المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تصدّعات في بناء تنظيم الدولة الإسلامية


عبدالناصر محمود
04-04-2015, 07:57 AM
تصدّعات في بناء تنظيم الدولة الإسلامية
ـــــــــــــــــــــ

(البراء هاشم)
ــــــ

15 / 6 / 1436 هــ
4 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/17-3-2015B.jpg


تصدّعات في بناء تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق سيطرته بسوريا
----------------------------------------

سيطر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على ريف دير الزور بأكمله وأجزاء واسعة من قلب المدينة منتصف العام الفائت، وذلك بعد أن شنّ حرباً متعددة الجبهات على فصائل الجيش الحر المسيطرة على المنطقة، وسيطر كل ما لديهم من عتاد وأموال، بل وحتى مقاتلين، فخسر على إثرها الجيش الحر ليس فقط الحرب وإنما الكيان والوجود وتفرّد بذلك تنظيم الدولة بالسيطرة على كافة مفاصل الحياة في دير الزور وريفها باستثناء بقعة صغيرة في قلب المدينة يسيطر عليها النظام. لكن مع ذلك يعاني التنظيم من خلخلة واضحة في صفوفه تظهر في عدة دلائل ومنها:

(1) شقاق القادة وحرب النفوذ
------------------------------

مع التوسع الهائل والسريع لتنظيم الدولة، وفتح عدة جبهات للقتال في كل من سورية والعراق، والخسائر الكبيرة التي يمنى بها التنظيم بشكل يومي جراء القصف الجويّ عليه من قبل قوات التحالف الدولي،كان لابدّ من وجود تضارب كبير في المصالح بين أبرز الشخصيات القيادية. يقول مراقبون ومحللون إنها لواستمرت فمن الممكن أن تساهم في انهيار مدوللتنظيم.
وقد ساعد في تعزيز الهوّة الحاصلة الاتكاء على سياسة الحدّ من صلاحيات القادة "الأنصار" ومحاولة حصر الأمر بيد "المهاجرين"، وعلى وجه الخصوص "العراقيين" منهم، مما ساهم بشكل كبير في خلق تيارين متناحرين داخل التنظيم.
أحد هذين التيارين تشكّل من "السوريين" الذين انضموا متأخرين إلى صفوف التنظيم، وكان هذا التيار ضد تصدير المقاتلين من سورية إلى العراق، الأمر الذي يتنافى تماماً مع سياسة التنظيم التي تعتبر أرض كلّ من العراق وسورية أرض دولة واحدة هي دولة "الخلافة" حسب زعمهم.
كما وقف هذا التيار ضد أوامر عزل القادة "السوريين" واحتج على تجريدهم من الصلاحيات، وكذا المحاولات التي يسعى أصحابها إلى انتزاع كل أشكال القرار منهم.
بينما تشكل التيار الآخر من "المهاجرين" وأهم من فيه "العراقيين" الذين يحرصون كل الحرص على حصر الأمر بهم واستثناء كل من سواهم من المعادلة "التشريعية" في سنّ القوانين، ليسهل عليهم تسيير مصالحهم وتمرير قراراتهم بسهولة أكبر وبعيداً عن تضارب المصالح.
ولعلّ المال والنفط والتجارة ومحاولات الحفاظ على هالة القوة والهيبة بالنسبة لأمراء المناطق والولاة والشرعيين وأصحاب النفوذ؛ كلها كانت أسباباً كافية لبث هذا النوع من الفرقة والمنافسة بين أمراء التنظيم من المهاجرين والأنصار.
ومن ذلك ما سرّب من معلومات نشرتها حملة "دير الزور تحت النار"[1] منذ فترة حيث قالت الحملة: (إن تنظيم الدولة وبناءًا على تعليمات من والي ولاية الفرات، نقل أكثر من 20 عنصراً من أتباع "صدام الجمل في البوكمال" - وهوأحد أشهر الشخصيات القيادية في الجيش الحر سابقاً وفي التنظيم حالياً - إلى العراق للمشاركة في القتال، مما أدى إلى نشوب خلاف حادّ على إثر ذلك بين صدام الجمل ووالي ولاية الفرات بسبب نقل عناصر الأول إلى العراق وإقحامهم في المعارك الملتهبة هناك، الأمر الذي يتخوف منه شخص مثل صدام الجمل الذي ارتكب مجازر شهيرة بحق أبناء البوكمال، والذي يعتبر نفسه مهدداً ويخشى أن التنظيم بدأ بتجريده من صلاحياته بعد أن لم يعد بحاجة إليه).
يأتي هذا الأمر بعد أيام من وصول أكثر من ثلاثين جثة أغلبهم من المقاتلين السوريين الذين استخدمهم التنظيم في معارك العراق. ومنهم عدد من أتباع صدام الجمل الذي بدأ يدخل في مواجهات علنية مع بعض أمراء التنظيم الذين يحاولون تجريده من حاشيته المقربة بحجة حاجة الجبهات العراقية لمقاتلين إضافيين.
بين حاجة التنظيم إلى هذه العناصر– وخصوصاً في العراق – من جهة، وعدم وجود أي مصلحة لأمراء المناطق في سورية – في هذه المعارك من جهة أخرى، يتأجج الصراع ويصل أحياناً إلى مناوشات بالسلاح.
تتجدد مثل هذه النزاعات من فترة لأخرى ليظهر الخلل الواضح في بنية التنظيم حيث ظهر مجدداً خلاف في تقاسم السلطة في مدينة البوكمال. وكان مثالًا واضحاً للتنازع على السلطة؛ ما حدث بين صدام الجمل الذي قاد معركة التنظيم في البوكمال منتصف العام الفائت وتسبب في مقتل أخيه، وأبناء عمومته من أجل راية التنظيم من طرف، وأبوعبد الله الكويتي أحد قياديي التنظيم من طرف آخر، إذ قال منسق في حملة "دير الزور تحت النار": (إن اشتباكات حصلت قبل فترة بين كل من عناصر "الكويتي والجمل" في منطقة الصناعة في مدينة البوكمال وكان السبب هوالخلاف في توزيع المناصب القيادية والأمنية في المنطقة، وتخوف الأخير من فقدان السيطرة على عناصره وذوبانهم في بوتقة التنظيم الكبرى، الأمر الذي يهدد مصالحه وتجارته التي دفع من أجلها الكثير.

