المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقيدة الإسلامية عاملاً تغييريًا


عبدالناصر محمود
03-08-2015, 08:09 AM
العقيدة الإسلامية عاملاً تغييريًا**
ـــــــــــــــــ


17 / 5 / 1436 هــ
8 / 3 / 2015 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6272.jpg

البحث: العقيدة الإسلامية عاملاً تغييريًا

إعداد : د. عبد الله بن ظافر الشهري(*)

ـــــــــــــــ

إن مسألة الإصلاح والتغيير مع كونها قضية فطرية فإنها من أعظم الواجبات على الأمة جماعات وأفرادًا، وهو دور تنشده كل النخب من كل أمة، وتسعى إلى القيام بدورها المنوط بها في ذلك.

وهذه المسألة مع عظيم أهميتها إلا أنه يعترضها مشكلة الاختلاف بين دعاة التغيير والمصلحين أنفسهم، وهو اختلاف حول قضايا لا قضية وحدة، ومن جهات عدة لا جهة واحدة، ولو أن الخلاف يكون في صورة اختلاف التنوع الذي يكمل فيه كل واحد دور الآخر لكان مقبولا، لكنه صار اختلاف تضاد تتصارع فيه الجهات والفئات فضلا عن الأفراد والقيادات.

وعليه فإن من المهمات الكبيرة على الباحثين محاولة تحديد أصول منهجية تكون أصلا تجتمع عليه مشاريع التغيير ثم تتفرع بحسب تخصصاتها وتفرعاتها، ويقصد بالمنهج هنا: الثابت، وإلا فوسائل التغيير متغيرة ومتجددة متطورة، ولا يمكن اختزالها في ثوابت أبدا.

والمتأمل لمشاريع التغيير الكبرى قديمًا وحديثًا يجد ثوابت مشتركة فيها، ومن ذلك ثابت العقيدة التي يحملها أصحاب تلك المشاريع، والتي هي جزء من فكرهم وثقافتهم التي يحملونها، وتشكل تأثيرًا بالغًا في نجاح مشروعهم وخاصة العقيدة الإسلامية.

وعليه جاء هذا البحث ليبين دور العقيدة في دعوة وإصلاح وتغيير الأنبياء– عليهم صلوات الله وسلامه- وحقيقة العبودية التي تقوم عليها هذه العقيدة، حيث ركز الباحث على بيان دور العقيدة الإسلامية في الإصلاح والتغيير، ومدى أثرها فيه، وجاء هذا في ثلاثة مباحث، كما يلي:

المبحث الأول: العقيدة والتغيير عند الأنبياء.

كانت العقيدة الركيزة الأولى في دعوة وتربية الجماهير المدعوة عليها، وأهم ركائز هذا الاعتقاد هو التوحيد، توحيد الله سبحانه بكل معاني هذا التوحيد، وخاصة ثمرته وغايته، وهو العبودية التامة لله رب العالمين.

وعليه أوضح الباحث أن الابتداء بالعقيدة دعوة وتربية، مثلت أصلا عظيما من أصول منهجهم، وأن هذا الأصل تضمن أمرين؛ هما: الابتداء بالعقيدة أولا، والتربية عليها ثانيا، وليس مجرد الدعوة العامة.

وعند حديثه عن حقيقة العبودية لله تعالى أكد الباحث على وجوب إثبات فقر العبيد إلى الله تعالى، وأن الله تعالى هو الغني الغنى التام، وغناه تعالى غنى ذاتي، ونحن الفقراء إليه تعالى، وفقرنا إليه فقر ذاتي لا يمكننا أن ننفك عنه أبدًا، فنحن الفقراء إلى الله تعالى، وهو الغني عنا تماما.

وبين الباحث أن ما سبق يتضمن أصلين مهمين؛ أولهما: وجوب التوكل عليه والاستعانة به، وثانيهما: وجوب عبادته تعالى والإنابة إليه، فهما لازما جهتي فقرنا إليه تعالى.

المبحث الثاني: العقيدة وحرية النفس الإنسانية.

أثار الباحث في بداية مبحثه عدة تساؤلات، منها: ما ضابط هذه الحرية؟ ما حدودها؟ كيف يمكن تحرير القلوب تحريرًا حقيقيًا مع بقاء روح المسئولية والانضباط، وعدم الوقوع في الفوضى والانفلات؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات أخذ الباحث في بيان أمرين مهمين، وهما: طبيعة النفس في التصور الإسلامي، ثم مفهوم الحرية على ما تقرر في حقيقة العبودية وحقيقة النفس الإنسانية.

فأوضح الباحث أن الحرية تقوم على العبادة بمفهومها العام، والمتضمن للأصلين الكبيرين الذين تضمنتهما (إياك نعبد وإياك نستعين)، الحب والتأله، وكذلك التوكل والاستعانة.

فبين أن الأصل في الحرية هو حرية القلوب من التعلق بشيء غير الله سبحانه، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، فلا حياة ولا حرية للنفس ولا للقلب، ولا نجاة لهما إلا بتحقيق هذا الحب والتأله، فالقاعدة المقررة هنا هي أنه (كلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه).

المبحث الثالث: تحرير الإنسان في القرآن الكريم

بين الباحث في هذا المبحث أن التحرير القرآني للنفوس يقوم على ما تقدم تقريره من بيان معنى الحرية الحقيقية، وأنه لا تحرير حقيقي إلا ببيان ذلك المفهوم ثم تطبيقه واقعًا بالدعوة والتربية والمجاهدة للنفوس. فلقد أنزل الله تعالى كتابه الكريم على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وكان نزوله مؤثرًا غاية التأثير في تحرير هذه الأمة المسلمة، على المستوى الفردي والمستوى الجماعي.

حيث دعا القرآن إلى تحرير النفوس بأساليب متنوعة- ترجع في الأساس إلى ما تقدم- لكن المؤلف أوجز ذلك في أسلوبين عامين؛ هما: الخطاب المباشر لتحرير النفوس، وقصد به المؤلف الخطاب القرآني الذي يؤثر في النفوس حتى يثمر فيها تحررها من العبودية لغير الله تعالى، وجعلها متوجهة إليه تعالى وحده.

أما الأسلوب الثاني كان من خلال ذكر القصص والشواهد والأمثلة على النفوس المتحررة في القرآن، أي النفوس التي حررها توجهها إلى الله تعالى وحده بالحب والثقة التامة توكلاً ورجاءً واستعانةً وطمعاً فيما عنده.

وتحدث الباحث خلال ذلك عن نوعين من التحرير في القرآن الكريم، أولهما هو تحرير الفرد في القرآن الكريم، فالأصل في الخطاب القرآني هو أنه للفرد، فكل إنسان سيبعث فردا، ويحاسب وحده، وصلاح المجتمعات بصلاح أفرادها، ولذلك فالأصل هو إصلاح الأفراد أولا. أما النوع الثاني من التحرير، فتمثل في تحرير الجماعة، وقد ناقش الباحث هذه الجزئية من خلال قصة موسى نبي الله عليه السلام مع قومه.

الخاتمة: أوجز الباحث في خاتمة بحثه، مشيراً فيها إلى أن قصة موسى- كما قصة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قصص كل الأنبياء- ترسم لنا منهجا صحيحاً متكاملاً لتحرير الأمة بل وكل البشرية، والحيدة عنه إنما هو في الحقيقة ابتعاد عن الحرية والتحرير، وقد أمر الله تعالى نبينا- عليه الصلاة والسلام- باقتفاء هدي الأنبياء في الدعوة، فقال تعالى بعد ذكر جانب من قصة إبراهيم- عليه السلام- وذكر النبيين (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ) [الأنعام:90]، وهذا الأمر ولا شك هو أمر لنا نحن باقتفاء أثرهم، وهذا المنهج الدعوي للأنبياء هو عينه المنهج الواجب سلوكه لتحقيق الحرية، وتحرير الإنسان والأمة والبشرية.

ثم كان آخر ما سجله الباحث أن أوصى كل المثقفين المسلمين والدعاة والنخب بالعودة إلى المنهج القرآني في تحرير النفوس وإصلاحها.

فنسأل الله أن يجزي الباحث خيرا على هذا الجهد، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وأصحابه إلى يوم الدين.

ـــــــــــ

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد- المملكة العربية السعودية- 1433هـ.
-------------------------------------
**{التأصيل للدراسات}
------------