المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علمانية في ثياب إسلامية


عبدالناصر محمود
02-09-2015, 09:38 AM
علمانية في ثياب إسلامية*
ـــــــــــــ

20 / 4 / 1436 هــ
9 / 2 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_10079.jpg


لاشك أن هناك نقطة جوهرية ينطلق منها المسلم في عقيدته؛ ألا وهي قضية الهوية، حيث جاء الإسلام ليعلن أنه لا توجد هناك فوارق ولا فواصل بين كل مسلم وأخيه، فالإسلام لم يفرق بين علي بن أبي طالب الهاشمي، وبين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، فدمج النبي صلى الله عليه وسلم بين كل المسلمين في هوية مضادة لهوية العنصر والوطن والأرض، فجعل الهوية التي جمعت ولم تفرق بين المسلمين هي هوية العقيدة التي استوى أمامها الجميع، وجعل معيار التفاضل بين الناس هو المعيار الإلهي الذي جاء في قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

ففي خطبة الوداع وفي نهاية حياته صلى الله عليه وسلم كانت الكلمات الختامية له توصينا بالحفاظ على الهوية والمعيار، فلا انتماء لعنصر ولا لأرض ولا لنسب، بل الانتماء للإسلام فقط، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس: إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي و لا عجمي على عربي، و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فيبلغ الشاهد الغائب) [1].

وهناك خلاف بين الفهم الإسلامي لقضية الوطنية والفهم العلماني لها، فمعنى فالوطنية في الإسلام هو الحب للوطن والدفاع عنه وتحريره والسعي لخيره، وهو فهم مطلوب دينيا، ولكن الفهم العلماني للوطنية يعني ان تكون الوطنية قطرية انفصالية لا تهتم بحال احد من المسلمين في غير ذات القطر، بل وتفصل الدين تماما عن الدولة ليكون الحق الأول للمواطنة وليس لأي مفهوم آخر.

فهل في الدفاع عن فكرة الهوية الإسلامية الصحيحة ما يمكن للمسلم الصادق ان يعتذر عنه ؟ وهل يمكن الرجوع عنه لفكرة أخرى طرحها علماني قبل عقود ؟ وبم نسمى هذا الفكر الذي تراجع ليتواءم مع الفكر العلماني، هل يمكن القول بأنه فكر إسلامي صحيح أو هو التصور الجديد للخطاب الديني والفكر الديني المقترح.

ففي معرض الكتاب المقام في القاهرة حاليا، وفي إحدى ندواته الفكرية التي تقام على هامشه، كانت هناك ندوة للدكتور عبد الله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية تحت عنوان (الجهاد في الإسلام.. متى ولماذا؟)

وفي هذه الندوة اعتذر الدكتور النجار – أو بالأحرى جدد اعتذاره – للعلماني الراحل زكي نجيب محمود، فقال: "منذ ثمانينيات القرن الماضي كتب الفيلسوف زكي نجيب محمود حول الانتماء، وذكر أن الانتماء يتكون من ثلاث حلقات متداخلة الأصغر هي الانتماء للوطن وتتسع لتشمل العروبة أو القومية، وأخيرا الديانة التي تضم بلادا متعددة".

ويضيف: "أذكر وقتها أنني عارضت هذه الفكرة وكتبت مقالات في مجلة (الأزهر) تحت عنوان الانتماء وكنت أرى عكس ما قاله زكي نجيب محمود، فالإنسان يبدأ بالدائرة الأوسع وإذا سأل المصري عن انتماءه يقول أنا مسلم، وضممت هذه المقالات في كتاب (الانتماء في ظل التشريع الإنساني) ونشر في أوائل الثمانينيات، ونحوت فيه منحى المناطقة وكانت فكرتي هي أن إعلاء شأن الإسلام يدفعنا للحفاظ على الوطن".

ثم يعلن في المعرض عن تراجعه عن ذلك فيقول: "بعد المدى الطويل كتبت من أسبوعين مقالا في جريدة روز اليوسف بعنوان (أخطأت وأجاد الدكتور زكي نجيب محمود) بعد أن وجدت الإسلام يتخذ كستار لنقض القيم والتنكيل بالدماء والتمثيل بالجثث والاستيلاء على الأعراض".

إن تطبيقات بعض الأشخاص أو أخطاءهم المنهجية والعملية لا تدفع المفكر المسلم إلى التراجع عن الفكرة الصحيحة المتفقة مع أصول الدين، فالدين وثوابته لا يمكن قياسه على المنتسبين له، وهوية المسلم تنبع أولا من إسلامه حيث تجمع المسلمين لحمة تؤلف بينهم وهي انتسابهم جميعا للإسلام، بينما تكون الوطنية عاملا داعما لها لا مقللا منها ولا مخالفة لها، والفكرة الأخرى فكرة علمانية محضة لا تعتبر بلحمة سوى اللحمة الأرضية التي يسمونها بالمواطنة والتي أوصلت كاتبا صحفيا علمانيا مصريا بلغ مستوى رئيس تحرير إلى استنكار تحريك السفارة المصرية بالولايات المتحدة الأمريكية – إبان حكم الدكتور محمد مرسي - لدعوى قضائية ضد صنّاع الفيلم المسيء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، معللاً ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحمل الجنسية المصرية، وأنه – وفق علمانيته – يجب ألا تتدخل السفارة المصرية إلا عندما يكون الاعتداء على مواطن يتبع الجنسية المصرية, وهذا ما لم يتوافر مع النبي صلى الله عليه وسلم!!.

فهل هذا ما تراجع إليه عضو مجمع البحوث الإسلامية واعتذر عن خلافه؟ وهل هذا هو الفكر الإسلامي الجديد الذي يرتدي الثوب العلماني؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الألباني في السلسلة الصحيحة 3700 بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــ