المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باكستان ومآلات التحالف الأمريكي


عبدالناصر محمود
02-24-2015, 08:36 AM
باكستان ومآلات التحالف الأمريكي*
ـــــــــــــــــ

5 / 5 / 1436 هــ
24 / 2 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710522022015014701.jpg

من التقرير الاستراتيجي الخامس
---------------------

على مدار تاريخها الذي تجاوز نصف القرن، ارتبطت باكستان بعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة، أثَّرت بوضوح في رسم مسار التاريخ الباكستاني الإقليمي والداخلي. ومنذ استقلال باكستان فالمشهد السياسي يخضع فيها لثلاثة مفاصل مهمة وهي: محور الدين- سيطرة الجيش- مركزية القضية الكشميرية.

بدأت العلاقات الأمريكية الباكستانية تتطور وفق نموذج المصالح المترابطة بين البلدين، حيث بقيت تلك العلاقة رهينة لحاجة واشنطن لباكستان من أجل تحقيق التوازن الإقليمي في منطقة جنوب آسيا ووسطها فضلا عن مهمتها في محاربة " الإرهاب". أهم الأدوار التي لعبتها باكستان لصالح الولايات المتحدة عندما جعلت أراضيها قاعدة انطلاق للمجاهدين لاستهداف الاحتلال السوفيتي في أفغانستان، الأمر الذي تسبب بهزيمة الإتحاد السوفيتي وانهياره.
تراجع مؤشر العلاقة بين الطرفين، بسبب قضية السلاح النووي الباكستاني وتداعياتها دوليًّا، فضلاً عن أن الحاجة الأمريكية المُلِحّة لباكستان قد انتهت بعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان، فتخلت أمريكا مؤقتًا عن تحالفها مع باكستان، وتحولت إلى سياسة العقوبات والضغوط.

تحللت باكستان من علاقاتها مع حركة طالبان، في محاولة لتخفيف الضغط الأمريكي والانتقال إلى مرحلة التحالف بين البلدين، لإحداث توازن فيما يخص العلاقات الهندية الأمريكية. بعد 11 سبتمبر وبداية الحرب الأمريكية على "الإرهاب" بدأ دور باكستان يكتسب أهمية بالنسبة لواشنطن خصوصا بعد أن قررت الأخيرة إسقاط حكم طالبان.قدم النظام الباكستاني دعماً كبيراً للقوات الأمريكية خلال غزوأفغانستان، بما يتجاوز في حقيقة الأمر للكثير من الخطوط الحمراء التي لم يسبق لأي نظام باكستاني تجاوزها، بما أضر بوضوح بالأمن القومي الباكستاني، وأدى فيما بعد لانفجار الوضع الداخلي وتوتر علاقات باكستان بجيرانها.

وربما كانت قضية كشمير والنزاع مع الهند أحد أهم محاور الحاجة الباكستانية لأمريكا، ولذا فقد تطلعت بعض النُّظُم السياسية الباكستانية السابقة في بداية نشأة الدولة إلى الدور الأمريكي كشريك، وحليف يمكن الاعتماد عليه في وجه التحديات التي نشأت في ظلها الدولة الوليدة، وخاصة لمحاولة تقليل الفارق وتضييق مساحة الخلل بينها وبين خصمها الرئيس الهند، والمدعوم صينيًّا، «وأدركت باكستان حقيقة تلك الخيالات الوهمية عندما قامت الولايات المتحدة بقطع إمدادات التسليح عنها في الحرب ضد الهند عام 1965م».

كما لا ينسى الباكستانيون إلى الآن الموقف السلبي الذي وقفته أمريكا - برغم تحالفها حينها مع باكستان - أثناء الحرب مع الهند عام 1971م، والذي أدى إلى هزيمة كبيرة للباكستانيين. ويبدوأن مؤشر العلاقة - بعد أن بلغ أعلى درجاته بعد أحداث سبتمبر – آخذ في الهبوط بعد تراجع أهمية باكستان بالنسبة للولايات المتحدة، يدل على ذلك تقديم أمريكا لشراكتها الاستراتيجية مع الهند على علاقتها التحالفية مع باكستان، بل وصل الأمر - برغم كل ما قدمته باكستان لدعم الحملة الأمريكية على « الإرهاب » - إلى الدرجة التي أصبحت فيها السيادة الباكستانية نفسها مهددة على أراضيها إلى حد أن حذرت مسئولة أمريكية بشنّ عمليات عسكرية داخل باكستان قد تؤدي لتسوية منطقة وزيرستان الباكستانية بالأرض تمامًا».
لم تجرؤ واشنطن على تحويل باكستان إلى ميدان رماية يحق لها أن تمارس فيه ألعابها النارية المميتة وقتما تشاء إلا بسبب التنازلات العديدة التي قدمها الرئيس الباكستاني برويز مشرف منذ وصوله للسلطة عامة، وعقب هجمات سبتمبر بشكل خاص، فقد قدَّم للأمريكيين تقريبًا كل ما طلبوه، وكل ما يرغبون في إنجازه بداية من الحرب على أفغانستان وصولاً إلى الموقف الراهن ».
أمريكا وطبيعة العلاقات الباكستانية الهندية

