المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف عالج القرآن مشكلة تضخم الثروة؟


عبدالناصر محمود
02-24-2015, 08:23 AM
كيف عالج القرآن مشكلة تضخم الثروة؟
ـــــــــــــــــــ

(أحمد أبو رتيمة)
ـــــــــــ

5 / 5 / 1436 هــ
24 / 2 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/823022015105913.png

جاء الدين لإقامة العدل بين الناس، فهذا هو المقصد الأساسي الذي من أجله أرسل النبيون وأنزلت الكتب: }ليقوم الناس بالقسط{، لذلك كان لا بد أن يكون للدين كلمته البينة في القضايا الرئيسة في كل عصر، فطبيعة رسالة الدين تأبى عليه أن ينزوي على هامش الحياة وأن ينشغل بمسائل لاهوتية لا تلامس الاحتياجات الحقيقية للناس، إنما لا بد للمؤمن الحقيقي من دور فاعل في تعزيز كل فكرة تحقق مقاصد الدين من عدل ورحمة وإصلاح في الأرض.

من أبرز مشكلات العالم المعاصر الاختلال الفادح في موازين العدالة، إذ إن فئةً قليلةً من سكان هذا الكوكب تهيمن على مقدرات الشعوب وتتحكم في الثروات في مقابل المليارات من الجوعى والفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم.

