المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم الإجتماع الديني


عبدالناصر محمود
01-25-2015, 08:08 AM
سلسلة في علم الإجتماع الديني، الكتاب الأول: علم الاجتماع الديني*
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 / 4 / 1436 هــ
25 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710522012015110108.jpg

مقدمة:
أظهر الغرب في العقود الأخيرة اهتمامه بعلم اجتماع الدين رغم وجود المجتمع العلماني لديه، لكنه أدرك أهمية دراسة هذا العلم خصوصاً أن الدين مكون أساس لكثير من المجتمعات، وهو الذي يبني الشخصية على المستوى الفردي، ويعالج التفاعل بين الأفراد على مستوى المجتمع، وينشط التفاعل بين المجتمعات على المستوى العالمي. والذي يريد أن يتعامل مع المجتمع ويصنع فيه أثراً ينبغي له دراسة هذا العلم, فإن الأثر يكون أكثر فاعلية عند الاستفادة من علم الاجتماع.
فعلى مستوى التأثير فإن التفاعل مع المجتمعات يحتاجه الدعاة في مناشطهم الدعوية، ويحتاجه العاملون في القطاع الخيري في تفاعلهم مع قضاياهم المجتمعية، وفي إظهار مستوى تأثيرهم في المجتمع حسب تخصصهم الخيري .
وكما نعلم أن علم الاجتماع أصبح أداة يستخدمها السياسي، والاقتصادي، والطبيب، والمهندس وغيرهم.
وعليه فإن الحاجة لمعرفة حركة المجتمعات، والآثار المجتمعية التي يؤسسها الدين، والأفكار والممارسات الاجتماعية الدخيلة التي تؤثر في بناء هذه المجتمعات سلباً وإيجابًا تتطلب الاستعانة بهذا العلم.
الإشكالية الكبرى أن هذا العلم مثل غيره من العلوم التي يطلق عليها "العلوم الإنسانية" نشأت في بيئة علمانية صرفة , استعانت بتراث وثني يوناني, وإغريقي, فضلاً عن انطلاقها من نظريتها العلمية التي تحلل الإنسان وتركيبته (دارون، فرويد، دوركايم، ماركس وغيرهم) ورؤيتهم للحياة الرافضة لتدخل الدين عند فلاسفتهم, أو على القليل النظرة الدينية الخاصة ببعض فلاسفتهم _مثل أنشتاين_المختلفة عن مفهوم الدين لدينا جعلتها تنبني على أفكار مناقضة تماماً لديننا الإسلامي، لكن هذا لا يمنع أن يكون لديهم أدوات ممكن الاستفادة منها, وهي خارج عالم الأفكار والمعتقدات.
وكتابات علم الاجتماع بأدواته الغربية تتجاهل مواضيع مهمة على رأسها السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية، والثابت والمتغير في حياة البشرية، والدين والفطرة، ومكانة الأسرة في البنيان الاجتماعي، والعلاقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع بمفهومها الشرعي لا المادي. لكننا بحاجة إلى بعض الأفذاذ من علماء الاجتماع المسلمين للانبراء للتأصيل الإسلامي لهذا العلم .
منهجنا الإسلامي يمتاز عن غيره في توظيف علم الاجتماع بالمقاربة الشمولية في النظرة للإنسان "الجسدية، الروحية، الفكرية، النفسية، الاجتماعية" _ولو أن هذه النظرة أصبحت تظهر في الكتابات الغربية الحديثة، وما أطلقوا عليه المقاربة الشاملة (( Holistic Approach)) يمكن مراجعة كلام الأمير تشارلس ولي عهد بريطانيا جريدة الشرق الأوسط العدد 6592 بتاريخ 15/12/1996 م_ كما امتازت كتابات علمائنا الأوائل خصوصاً في علم المقاصد, وعلم القواعد الفقهية _وكما نعلم فالفقه هو العلم الذي ينظم الممارسة الفردية والمجتمعية في الحياة_ امتازت بالنضج والشمولية، وهذا يعطينا قاعدة متينة في إعادة صياغة هذا العلم, وغربلة منتجاته, والخروج بنظريات فيه تخدمنا كثيراً في هذا المجال. كما أن الكتابات التاريخية, والمعالجات الواقعية التي كتبها كثير من العلماء أمثال : ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، وابن حزم، والغزالي وغيرهم فيها كم هائل من نظريات علماء الاجتماع لو وجدت من يهتم بها, ويجمعها, ويدرسها, ويميِّزها, انطلاقًا من القرآن الكريم, والسنة النبوية, والسيرة, وممارسات القرون الفاضلة.
ولدينا أربعة كتب في هذا الموضوع ؛ وهي وإن لم تكن جميعها في صلب الموضوع إلا أنها بين مطابق ومقارب في هذا المجال :ب الأول: علم الاجتماع الديني / للمؤلفين: سابينو أكوافيفا، و إنزو باتشي
يقدم خلاصة مهمة لهذا العلم، بطريقة تعليمية، فإذا كان (علم النفس الديني) يدرس علاقة الفرد بالدين فإن (علم الاجتماع الديني) يدرس علاقة المجتمع بالدين ..
· ومما يزيد من أهميته هو دراسته لمكونات مجتمعية متنوعة: من الوحدات الصغيرة، الأسرة مثلا، إلى مجتمعٍ كامل، ومن ذلك مجموعات خاصة، مثل: هيئة العلماء، حزب ديني، جماعة دينية، فرقة دينية، المحتسبون، القضاة، معلمو الدين ....
· نوعان من المجتمعات: مجتمع ديني ومجتمع علماني... فما حال المجتمع الديني؟
· يُعد هذا الكتاب من أحسن ما كُتب في التخصص وإن كان من وجهة نظر شبه علمانية، وما زال المجال ضعيفا من وجهة النظر الدينية ..
· الكتاب متوسط الحجم، ما يقرب من ٢٠٠ صفحة، طبعة فاخرة، ترجمة جيدة استخدم عبارات غير معقدة وإن كان بحاجة لقائمة مصطلحات لغير المتخصص، والمؤلفان من إيطاليا ومن ميدان علم الاجتماع الديني وأحدهما رئيس الجمعية العالمية لعلم الاجتماع الديني، ولهما كتب عن الاسلام فضلاً عن كتب كثيرة في المجال .
· ينقسم الكتاب لخمسة أقسام :
١-توطئة
٢-عرض تاريخي لاهتمام علم الاجتماع بالدين
٣-التدين والدين
٤-الدين والتنظيم
٥-الدين والمجتمع
· والقارئ بحاجة لأمرين -على الأقل-في هذا المجال:
١-مدخل لعلم الاجتماع
٢- علم الاجتماع الديني
· وهناك عدة كتب مفيدة في الأمرين، وهذا الكتاب مفيد في المجالين، وبخاصة لمن له اهتمام بالمجال الفكري والثقافي .

ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{البيان:مركز البحوث للدراسات}
ــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-03-2015, 08:40 AM
سلسلة في علم الاجتماع الديني: الكتاب الثاني: أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي دراسة تاريخية وآراء إصلاحية*
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

14 / 4 / 1436 هــ
3 / 2 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710502022015023319.jpg

وهذا الكتاب وصفه محمد الطاهر الميساوي في مقدمة كتاب مقاصد الشريعة بقوله: (......ذلك أنه فضلاً عن القيمة التاريخية التي ينطوي عليها كتاب أليس الصبح بقريب؟ الذي وقفنا على أهم ما أودعه فيه المؤلف من رؤى نقدية, وأفكار إصلاحية في العلوم الإسلامية، فإننا نزعم أن هذا الكتاب يشتمل في الحقيقة على بذور الإطار الفكري الكلي الذي تحرك فيه ابن عاشور، كما يحتوي على أصول الإشكاليات الرئيسة التي شغلته طوال حياته العلمية والعملية والتي حاول أن يجيب عنها_ أو عن بعضها على الأقل_ فيما كتب وألف) ((مقاصد الشريعة)) ص: (82).
هذا الكتاب هو مشروع تطوير ناقد جريء لمناهج التعليم في العالم الإسلامي، وكما نعلم فإن أول وسيلة لإصلاح المجتمع وتحريكه هو التعليم.
الكتاب نتاج سيال علمي وفكري لابن عاشور, كتبه في شهرين, في أجازته الصيفية, يقابل القارئ للكتاب صعوبة بالرغم من لغته الأدبية الراقية, وذلك لكثافة المعلومات فيه, لكنها معلومات غزيرة ونادرة عن تاريخ التعليم للأمة العربية من قبل الإسلام وإلى وقت ابن عاشور.
وشمل استعراض تدريس جميع العلوم ونقدها نقد العالم بالتعليم, وكان يربطها بعلاقتها بالمجتمع, وأهمية أن تراعي الجوانب الاجتماعية.
كان جريئًا في نقد جميع المدارس والمذاهب الإسلامية, حتى مدرسة الأشاعرة التي نشأ في أكنافها. ويربط ابن عاشور بين الاستقرار الاجتماعي والسياسي وبين نهضة التعليم. ويناقش مناقشات طريفة منتشرة كثيراً في الكتاب, يتناول فيها الضعف الذي يعتري ملكة طلاب العلم في التجديد والإبداع, ويوضح أن هذا الضعف إنما هو نتاج المجتمعات المتخلفة التي تحارب الجديد وتتصدى لكل حديث, وتحاول جاهدة الوقوف في وجه كل مبدع.
فالكتاب مهم وثري, وسيصنع في قارئه تطويراً كبيراً.
وعموماً فهو خطوة أولى نحو فهم جيد, واستفادة مثلى من علم الاجتماع الديني في حياتنا العلمية والعملية.

