيحيين أو الصابئة أن تصبح جزءا من جنس منقرض, أما اليهودي فقد أصبح مفردة غرضها الشتيمة".

والحقيقة التي يشهد الواقع أن الغرب هو من يمارس العنصرية تجاه المسلمين هناك، بدعم واضح من بعض الأحزاب اليمينية المتشددة، وبتغافل حكومي واضح وظاهر، وأن أعين العلمانيين تتعامى عن مئات الآلاف من أهل السنة الذين قتلوا في كل من سورية والعراق وإفريقيا الوسطى وأركان....الخ، ناهيك عن الملايين المشردين والمهجرين منهم في كل بقاع الأرض، ولا ترى إلا حفنة من الإيزيديين والمسيحيين هنا وهناك !!

وبعد محاولات الكاتب ربط الإسلام بأمثال "داعش" لتشويه صورته في ذهن القارئ، ومطالبته بدولة علمانية وثقافة سياسية غير متأرجحة أو متذبذبة، وبخروج الدين نهائيا عن السياسية، بل و بتحريم ذلك التدخل بنص دستوري، انتقد أغلب دساتير الدول الإسلامية التي قدمت نفسها كدول علمانية، وهي ما زالت عاجزة عن الخروج كليا من حالة القرآن دستورنا – حسب زعمه -، أو لا تمتلك شجاعة الإفصاح الدستوري عن حالة الفصل كليا ما بين الدين والدولة كما فعل الغرب.

والسؤال الذي يوجه للكاتب: ماذا قدمت العلمانية للشعوب العربية خلال فترة حكمها لعقود خلت غير التخلف والفساد والمحسوبية ؟! فلماذا تطالب ببقائها واستمرارها ما دامت قد فشلت فشلا ذريعا على جميع المستويات ؟!

وفي ختام المقال يصل الكاتب إلى بيت القصيد في هجومه على الإسلام المعتدل فيقول: "إن مأزقنا التاريخي في حقيقته ليس في الإسلام التكفيري، بل في الإسلام المعتدل الذي يبقينا في مساحة الصراع الإسلامي ليجعلها مفتوحة على مصراعيها لثقافات تكفيرية تمتلك مثله حق تفسير الإسلام بالطريقة التي تعتقد صوابها..... وأرى أن إدانة ما يسمى بالإسلام السياسي المعتدل يجب أن تسبق إدانة الإسلام المتطرف, إذا لم يسعى الأول إلى الخروج بإسلامه من دائرة النفاق واللف والدوران التي وضع نفسه فيها وأخذنا معه أيضا".

والحقيقة أن الكاتب يريد أن يصل إلى نتيجة مفادها: "لا نريد إسلاما البتة لا متطرف ولا معتدل" وقد استخدم أسلوب اللف والدوران الذي يتهم به التيار الإسلامي للوصول إلى هذه النتيجة.

إن العلمانية في الحقيقة تعادي الإسلام كله، وتضع جميع التيارات الإسلامية في سلة واحدة - سواء منها المعتدل وغير المعتدل - ولا تريد أن ترى أي شيء يمت إلى الإسلام بصلة في البلاد العربية، وما هذه التصنيفات والتقسيمات إلا مصطلحات تستخدمها للوصول إلى هذه الغاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــ