المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذهبة الصراعات الإقليمية في المشرق


عبدالناصر محمود
01-23-2015, 08:28 AM
مذهبة الصراعات الإقليمية في الشرق وتداعياتها الممتدة
ــــــــــــــــــــــــــ

(محمد سليمان الزواوي)
ـــــــــــــــ


3 / 4 / 1436 هــ
23 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710522012015011313.jpg


تدخل المنطقة الممتدة من إيران وحتى ساحل المتوسط في عملية من إعادة الترتيب بناء على عدة متغيرات جذرية حدثت في العقد الماضي منذ دخول الأمريكان إلى العراق، وما تلاه من انكسار المنظومة العربية عبر بوابتها الشرقية، ومن ثم انسكاب النفوذ الإيراني إلى المنطقة مغذىً بارتفاع أسعار النفط، وبتغير البيئة الاستراتيجية للمنطقة. ولأن النظام الإيراني يعتمد بالأساس على البعد العقدي في سياساته الخارجية وفي توجهاته الإقليمية، فإن هذا الاصطباغ ترجم على الأرض بدعم الطوائف المشابهة لفكرته وعقيدته، وبدأت تحدث تحولات في خريطة الولاءات على الأرض، لتنتقل من مظلة القومية العربية إلى مظلة المذهبية، لاسيما بعد اندلاع الربيع العربي، المتغير الثاني الجذري، والذي أدى إلى مزيد من صعود أيدلوجيات الإسلام السياسي، وتفكك البنية الجامعة للمنطقة والتي كانت المظلة العربية، مما أدى إلى تقسيم المنطقة إلى دوائر منعزلة للنفوذ. فالمد المذهبي الشيعي قابله دعم خليجي للمليشيات السنية في مناطق التماس، وتمحور ذاتي للممالك الخليجية لتشكيل دائرة ذات بعدين مذهبي سني (غير حركي)، وآخر سياسي ملكي تقليدي، وكلا البعدين أديا إلى تخندق الدائرة الخليجية واتخاذها وضع الدفاع المتقدم خارج حدودها في كل من العراق ومصر وسوريا ولبنان واليمن.
وغير الدائرتين الخليجية والإيرانية يبرز الدور التركي المنحسر في المنطقة، والذي تم تخفيض درجته من الآمال في الهيمنة، إلى دور قائد التكامل الإقليمي؛ ليصطدم هذا الدور بمذهبة الصراعات الإقليمية؛ ليتم حسره في إطار براجماتي لرعاية مصالحه التي تضررت بشدة بعد الربيع العربي، ليحتفظ بما تبقى له من نفوذ إقليمي آخذ في الانحسار.
وفي هذا الإطار تبرز إشكالية مذهبة الصراعات الإقليمية، وإعادة تشكيل المنطقة طبقًا لخطوط التماس المذهبية، وتأثير ذلك على الدائرة الخليجية ومن ثم النظام الإقليمي العربي، ومخرجات تلك العملية التي تشهد مخاضًا لم يتبلور بعد، في إطار تدافع للقوى والنفوذ في تلك المنطقة التي تعد قلب العالم الإسلامي.
وفي هذه الدراسة سنحاول الإجابة على السؤال الرئيس التالي: ما هي تداعيات مذهبة الصراعات الإقليمية في المنطقة؟ ويتفرع عنه الأسئلة البحثية التالية: ما هو مستقبل خريطة المنطقة، وما هي طبيعة الدورين الإيراني والتركي اللذين في طور التشكل، وما هي آفاق عقد شراكة رباعية بين إيران وتركيا وسوريا والعراق، وما تداعيات ذلك على البعد العرقي وآمال تشكل كيان كردي، وما هو الدور الخارجي في الإقليم وتأثيراته على التحولات فيه.
ويرى الباحث أن يستخدم منهج تحليل النظم الإقليمية للإجابة على تلك الأسئلة، ومع استخدام اقتراب الدور لتحليل الدورين التركي والإيراني وتحولاتهما في المنطقة.
المحور الأول: طبيعة التحولات الجارية على الإقليم ومذهبة الصراعات:
حدثت ثلاثة تحولات جذرية في الإقليم أدت إلى تغيير خريطته الإقليمية وإعادة ترتيبها بناء على الانحيازات المذهبية؛ تلك التحولات الثلاثة هي:
1. الغزو الأمريكي للعراق، والذي أدى إلى انهيار البوابة الشرقية للعالم العربي ومن ثم فتح الباب واسعًا أمام انسكاب النفوذ الإيراني بعد زوال القبضة الحديدية لصدام حسين التي كانت تجمع شتات العراق بمذاهبه وعرقياته، لتدخل البلاد في حالة سيولة وإعادة ترتيب مثلت تجسيدًا لمبدأ الفوضى الخلاقة الذي بشرت به كوندوليزا رايس بعد غزو العراق[1]، أدت إلى تقسيم البلاد فعليا إلى إقليم يتمتع بحكم ذاتي في الشمال أشبه بدولة مستقلة وهي الكيان الكردي، وإلى دائرة نفوذ إيرانية تسيطر عليها الشيعة يتبعها ميليشيات وجيش يتهم بالطائفية، بالإضافة إلى عشائر أهل السنة في الغرب والتي تمحورت حول ذاتها وهويتها السنية المذهبية كرد فعل لهيمنة المذهبية على حكومة بغداد.
2. الربيع العربي الذي أفرز مدا شعبيا نافس سلطة الحكومات المركزية وأدى إلى تحدي البنية السلطوية وزوال قبضتها الحديدية كما في الحالة السورية، مما أفرز صعود الجماعات المسلحة التي سرعان ما اتخذت بعدًا مذهبيًا بسبب تركيبة الجيش السوري وأجهزته السيادية التي يسيطر عليها العلويون، ثم تدخل إيران وحزب الله لدعم الطائفة العلوية[2] مما أدى إلى استقطاب الجهاديين من أنحاء العالم ليتحول الصراع السوري إلى حرب طائفية تقاطعت مع الساحة العراقية.
