المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حضرموت ورحلة البحث عن الذات


عبدالناصر محمود
03-03-2015, 08:59 AM
حضرموت ورحلة البحث عن الذات
ـــــــــــــــــ

(طه بافضل)
ــــــ

12 / 5 / 1436 هــ
3 / 3 / 2015 م
ـــــــــــ

http://alahale.net/uploads/site_images/h-20130601-153733.gif

في السياسة المعاصرة, كل شيء وارد, لانها تتجرد من القيم النبيلة, والمبادئ السامية, والأهداف البناءة, والمقاصد العالية الرفيعة.

وقاحة السياسي في أنه يمكنه تدمير كل شيء جميل أمامه; تاريخاً, وهوية, واقتصاداً, وثقافة, واجتماعاً, المهم; يبقى له السؤدد والثروة والمكانة والعلو في الأرض.

وهذا ما حدث في حضرموت, التي عرفت بتاريخها الناصع, وعمقها الإسلامي, ودورها العظيم في خدمة الدعوة إليه, وتأثير رجالها في شتى مناحي الحياة, حتى صارت علامة الجودة الكاملة في اسمهم وأخلاقهم وسمعتهم النقية الصافية, فهم التجار الأمناء, المثقفون النجباء, والسياسيون الدهاة والدعاة العظماء, بل والمجاهدون الأصفياء. سل عنهم في كل بلد حطوا رحالهم فيه, فعاشوا وتعايشوا, مع أهلها حتى صاروا جزءاً لا يتجزأ منه, وأثروا وتأثروا, فلا تفرق بينهم وبين أهل البلد الأصليين. إنهم باختصار; أنموذج للإنسان الذي أراده الرب خليفة في الأرض.

ولعل دولة الكويت يعرف أهلها قيمة الحضرمي, خصوصاً, قبل اجتياح العراق للكويت حيث كان مثالاً رائعاً للوفاء والأمانة والخلق الحسن.

حين جاءت الجبهة القومية, ومعها الفكر الشيوعي, وحطوا رحالهم في أرض جنوب الجزيرة العربية, نظروا فوجدوا أن أشد أعدائهم وخصمهم اللدود الفكر الوسطي المعتدل الإسلامي الذي طغى وانتشر في حياة الحضارم خصوصاً والجنوب قاطبة, فبدأ بحملته الضارية ضد كل ما يمثل هذا الفكر; فاعتدى وتطرف في الاعتداء, واضطر الحضارم, الهجرة إلى الدول المجاورة والبعيدة لأنهم لا يمكنهم الانسلاخ عن هويتهم الأصيلة وثقافتهم العتيقة, لا يمكنهم إنكار الخالق المعبود, ولا يمكنهم عصيانه وتبديل سننه ومعاداة نواميسه, لم يكونوا بعيداً عن الحياة حتى يضطروا للقبول بحياة بعيدة عن فاعلية العقل و نواميس الكون, فلم يستسغ الحضرمي فكر الشيوعية البتة, ولم يتعامل معها إلا الجهلة والضعفاء الذين ظنوا أن اعتناقهم للدين الشيوعي هو تكميل لشخصيتهم الضعيفة, واثبات حضورهم في مجتمع لا يسمو ويرفع فيه إلا العلماء والمفكرون والمثقفون وأهل الوعي والمعرفة, ولا يقدَّس أحد فيه إلا بقدر انتهاجه النهج القويم والفكر السليم. ورغم من كل ما حاكه الشيوعي وكاده على حضرموت ظل الحضرمي شامخاً عظيماً يتلألأ في كل بقعة حلَّ بها.

جاءت الوحدة اليمنية التي بها تمت تصفية ما تبقى من وجود حقيقي للفكر الشيوعي, وظل حزبه “الاشتراكي” رمزاً لا كيان له, خصوصاً بعد حرب الانفصال عام 1994, وجاءت جحافل الشماليين تزأر, تتقدمها صفوف ما يسمى بالمجاهدين العرب الأفغان, الذين استخدمهم نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بمثابة مجرد “كرت” من “كروته” المتعددة! وتم في حضرموت خصوصا وفي الجنوب عموما شكل جديد من الطغيان والهيمنة, لكن هذه المرة باسم الرب والشريعة, وباسم الثورة ومعبد الوحدة العظيم, فبدأ الانقضاض على هوية الحضارم وتعليمهم وثقافتهم وزرع هوية غريبة عليهم, وثقافة بعيدة عن ثقافتهم, وعملت سلطة صنعاء الهمجية, بجد ومكر, ليلاً ونهاراً لتغيير كل شيء ينتمي لماض عتيد وانغماس في حاضر حقير لا يقدس العلم ولا الثقافة ولا الهوية, بل يسعى المرء فيه الى عيش يومه ولا ينظر لغده ولا مستقبله.

الأسوأ من ذلك كله, هو أن الحكم الجاهلي الذي لا يقدس شريعة ولا نظاما ولا قانونا هو من حكم الحضارم والجنوب بل واليمن برمته طيلة عمر الوحدة, بقيادة مجموعة من شيوخ قبائل الشمال التي تقدس أعرافها القبلية على حساب شريعة ربهم ودستور وطنهم المتفق عليه, الحضارم عرفوا القبائل واحترموها وأعطوها مكانتها ليتعايش الناس لا ليتحاربوا ويدمر بعضهم بعضاً, بل ليتواصل الناس لا يتقاطعوا ويتناحروا ويتحاطموا. حينما علمت وأيقنت مراكز النفوذ في صنعاء, أن واقع الحال في الجنوب محال أن يعود إلى حضن الواقع في الشمال, وبالتالي ستذهب مصالحهم ومآربهم وسيتوقف نهبهم للثروة ونفوذهم بسبب الحراك الشعبي في الجنوب من عدن إلى حضرموت والمهرة, بدأت تكيد هذه المراكز الآثمة كل المكائد, وتدبر المؤامرات والدسائس على حضرموت خصوصاً,والجنوب عموماً, بغية إحراق ما تبقى منه مثلما أحرق نيرون روما, وكما قال شمشون قولته المشهورة “علي وعلى أعدائي” وهي محاولة يائسة منهم لإرجاع الجنوب وحضرموت إلى حضيرة صنعاء وسلطتها الفاشية الفاشلة.

التربص بحضرموت مستمر من الجميع, فهي بقرة حلوب, تركها اغنياؤها ومترفوها ليستوطنوا بلداناً في مشارق الأرض ومغاربها ويعمروها كأنها وطنهم الأصلي, ولو رجعوا إلى حضرموت لبنوها وأقاموا فيها دولة مؤثرة في شبه الجزيرة العربية, لكن التاريخ عصف بذاكرتهم فتراءت في عقولهم أشباح الماضي حين سُحِل علماؤهم, وأممت ممتلكاتهم; والصورة القاتمة في الحاضر المعاش, فقد تغيرت النفوس وانهارت القيم وتضعضت المبادئ; فصاروا لا يثقون بالعودة إلى حضرموت إلا لزيارة أهل أو لمشروع صغير يبقي لهم الذكرعند ربهم وفي قلوب أحبابهم!

ــــــــــــــــــــــــــــــ