تقول الأرقام الصادرة عن منظمة أوكسفام في عام 2014 إن أقل من خمسة وثمانين شخصاً من أغنى أغنياء العالم يمتلكون ثروةً تعادل ثروة نصف سكان العالم الفقراء البالغ عددهم 3،5 مليارات نسمة.
هذا الرقم المخيف هو مؤشر على اختلال حاد في منظومة القيم والأفكار التي تحكم العالم، فهؤلاء الأغنياء لم يحصلوا كل هذه الثروات الجنونية من كد أيديهم، لأنه مهما بلغ ذكاؤهم وجهودهم فإن ثروات الأرض المخبوءة ليست ملكاً لأقلية إنما هي حق للناس كلهم، لكنهم استفادوا من نظريات فلسفية واقتصادية مختلة تعمل في اتجاه زيادة غنى الأغنياء وزيادة بؤس الفقراء، وهذه الفجوة المرعبة بين الأغنياء والفقراء في العالم هي أصل كل الشرور والمفاسد، إذ إن هيمنة أقلية من سكان هذا الكوكب على الثروات يمكنهم من إخضاع الناس واستعبادهم، ويضر بالتوازنات السياسية التي تحول دون تغول قوة واحدة على شعوب الأرض، كذلك فإن واقع البؤس والفقر والجوع الذي تعيشه الأكثرية على هذه الأرض يعزز الاضطرابات الاجتماعية والصراعات الأهلية، والأقلية المهيمنة في العالم هي التي ترسم سياسات العالم وتشعل الحروب لتحطيم إرادة كل من يفكر في نزع امتيازاتها وتفسد في البر والبحر لأنها لا تنظر إلى البيئة إلا بعيون النهب والطمع فتقتل كل معنىً أخلاقي نبيل وتصادر كل قيمة روحية.
إن قضيةً بكل هذه الخطورة لم يتجاوزها القرآن أو يمر عليها سريعاً، بل أسس لمنهج صارم يقرب الناس من العدل ويحارب كنز الثروات الذي يؤدي إلى خلق فجوة بين الأغنياء والفقراء سواءً في داخل المجتمع الواحد أو على المستوى العالمي.
أول أعمدة المنهج القرآني في محاربة تكدس الثروة تمثل في الجانب الروحي عبر تدريب المؤمن في مئات الآيات على كونه مستخلفاً في هذه الأرض، وأنه في دار ابتلاء مؤقت، وأن ما عند الله خير وأبقى، ولا يفتأ القرآن يذكر المؤمن بأن المال الذي بين يديه ليس ملكه في الحقيقة بل هو مال الله قد استخلفه عليه: }وآتوهم من مال الله الذي آتاكم{ ومثل هذه الآيات تعزز شعوراً في نفس المؤمن بالتحرر من الالتصاق بالثروة وتستفزه للإنفاق والعطاء دون شح ورغبة في التملك، لكن ورغم الحضور المكثف للآيات الروحية فإن تركيزنا في الأسطر القادمة سيقتصر فقط على الآيات ذات الصبغة القانونية وحدها، ذلك لأننا حين نقدم منهجاً اقتصادياً للعالم فإنه ما ينبغي أن نراهن على التقوى الفردية للإنسان فهذه غير مضمونة دائماً، بل لا بد من صيغ قانونية ملزمة تحقق قدراً أكبر من العدل والقسط بين الناس.
أبرز ملامح المعالجة القانونية لمشكلة محاربة تكدس الثروات يتمثل في فريضة الزكاة، وليبين لنا القرآن مدى أهمية فريضة الزكاة فقد قرنها بالصلاة في نحو سبعة وعشرين موضعاً: }الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة{، وبالإضافة إلى المعنى الروحي في الزكاة الذي يتمثل في التطهر الداخلي لنفس المؤمن وترقيق قلبه عبر الإنفاق على الفقراء والمحتاجين، إلا أن هناك بعداً اقتصادياً في هذه الفريضة إذ إنها تضع الأسس لنظام مالي متكامل يقوم على فرض قانون من قبل الدولة وتنظيم استقبال أموالها ومن ثم تنظيم صرفها على مستحقيها وفق أفكار تنموية تعمل على مكافحة الفقر وتحقيق الرخاء.
تحقيق فرضية الزكاة في واقعنا المعاصر على هيئة قوانين إلزامية سيحقق قدراً كبيراً من العدل بين الناس، ويمكن نقل هذه الفريضة من الإنفاق العشوائي إلى الإنفاق المنظم ضمن خطط ترعاها الدولة تعمل على توجيه أموال الزكاة في اتجاه مكافحة الفقر والتنمية الاقتصادية ومسح شامل للفقراء والمساكين، كما تعمل على الحد من تضخم ملكية الثروات في أيدي قلة من الأثرياء.
لكن الزكاة الاصطلاحية لم تكن الطريق الوحيد لحل مشكلة تضخم الملكية في القرآن، فابن عمر يقول إن هناك حقاً في المال سوى الزكاة ويستدل بالآية: }وآتوا حقه يوم حصاده{، وهناك في القرآن أيضاً اقتطاع خمس الغنائم في سورة الحشر: }ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم{، وإذا كان التطبيق الحرفي لهذه الآية مقتصراً على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإن روح الآية تظل لكل ظرف وزمان، وفلسفة الغنيمة هي الأموال التي يحصلها الإنسان دون جهد، وإذا كانت الغنائم الحربية لم تعد قائمةً فإن بإمكاننا استلهام روح الآية في التعامل مع ثروات الأرض وكنوزها المخبوءة التي تقع تحت أيدي فئة من الناس دون غيرهم، فتملك الناس لهذه الثروات لا يعطيهم الحق المطلق فيها، ومن هنا كانت زكاة الركاز التي تفرض إخراج خمس أموال ثروات الأرض، وهو ما يمكن تطبيقه اليوم على ثروات النفط والغاز والمعادن النفيسة المستخرجة من الأرض، وتحويل هذا المبدأ إلى صيغة عملية يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي سيقلص من الفجوة بين الدول الغنية والدول النامية وسيساهم في حل مشكلات الفقر والجوع وسيقضي على التوترات السياسية والاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن الشعور بالقهر والظلم.
يستوقفنا في آية سورة الحشر التعليل الذي تبع الأمر بالخمس وهو: }كيلا يكون دولةً بين الأغنياء منكم{ وهذا التعليل يتجاوز خصوصية المناسبة ليصبح مقصداً وغايةً في ذاته يعرفنا بطبيعة المنهج الاقتصادي الذي يريده القرآن، فإذا كان التشريع في أول الآية معللاً بألا تكون الأموال دولةً بين الأغنياء، فهذا يعني أن كل فكرة يمكن أن يبتدعها البشر في أي عصر تؤدي إلى تقنين امتلاك الأغنياء للأموال فإن هذه الفكرة من الدين لأنها تحقق المقصد القرآني المحكم، وهذه الآية تعني بلغة عصرنا محاربة تكدس الثورة وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
من أعمدة المنهج القرآني في محاربة تكدس الثروات هو التحريم المشدد للربا واعتباره إعلاناً للحرب على الله: }يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله..{.
الربا يعني في فلسفته أن تلد النقود نقوداً فيزداد غنى الأغنياء دون جهد ويزداد فقر الفقراء، وتظل هذه الفجوة في اتساع دائم حتى يصل العالم إلى درجة من الاختلال أن يتملك بضع عشرات فقط كل ثروات العالم، وهو الأمر الذي حذر مفكرون غربيون بأن النظام الرأسمالي يدفع العالم باتجاهه.
الربا يعني ألا يجد الأغنياء أنفسهم مضطرين لتشغيل أموالهم في مشاريع إنتاجية، لأنهم يستطيعون زيادة أموالهم المكتنزة دون بذل أي جهد عبر إقراضها للمحتاجين ومن ثم استردادها مضاعفةً، فتسحب الأموال من أيدي الفقراء لتتركز في أيدي قلة قليلة كلما شعرت بحاجة العالم تزداد إلى أموالها كلما ضاعفت استغلالها لحاجاتهم، وهو ما يعني توقف حركة الإنتاج الحقيقي وخلق نموذج من الاقتصاد المزيف الذي يقوم عماده على توليد النقود من النقود.