3. انهيار الحلول السياسية التي تستند إلى الديموقراطية والاحتكام إلى الصناديق كترياق للاختلافات المذهبية بين الفصائل المتصارعة كما في حالتي العراق ولبنان التي دخلت هي الأخرى في حالة من الجمود السياسي كأثر من آثار الحرب الطائفية في سوريا،(بالإضافة إلى استدعاء الجيش في مصر من النخبة الليبرالية كنموذج آخر لانهيار الحلول السياسية في المنطقة) مما أدى إلى علو أسهم الحلول الراديكالية التي تمثلت في لجوء أهل السنة في العراق إلى السلاح لنيل حقوقهم المهضومة في ظل حكومة المالكي، كما قاربت الحالة اللبنانية من الانزلاق إلى حرب أهلية طائفية هي الأخرى كتداعيات للتفاعلات في المنطقة لاسيما الصراع السوري.
لذلك فإن تلك التحولات الثلاثة في الإقليم أدت مجتمعة إلى انفراط عقد النظام العربي وانهيار مظلته الجامعة التي كانت رمزيًا متمثلة في الجامعة العربية التي أصبحت فعليًا من التاريخ، وأدت إلى حالة من السيولة ومخاض لخريطة جديدة تتشكل على الأرض، وأدت تلك الحالة أيضًا إلى استثارة النزاعات العرقية، وتدخلت تركيا لحماية التركمان ورعاية مصالحهم بعد حالات اختطاف لمواطنين أتراك ودبلوماسيين في مناطق التركمان[3]، كما أدت إلى مزيد من تخندق الأكراد حول هويتهم وذاتهم ومنطقتهم للحكم الذاتي استشعارًا لمخاطر التقسيمات الطائفية التي تلوح في الأفق وتهدد مواردها النفطية وكيان إقليمها شبه المستقل.
لذلك فإن الخريطة الإقليمية اصطبغت في المنطقة الواقعة من إيران وحتى ساحل المتوسط بالصبغة الطائفية، بعد أزمة الحكم في كل من العراق وسوريا، مع استمرار هشاشة الوضع الداخلي الفسيفسائي في لبنان التي بني نظامها بالأساس على المحاصصة الطائفية، وأزيلت خطوط التقسيم الدولية التي بنيت على إثر اتفاقية سايكس بيكو[4]، ليتم إنشاء كيانات جديدة على الأرض وتم فعليًا إزالة الحدود الدولية بين سوريا والعراق، وإزالة سواتر ترابية تفصل بين نينوى في شمال غرب العراق والحسكة في شمال شرق سوريا[5].
هذا مع الوضع في الاعتبار أن المنطقة العربية برمتها غير مستقرة هوياتيًا بسبب أن البريطانيين عندما تركوا المنطقة لم ينشئوا دولا قومية راسخة تستطيع احتواء وصهر الخلافات العرقية والمذهبية الممتدة، ويرى بعض المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين أن الدولتين الأكثر تماسكًا في المنطقة هما إيران وإسرائيل؛ من حيث ثبات النظام السياسي وقومية الدولة ورسوخها، وأن مصر على سبيل المثال لن يصلح فيها سوى حكم استبدادي كما كانت طوال تاريخها في عصر الفراعين، وأن ليبيا هي بالأساس عبارة عن تجمّع فيدرالي لذلك ستعود كما كانت عبارة عن أقاليم ثلاثة، وأنه في حال انهيار الأنظمة الاستبدادية ـ كما يجري حاليًا ـ فإن جميع الكيانات والعرقيات والطوائف ستجنح إلى ولاءاتها القديمة، مثل القبيلة والعرق والطائفة وستُغلّب ذلك على مبدأ "قومية" الدولة، مما ينذر بتشظي الدول مخلفة وراءها قلاقل "طويلة الأمد"، وأن المنطقة بكاملها تتفكك وستدخل في صراع مذهبي وهوياتي ممتد[6].
كما يرى بعضهم أن إيران تاريخيًا تعتبر وريثة المنطقة الممتدة من أفغانستان وحتى غزة، وأنها قادرة على استعادة نفوذها في تلك المناطق بسبب رسوخ دولتها في عهد الإمبراطورية الفارسية، وأن الإمبراطورية الإسلامية أقيمت بالأساس على النظام الإداري والعلمي والمعرفي للفرس، وأن إيران وفي حالة تخفيف التشدد الديني للنظام في البلاد عن طريق عقد صفقات مع الغرب ستعود لتتخطى كونها شرطي المنطقة كما كانت توصف في عصر الشاه، لتصبح مسيطرة ومهيمنة على المنطقة الممتدة في جغرافية الإمبراطورية الفارسية بتنوعها الثقافي والحضاري[7].
ومع نضوب النفط المتوقع خلال عقدين في دول المنطقة، فمن المتوقع أن تحدث قلاقل اجتماعية كبرى حتى في الدول التي ظلت مستقرة منذ عقود وأن تقسيمها مذهبيًا وهوياتيًا ليس مستبعدًا، فالخرائط الأمريكية تشير إلى أن السعودية يمكن أن تقسم إلى ثلاثة مناطق أساسية: هضبة نجد في المنتصف وتأوي الوهابيين ولا تحتوى سوى على 400 ألف برميل نفط، ومنطقة الحجاز، والمنطقة الشرقية التي تحتوي على أكبر الآبار النفطية السعودية، وأن وجود القلاقل المذهبية في المنطقة ربما تمتد إلى هناك لاسيما بعد تكرار التوترات المذهبية في تلك المناطق ووقوع مناوشات مع الشرطة كثيرًا ما أسفرت عن وقوع ضحايا[8].
المحور الثاني: ردود الفعل الإقليمية والدولية على مذهبة الصراعات:
منذ أن قامت الثورة الإيرانية ونشوء النظام المذهبي الجعفري الذي أقيم على إثرها وهي تحاول تصدير ثورتها إلى نقاط التماس التي تشكل امتدادًا طبيعيًا لمجالها الحيوي؛ فبالإضافة إلى قبائل الهزارة الشيعية غرب أفغانستان وامتداداتها داخل باكستان، فإن الساحل الشرقي للخليج العربي بالإضافة إلى الحوثية في اليمن والجنوب اللبناني بقيادة حزب الله ظلت مناطق تأثير للدولة الإيرانية، ولكن زوال نظام صدام حسين وانهيار الدولة العراقية في أعقاب الاحتلال الأمريكي مثّل بزوغ الفرصة الأكبر للدولة الإيرانية لمحاولة بسط سيطرتها على العراق الذي طالما كان يعتبر الامتداد الجيواستراتيجي الطبيعي للدولة الفارسية منذ عهد الكسروية.
