المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة حول كراهية السمر بعد العشاء


عبدالناصر محمود
03-30-2015, 08:11 AM
مقدمة حول كراهية السمر بعد العشاء
ـــــــــــــــــــ

(بكر البعداني)
ـــــــ


10 / 6 / 1436 هـ
30 / 3 / 2015 م
ــــــــــــ

http://con9.net/lexus/z-484.jpg


مقدمة حول كراهية السمر بعد العشاء
-----------------------

الحمد لله تعالى المتفضّل المنعم، حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ فضله، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصّلاة والسّلام الأتمان الكاملان على الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - المنقذ من الضّلالة والجهالة والرّدى، إلى نور الحق والإيمان والهدى، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغرّ الميامين، الذين هم قدوتنا، ولهم الفضل على جميع الأمة إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن هدف الدين في المقام الأول - بعد تحقيق التوحيد - حفظ وسلامة الكليات - أو الضرورات - الخمس، والتي لا يستغني عنها الإنسان؛ ولذلك اجتمعت الملل على حفظها، وقررت جميع الأديان والشرائع الاعتناء بها، وشرعت - في سبيل ذلك - كل ما يكفل حمايتها؛ لأنها ضرورية لحياة الإنسان.

ولذلك نجد أن إحدى الأمور التي اتفق المحققون - من أهل الأصول - عليها: أنها - أي: الكليات - غير قابلة للنسخ بين الشرائع ألبتة، بل هي غير داخلة فيه أصلًا، كما ذكر ذلك القرافي وغيره[1]، ويعنون - أي: أهل الأصول - بذلك وقوعًا وإن أمكن ذاك عقلًا، ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء، بل لم يتطرق إليه النسخ في شيء، ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ وجد تحقيق هذا المعنى جليلًا واضحًا، لا لبس فيه ولا خفاء. وذلك أن النسخ إنما يكون في الجزئيات منها[2]. بل مما يزيدنا دلالة على أهمية هذه الكليات أنها كما يقرر الشاطبي - وغيره - ذلك، لا يدخلها تخصيص ولا تقييد، ولا تتغير بحسب الزمان أو المكان.

وهي - أي: الكليات - على الترتيب -: حفظُ الأديان، ثم النفوس، ثم العقول، ثم الأنساب، ثم الأموال[3].

وإذا ما تقرر هذا علمنا أهمية دفع ورد كل ما يمكن أن يكون سببًا للمساس بها، فضلًا عن النيل منها، أو حتى إلحاق الضرر بها.

ومن ذلك - وهو ما نريد الحديث عنه في هذه المباحث - السمر بعد العشاء - وهو بأدنى التأمل والنظر، يلحق الضرر بالكثير والكثير من هذه الكليات.

تنبيه:
ولعل مما يجدر بي هنا أن أنبه على أن حديثنا وإن لم يكن عن هذه الكليات، وما يُلحقه بها السمر - على أهميته -؛ لأنه كما يظهر لأول وهلة يحتاج إلى مزيد بسط وبيان، وتأصيل وتفريع، وتدليل وتمثيل - وعسى الله - عز وجل - أن ييسر ذلك لنا أو لغيرنا -؛ ليظهر جليًا للعيان.

إلا أنني أردت من هذا - المبحث - أمرين اثنين:
الأول - وهو المهم -: الإشارة إلى ذلك؛ ليظهر لنا ويستبين خطر السمر بعد العشاء، وأنه من المسائل التي تهاون فيها الكثير منا، في حين أنه كان يحتاج إلى الكثير من البيان والنصح والتحذير والارشاد. ومن اطلع على مفاسده وضرره - دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وغير ذلك - علم ذلك يقينًا، وليس الخبر كالمعاينة!

وثانيًا: أن تكون هذه الكلمات كالمدخل لما نريد الحديث عنه من السمر بعد العشاء، وأنه بسبب ما يلحقه بها السمر؛ جمعت كل ما وقفت عليه مما ورد فيه من النهي، وذم السلف له، والأسباب التي من أجلها كان النهي عنه، وما يستثنى من هذا النهي، وذكر بعض مفاسده وجميع ذلك على وجه السرد. وكلها يجب أن تكون مصحوبة بالقواعد النافعة، والأصول الماتعة، التي قررها علمائنا، كمثل قواعد المصالح والمفاسد، وقواعد تقديمها وتأخيرها، وقواعد سد الذرائع، وقواعد دفع الضرر، وقواعد الضرورة والاضطرار، وغيرها من القواعد والأصول التي ينبغي أن تكون أمامنا - مع هذه المباحث التي ذكرناها - وأمام من ابتلي بهذا البلاء، ووقع أسيرًا له - نسأل الله - عز وجل - أن يعفينا وجميع المسلمين منه.

أعود فأقول: أن هذا المبحث مهم جدًا، وهو وإن كان طويل الذيل، إلا أنه في الحقيقة عظيم الثمرة والنيل. وإنما أعرضت عنه؛ لأنه يحتاج المزيد من العلم والجهد والوقت والتحقيق والنظر والتدقيق، وهذا ما لم ييسره الله - عز وجل - لي.

فليقارن بعد ذلك - أخي القارئ، وأختي القارئة -كل هذا وليبني عليه، فإن هذا ولا شك قابل للبناء، يحتاج له. ولا يحتاج لإمضائه إلا إلى عدة وخبرة، فأين البناؤون؟!! لا شك أنهم كثر، لكنهم بحاجة إلى الحض والحث، والإغراء والأز[4]!!
------------------------------------------
[1] انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 395) للزركشي، الإبهاج (2/ 121)، للسبكي، وإرشاد الفحول (ص: 353)، وغيرها.
[2] انظر - مثلًا -: الموافقات (3/ 78).
[3] هكذا رتبها الآمدي، وابن الحاجب. والشاطبي. انظر: الإحكام (3/ 300)، والموافقات (2/ 2- مشهور) (4/ 17). وخالفهم آخرين.
[4] الأز: أن تؤز إنسانًا. تحمله على أمر برفق واحتيال. المحيط في اللغة (9/ 114) للطالقاني.

-------------------------------