المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخطاء لغوية في الحوارات والمناقشات


عبدالناصر محمود
04-02-2015, 08:06 AM
أخطاء لغوية في الحوارات والمناقشات الإعلامية
ــــــــــــــــــــــــ

(أ. د. جابر قميحة)
ــــــــــ

13 / 6 / 1436 هـ
2 / 4 / 2015 م
ــــــــــ

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/thumb/4/4e/Arabic_common_mistakes.jpg/360px-Arabic_common_mistakes.jpg


أخطاء لغوية في الحوارات والمناقشات الإعلامية
-------------------------

يرى الدكتور سعيد بدوي[1] أن كل مجتمع لغوي متكامل توجد فيه خمسة مستويات من اللغة؛ هي - على وجه الحصر -:
1- فصحى التراث: وهي فصحى تقليدية غير متأثرة بشيء نسبيًّا.
2- فصحى العصر: وهي فصحى متأثرة بالحضارة المعاصرة على الخصوص.
3- عامية المثقفين: وهي عامية متأثِّرة بالفصحى وبالحضارة معًا.
4- عامية المتنوِّرين: وهي عامية متأثرة بالحضارة المعاصرة.
5- عامية الأميين: وهي عامية غير متأثِّرة بشيء نسبيًّا: لا بالفصحى، ولا بالحضارة المعاصرة.

وهذه المستويات اللغوية الخمسة توجد في مصر بوصف كونها مجتمعًا لغويًّا متكاملاً، والمجتمع اللغوي المتكامل "هو المجتمع أو الجماعة الإنسانية التي تعيش عن قرب، وتتحقق لديها جميع المستويات اللغوية"[2]؛ فالقاهرة - مثلاً - تعد مجتمعًا لغويًّا متكاملاً، على العكس من بعض القرى؛ فقد توجد قرية نائية محدودة العدد، ليس لأهلها حظ يذكر من التعليم العام، وأهلها لذلك يستخدمون في محادثاتهم - داخل القرية وخارجها، في المناسبات القليلة التي يغادرونها فيها - نوعًا واحدًا من العامية، فهي إذًا لا تمثل مجتمعًا لغويًّا مُتكاملاً[3].
• • • • •

واعتمادًا على هذا التقسيم وذاك التحديد، وبعد استقراء طويل لمَعروضات الإذاعات والتلفاز، وما أبرزه كذلك مؤلِّف الكتاب - نخرج بالحقائق الآتية:
1- أن فصحى التراث تمثل نسبة ضئيلةً مما يُقدَّم؛ فهي لا تستخدم إلا في البرامج الدينية، وكذلك في بعض التمثيليات الإسلامية والعربية التاريخية، وما يأتي على ألسنة بعض الشخصيات في التمثيليات الفكاهية على ألسنة مدرِّس التربية الدينية، ومدرس اللغة العربية والمأذون، وما ذلك إلا على سبيل السخرية واللهو[4].

2- أن فصحى العصر مجالها أوسع كثيرًا من مجال المستوى السابق، كما نرى في نشرات الأخبار والتعليقات السياسية والأحاديث العلمية والأدبية[5].

3- أن عامية المثقفين أصبحَت واسعة الانتشار، وهي اللهجة المستخدمة في الحوارات الأدبية والثقافية مع العلماء والنقاد والأدباء، والتي كان يجب أن تدار بالعربية الفصحى[6].

4- أن عامية المتنوِّرين يستخدمها غير الأميين عمومًا في أمور الحياة العملية من بيع وشراء وشؤون الأسرة.

5- أما عامية الأميين فهي التي تستخدمها الطبقات الدنيا من الشعب، أو من يطلق عليهم في مصر: أولاد البلد[7].
• • • • •

فإذا ما تركنا الفصحى التراثية إلى فصحى العصر، وخصوصًا تلك التي يستخدمها المذيعون والمذيعات اكتشفنا إساءات بالغة للفصحى، ونسوق هذا المثال من برنامج كان يقدم في إذاعة القاهرة بعنوان: (تسالي)[8]:
مذيع: عزيزي المستمع / مساء الخِير.
مذيعة: من هو أول / رَقُل (رجل) سار في الفداء (الفضاء).
مذيع: الحل الصحيح، بين هؤلاء الثلاثة.
مذيعة: جون جلين.
مذيع: لكسي لينوف.
مذيعة: فيرجبل جريسو.
مذيع: صديقي المستمع / ما هو عدد القمهوريات (الجمهوريات) التي يتكون منها الاتحاد السوفييتي؟
مذيعة: هل عدد القمهوريات (الجمهوريات) خمسه (خمس) /؟ أو خمستأشر (خمس عشرة)؟ / أو ثلاثة وعشرين؟ (ثلاث وعشرون)؟
مذيع: في آخر هذه الحلقة / سوف نقدم / لك الإجابة / على هذين السؤالين.
مذيعة: ابتسم، من فدلك (من فضلك) وقفت / المهندسة / الممتازة في عملها / أمام مدير المصنع / وتلبت (طلبت) بزيادة (زيادة) مرتبها / فابتسم مدير المصنع، وقال في هدوء: /
مذيع: إن مرتبك اليوم / أعلى مرتب / زميلك المهندس / مع أنه / له خمسة أولاد / ومع ذلك / لم يطلب زيادة مرتبه.
مذيعة: فقالت المهندسة. لقد كنت أظن / أن مرتباتنا / تدفع لنا / من أجل إنتاجنا العملي في هذا المصنع / لا من أجل إنتاجنا في المنزل.
• • • • •

وهذا الحوار - كما هو واضح - مُثقَل بالمآخذ والعيوب:
1- فمضمونه تافه، ومعالجته سطحية إلى أقصى حد.
2- والنكتة الأخيرة لا تثير الابتسام، بل إنها تخدش الحياء، وقد تُثير الغثيان.
3- أغلب الوقفات غالطة، وتسكين أواخر الكلمات حيلة واضِحة للهروب من الوقوع في أخطاء الضبط، مع أن هذا التسكين يعدُّ - في ذاته - خطأً إعرابيًّا.
4- والأخطاء اللغوية والنحوية والنُّطقية غزيرة جدًّا، وقد صوَّبنا بعضها وتركنا أخطاء الضبط بلا تصويب؛ لأن ذلك يدفعنا إلى كتابة الحوار كله من أوله إلى آخره.

ومن نماذج عامية المثقفين ما قدَّمته صفية المهندس - وهي من أشهر المذيعات المصريات وأقدرهنَّ - من حديثها (بات البيوت):
ربات البيوت ما اكتفوش بكده / (أي لم يكتفين بهذا)، بل نظموا (نظَّمن) من بينهم (بينهنَّ) مجموعات للطواف على كل المستشفيات الريفية / والصغيرة / واللي ما فيهاش مولد للكهرباء (التي ليس فيها مولد للكهرباء)، والمعاونة بأي سبيل لإنارة غرفة العمليات / حتى لا تتعرَّض حياة المرضى للخطر[9].
• • • • •

ويمثل عامية الأميين النص التالي من الإذاعة المصرية على لسان (أبو سيد) زوج (بَمبة) في برنامج اسمه (نوادر خالتي بَمبة):
أعمل إيه يا ناس في السَّت بَنبة مراتي! / احْتَرت معاها واحتار دليلي / أي والله! / أنتو عارفين إن الإرش لبيض ينفع في اليوم لسْوِد، والواحد لازم يشيل من إرادُه / لَوأت عُوزه / ينفعه - لا أدَّر الله - في مرض / وفي ظرف شديد / ولا حاجة من كده / والعائل هو اللي يعمل حساب بُكرَة، لكن بَأه السَّت مراتي بنبه الله يسامحها ويغفر لها / مش عايزه كده"[10].
• • • • •

وأيضًا أجد من اللازم ترجمة هذا النص إلى العربية الفصحى.. الفصحى الميسَّرة... أو العصرية:
"كيف أتصرف مع زوجتي السيدة بمبة؟ لقد أصبحتُ حائرًا تجاه تصرفاتها، إي والله! أنتم تعلمون أن ما يدَّخر في الرخاء ينفع في الشدة والأزمات، وعلى الإنسان أن يقتطع جزءًا من دخله لوقت الاحتياج، كأن يَنتفع به في علاج مرض يصيبه - لا قدر الله - أو ظرف شديد يمر به، أو أمر من هذا القبيل، والعاقل هو من يعمل حساب الغد، ولكن زوجتي السيدة بمبة - سامحها الله، وغفر لها - لا تريد ذلك".

وها هي ذي ترجمة بعض المفردات:

إيه: لماذا، الست: السيدة، أنتو: أنتم.
الإرش: القرش (إشارة إلى العُملة)، لَبْيَض: الأبيض.
لِسْود: الأسود، إراده: إيراده (دخله).
أدَّر: قدر، حاجة من كده: أمر من هذا النوع.
العائل: العاقل، بأه: بقى، عايزة: طالبة.
-----------------------------------------------------------
[1] مستويات العربية المعاصرة في مصر (ص: 89).
[2] بدوي: السابق (ص: 53).
[3] السابق: الصفحة نفسها.
[4] اعتمدت في هذه المعلومة على مشاهدتي للتلفاز المصري.
[5] انظر: بدوي: السابق (ص: 90).
[6] يقول الدكتور سعيد بدوي: "امتدَّت هذه اللغة إلى مدرجات الجامعة، وكادت تصبح الآن الوسيلة الوحيدة للتعليم والمناقشة" السابق (ص: 91).
[7] انظر: الرجع السابق (ص: 91).
[8] نقلاً عن المرجع السابق (ص: 147)، عِلمًا بأن ما بين القوسين هو الصواب.
[9] عن بدوي: السابق (ص: 28).
[10] عن بدوي: السابق (ص: 190).
----------------------------------------