ومع وضوح البعد العقدي المذهبي للنظام السياسي الإيراني الحالي فإن سياستها الخارجية تشكلت بناء على دعم الطوائف المذهبية الجعفرية بصفة خاصة والشيعية منها بصفة عامة حتى العلوية والإسماعيلية والزيدية منها، ودعمت الحركة الحوثية في اليمن بعد صراعها مع النظام منذ 2004 حتى جاء شهر نوفمبر عام 2009 عندما دخل الحوثيون في حرب مع السعودية عندما أعلنت الرياض أن الحوثيين احتلوا جبل الدخان [9]، بالإضافة إلى أحداث دماج في صعدة اليمنية والمواجهات بين السنة والشيعة هناك، والتي أدت إلى سيطرة الحوثيين في النهاية على المشهد اليمني بعد دخول قواتهم إلى صنعاء وهيمنتهم على مباحثات تشكيل الحكومة اليمنية، وهو ما أدى إلى ارتفاع وتيرة الصراع المذهبي منذ ذلك الحين حول الجزيرة العربية من الساحل الشرقي حتى الجنوب اليمني ومن إريتريا والتواجد الإيراني في جزيرة دهلك في البحر الأحمر وصعودًا حتى سوريا ولبنان وانتهاء بالساحة العراقية بطوق كامل حول الجزيرة العربية[10].
ومن هذا المنطلق حملت السعودية لواء الدفاع عن المصالح الخليجية بمقاومة المد الشيعي فكريًا وعسكريًا؛ عن طريق دعم فضائيات ومؤسسات إعلامية وجمعيات خيرية وكذلك عن طريق دعم بعض المليشيات المسلحة كما كان ذلك إبان حقبة الأمير بندر بن سلطان قبل أن يتولى محمد بن نايف هذا الملف[11]، ولأن المملكة تخشى من تصاعد الإسلام السياسي أو الثوري سواء على غرار المذهب الشيعي أو إثر الربيع العربي، فإن الرياض ظلت متمسكة بدعم النمط الوهابي والسلفية التقليدية التي تستقي منها العائلة المالكة أسس شرعيتها بتحالف مؤسسها مع محمد ابن عبد الوهاب، وظلت تقاوم جماعة الإخوان المسلمين عبر الربيع العربي ولاسيما على حدودها الجنوبية في اليمن ومقاومتها لحركة الإصلاح اليمنية المحسوبة على الإخوان المسلمين، حتى لو جاء ذلك بدعم مرحلي للحوثيين بالترتيب مع علي عبد الله صالح من وراء الستار، وذلك لوقف التقدم السياسي للإخوان المسلمين حتى لو جاء ذلك بمناورة تكتيكية بدعم الخصماء المدعومين إيرانيًا مرحليًا لمعادلة القوة اليمنية ليحطم بعضها بعضًا وتظل الرياض متحكمة في الخيوط السياسية في ذلك البلد الحيوية للمملكة.
وقد أعلنت حكومة المالكي عن القبض على عدد من ضباط الاستخبارات السعودية وزعمت أنهم دخلوا من سوريا إلى الحدود العراقية للقتال مع قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وحذر المالكي نفسه أن دولا إقليمية سوف تدفع الثمن بتدخلها في الشأن العراقي في إشارة واضحة للسعودية[12]، وهو أوضح تهديد للمملكة منذ تولي الشيعة قيادة الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد، كما رشحت أنباء عن سحب إيران لقوات من الحرس الثوري وفيلق القدس من سوريا لدعم قوات المالكي والدفاع عن العاصمة بغداد إثر تضافر الأنباء التي تفيد بنية الثوار السنة بالزحف نحو العاصمة[13].
ومع تصاعد الأوضاع في العراق أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تتدخل على الأرض بقوات في البلاد، كما أشارت إلى صعوبة توجيه ضربات جوية لقوات داعش، وهذا ربما يعزز الشكوك التي أفادت بأن الولايات المتحدة لم تسئ تخطيط استراتيجيتها عند غزوها للعراق كما زعم البعض آنذاك، ولكن إدارة بوش الابن أخرجت خطط غزو العراق من أدراجها بعد أحداث سبتمبر من أجل نشر الفوضى الخلاقة والتي تهدف إلى إزالة الحكم السلطوي لصدام حسين لفتح الباب أمام تدمير المنطقة مذهبيا واعتبارها أرضًا محروقة أمام الكيان الصهيوني، كما عضدت تلك الشكوك ذلك التقارب الأمريكي الأخير مع إيران بشأن برنامجها النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عنها بعد أن قارب اقتصادها على الوصول إلى نقطة الكسر نتيجة لتلك العقوبات[14]، وأن معادلة القوة العربية الإيرانية وتحطيم بعضهم بعضًا يصب في المصلحة العليا للولايات المتحدة وهي تغادر المنطقة من أجل إعادة تمركزها نحو آسيا وهي السياسة المعروفة باسم Pivot to Asia، من أجل ترك المنطقة تحطم بعضها بعضها لصالح الكيان الصهيوني الذي أصبح فعليًا قوة إقليمية عظمى بعد انهيار الأنظمة من العراق وحتى ليبيا.
كما أن التنسيق الأمني بين الولايات المتحدة وحكومة المالكي تحت العين الإيرانية يعضد تلك الشكوك أيضًا، لاسيما بدعوات المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، بفتح باب التطوع لنصرة جيشه الذي يرى على أنه جيش طائفي في أعين السنة، لاسيما بعد الفتاوى الشيعية بوجوب نصرة الجيش العراقي والتطوع في صفوفه وهو ما تحقق على الأرض فعليًا، مما جعل الجنرال بيترايوس ينتقد الولايات المتحدة بأنها أصبحت ذراعًا للمليشيات الشيعية[15]، والتي تعد صاحبة اليد العليا في البلاد بعد الاحتلال الأمريكي، والتي أبرزها جيش المهدي الذي يتكون من قرابة المائة ألف مقاتل، وفيلق بدر وحزب الله العراقي وعصائب الحق، والذي تظهره الصورة التالية:
المجموعات المسلحة الشيعية العربية في العراق، المصدر: العربي الجديد
كما أن الجمهورية الإسلامية لم تكتف بمتطوعي الشيعة العرب، بل رشحت أنباء عن تجنيد الحرس الثوري للاجئين شيعة أفغان للقتال في سوريا، ووعدهم براتب 500 دولار شهريًا وأوراق إقامة إيرانية، وأن جنازات مقاتليها بدأت تظهر منذ نوفمبر 2013، وأن تجنيدهم كان بالأساس من أجل تعويض قتلى الحرس الثوري الذين يدافعون عن الأسد[16].
المحور الثالث: تطور الدورين الإيراني والتركي وأثرهما على المنطقة:
ينطلق الدور الإيراني في المنطقة من قاعدة رعاية المذهب الشيعي ومنتسبيه، بحكم مذهبية النظام الذي ينص في دستوره على أن المذهب الجعفري الاثناعشري هو المذهب الرسمي للدولة وهو مذهب رئيسها أيضًا، مع استبعاد المرشحين الذين لا يتفقون مع المعايير المذهبية في أية انتخابات بدءًا من البرلمانية ووصولا إلى الرئاسية على يد مجلس ***** الدستور[17]، ومن هذا المنطلق ينظر للجمهورية الإسلامية على أنها دولة مذهبية لها مرجعية دينية وهو المرشد الأعلى، وتستخدم مرجعيتها من أجل نشر مذهبها ونفوذها الإقليمي في المنطقة، والذي يعد بالضرورة خصمًا من الأمن القومي العربي[18].
كما أن السلوك الإيراني في سياساتها الخارجية يصطبغ بالطائفية في ردود فعلها على ثورات الشعوب، فالنظام الإيراني مؤسس على فكرة الثورة انطلاقًا من الأدبيات الشيعية وثورة الحسين وانتصار الدم على السيف، ولكن تجد ازدواجية واضحة في المعايير في التعامل مع الانتفاضتين السورية والبحرينية على سبيل المثال، وذلك بناء على الطائفية؛ فدعمت إيران انتفاضة الشيعة في البحرين بينما عملت بكل ما تمتلك من قوة ووسائل ناعمة وصلبة من أجل وأد الثورة السورية والتي ثار فيها أغلبية سنية واضحة على النظام العلوي في البلاد، واعتبرت أن معركة دمشق هي معركة مصيرية بسبب محوريتها في مخططات الهيمنة الإيرانية على المنطقة[19].
كما أن التركيبة السياسية والدينية للنظام الإيراني تعطي صلاحيات واسعة للمرشد الأعلى وأذرعه المتمثلة في الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات وسيطرته على مفاصل الدولة ومؤسساتها، في حين تنحسر الإرادة الشعبية في نطاق ضيق يتمثل في اختيار نوابه ورئيس الجمهورية لكن بدون دور فعلي في التأثير على السياسات وتصحيح مساراتها إذا انحرفت عن جادة الطريق، وما ظهر طليا في تغليبها للمذهبية والطائفية في سياساتها الخارجية حتى على مصالح الشعب الإيراني واستنزاف موارده لملاحقة أحلام التوسع المذهبي في المنطقة في حين يعاني المواطن العادي من شظف العيش[20]. وقد مثل مجيئ روحاني رغبة شعبية في تغيير المسار المتشدد للمرشد ولمزيد من الانفتاح على دول الجوار، إلا أن التحركات على الأرض لا تفيد بذلك حتى الآن.
فالنسق العقيدي لصانع القرار في السياسة الخارجية يلعب وظيفة هامة في تحديد أهداف وأولويات القائد السياسي، وبالتالي اختياره بين البدائل المفضلة في موقف معين؛ فالنسق العقيدي يتضمن عقائد محددة عن طبيعة العالم السياسي والنسق الدولي وطبيعة الأعداء السياسيين والعلاقة بينهم واستراتيجياتهم والأساليب المثلى لاختيار الأهداف، والاستراتيجيات المثلى لتحقيق الأهداف وإمكانية اتخاذ المخاطرة السياسية، ودور القوة العسكرية في تحقيق الأهداف، ويقوم القائد السياسي بتوظيف هذه العقائد كمعيار للاختيار أو كقاعدة لاتخاذ القرار Decision Rule حينما يواجه موقفًا محددًا، وهذا الأثر المباشر للنسق العقيدي أو ما يعبر عنه بالبعد التفضيلي للنسق العقيدي[21].
ويظهر البعد العقيدي لصانع القرار السياسي الإيراني واضحًا في كل أركان النظام السياسي الإيراني الذي يظهر فيه بوضوح أثر المذهبية ومكانة المرشد وخطبته للجمعة وتفضيلاته السياسية وخيارات الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، كما وضح كذلك في تصريحات لنوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي شبه المواجهات التي تحدث في بلاده بالمواجهة بين الحسين رضي الله عنه ويزيد، في إسقاط واضح للطائفية السياسية ومدى تجذرها في عقيدة وذهنية صانع القرار العراقي الذي تهيمن عليه السياسات الطائفية بنفوذ واضح لطهران على الحكومة ذات الغالبية الشيعية في بغداد[22].
وتعد إيران راعية لساسة العالم العربي من الشيعة الذين لم يخفوا ارتباطهم الروحي بالمرشد الأعلى، مثلما صرح بذلك حسن نصر الله أنه يدين بالولاء لخامنئي، كما أن إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي الأسبق ووزير الخارجية الحالي، والعضو المؤسس بمليشيات بدر، كان دائم التواجد في إيران وكذلك مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي كان يعالج في إيران لفترة وكذلك كانت طهران ملجأه عندما هرب بعد إعدام صدام مخافة ملاحقته، وكذلك الارتباط العضوي الواضح بين النظام العلوي في سوريا وبين طهران التي دعمته بالمال والسلاح والعتاد والمقاتلين وفعلت كل ما في وسعها لكي تمنع نظامه من السقوط.