على العكس من الربا فإن التجارة تخلق اقتصاداً حقيقياً عبر التزاوج بين الأموال وبين جهود الأيدي العاملة، ويصبح تشغيل الأموال بدل اكتنازها في مشاريع حقيقية شرطاً لازماً لتنميتها، ويصبح بإمكان من لا يمتلك رأس مال أن يقتطع من ثروة المالك كلما بذل جهداً حقيقياً، وبذلك فإن التجارة الشريفة التي تتم بوسائل نظيفة خالية من الاحتكار والاستغلال طريق مهم نحو محاربة تكدس الثروة وتحرير الأموال من أن تكون دولةً بين الأغنياء وحدهم: }وأحل الله البيع وحرم الربا{.

بغض النظر عن التعريفات الاصطلاحية الفقهية لمعان مثل الربا والزكاة فإن وجهة القرآن الروحية لا يمكن أن يفهم منها إلا الحرب بلا هوادة مع كل أشكال تضخم الثروات والجشع والاحتكار واستغلال حاجات الناس والاختلال الفادح في الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وفي آية الاكتناز من النذير الشديد الذي قلما يتكرر في القرآن: }وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ {
كيف يمكن لأمة تتشرب روح القرآن وتتلو فيه مثل هذه الآية أن تتصالح بعد ذلك مع أوضاع اقتصادية وسياسية مختلة تعطي الحق لبضعة عشرات في اكتناز الأموال بينما الملايين يموتون جوعاً، إن أمةً صنعها القرآن لا يمكن إلا أن تثور مناديةً بالعدل والقسط بين الناس.

من أعمدة محاربة تضخم الثروة في القرآن أيضاً قانون المواريث، فهذا القانون ضمانة أخرى لتفتيت تضخم الثروة إذ إن الثري بعد أن يموت لن تذهب أمواله لفرد واحد كما يحدث في بعض الأنظمة الغربية التي ينال الابن الأكبر فيها ثروة أبيه كاملةً، إنما ستتوزع هذه الثروة بين عدد كبير من أقربائه مما سيساهم في تفتيت الثروة، ويجعل طريق الغنى لمن أراد هو العمل والإنتاج وليس الاكتناز.
إن نظاماً اقتصادياً قوامه الإنفاق وتحريم الكنز والحيلولة دون أن يكون المال دولةً بين الأغنياء وحدهم، وفرض حق معلوم للفقراء من أموال الأغنياء ملزمين لا مختارين؛ إن نظاماً كهذا في حال نجاحنا في تحويله إلى رؤىً عملية محددة بلغة واقعية سيعمل بالضرورة على تحرير البشرية من مشكلات الفقر والجوع والقهر التي ترزح تحت سياطها، فأين المسلمون من هذه الرسالة العالمية وقد اختارهم الله ليكونوا شهداء على الناس؟

------------------------------