المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القبلية والمسار السياسي في ليبيا


عبدالناصر محمود
02-25-2015, 08:13 AM
القبلية والمسار السياسي في ليبيا
ــــــــــــــــ

(أحمد فايق دلول)
ـــــــــ

6 / 5 / 1436 هــ
25 / 2 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/824022015110017.png

من الطبيعي جداً لأي رئيس عربي أن يبحث عن عوامل تمكّنه من البقاء في منصبه أطول فترة زمنية ممكنة. الأمر نفسه ينطبق وبشدة على معمر القذافي حيث عمل منذ الأيام الأولى لتمرده على نظام الملك إدريس السنوسي عام 1969م؛ على تعزيز وتقوية القبلية وإضعاف الجيش الليبي خشية تمردٍ مضادٍ محتملٍ عليه من أحد قادة الجيش، وهو ما جعل العصبيات القبيلة تلعب دوراً رئيسياً في المجتمع الليبي أو في المشهد السياسي العام، حتى أضحت القبائل بمثابة الانتماء الأول لدى الليبيين.

أدرك القذافي باكراً أهمية وخطورة مسألة القبائل والعصبيات؛ فأقدم على تمكين أبناء قبيلته "القذاذفة" وجعلها في صدارة المناصب الحكومية العليا في الجهاز الإداري أو المؤسسة العسكرية، بجانب علاقات المصاهرة والنسب التي كانت تربطه مع زعماء قبائل أخرى.
قضى القذافي 42 سنةً في الحكم، أدار خلالها ما يكمن تسميته بـ"لعبة التوازن بين القبائل" بحنكةٍ بالغةٍ الأثر، وذلك انطلاقاً من افتراض أن اتحاد تلك القبائل ضده يشكل خطراً كبيراً على بقائه على رأس السلطة، ومن هنا؛ عمد إلى بث الخلافات بين القبائل وفق نظرية "خض الفئران" أو مبدأ "فَرِّقْ تَسُدْ"، فكان يتغلب على الكثير من مشاكل بلاده الداخلية من خلال تحريك ورقة القبائل.

إجراءات عديدة قام بها القذافي لتعزيز القبائلية والعصبيات، لعل أبرزها توزيع عدد من حقول النفط على بعض القبائل النافذة في المجتمع الليبي، فضلاً عن منح كل قبيلة الملكية الحصرية للأراضي التي كانت مشاعاً، وذلك وفق قانون سنَّه عام 1990م، ولم يكن آخرها تسليح أفراد القبائل الداعمة لنظامه والموالية له في مواجهة أفراد القبائل الذين طالبوا بإسقاطه، لدرجة أن عدد المسلحين الليبيين قد زاد عن 200 ألف مسلحاً لدولة لا يتعدى تعداد سكانها 6 ملايين.
احتسى القذافي سُماً من نفس الكأس الذي صنعه بيديه، ح
يث أسهمت القبائل بشكلٍ كبيرٍ في إسقاط نظامه بعد اندلاع الاحتجاجات في 17 شباط/فبراير 2011م بدءاً من مدينة البيضاء، وفقدَ القذافي ولاءات القبائل التي رفضت أن تكون شاهد زورٍ على الاستخدام المفرط للقوة في قمع التظاهرات المعارضة له، ولم تنتهِ الأمور بالتصفية الجسدية للقذافي نفسه.

بعد طي صفحة 42 سنة من حكم القذافي؛ ما زالت ليبيا تدفع ثمن السياسات الخاطئة التي كرَّسها القذافي في البلاد، حيث غاب الاستقرار السياسي والأمني ولم تنتهِ الاضطرابات، وطفت على السطح ميليشيات قبلية مسلحة حاولت فرض أجندتها وتشريعاتها بقانون القوة وشريعة الغاب، وأبدت رغبتها الجامحة بالانفصال وتقسيم ليبيا إلى ثلاث مناطق متصارعة فيما بينها (طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب)، فضلاً عن قيام بعضها بالسيطرة على آبار النفط وبيعه لأطراف خارجية بأبخس الأثمان.

الحالة العامة التي تمر بها ليبيا شبيهة إلى حدٍ كبيرٍ بما مرَّت به الجزائر (1992-2002) أو لبنان (1958-1975) أو اليمن، وهي مظاهر مختلفة لحرب أهلية لعل ليبيا مقبلة عليها.
ولا يبدو في الأفق بوادر لحل الأزمات التي وقعت فيها ليبيا بعد أربع سنوات من التخلص من حكم القذافي، وهي أزمات خلَّفتها تراكمات فترة 42 سنة قضاها القذافي في سدة الحكم، ويسير الوضع العام نحو مزيدٍ من التدهور الناجم عن ازدياد حدة القتال بين الميليشيات وقوات “الجيش الوطني” بقيادة خليفة حفتر المدعومة من قبل حكومة عبدالله الثني المتمركزة بطبرق وميليشيات مدعومة من القبائل، في ظل تعطل عجلة الحوار الوطني بين الفرقاء والتدخلات الخارجية التي تمارسها أطراف عربية وغربية.
ومن هنا يمكن القول إن القبائل التي لعبت دوراً بارزاً في طرد الاستعمار الغربي من ليبياً والمحافظة على الديار الليبية مسلمة وعربية أكثر من أربعة عشر قرناً، ولعبت دوراً سياسياً طوال الفترة الماضية؛ نفسها القبائل التي تعيق التوصل إلى حل سلمي في البلاد، وبيدها توازن القوى وليس في يد الجيش، ولو أرادت القبائل لعب دورٍ إيجابيٍ في المشهد السياسي لفعلت، لكن هذا الأمر يتعارض مع مصالحها.

لقد أصبح مستقبل البلاد مرهوناً بإرادة القبائل صاحبة الكلمة العليا في مناطق الصراع، ومن الصعب أن تتخلى عن الامتيازات التي حصلت عليها خلال فترة سيطرتها على مناطق مختلفة، والتي لم يعد التعويل عليها أمراً ذا قيمة، علماً بأن الصراع في ليبيا يكمن في ثلاث قوى أساسية هي "القبائل العربية، وقبائل التبو، وقبائل الطوارق"، وهو ما يضع جملة من علامات الاستفهام حول مستقبل ليبيا.

ولم يعد خافياً في ضوء التطلعات القبائلية في السيطرة على النفط وطرق التجارة أن ليبيا باتت –حسبما يطرح بعض الشخصيات السياسية والأكاديمية- أمام عدة سيناريوها؛ إما فرض النظام اللامركزي، إذ إن للقبائل المتصارعة جملة من التطلعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو اتباع النظام الفيدرالي للمناطق الثلاث (طرابلس، برقة، وفزان)، وذلك لأن تكاليف خيار التدخل العسكري الخارجي بالتعاون مع قوات حفتر– الخيار الأخير وهو مطروح بقوة- أكبر بكثر من الخيارات الأخرى.

ومهما يكن من أمر، لا يمكن إغفال أن غياب الاستقرار في ليبيا أصبح اليوم يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي لدول الجوار، وهو ما يعني أن ليبيا باتت على وشك التدخل العسكري الدولي، خاصة بعد مطالب بعض الدول العربية من مجلس الأمن الدولي السماح لها بالتدخل.

--------------------------------------