كما أن وجود حزب الله في سوريا ببعده الطائفي وروابطه الممتدة حتى طهران تنظيميًا وعسكريًا وسياسيًا، وبثه للفوضى المذهبية في مناطق الجنوب اللبناني وامتداد تلك الفوضى حتى الداخل السوري، أدى إلى تصاعد الطائفية على الساحة اللبنانية بمواجهات بين السنة والشيعة داخل لبنان وخارجها في الحرب بالوكالة لصالح النظام الإيراني في سوريا ودعم الحزب لقوات بشار الأسد ومقاتلة أهل السنة هنك بتدويل الصراع السوري وبدعم أساسي للمصالح الإيرانية الممتدة في المنطقة.
لذلك فإن الدور الإيراني في المنطقة هو دور يسعى إلى تصدير الثورة الإسلامية بمرجعيتها المذهبية، وبربطها مع الحكومات والطوائف والمليشيات التي تتبع المذهب الشيعي بتفريعاته المختلفة، وتستند على نموذجها المقاوم للضغوط الغربية والحفاظ على سيادتها وحماية مصالحها القومية المتمثلة في برنامجها النووي السلمي، ومستندة كذلك على تقدمها النسبي في الصناعات العسكرية والدفاعية ومحاولة وصولها إلى الاكتفاء الذاتي، لذلك تبدو الشخصية الوطنية الإيرانية بمثابة مقاوم شيعي حاملا سيف الدفاع عن المذهب والتبشير به في المنطقة، ومن ناحيتها، توظف إيران، باعتبارها دولة إقليمية كبيرة، قدراتها وتحالفها مع النظام السوري لتوفير الغطاء الإقليمي لمشروعية حزب الله اللبناني وحماية دوره في الداخل والخارج، وفي كلا الحالين يتم ضرب منطق الدولة وإضعافه لمصلحة منطق القوة المعتمِد على تلاقي المصالح الطائفية وتحالفاتها، بما يولد مشاعر الكراهية والأحقاد ويجعل من الطائفية المرجعية الأولى للفعل ورد الفعل خارج القانون والمنطق أيضًا بازدواجية في التعامل مع الثورات العربية[23].
وعلى الجانب الآخر يبرز الدور التركي الآخذ في الانحسار في المنطقة، فبعد أن كان نموذجًا للعالم العربي بتجربة حزبه العدالة والتنمية الذي جمع بين الإسلام والديموقراطية معًا، وقدرته على تنويع سياساته الخارجية بتواصله مع الشرق والغرب باعتباره جسر ودولة مركز في محيطها على حد سواء، وبطموحات أولية لتصفير المشكلات مع جيرانه والانفتاح من جديد على العالم العربي، إلا أن ظروفًا عدة تضافرت معًا من أجل حسر دوره في المنطقة؛ فبعد أن كان يلعب دور قائد التكامل الإقليمي بطموحات للانفتاح على أنظمة المنطقة ولعبه لدور أكبر في سياساتها، وبعد أن لعب كذلك دور "صانع السلام" برعايته للسلام بين إسرائيل وكل من سوريا وحماس، فإن دوره الحالي تقزم بعد الانقلاب المصري وبعد الحروب الطائفية في المنطقة، والتي حرقت استثماراته في سوريا وليبيا، وبعد أن كانت سوريا بمثابة بوابة دخوله للعالم العربي بعقده لعدد كبير من الاتفاقات معها وفتحه للحدود وآماله في التكامل الاقتصادي، جاءت الثورة السورية لتحرق الأرض أمام نفوذه وتصاعدت الأزمات التي وصلت إلى عقر أراضيه بانفجار مدينة ريحانلي الذي راح ضحيتها 40 قتيلاً، مع استياء من الأقلية العلوية في لواء الاسكندرون (هاتاي) من تعامله مع الثورة السورية والنظام العلوي في دمشق[24].
كما أن الحرائق المذهبية امتدت إلى الأقلية التركمانية في العراق وتم اختطاف عدة مواطنين أتراك بينهم دبلوماسيون، وأدى تصاعد الصراع المذهبي إلى مهاجمة ضريح تركي في سوريا، وبدت تركيا عاجزة عن تقديم أي حلول أو مبادرات مثلما طمح أحمد داود أوغلو في السابق أن سياسات تركيا في المنطقة ستعتمد على المبادرات وليس على سياسة رد الفعل[25]،
ويبدو أن الدور التركي الآخذ في الانحسار سيغض طرفه لفترة من الزمن عن المنطقة بسبب عجزه عن التأثير فيها وسيقتصر دوره على إطفاء الحرائق، فيما يبدو أنه قد لجأ إلى تعزيز شراكته بعيدًا عن كل من الربيع العربي والحروب المذهبية على حد سواء، ليعقد اتفاقات موسعة مع الجزائر التي توفر له مقدارًا كبيرًا من الغاز الذي يحتاجه بشدة أثناء نموه الاقتصادي المتزايد[26]، وربما يحول رهانه على الدول المستقرة وليس بالضرورة على الأنظمة المشابهة له في التوجه السياسي، لذا فإن دور "المدافع عن الأيدلوجية"، وهي الإسلام السياسي الحركي الذي يتصالح مع الديموقراطية قد انحسر هو الآخر، ولا يبدو أن أنقرة باتت تريد الترويج لهذا النموذج الآن ولكن جل آمالها في المرحلة الراهنة هي إعادة ترتيب بيتها الداخلي بعد تصاعد أحداث ميدان تقسيم واشتعال تظاهرات ضد أردوجان ونيته في الترشح للرئاسة واستمراره على قمة حزبه.
وعلى الجانب الآخر فإن إقليم كردستان العراقي يشق طريقه نحو مزيد من الاستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد، وقرر أن يقوم بتصدير النفط الخام مباشرة إلى تركيا بدون التنسيق مع الحكومة المركزية التي عاقبته بحجب مخصصاته، وفي خضم تلك الصراعات المذهبية وإعادة تشكل الخريطة الإقليمية، وإزالة الحدود بين سوريا والعراق فإن الأقلية الكردية في سوريا ربما تنتعش لديها آمال الانضمام إلى كردستان العراق، والتقدم خطوة جديدة نحو دولتها التي تحلم بها منذ أمد، كما أن تخفيف القبضة التركية على أكراد الشرق ومبادرات حزب العدالة والتنمية لتفهم متطلباتهم الثقافية والإنسانية في إطار "الانفتاحة الكردية"، فيمكن أن يتم عقد مبادرة ما لضم إقليمي كردستان العراق وسوريا وتركيا في إطار ترتيبات بعينها تسمح باستيعاب الأكراد تحت مظلة ما، حيث صرح أحمد داود أوغلو في السابق أن الشعوب في المنطقة لا تريد مزيد من الحدود ولكن إزالة تلك الحدود المصطنعة، في إشارة ربما إلى إنشاء مظلة جامعة مثل الاتحاد الأوروبي تكون فوق وطنية تحقق اتحادًا ما ربما لا يزال في طور التشكل[27].
فتركيا لا يمكنها الاستغناء عن المناطق الكردية التي تمثل مساحة كبيرة من أراضيها المرسومة لها بعد سقوط الدولة العثمانية، كما أنها منبع لنهري دجلة والفرات وتحتل أهمية استراتيجية في صراعات المنطقة، وعلى الجانب الآخر فإن دولة كردستان في حال إنشائها فإنها ستكون دولة مغلقة وستكون معتمدة اعتمادًا كليا بحتم إملاءات الجغرافيا على دول الجوار وعلى رأسها الدولة التركية، والتي بادرت حاليا بإنشاء طريق جديد يصل حتى دياربكر في كردستان العراق، وهو ما يمكن أن يشكل إطارًا عامًا لأسس اتفاقية جديدة لإعادة ترسيم المنطقة بناء على مصالح مختلف الأطراف في الإقليم.
واحتواء التمدد الإقليمي التركي سواء من الجانب الأوروبي، أو من جانب الصد المصري بعد الانقلاب، مع وجود أزمات في شرق المتوسط مع إسرائيل بشأن الغاز القبرصي، فإن تركيا ربما تميل إلى تطوير شراكتها مع الدولة الإيرانية، والتي تستورد منها حصة كبرى من النفط والغاز، بآمال مستقبلية بتطوير الشراكة لتصبح تركيا معبرًا لضخ النفط والغاز الإيرانيين إلى أوروبا في حال عقد صفقة بشأن النووي الإيراني، فتركيا لديها مصلحة كبرى في أن تصبح معبرًا لأنابيب النفط والغاز في المنطقة لشحة مواردها الطبيعية، وتطوير العلاقة مع إيران إلى شراكة استراتيجية[28] مع صمود النظام العلوي في سوريا ربما يعيد ربط الثلاثة بالحكومة العراقية حتى في حال تفسخ كيان الدولة وتحولها إلى الإطار الكونفيدرالي كما يدعو البعض؛ وهنا فإن البراجماتية التي يتمتع بها النظامين التركي والإيراني ربما تعيد الدفء مرة ثانية لعلاقة أنقرة مع نظام بشار الأسد، لاسيما في ظل استمرار الصد الخليجي للدور التركي ونموذجه في المنطقة.
وفي هذه الحالة فإن المنطقة الممتدة من إيران وحتى سوريا بما فيها شرق العراق وكردستان وسوريا ربما تشكل دائرة إقليمية جديدة في الإقليم تشابه حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، والذي تشكل من إيران وتركيا والعراق، إضافة إلى باكستان وبريطانيا، والذي تشكل آنذاك لمقاومة المد الشيوعي، لذا فمن غير المستبعد أن يعاد إنشاء صورة جديدة من ذلك التحالف على أسس سياسية واقتصادية هذه المرة، لاسيما في ظل الصد العربي لكل من إيران وشرق العراق ودولة بشار العلوية في حال تفسخ الإقليم وتحول العراق إلى كيان كونفيدرالي.
المحور الرابع: ملامح المستقبل في الإقليم المضطرب:
هناك عدة تجليات لمذهبة الصراعات في الإقليم، أبرزها تغيير الحدود السياسية للدول في المنطقة الواقعة من العراق وحتى ساحل المتوسط، صحبتها موجة هجرة جماعية هائلة من كل من سوريا وحتى المناطق العراقية التي تشهد صراعات مذهبية، بإعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والمحددات الديموجرافية لتلك الدول، بتداعيات جسيمة على الخريطة المستقبلية للإقليم الذي أعيد تشكيله بناء على تواجد العرقيات والمذهبيات على الخريطة وليس بناء على اسس الدولة الوطنية التي يظللها غطاء جامع وهو القومية العربية، التي دخلت في حالة موت سريري بدون آمال لإفاقة قريبة.
وبات واضحًا أن أهم أمراض الإقليم هي أزمة الحكم المزمنة التي ضربته منذ الخلافة الأموية، وأن كل ما يجري على الأرض هو تجليات لتلك الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام في أعقاب خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بأزمة في الأدبيات المؤسِّسة للحكم الرشيد، وبتصاعد للمذهبية والطائفية التي بنيت على أحداث "الفتنة الكبرى"، لذ فإننا بتنا بحاجة ماسة إلى التنظير لأسس الحكم الرشيد الذي يعتمد على مبادئ الحضارة الإسلامية والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية وبدمجه مع الآليات الحديثة للنظم الديموقراطية.
كما أن مفاهيم التسامح الديني والمذهبي غائبة تمامًا عن أدبيات الساسة فضلا عن العامة، ويتم سحق الأقليات تحت نيران الطائفية والمذهبية والصراعات الدينية، ولم ينج من ذلك مسيحيو الشرق أيضًا حيثما يمثلون أقليات واضحة في كل من العراق وسوريا على سبيل المثال، بعكس الحالتين اللبنانية والمصرية.
