المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان


عبدالناصر محمود
03-20-2015, 08:08 AM
الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان*
ـــــــــــــــــــ

29 / 5 / 1436 هــ
20 / 3 / 2015 م
ــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6281.jpg

الكتاب: الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان

المؤلف: شحاتة صقر

دار النشر: دار الخلفاء الراشدين، دار الفتح الإسلامي

ــــــــــــــ

نحن في زمن اختلطت فيه بعض المفاهيم على كثير من الناس فانخدعوا بأبواق الإعلام العلماني المعادي لكل ما هو إسلامي، وصار- عند هؤلاء المخدوعين- بعض الحقِّ باطلًا، وبعض الباطلِ حقًّا، متأثرين بالمتعالمين وأدعياء الثقافة وأعداء الإسلام، الذين يحاولون جاهدين تشويه منهج الإسلام العظيم عن طريق تشويه الدعاة إليه، وإثارة الشبهات حوله.

ومن المفاهيم التي التبسَتْ على الناس مفهوم (الليبرالية) التي ظن بعض الناس أنها تعني الحرية التي كانوا منها محرومين، وكانوا إليها تواقين، ولم يدركوا معناها الحقيقي الذي يخالف أصول الإسلام، والذي يجعلها دينًا عند أهلها، لهذا الأمر سعى المؤلف خلال صفحات هذا الكتاب في بيان ماهية الليبرالية، وما فيها من أمور مناقضة للإسلام.

وجاء ذلك العرض من خلال الوقوف على معنى الليبرالية، وأهم مبادئها وأسسها التي قامت عليها، وأهم نقاط الاختلاف بين الإسلام والليبرالية، وتم ذلك من خلال نقطتين رئيسيتين، تحدث في الأولى منهما عن ماهية الليبرالية، أما الثانية فتحدث فيها عن تناقض الفكر الليبرالي مع الإسلام.

بعد مقدمة تحدث فيها المؤلف عن موقف الناس من تحكيم الشريعة، وتقسيم المؤلف لهذا الموقف إلى أربعة أقسام، أوضح المؤلف أنه من المعلوم أن الدين كلُّ، لا يقبل أن يتجزأ من جهة القبول به والإذعان له، وأن من رفض حكمًا من أحكام الله - سبحانه وتعالى-، وكفر به واعتقد أنه لا يصلح لهذا الزمان، وأن تطبيقه يجب أن يُعرضَ على العقل، أو على التصويت، فإن وافق ذلك أحكام الله- سبحانه وتعالى- كان بها ونعمت، وإن لم يوافق أحكام الله- سبحانه وتعالى- تركنا ما أنزل الله- سبحانه وتعالى- وراء ظهورنا، واتبعنا عقولنا ونتيجة التصويت، من زعم ذلك فهو كافر مشرك بالله تعالى، وذلك لأن تطبيق شرع الله واجب بإجماع المسلمين.

وأورد المؤلف بعض الآيات القرآنية الموجبة للتحاكم إلى شريعة الله وكُفْر مَن لم يعتقد وجوب التحاكم إليها في كل صغير وكبير، وكفر مَن آمن ببعض أحكام الله- سبحانه وتعالى-.

وبعد حديثه عن الليبرالية وبيانه أنها فكرةٌ ليست من صنع عَقلٍ بشري واحد، ولا وليدةَ بيئةٍ ثقَافيةٍ أو ظروفٍ زمَنيةٍ واحدة، حيث تعددت تعريفاتها بعد أن استقرت فلسفةً فكرية غربية وضعية، تنزع إلى المادية والفردية والتحرر من كل قيدٍ أو ثابت، بعد ذلك أوضح المؤلف أن الإنسان عند الليبراليين إلهُ نفسه، وعابد هواه، غير محكوم بشريعة من الله- سبحانه وتعالى-، ولهذا فإن الليبرالية لا تعطيك إجابات حاسمة على الأسئلة التالية مثلًا: الشريعة الإسلامية حقٌّ أم لا؟ وهل الربا حرام أم حلال؟ وهل القمار حرام أم حلال؟ وهل نسمح بالخمر أم نمنعها؟ وهل للمرأة أن تتبرج أم عليها أن تتحجب؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.

وتعليقا على هذا الأمر بين المؤلف أنه ليس لدي الليبرالية جواب تعطيه للناس على هذه الأسئلة، وإنما مبدؤها العام هو: دَعُوا الناسَ كلٌّ إلهٌ لنفسه وعابد لهواه، فهم أحرار في الإجابة على هذه الأسئلة كما يشتهون ويشاءون، وأما ما يجب أن يسود المجتمع من القوانين والأحكام، فليس هناك سبيل إلا التصويت الديمقراطي، وبه وحده تُعْرَف القوانين التي تحكم الحياة العامة، وهو شريعة الناس لا شريعةَ لهم سواها.

