المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدعاة والوهن


عبدالناصر محمود
03-29-2015, 08:06 AM
الدعاة والوهن
ــــــــ

(أ.د. ناصر بن سليمان العمر)
ــــــــــــــــ


9 / 6 / 1436 هــ
29 / 3 / 2015 مــ
ـــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/Manhaj.jpg


رُوي عن بعض السلف قوله: «من لم يملك نفسه فليس بأهل أن يملك غيره»، وقال بعض الحكماء: «العاجز من عجز عن سياسة نفسه»، وقال الشاعر:

ابدأ بنفسك فأنـهـها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك تُـسمع إن وعظت ويُقتدى
بالقول منك، ويُقبل التعليمُ
لا تنه عن خلق وتأتـي مثـله
عار عليك إذا فعلت عظيمُ

ويحكون عن عبدالله بن هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس أنه لما شاع الفساد في عامة رعيته، شاور نصحاءه، فقال بعضهم: الرأي أن تجمع قومًا فتصلبهم، وقال آخرون: بل تعمر بهم السجون. واختلفوا في القول، فقال: ليس الرأي شيئًا مما قلتم، ولكن الرأي أن أبدأ فأصلح نفسي، فإذا صلحت نفسي صلح باطني، وإذا صلح باطني دب الصلاح وفشا في رعيتي. قالوا: وفقك الله، وعمل بذلك الرأي فرأى الخير عليه.
وأيًّا ما كان فمقتضى العقل ما جاء به الشرع حيث قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٤]، ومن المعلوم في شؤون الدنيا أن المشاريع يقل مردودها، ويضعف إنتاجها إذا كان القائمون عليها مفرطين، متوانين، غير متحمسين لها.
وهكذا مشاريع الآخرة، هكذا استصلاح الناس، واستنقاذهم من الوهن.
والمقصود بهذه الكلمة تذكير إخوتي من الدعاة، وقد قال ربنا: {وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: ٥٥]، ومنه انتزع بعض العلماء أنه لا غنى للمؤمن وهو مؤمن عن التذكير بما يزيد الإيمان ويثبته، وإلا رجع القهقرى، ولهذا فرضت الموعظة على المؤمنين مرة في الأسبوع على الأقل وذلك يوم الجمعة، فلا غنى لكل من يُخال على خير عن التذكير بين فينة وأخرى، وذلك من أسباب ثبات المحسن وزيادة إحسانه، ومراجعة المقصر وتدارك شأنه، وموضوعي «الدعاة والوهن»، ولفظ الدعاة أشبه بالاصطلاح المعاصر على الهداة معلمي الناس الخير ومذكريهم بالله ورعاية حدوده، من المشايخ وطلاب العلم، وقد يدخل فيهم العلماء، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وأما الوهن فينبغي أن نقف عنده قليلًا، فهو من حيث الأصل الضعف؛ في العَظْم والبدن، وفي العمل والأمر، فهو ضعف في الحالة النفسية، أو في الحالة البدنية، فهو ضعف حسي، أو ضعف معنوي.
وهو درجات نبه النبي # على أدناها وذلك في حديث ثوبان رضي الله عنه الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه جمع من أهل العلم، قال #: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن.
فقال قائل: يا رسول اللهِ! وما الوهن؟
قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
فعلم من هذا الحديث أن من الوهن حب الدنيا وكراهية الموت؛ والمقصود الموت في سبيل الله عز وجل حيث شُرعت مظانه كالجهاد في سبيل الله، وكقول كلمة الحق في وجه سلطان جائر إبراء للذمة ونصحًا للأمة متى تحققت شروط ذلك.
وإذا كان إيثار الحياة الدنيا أو تقديم كراهية الموت على المطلوب الشرعي وهنًا، فأشد منه إيثار بعض متع تلك الحياة ونعمها على المطلوب الشرعي، فإيثار المنصب الدنيوي أو الوظيفة أو الجاه أو مصلحةٍ شخصية أخرى على المطلوب الشرعي وهنٌ أشد من إيثار الحياة أعني: كراهية الموت.