كما أن الدول الوطنية التي أنشئت على أنقاض الدولة العثمانية وتقسيم "سايكس بيكو" لا يبدو أنها حملت مقومات الدولة الوطنية القومية، بل أنشئت إما على سلطوية غاشمة أو على محاصصة طائفية هشة، أو على نظام قبلي غير فاعل، وبتدخل واضح في كل تلك الحالات للدور الرئيس للمؤسسات العسكرية في العملية السياسية، سواء كانت جيوشًا أم حرسًا وطنيًا أم حرسًا ملكيًا، وحمايتها لتلك القواعد المؤسِّسة للنظم السياسية بمختلف أنواعها.
كما أن هناك صراعًا على النماذج في المنطقة؛ فبدا واضحًا أن بعض العائلات الملكية والعسكرية في الإقليم لا تريد تغييرًا للمحددات الحاكمة للعبة السياسية في المنطقة، وتقاوم أية نماذج سياسية تدعو إلى تغيير تلك المحددات، وتؤدي إلى تمكين الشعوب من حكم أنفسها والمساهمة بدور أكبر في رسم السياسات المحلية، وحوربت الديموقراطية الناشئة في مصر وكذلك تم دفع النموذج التركي خارج الإقليم، ووضعت جماعة الإخوان المسلمون في قائمة الإرهاب السعودية والمصرية بعد الإطاحة بحكمهم في مصر، بالرغم من تداعيات ذلك طويلة الأمد وتكلفته العالية على الاستقرار والسلم المجتمعي داخل الدولة المصرية.
ومن أجل خروج المنطقة من تلك القلاقل التي تهدد بإدخال المنطقة في أتون حرب طائفية طويلة الأمد بأزمة حكم مزمنة وإعادة تشكيل الخريطة بناء على المذهبية والعرقية، فعلى الدول في الإقليم أن تبحث عن إيجاد مظلة جامعة للعمل الإسلامي المشترك، والذي يستوعب كل من إيران وتركيا، على غرار الاتحاد الأوروبي، حتى لو تغيرت الخريطة بتشكل كيانات جديدة على الأرض بناء على المذهبيات والعرقيات المختلفة؛ فتحت مظلة الاتحاد الأوروبي يطالب إقليم كتالونيا بالانفصال عن إسبانيا وكذلك إقليم الفلامان في بلجيكا، وبالرغم من أن بروكسل هي المقر الرئيس للاتحاد الأوروبي إلا أن ذلك الانفصال إذا تم لن يؤثر على الأوضاع الإقليمية طالما هناك مظلة جامعة للعمل المشترك تستوعب الجميع داخل إطار الاتحاد الأوروبي.
كما أن معالجة أزمة الحكم في المنطقة العربية وابتكار نظام حكم رشيد يتسم بالعدل والاستيعاب للجميع بمرجعية الشريعة الإسلامية ومقاصدها أصبح أولوية قصوى في المرحلة الراهنة، ويجب استمرار الضغوط من الكتاب والمفكرين من أجل تغيير المنظومات السلطوية الراهنة التي تعد واحدة من أهم أسباب القلاقل في المنطقة ويدفع ثمنها الجميع على الأرض.
خاتمة:
تعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تخلفًا من حيث الحكم الرشيد والشفافية ومستوى التعليم وإنتاج الأبحاث العلمية وتقبع جامعاتها في مستويات متدنية على العالم، وتتربع على قمة العالم من حيث نسبة الأمراض وحوادث الطرق والفساد، كما أنها تقبع كذلك في القاع من حيث مؤشرات التنمية الإنسانية والبشرية، لذا فإن المنطقة كانت بحاجة ماسة إلى ثورة في كافة المجالات، ولم تكن على الإطاق تتحمل ثورات مضادة تأكل الأخضر واليابس وتلتهم المكتسبات الهشة التي اكتسبتها الشعوب في السنوات الثلاثة الماضية، ودفعت أثمانها بدماء الآلاف من أبنائها.
واستمرار هذا الانزلاق نحو قاع العالم يعد تفريطًا في حق الأمة وفي حق الشعوب القادمة، ويوسع الفجوة بين العرب والمسلمين وبين أعدائهم فيما يتعلق بالأمن القومي وتصنيع السلاح والفجوة التقنية والاقتصادية وكلها أسباب تدعو إلى القلق الحقيقي، لاسيما والكيان الصهيوني أصبح قوة عظمى إقليمية وأمامه أرضًا محروقة من النيل إلى الفرات، لذا فإن الشعوب العربية بحاجة ماسة إلى عكس ذلك المنحنى المهلك الذي لا تحمد عقباه في نهاية نزوله السحيق، ولم يكن ينقص المنطقة صراعات طائفية وعرقية تقسم المقسم وتجزئ المجزأ، بعد أن نهشت القوى العظمى أطراف العالم الإسلامي من العراق بعد الغزو الأمريكي، وجنوب السودان بعد نشاط المنصرين والكيان الصهيوني، بأزمات تمتد حتى الصحراء المغربية المتنازع عليها مع جبهة البوليساريوا وأزمة الهوية الأمازيغية في شمال إفريقيا ومشكلة إدماجهم ثقافيًا في تلك المجتمعات.
لذا فإن تطوير أسس الحكم الرشيد الذي يستوعب تلك التشرذمات ويحترم خصوصياتها ويعطيها حقوقها الثقافية والسياسية، تحت مظلة أوسع للعمل العربي والإسلامي أصبح واجبًا، كما أن تعليم الشعوب أسس التعايش السلمي المذهبي والتسامح الديني والسياسي هو مسئولية الإعلام والمثقفين ومراكز الفكر والأبحاث، والتي يجب أن تقود الأمة في هذا المضمار برسم السيناريوهات المفضلة والكارثية أيضًا لكي تتجسد أمام الشعوب خطورة المسار الراهن ووضع التجربة في إطار مقارن مع ما هو مأمول، لانتشال الأمة ومنعها من مزيد من الانهيار.

--------------------------------------
[1] ظهر هذا المصطلح في الأدبيات الماسونية وأشار إليه الكاتب والباحث الأمريكي دان براون، ولكنه لم يطف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق وتصريح وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس به للواشنطن بوست في عام 2005، راجع تصريحاتها على الرابط التالي: Condi in Diplomatic Disneyland, By Tony Karon, July 26, 2006, http://content.time.com/time/world/article/0,8599,1219325,00.html
[2] خالد الدخيل، "سورية: الحرب الأهلية مرحلة في تاريخ الثورة"، الحياة اللندنية، 16 مارس/ آذار 2014، على الرابط التالي: http://alhayat.com/Opinion/Khaled-El-Dakheel/1136986/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9--%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9
[3] وكالة تركية: اختطاف مجموعة من عمال البناء الأتراك فى العراق، اليوم السابع، 18 يونيو 2014، http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1730928
[4] Is this the end of Sykes-Picot?, BY F. GREGORY GAUSE III, Washingtonpost, May 20 2014, on: http://www.washingtonpost.com/blogs/monkey-cage/wp/2014/05/20/is-this-the-end-of-sykes-picot/
[5] جريدة "اليوم" السعودية، بتاريخ 12 يونيو 2014، على الرابط التالي: http://www.alyaum.com/News/art/144896.html
[6] Stratfor, George Freidman and Robert Kaplan, Rise of Sectarianism in the Middle East, on: http://www.stratfor.com/video/george-friedman-and-robert-d-kaplan-rise-sectarianism-middle-east .
[7] Robert Kaplan, The Revenge of Geography, The Geography of Iranian Power, Stratfor, on: http://www.stratfor.com/weekly/revenge-geography .
[8] Saudi Arabia’s Forgotten Shi’ite Spring, By Ahmad Khalid Majidyar, American Enterprise Institute for Public Policy Research, No. 5, August 2013, on: http://www.aei.org/files/2013/08/16/-saudi-arabias-forgotten-shiite-spring_15503177253.pdf
[9] راجع الجزيرة.نت على الرابط التالي: ^ http://www.aljazeera.net/NR/exeres/BCF984A1-E288-4B0B-9C3F-CB96CA2E55CE.htm
[10] راجع في ذلك تصريحات للدكتور عبد الله النفيسي في بعض مداخلاته التليفزيونية بشأن هذا الموضوع.
[11] The Saudi Problem and the Head of the Snake, SIMON HENDERSON, Foreign Policy, MARCH 28 2014, on: http://www.foreignpolicy.com/articles/2014/03/28/saudi_problem_head_snake_bandar_obama.
[12] المالكي يهاجم السعودية وقطر والصدر، العربية.نت، 8 9 مارس 2014م، على الرابط التالي: http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2014/03/09/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A-%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%B7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84% D8%B5%D8%AF%D8%B1-.html
[13] "داعش" يزحف إلى بغداد من 3 محاور، جريدة الوطن، 2014-06-14، على الرابط التالي: - http://www.alwatannewspaper.ae/news.php?n_id=20517#sthash.0QrltpqP.dpuf
[14] إيران تكافح لتجنب انهيار اقتصادها رغم تخفيف العقوبات، العربية نت، 14 فبراير 2014م، على الرابط التالي: http://www.alarabiya.net/ar/aswaq/economy/2014/02/14/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD-%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D8%A8-%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA.h tml
[15] Petraeus: U.S. Must Not Become the Shia Militia's Air Force, The Dealy Beast, 18th June, 2014, on:
http://www.thedailybeast.com/articles/2014/06/18/petraeus-u-s-must-not-become-the-shia-militia-s-air-force.html
[16] Iran's Afghan Shiite Fighters in Syria, Phillip Smyth, Washington Institute, June 3, 2014, on: http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/irans-afghan-shiite-fighters-in-syria
[17] واشنطن تنتقد استبعاد مرشحين لانتخابات إيران، سكاي نيوز عربية، 24 مايو, 2014، على الرابط التالي : http://www.skynewsarabia.com/***/article/254149/%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D 8%AA-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86
[18] راجع: تنامي الدور الإيراني، وتأثيره على الأمن القومي العربي، موسوعة "مقاتل من الصحراء"، على الرابط التالي: http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia2/DoorIrani/index.htm
[19] معركة إيران في سورية والعراق ولبنان غاياتها توسعية، الحياة اللندنية، رغدة درغام، 9 يناير 2014، على الرابط التالي: http://alhayat.com/OpinionsDetails/591113
[20] إيران بين أزمة النووي وأزمة الدجاج، مجلة "المجلة"، 13 يوليو 2012، على الرابط التالي: http://www.majalla.com/arb/2012/07/article55237025
[21] د. محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية 1998، ص: 407.
[22] "علماء المسلمين" تتهم إيران بالسعي للهيمنة على العراق، قدس برس، 19 يونيو 2014، على الرابط التالي: http://www.qudspress.com/?p=156522&cat=22
[23] د. خالد الدخيل، "الدولة والإرهاب"، الحياة اللندنية، 19 يناير 2014، على الرابط التالي: http://alhayat.com/Opinion/Khaled-El-Dakheel/450525/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8
[24] الحرب في سوريا تؤثر على تركيا بطرق غير متوقعة، سونر چاغاپتاي، معهد واشنطن، كانون الثاني/يناير 2013، على الرابط التالي: http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/syrias-war-affecting-turkey-in-unexpected-ways
[25] محمد نور الدين، "حوار أحمد دواود أوغلو: الاستراتيجية التركية الجديدة"، شؤون الأوسط، عدد 116، 2004، ص ص: 149 ـ 151.
[26] تركيا تجدد عقود الغاز المسال مع الجزائر، الجزائر تايمز، 2 مايو 2014، على الرابط التالي: http://www.algeriatimes.net/algerianews28183.html
[27] داود أوغلو يدعو للوحدة بين المدن التي يربطها تاريخ مشترك، جريدة الشروق المصرية، 15 مارس 2013، على الرابط التالي:ttp://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=15032013&id=675d1b23-0bf6-4f39-94b6-d5568b15b3ff
[28] تركيا وإيران نحو الشراكة دائماً، رؤية نيوز، 6 يناير 2014، على الرابط التالي: http://www.roayahnews.com/turkey-and-iran-towards-the-partnership-always/06-293778.html
----------------------------------------------