(2) انشقاقات شبه يومية عن صفوف التنظيم
--------------------------------

لم يتوقف الأمر عند الخلاف "النظري" في توجهات القادة؛ بل تعداه إلى أمر يبدوأنّه أكثر عمقاً في إبراز صورة الخلاف الحقيقي، وأكثر بياناً لخطورته على التنظيم الذي يحاول أن يبدومتماسكاً بعد سلسلة من الهزائم في العراق، توّجها أخيراً بخسارة "عين العرب/ كوباني" السورية الكردية.
حملة "دير الزور تحت النار" وفي عدة تقارير سابقة لها أكدت أنّ حالات انشقاق فردية على مستوى العناصر في مدينة البوكمال وريفها حدثت مؤخراً وذلك بسبب ردة فعل العناصر حول حقيقة التنظيم الذي استخدمهم وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وبحسب ذات المصدر؛ فإن هذه الانشقاقات تبعها حالات انشقاق جماعية في بعض الأحيان ومنها ما حدث قبل أيام بانشقاق ثلاثة عشر عنصراً من التنظيم في حالة واحدة.
عوامل إضافية ساهمت في تسريع زوال رهبة التنظيم من عيون منتسبيه؛ ومنها أنّ التنظيم لا يتعامل مع العناصر بالعدل وخصوصاً في سورية، فهويؤثر المقاتلين من غير السوريين على السوريين، على مستوى الرواتب، ومنح الثقة والحرية، وتأمين المسكن الآمن.
ففي الوقت الذي يحصل فيه المقاتل السوري - سواء كان يقاتل في سورية أوالعراق - على ما يقارب الخمسين دولاراً في الشهر، يحصل "المهاجر" على أكثر من خمسمئة دولار في الشهر كحد أدنى، ومنهم من يصل راتبهم إلى أكثر من ألف دولار.
إنّ مثل هذه العوامل إذا ما قيست بالأسباب والدوافع التي انتسب بموجبها أغلب عناصر التنظيم إليه؛ فإنها تشكل سبباً مباشراً للكثير من عمليات الانشقاق أوما يسمى بالاعتزال الصامت لغالبية من انتسبوا للتنظيم سابقاً بحثاً عن المال أوالسلاح أوالمنصب.
"أحمد الوافي" وهواسم مستعار لأحد المنشقين عن التنظيم يقول: (قاتلت في الجيش الحر لمدة تزيد على السنتين، وشاركت في عمليات كثيرة في دير الزور والميادين والبوكمال، وبعد سقوط دير الزور بيد تنظيم الدولة بقيت مقاتلاً في التنظيم ولم أخرج مع من خرجوا، ظناً مني أنّ التنظيم سيكمل ما بدأناه سابقاً من عمليات التحرير، ولكنني فوجئت باستخدامنا من قبل التنظيم ضد أهلنا من أبناء المنطقة، ولم أكن أتصور أنّ التنظيم سيبتعد بشكل تدريجي عن ساحات القتال ضد النظام وسيجرّد المنطقة من سلاحها ومقاتليها ليلتفت إلى الفتك بالأبرياء من المدنيين والمنشقين عن جيش النظام ويلاحقهم حتى وهم في بيوتهم).
ويضيف "الوافي" قائلاً: (استدعيت للتحقيق أكثر من مرة، وكانت معظم أسئلة المحققين تدور حول طلب معلومات عن زملائي في الجيش الحر سابقاً، وعما إذا كانوا يخبئون السلاح في أماكن سرية، وعن إمكانية انقلابهم فجأة على التنظيم).
ويضيف ذات المصدر أنه وبعد وصوله إلى مرحلة حرجة في التحقيقات التي كان يسمح له بالعودة إلى منزله بعدها، وجد نفسه أمام أحد خيارين؛ إما الإدلاء بمعلومات عن زملاء له في الحر سابقاً، أوالفرار والنجاة بنفسه، ليقرر أخيراً النجاة بنفسه على أن يخون من عمل معهم لفترات طويلة حيث يقول: (إن الوفاء لدماء الشهداء الذين خسرتهم أمام عيني في أكثر من معركة، كان أولى عندي من الإدلاء بأي معلومة من شأنها أن تودي بحياة شخص آخر جديد، ولا أجد حرجاً في خيانة الخائن، وأفضلها ألف مرة على خيانتي لدماء الشهداء).
ويضيف أيضاً: (إن التنظيم يعاني من تخبط كبير في القرارات العسكرية، فهويتلقى ضربات موجعة في العراق إذا استمرت، فمن الممكن أن يجند حتى الأطفال في محاولات صدها، ولكنه لن ينجح، لأن مقاتلي التنظيم فقدوا الثقة به بعد سلسلة الهزائم التي لحقت به في كل من "عين العرب" السورية ومناطق متعددة من العراق، بالإضافة إلى عمليات الإعدام والاعتقال العشوائية التي ينفذها في مناطق سيطرته).
ولدى سؤال "الوافي" عما إذا كان ثمة أشخاص آخرين لا يزالون في التنظيم يحملون نفس الموقف تجاه التنظيم قال: (إن أكثر من 70 بالمئة ممن انتسبوا إلى التنظيم كانوا يبحثون عن عمليات نوعية ضد نظام الأسد كتحرير ما تبقى من دير الزور والمطار العسكري واللواء 137 وغيرها، ولكنهم فوجئوا بأن أولويات التنظيم بعيدة كل البعد عما يفكّر به أبناء المنطقة، والدليل ما نراه يومياً من خسارات مناطق كان قد حررّها الحر سابقاً وخسرها التنظيم الآن، كالمريعية وبعض قطاعات ريف دير الزور الشرقي).