منذ استقلال باكستان عن الهند سنة 1947م، والعلاقات بين الدولتين الجارتين لم تعرف سوى الاضطراب الذي وصل كثيرًا لدرجة الصراع العنيف الذي صبغ المنطقة بالتوتر والالتهاب ؛بسبب الملفات الخلافية بين الطرفين وأهمها الصراع الديني بين دولة مثل باكستان ذات أغلبية مسلمة ودولة هندية ذات أغلبية هندوسية، بالإضافة إلى الصراع على كشمير.
ويمتد الصراع الهندي - الباكستاني لأكثر من نصف قرن من الزمن، هي عمر دولة باكستان تقريبًا، تورط خلاله الطرفان في ثلاثة حروب، تسبب إقليم كشمير - ذي الأغلبية المسلمة - في اثنتين منهما. فالمواجهة الأولى، كانت بسبب كشمير سنة 1947م، أما المواجهة الثانية فقد اندلعت سنة 1965م بفعل النزاع على هذا الإقليم أيضًا، بينما اندلعت المواجهة

المباشرة الثالثة بينهما في بداية السبعينيات من القرن الماضي، بعدما تدخلت خلالها الهند لدعم بنغلادش ( باكستان الشرقية ) عسكريًّا ؛لتستقل وتنفصل نهائيًّا عن باكستان سنة 1971م.
تعتبر قضية كشمير بالنسبة لباكستان قضية شعبية ودينية بالنسبة للشارع الباكستاني لذلك لا يمكن لأي نظام حاكم في باكستان أن يفرط بها، ولذلك فهي الأهم في أجندة السياسة الخارجية لإسلام آباد. ولمعرفة مدى الترابط بين باكستان وكشمير نجد أن معظم المقاتلين الكشميريين المنادين بالاستقلال عن الهند، والانضمام لإخوانهم الباكستانيين، هم من خريجي المدارس الدينية الباكستانية، كما أن دولة باكستان تستضيف العديد من مقاتلي كشمير، وتنشط فيها العديد من الجماعات الإسلامية المؤيدة لهذا الاستقلال.
لتحقيق ميزان القوى العسكرية والإقتصادية والبشرية أيقنت باكستان أن تطوير برنامجها النووي هوالحل الأمثل للوقوف في وجه الخصم التاريخي لها. بدورها تلعب واشنطن دورا مهما في العلاقات بين الطرفين، ورغم الصورة التحالفية التي غلبت على توجه العلاقات الباكستانية الأمريكية ؛إلا أن طبيعة العلاقة ونمط الدعم الأمريكي لم يأخذ خطًّا واحدًا أومسارًا مستقرًّا، بل اتجهت في بادئ الأمر تجاه باكستان في إطار ضمان التوازن بين القوى الفاعلة في المنطقة، ثم اتجهت مؤخرًا نحوترجيح كفة الطـرف الهندي وتفوقه العسكري، وذلك بعد ازدياد الحاجة الأمريكية للهند في دعم استراتيجيتها بالمنطقة ؛حيث أعطت أمريكا الأولوية في التعاون النووي للهند، طبقًا للبروتوكول الذي وقَّعه جورج بوش أوائل 2006م في زيارته لنيودلهي، وهوالأمر الذي فشلت باكستان في تحقيقه، على الرغم من التنازلات التي قدمتها إسلام آباد لواشنطن.

وبناء على تلك التحولات في استراتيجية أمريكا بالمنطقة، فقد تأثرت وضعية القضية الكشميرية بالنسبة لباكستان تأثرًا كبيرًا، مما أدى بالنظام الباكستاني - تحت الضغوط الهندية وتصلب موقفها - إلى تراجع ملموس في موقفه من قضية كشمير المصيرية ؛حيث « فرضت أحداث سبتمبر 2001م قيودًا شديدة على فرص عمل حركة المجاهدين في كشمير، من خلال ما أفرزته تلك الأحداث من تحولات مهمة في البيئة الأمنية الدولية بشكل عام، ومنطقة جنوبي آسيا بشكل خاص، خاصة بعد انضمام باكستان إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب ». كما تسعى واشنطن دائما لإقناع إسلام آباد للوقوف عند حد الوسائل السلمية لحل القضية الكشميرية، الأمر الذي أدى إلى اعتبار واشنطن للعمليات النضالية في كشمير من قبيل الأعمال " الإرهابية"، بل تجاوزت الضغوط الأمريكية على باكستان للدرجة التي دفعت بباكستان إلى تجريم ومنع عمل بعض الجماعات المسلحة الداعمة للقضية الكشميرية من داخل أراضيها، بما عدَّه البعض انقلابًا غير مقبول، على المستوى الاستراتيجي، على الثوابت الباكستانية تجاه القضية الكشميرية.
أمريكا والداخل الباكستاني

منذ نشأة باكستان وأوضاعها الداخلية، وسياساتها الخارجية، محكومة بعاملين لا يمكن إغفالهما للوصول لفهم دقيق لحقيقة الأوضاع الباكستانية ومستقبلها: أولهما « الدين » الذي يمثل محور النشاة للدولة، وما ترتب على ذلك من قوة دور التيارات الإسلامية في الحياة الباكستانية، و« الجيش » الذي يمثل محور الاستمرار والاستقرار.
كانت واشنطن منذ البداية تسعى للتأثير بشكل قوي على المحورين السابقين وبالأخص العامل الديني من خلال التحريض على الجماعات الإسلامية، وبرغم حساسية وضع الدين في الحس الشعبي الباكستاني؛إلا أن أمريكا لم تلتفت لخطورة تجاوز ذلك المعطى الأكثر أهمية في الحياة الباكستانية، وكان التحريض ضد المناهج والمدارس الدينية - التي تعتبرها أمريكا المسئول عن تفريخ الإرهاب ؛لما لها من تأثير كبير في الداخل الباكستاني، والجوار الأفغاني - أحد شواهد هذا التجاوز، ومن هنا كان التضييق على طلبة تلك المدارس، وملاحقة إداراتها سمة هامة للنظام الباكستاني الحالي، بلغت ذروتها في حادثة المسجد الأحمر التي اقتحم فيها العسكر أحد أكبر مساجد العاصمة، ونتج عنها عشرات من القتلى والمصابين، ما عُدَّ بمثابة رسالة شديدة اللهجة من النظام لطلبة المدارس الدينية.

لأهمية تأثير الدين في الحياة السياسية في باكستان حاولت دائما النظم الحاكمة وخصوصا الجيش تدعيم شرعيتها الشعبية من خلال جعل الجماعات الإسلامية لاعباً أساسياً في المشهد السياسي في البلاد، خاصة في عهد ضياء الحق الذي مهَّد لهم الطريق ليصبحوا ركنًا هامًّا من أركان البنية الداخلية، بعدما منحهم حق تكوين إمارات إسلامية، وفرض نفوذهم على العديد من المناطق خاصة الحدودية.
بعد الإنقلاب الذي نفذه برويز مشرف تجاه الإسلاميين للحفاظ على علاقاته القوية مع واشنطن خلال الحرب على " الإرهاب"، والتصعيد الخطير الذي بلغ ذروته في حادث المسجد الأحمر، الذي خسر فيه مشرف بوضوح التعاطف الشعبي وتأييد الإسلاميين، أدت في النهاية لى تحول في العلاقة وصل إلى حد الصدام، وتخلي الإسلاميين عن حيادهم تجاهه بعد انقلابه العسكري، إلى حد وقوفهم ضده في خندق المعارضة.

برزت أيضا مشكلة القبائل كزاوية مهمة في الصراع بين السلطة والإسلاميين في باكستان وتم الزج بالجيش في حرب شرسة في منطقة القبائل، والغاية كانت إرضاء واشنطن من خلال القضاء على الجماعات الإسلامية التي كانت تتخذ من منطقة القبائل مقرا لها لشن هجمات تستهدف قوات حلف " الناتو" التي تحتل أفغانستان.

وبالرغم من الإطاحة بنواز شريف من الحكم وتعاقب عدة رؤساء بعده أخرهم ممنون حسين إلا أن باكستان لا تزال غارقة في أزمة داخلية سببها الصراع بين الإسلاميين والدولة المنحازة للحفاظ على علاقات مع الإدارة الأمريكية على حساب استمرار الصراع الداخلي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{البيان:مركزالبحوث والدراسات}
ــــــــــــــــــ