ولتأكيد ما ذهب إليه المؤلف وبينه شرع بعد ذلك في بيان الأسس التي قامت عليها الليبرالية، مقسمًا إياها إلى أسس خاصة بالليبرالية وحدها، ثم أسس عامة تشترك فيها مع غيرها من الفلسفات المادية، فبين أن لها أساسيين خاصين، هما: "الحرية" و"الفردية"، وأنها تشترك مع غيرها من المذاهب الفكرية الغربية في أساس واحد، وهو "العقلانية".

فالليبرالية حقيقة مركبة تركيبًا تامًّا من "الحرية الفردية العقلانية"، ولكن هذه الأسس المكَوّنة لحقيقتها مُجْمَلة، تعددت تصورات الليبراليين في تفصيلاتها الفكرية، فضلًا عن آثارها العملية، والطريقة التطبيقية أثناء العمل السياسي أو الاقتصادي.

ومن الأمور المتناقضة فيما مضى من أسس- على سبيل المثال- الموقف من الحرية، حيث أوضح المؤلف أن من أقبح تناقضات الليبراليين أنّ الحرية عندهم كصنم عجوة يُقَدَّس ويُعبد، وتُنْزَعُ القداسة عن سواه، ثم لا يلبث أن يُؤكل أمام جوعة من الجوعات، فلو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين ـ في الليبرالية السياسية مثلا ـ واختار عامة الشعب بحريةٍ الحكمَ بالإسلام، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجًا شديدًا، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حربًا شعواء، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهابًا وتطرفًا وتخلفًا وظلاميّة ورجعيّة ... الخ.

في القسم الثاني من كتابه دار حديث المؤلف حول ما يسمى بالإسلام الليبرالي، أو الليبرالية الإسلامية، موضحًا أنها أكذوبة كبرى، فكما أنه لا يمكن الجمع بين الإسلام واليهودية تحت مسمى (اليهودية الإسلامية)، ولا بين الإسلام والمسيحية تحت مسمى (المسيحية الإسلامية)، ولا بين الإسلام والبوذية تحت مسمى (الهندوسية الإسلامية)، فمن المستحيل أن نجمع بين الإسلام والليبرالية تحت دعوى (الليبرالية الإسلامية).

وعن العلاقة الأمريكية بما يسمى "الإسلام الليبرالي" أشار المؤلف إلى اهتمام أمريكا بتفسير الإسلام تفسيرًا ليبراليًّا منذ وقت مبكر، مبينًا أن ذلك يحقق كثيرًا من المصالح الحيوية لهيمنتها، فهي تعلم أن إقصاء الإسلام تمامًا من البلاد الإسلامية أمر مستحيل لقوة تأثيره وتعلق المسلمين به فوجدت في التبديل والتحريف له أنجح السبل للقضاء على فاعليته وتأثيره.

ومن جهة أخرى فإن تفسير الإسلام وتأويله تأويلًا ليبراليًا يقوّي علاقة هذه البلاد وشعوبها بالحضارة الغربية وقيمها مما يضمن عملية استمرار الخضوع لها.

ثم ختم المؤلف كتابه ببيان آثار ومخاطر الفكر الليبرالي على المسلمين، ومن ذلك:

- التشكيك في العقيدة الصحيحة وزعزعة الثقة بها, بمختلف الأسباب والطرق الملتوية الخبيثة.

- القطيعة التامة مع مصادر التلقي والاستدلال عند المسلمين والتزهيد, بل التشويه المتعمد للتراث الإسلامي عقيدة وشريعة.

- إحياء التراث الفلسفي والمعتزلي, وتقريبه للناس في قالب جميل مزخرف مما يؤدي إلى تقبل هذا التراث المنحرف في ظل الجهل الذي يخيم على كثير من الناس.

- الهزيمة النفسية أمام الأعداء الذين يريدون أن يغرسوها في أفراد الأمة شاءوا أم أبوا.

- إفساد المرأة المسلمة, وجعلها دُمْيَة يتلاعب بها المنحرفون سلوكيًّا وأخلاقيًّا.

- طمس معالم الأخلاق الإسلامية, وذلك عن طريق الانحلال والتفسخ الأخلاقي, فلقد فتح هذا الفكر الباب على مصراعيه لدعاة التغريب بحيث لو طبقت المجتمعات كل ما يرونه ويؤصلونه لأصبحت مجتمعات منحلة لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا.

- إقصاء الشريعة عن الحكم وعزلها عن الحياة, وحصرها في نطاق المسجد والعبادات الشخصية, وهو ما يعرف بـ (العلمانية) أو اللادينية فالدعوة الليبرالية في حقيقتها هي العلمانية, وإن وجد فاصل بينهم فهو رقيق جدًّا وكأنهما وجهان لعملة واحدة واسمان لمسمى واحد.

وختاما نسأل الله أن يجزي المؤلف خيرًا على ما بذل من جهد، فعلى الرغم من صغر حجم الكتاب إلى أنه يقدم صورة عامة لليبرالية وحقيقتها وحقيقة الموقف الإسلامي منها.. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبة وسلم..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــ