المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام الذي تريده العلمانية


عبدالناصر محمود
02-18-2015, 09:05 AM
الإسلام الذي تريده العلمانية*
ـــــــــــــ

29 / 4 / 1436 هــ
18 / 2 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_11115.jpg

بعد أن فشل الغرب في القضاء على الإسلام عبر حملاته العسكرية الصليبية ضد العالم الإسلامي قديما وحديثا، لجأ إلى وسيلة أخرى يراها أجدى نفعا وأقل كلفة وأكثر تلبية لمصالحه المادية النفعية المتمثلة في نهب خيرات بلاد المسلمين، ومعنوية بتفريغ عدائه الموروث لهذا الدين، ألا وهي محاولة علمنة الإسلام وتفريغه من جوهره ومضمونه، وذلك تحت شعار "الإسلام المعتدل" بالمفهوم العلماني الغربي الذي يحاول تسويقه في العالم الإسلامي.

وفي سبيل الوصول إلى هذا الإسلام الذي تريده العلمانية الغربية تم تسخير جميع أقلام العلمانيين العرب المنبهرين بالغرب للكتابة والحديث عن "الإسلام المعتدل" بالمقاسات والسمات الغربية العلمانية، كنموذج وحيد لإمكانية تقبل هذا الدين في المجتمعات العربية الإسلامية عند أزلام الغرب وأتباعه فكريا وثقافيا.

وفي هذا الإطار يمكن فهم مقال الكاتب محمد الطالبي على موقع الأوان العلماني بعنوان: "هل يوجد إسلام معتدل"، ويقصد به الإسلام الذي يتوافق مع شعارات العلمانية وأفكارها، والتي تعتبر إبعاد الدين عن مسرح الحياة الإنسانية - وفي مقدمتها الحياة السياسية – وتبني المفهوم العلماني لنظام الحكم أبرز وأهم مبادئها.

بداية حاول الكاتب وضع قاعدة عامة للنظام الأفضل من وجهة نظره للبشرية، منوها إلى أن الإسلام المقبول هو المتوافق مع الحداثة العلمانية، فقال: "ألا يمكن اعتبار النظام الأفضل بالنسبة لنا هو ذاك الذي يتيح للإنسان القدرة على الانفتاح واختيار التصرف الذي يحلو له بلا إكراه أو ضغط أيا كان نوعه – معتبرا تطبيق النظام الإسلامي إكراها فيما يبدو - إذا كان لي رأي، فإني أرى أن مستقبل الإسلام، من حيث كونه يراد له أن يكون رسالة كونية، منوط بمدى قدرته على استيعاب الحداثة".

ومن المعلوم أن مفهوم الحداثة مفهوم علماني بامتياز، وهو في الحقيقة مذهب فكري أدبي علماني، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والداروينية، وأفاد من المذاهب الفلسفية والأدبية التي سبقته مثل السريالية والرمزية وغيرها.

وبعد أن توسع الكاتب ببحث مسألة الديمقراطية الغربية والتي تعني سيادة حكم الشعب، والثيوقراطية في الحكم – والتي تعني حكم الكهنة أو الحكم الديني – ابتدع نظاما جديدا سماه "النوموقراطية البرلمانية"، وهو عبارة عن نظام وسط بين الثيوقراطية والديمقراطية، محاولا وصم الدولة الإسلامية عبر التاريخ بهذا المصطلح، حيث ادعى أنه: "لم يسبق لأي دولة إسلامية أن استمدت سلطتها من شرعية إلهية" ! بل كانت قائمة دوما على حق الغلبة والقهر.

وهي في الحقيقة دعوى تخالف الحقيقة التاريخية وتفتقد إلى الدليل والبرهان، فقد كانت الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تستند في جميع أحكامها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما مصدران إلهيان بامتياز، مع التنبيه إلى الفرق الكبير بين الحكم الإسلامي والحكم الديني الكهنوتي الذي ساد في أوروبا في العصور الوسطى، حيث تحاول العلمانية وصم الحكم بالإسلامي بالحكم الديني الثيوقراطي دائما.

وبعد اتهام النظام الإسلامي برمته بأنه نظام قام على "القهر والغلبة" حسب زعم الكاتب، واتهام علماء الأمة بأن مهمتهم كانت محصورة بإضفاء الشرعية على السلطة السياسية بعد القهر والغلبة، ووصف الدولة الإسلامية عبر التاريخ بأنها ذات نظام "نوموقراطي" كما زعم، أكد أنه لا يسعى إلى إثبات صلاحية هذا النظام في زمننا الراهن، نافيا أن يكون للشريعة الإسلامية دور في نظام الحكم المعاصر.

"قد يقال: ما الدور الذي يمكن أن يناط للشريعة في الوقت الراهن؟ فمن حيث هي شكل تنظيمي للمجتمع لم تعد لها صلة وثيقة بتاتا بالموضوع".

وبعد محاولة الكاتب حصر الإسلام ضمن بوتقة العبادات الشعائرية الشخصية، وإبعاده تماما عن مسرح حياة الناس حسب المفهوم العلماني "للإسلام المعتدل" الذي تريده، وصل الكاتب إلى التصريح بما يريد من هذا المقال حيث قال:

"هكذا ترون معي، أني أراوح دوما حول فكرتي القائمة على ضرورة إرساء مركز للدراسات الدينية، الذي بإمكانه أن يبادر في تطوير الفكر الإسلامي و أن يساعد على أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام، وإذا تعذر هذا المشروع الفكري، فلن يتأتى لنا الحصول على أي مخرج من هذه الأزمة".

إن الإسلام الذي ترغب العلمانية أن تراه على أرض الواقع لا يتوافق أبدا مع الإسلام الحقيقي الذي أوحي به الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شكل إسلام بمضمون علماني لا ديني تطلق عليه اسم "الإسلام المعتدل"، وهو مصطلح قابل فيما يبدو لتعديل سماته كلما كان هناك تنازل عن التمسك ببعض أحكام الإسلام ومبادئه لصالح العلمانية الغربية.

----------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