ــــــــــــــــــــــــــــ
*{البيان:مركز الدراسات والبحوث}
ـــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
02-19-2015, 08:04 AM
سلسلة في علم الاجتماع الديني: الكتاب الثالث: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

30 / 4 / 1436 هــ
19 / 2 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710518022015013651.jpg


قرأه وخرج أحاديثه، ووثق شواهده محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس الطبعة الأولى 1421هـ: وهذا الكتاب يصفه الميساوي بقوله: (.... فإننا في كتاب الأصول إزاء بحث في الأساس النفسي والفكري الذي يضفي على تلك الأحكام والقوانين روحها وفعاليتها، كما أننا أمام نظر في الإطار الاجتماعي والسياسي الذي فيه تتحقق تلك المقاصد، وبه تتوطد وظيفتها وعلائقيتها فضلاً عن تواصلها وتكاملها. ولنقل بعبارة أخرى: أن ابن عاشور قد سعى في الكتاب الثاني إلى بلورة الأصول الفكرية، والأسس النفسية والخلقية (وهذه مباحث المقدمات، والقسم الأول من الكتاب) ورسم الإطار الاجتماعي والسياسي (وهو ما تكفل به القسم الثاني) اللذين تتحقق بناءً عليهما المقاصد التي بحثها في الكتاب الأول) ((أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)) ص: (8).

وهو هنا يربط ربطاً قويًّا ويضع علاقة منهجية ومعرفية بين الكتابين، وبهذين الكتابين - المقاصد والأصول - تتضح لنا نظرية ابن عاشور في فكره الاجتماعي. وفي هذا الكتاب وفي كتاب أليس الصبح بقريب يرى ابن عاشور أن القواعد الفقهية وحدها مع علم المقاصد لا تكفي في التطبيق دون معرفة نظام الاجتماع الإسلامي. ولعله ما عبر عنه بعض العلماء مثل ابن القيم في إعلام الموقعين عندما ذكر الركن الثاني من أركان الفتوى (فقه الواقع).

وفي واقعنا المعاصر من احتكاكنا بالمجتمعات المختلفة، ودخول أدوات الحضارة، والوافد الغربي أو الشرقي دون تمحيص أو تحقيق تتطلب منا أن نكون أكثر إدراكاً وعمقاً من ناحية تقييم الأثر، أو عند وضع الحلول لذلك.

يلخص ابن عاشور في مقدمة كتابه الغرض منه وهو البحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيره في المدنية الصالحة. وهو يرى أن هذه المعاني في التاريخ الإسلامي تحتاج إلى بحث وتمحيص لاختلاط الأبعاد السياسية، والمشاكل العسكرية، وبروزها بصفة أكبر في التاريخ. ولذلك فهو ينصح بمطالعة كتب السنة، والسيرة النبوية، وكتب الأخبار الصحيحة الخالية من الهوى، فستبرز له أخلاق أفاضل المسلمين في أجلى مظاهر تفرعها عن المبدأ الإسلامي.
والجميل في كتابه أنه بدأ بالحديث عن الدين، ثم الأديان السماوية عموماً، ثم عن الإسلام وتعريفه، ثم تحدث عن الاعتدال والتوسط, ثم السماحة. ثم قسم الكتاب إلى قسمين: قسم في أصول إصلاح الفرد، وقسم في أصول الإصلاح الاجتماعي.

والكتاب جدير بالقراءة, ففيه من إبداعات ابن عاشور, وعمقه, ولفتاته الشيء الكثير, وقد أسس لعلم نحن بحاجة إلى تطويره واستبدال ما قذفته المدارس الغربية بين أيدينا، وأعتقد أن هناك مادة ثرية نستطيع أن نعيد كتابتها وصياغتها والاستفادة من الأدوات الغربية المحايدة. مع ما نستقدمه من الغرب من العلوم الإنسانية والإدارية القائمة على رصد التجارب وإعادة تصنيفها وتبويبها, وإلا فنحن إزاء صدمة حضارية اجتماعية, اقتصادية, إدارية, شبيهة بالصدمة الفكرية في مطلع القرن الماضي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{مركز البحوث والدراسات}
ـــــــــــــ