ومن هذا تعلم أن الوهن دركات، وإذا لاحظنا ذلك علمنا أن المؤثر في زيادته أمران:
الأول: زيادة الوهن بازدياد إيثار عرض من أعراض الدنيا على المطلوب الشرعي، فكلما قوي حب الدنيا - فالحب درجات - أو قويت كراهية فوت العرض الدنيوي كلما زاد الوهن.
الثاني: زيادة الوهن بإيثار ما حقر من الأعراض الدنيوية على المطلوبات الشرعية العظمى، فكلما كان المقدم على المطلوب الشرعي أتفه وأقل شأنًا كان الوهن أشد والداء أعظم، وكلما فات بسبب حب الدنيا مطلوب شرعي عظيم كان الوهن بحسبه عظيمًا.
وإذا نظرنا في واقعنا، وفي إحجام كثير من الناس عن واجب البلاغ، وواجب العمل للدين، وبه، وواجب نصرة إخواننا المستضعفين والمظلومين، وجدنا سببه عند كثير منهم تقديم أعراض دنيوية أقل من القليلة! على المطلوب شرعًا بل على المطلوبات الشرعية العظيمة.
وهذه آفة تعرض لعموم الناس قل أن ينجو منها أحدٌ في مسائل جزئية؛ إما بسبب الاجتهاد أو التأويل المعتبر، أو بالتأويل الذي لا يخلو من هوى أو تقصير، أو بسبب التفريط الظاهر، والمصاب بهذا على سبيل نجاة ما دام يراجع نفسه، ويصحح مساره، ويعود إلى الجادة من جديد، لكنه على خطر متى غدا ذلك العرض وصفًا لازمًا، متمكنًا من القلب، فهنا يعود الوهن من كونه جزئيًا إلى كونه منهاجًا كليًا.
ومما يتأول به كثير من الناس، كون التكليف بحسب القدرة، كما قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: ٧]، وهذا حق، غير أن حديث ثوبان فيه إشارة إلى أن تقديم مراد الله على كراهية الموت ليس تكليفًا بما لا يطاق، بل هو منٌّ في الوُسع! ولهذا يكون الجهاد في بعض الأحوال فرضًا مع كونه مظنة ذهاب المهج والنفوس، ويكون الثبات في الصف فرضًا مع خوف التلف أو الضرر، ولم يكن ذلك عذرًا في الفرار. وإنما الرخصة التي تسوغ القعود حيث يظن حصول الضرر، وفوت المصلحة، فللواحد أن يفر من الثلاثة إن ظن التلف، وله السكوت عن المنكر إن خاف الضرر ولم يرَ إنكاره ما يحق حقًا أو يبطل باطلًا.
فمتى كانت المصلحة الشرعية منتفية أو غير متحققة، والضرر متحقق، فهنا المطلوب الشرعي هو زوال الضرر، بخلاف ما لو كانت المصلحة الشرعية متحققة، والأذى أو الضرر الشخصي قد يحصل وقد لا يحصل، فهنا الواجب تقديم المطلوب الشرعي، وحوادث الناس ونوازلهم بين الأمرين أعني بين ما يجب فيه تقديم المطلوب الشرعي المضمون على خوف الضرر المظنون، وما يجب فيه تقديم منع الضرر المحقق على المطلوب الشرعي المظنون تحققه، وللاجتهاد في ذلك مجال، ولا يوفق فيه إلا من أخلص واجتهد في النظر والتخلص من الهوى، ثم اتبع أقوم السبل الممكنة لإقامة الشرع، وكذلك للاجتهاد مجال أرحب حيث يكون الضرر متحققًا والمصلحة المأمور بها كذلك متحققة، أو يكون الضرر منتفيًا وكذلك المصلحة.
والدعاة بحاجة إلى ضبط المعادلة حتى لا يصابوا بالوهن، وحتى لا ينقطعوا بسبب الحماس الزائد الذي لا يبقي ظهرًا فلا يقطع صاحبه أرضًا! كحال أناسي كثير أرادوا إقامة حكم الله ولا قدرة لهم فكلفوا أنفسهم والناس ما لا يطيقون فآلت حال بعضهم إلى ما نرى! والمقصود متى تحقق المطلوب الشرعي قدم على المصلحة أو خوف الضرر الشخصي، ومتى ظن عدم تحققه قدم دفع الضرر، ثم قد يكون خوف الضرر رخصة في ترك الأمر وقد لا يكون.
وضبط هذه المعادلة اليوم يفتقر إلى كثير من العلم بالشرع، والبصيرة في الواقع، افتقارًا يعز في زماننا هذا أن يسدَّه شخص بمفرده مهما بلغ، بل لا بد من شراكة، لا بد من تضافر جهود وتشاور عقول، ليكتمل التصور الشرعي، وينزل موضعه الصحيح، ولئن كان العمل الجماعي ضرورة في الأمور الدنيوية المعاصرة فلإقامة منشأة محكمة - جسر أو عمارة مثلًا - لا بد من توافر جهود مهندسين معماريين ومدنيين وكهربائين مع إداريين ومحاسبين وهلم جرًا، فكذلك لإقامة دين الله نحتاج إلى تضافر جهود علمية وتحليلية بعيدة النظر في الواقع لنقوم بالواجب الشرعي تجاهه.
إن الحملة اليوم على الإسلام الصحيح شديدة، وقد تداعت علينا الأمم، وسبب ذلك منبَّه عليه منصوص ألا وهو الوهن: حب الدنيا وتعظيمها على إنفاذ أمر الله، ومتى قدم المسلمون - وأخص دعاتهم: علماءهم وطلاب العلم منهم ومشايخهم - حب الدنيا على الجهاد المشروع في سبيل الله تعالى بمفهومه الشرعي العام الشامل للجهاد بالنفس، والمال، واللسان، والقلم، وغير ذلك؛ فيقعد عن قتال الكفار المتعين حبًا للدنيا وكراهية للموت، أو يقعد عن دعم المجاهدين بالمال، أو دعم مشاريع استصلاح الأمة ومحاربة الجهل وأهل الجهالة من العلمانيين والمنافقين، أو يقعد عن جهاد القلم وقول كلمة الحق الواجب بيانها، تاركًا واجب النصح مصانعًا الباطل وأهله، متى كان ذلك فقد وقع الوهن فلا غرو أن يتسلط الأعداء.
وبعض الناس يحسب أن سبب الوهن تسلط الأعداء وكثرتهم، والصحيح أن العدو إنما يتسلط على من أصابه الوهن، فهذا الذي تضعضعت نفسه، سهل على عدوه أن يتجاسر عليه، وعدونا عدو ديانة متربص من قديم، يحجم إن وجد فينا قوة وجلدًا، ويقدم إن رأى وهنًا وضعفًا، فالوهن هو الذي يطمع الأعداء فينا فيتكالبون، وعندها يزداد وهن بعض النفوس التي تعبد الله على حرف، فإن أصابها خير اطمأنت به وإن أصابتها فتنة انقلبت على وجوهها، وارتدت على أدبارها!
إن واقع كثير ممن يشار إليهم بالبنان، ويظن بهم الخير والديانة مؤسف، لم يعد الأمر عندهم مقتصرًا على مجرد الضعف، ولا الترخص المعتبر، أو ترك العزائم ومعالي الأمور، بل صارت علة كثير منهم الترخص في قول الباطل، والوقوف مع أهله، لا في السكوت عن الحق، أو في ترك مناصرة أهله، وآفة هؤلاء تجاوزت الوهن إلى مرض القلب فكانوا هم من جملة الأعداء، وإذا كان الإمام أحمد رحمه الله قد هجر أقوامًا بل عددًا من الأئمة أجابوا في المحنة مترخصين، إذ لا يحسن بمثلهم أن يجيبوا حيث كانت إجابتهم للناس فتنة إذا كان هذا شأن الإمام أحمد مع رجال صادقين مرضيين كيحيى بن معين وعلي بن المديني وإبراهيم الحربي وغيرهم، فكيف يجب أن يكون الشأن مع من وقف مع الباطل وسانده وكان ظهيرًا له، قد يسعنا - وأقول قد - السكوت عن الحق، لكن لا يسعنا الوقوف مع الباطل ومناصرته، ومن آلت به الحال إلى هذا، واستمرأه فقد تجاوزت علته وهن الجسد إلى مرض القلب!
ختامًا أعيد ما بدأته.. الدعاة بحاجة إلى أن يبثوا في الأمة هذه المعاني فإن الوهن العام الذي تعيشه الأمة من جملة الأسقام، وهذا يبشر بأن له دواء، والدعاة المتقون هم أطباؤه:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو مريض!
ومثل هذا قد ينفع الله به، لكنه لن يكون كالقوي الصحيح سليم القلب والبدن، وقد لا ينتفع به بل قد ينقل العدوى، فحري بالدعاة أن يذكّر أيضًا بعضهم بعضًا بهذه المعاني إذ يقل في المجتمعات من يذكرهم، فالناس يرونهم قدوة، والله عز وجل يقول: {وَالْعَصْرِ1 إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ}، ثم قال: {وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١ - ٣]، جعلني الله وإياكم منهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

-----------------------------------