المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محنة السوريين والرهان الدولي الخاسر


عبدالناصر محمود
03-17-2015, 08:47 AM
محنة السوريين والرهان الدولي الخاسر*
ـــــــــــــــــــــ

26 / 5 / 1436 هــ
17 / 3 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_12207.jpg

من أكثر ما يؤلم في سوريا أن العالم لم يعد مشغولا بمقتل مئات الآلاف من المدنيين العزل من النساء والأطفال والمسنين، ولم يعد يكترث بأن نصف سكان سوريا يعيشون كلاجئين في دول أخرى بينما المئات من براميل المتفجرات ما زالت تلقى في المدن السورية ولا زالت مخيمات اللاجئين تحت الحصار، كل هذا ولم تعد هذه الأخبار تحتل أي أولوية في نشرات الأخبار وكأن العالم قد اعتاد عليها أو كأن الأصل في السوريين أن يُقتلوا، والاستثناء أن تتوقف آلة الحرب والدمار هذه عن حصد الأرواح البريئة.

على أعتاب العام الخامس من القتل اليومي الممنهج والمنتظم والقاسي، ولا يبدو في الأفق مظهر من مظاهر التوقف، فرائحة الدم والدمار في كل مكان، وبرغم بشاعة ما تم نقله، إلا أن وسائل الإعلام لم تنقل شيئا مما يحدث حقيقة في سوريا، فالعالم تنتابه الإفاقة للحظات على مأساتهم ثم يعود لتجاهلهم مرة ثانية دون أن تترجم هزات مشاعره إلى فعل ينقذ هؤلاء من القبضة الدامية التي يتحكم بها نظام الأسد فيهم، فبات العالم يبحث عن مكافأة لبشار لا عن عقوبة له، وأضحى العالم الآن يبحث عن التفاوض مع بشار رغم بشاعة وفداحة ما فعل.

والعالم الآن يبحث في التفاوض مع من كان أصل المشكلة فإذا بهم يعتبرونه الآن شريكا في الحل يجب التفاوض معه للوصول إلى حل للمشكلة السورية، فأي حل يرتجى منه ليكون شريكا فيه ؟

ففي هذه الأيام صدرت التصريحات الأمريكية على لسان جون كيري وزير خارجيتها، بأن الولايات المتحدة على استعداد للتفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد في إطار اتفاقية جنيف لإنهاء الأزمة السورية، بل إن المثير للسخرية ما قاله كيري في النهاية في حديثه مع "سي بي إس نيوز"، قال " إن واشنطن ستبحث عن السبل للضغط على بشار الأسد ليقبل مبدأ التحاور لإنهاء الأزمة والتحضير لانتقال سياسي في سوريا ".

وبالطبع اختفت اللغة التي كانت تتحدث بها الولايات المتحدة في كل حوار سابق بشأن الأسد حيث كانت تقول أن "الأسد فقد كل شرعية له وعليه أن يرحل "، وحلت محله لغة أخرى أن الولايات المتحدة ستضطر للتفاوض لإنهاء الصراع "علينا أن نتفاوض في النهاية، كنا دائما مستعدين للتفاوض في إطار عملية جنيف 1."

والتغير في اللهجة التي تحدثت بها الخارجية الأمريكية لا يرجع إلى العواطف التي لا تعترف بها ولا لحقوق الشعوب التي لا تهتم بها كثيرا ولا تهتم سوى بمصالحها فحسب، فالتغير بداية ثمرة من ثمار التقارب الإيراني الأمريكي الذي يمكن التضحية من اجله بالكثير من المبادئ، والسبب الثاني هو تنظيم الدولة الإسلامية الذي جعل المصالح تلتقي وتتقارب من اجل القضاء على هذا التنظيم، ومن ثم لم يعد الحديث عن التفاوض مع بشار الأسد حديثا غير مقبول من الإدارة الأمريكية.

ولهذا لم يكن غريبا تصريح رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي ايه" جون برينان الذي قال فيه : " إن الولايات المتحدة لا تريد انهيار الحكومة السورية والمؤسسات التابعة لها، فلا أحد منا، لا روسيا ولا الولايات المتحدة ولا التحالف (ضد الدولة الإسلامية) ولا دول المنطقة، يريد انهيار الحكومة والمؤسسات السياسية في دمشق".

وعلى الرغم من معارضة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس لأي تفاوض مع الأسد كتعليق منه على تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلا أنه لم يكن من منطلق الحرص على الشعب السوري ولا على المبادئ التي يتشدقون بها بل لخشيته من ان تنضم الفئات الناقمة على حكم بشار -والتي تضررت منه تضررا كبيرا- إلى تنظيم الدولة الإسلامية وبالتالي يجب – من وجهة نظره - دعم قوات المعارضة السورية غير المتطرفة.

وهكذا في كل حادث يقع بالأمة الإسلامية فإن المراهنة على المواقف الدولية أو على مجلس الأمن والأمم المتحدة وعلى القوى الدولية المحيطة رهان خاسر، فهي لا تهتم بالقيم الإنسانية الحضارية، ولا تهتم بإقامة الحقوق وإعادتها لأصحابها، ولا تهتم بمعاناة الشعوب ولا بحقوقها المهدرة، فلا تهتم دائما وأبدا إلا بمصالحها، ومصالحها فقط، فمتى يعي أبناء امة الإسلام هذه الحقيقة وليتصرفوا على ضوئها ؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