(3) الإعدام .. المنصب الأعلى في التنظيم
-------------------------------

يعتمد التنظيم أسلوباً مخادعاً في كسب مؤيديه بعد أن خسر قاعدة لا بأس بها من المؤيدين الذين كانوا يرون فيه المخلص من جحيم الأسد ونظامه، واستخدم في ذلك أسلوب تلميع نفسه بنفسه من خلال استخدام الأشخاص السيئين وأصحاب السوابق الأمنية والإجرامية والأخلاقية لتحقيق مكاسبه على الأرض، ومن ثم التخلص منهم بحجة الفساد أو العمالة مع الغرب، أو التعامل مع النظام، وغيرها من الحجج التي تهدف بالأساس إلى التخلص من نفوذ هذا الشخص "منتهي الصلاحية" إن كان قائداً، ومن سمعته المضرّة بالتنظيم إن كان عنصراً مقاتلاً.
كما يركز التنظيم كثيراً على عدم بروز أي شخصية في القيادة مهما كانت أهميتها في التنظيم، ويحاول جاهداً تحجيم الشخصيات الصاعدة سواء داخلياً في كواليس التنظيم أو خارجياً مع الناس.
ويستخدم في تحقيق هذه الغاية نوعين من الآليات للتنفيذ؛ إما الإعدام بعد تلفيق تهمة تتناسب مع شعارات التنظيم، أو الزج به في إحدى المعارك المحتدمة، وفي الحالتين يحاول التنظيم ألّا يشكل مثل هذا التصرّف عاملاً مؤلباً للعامة ضدّه. ولكنّه يقع في الحالتين تحت ردات فعل ناتجة عن مثل هذه العمليات. ففي الإعدامات الميدانية يتشكل لدى عامة الناس إحساس مترسّخ بغدر هذا التنظيم الذي ضحى بكثيرين ممن خدموه وسهّلوا عليه السيطرة على ما سيطر عليه، ولا يخلو الأمر أيضاً من ردة فعل كامنة أمام المشاهد اليومية التي تحمل جثثاً قادمة من العراق لأبناء دير الزور ممن يستخدمهم وقوداً لمعاركه هناك في حين تشهد كافة محاوره في دير الزور تراجعاً ملحوظاً.
ويبدو أن مثل هذه الحوادث المتكررة تعدّ دليلاً مقنعاً على خلخلة واضحة في بنية التنظيم القيادية. حيث إنّ العشرات من الشخصيات القيادية في التنظيم لقت حتفها مؤخراً بعمليات إعدام علنية تحت مبررات مختلفة، منها عملية إعدام نفذها التنظيم في الطبقة بريف الرقة في شهر ديسمبر من العام الفائت أعدم فيها الشرعي العام لتنظيم الدولة مع 40 عنصراً آخرين، وقد وجه التنظيم إلى هؤلاء تهمة الشك في مشروع الدولة، وهي تهمة جديدة نوعاً، ما بعد أن تمحورت أغلب التهم الموجهة إلى الذين يتم إعدامهم حول الكفر والردّة والتعامل مع جهات خارجية والتواصل مع النظام.
وفي ذات السياق أعدم التنظيم عدداً مماثلاً لهذا العدد في مدينة تل أبيض شمال الرقة، بينهم مهاجرين من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة.
وفي الوقت ذاته تحدثت حملة دير الزور تحت النار عن إعدام التنظيم لعدد من قياداته والمحسوبين عليه في مناطق متفرقة من دير الزور وريفها.
ومنها ما قام به التنظيم قبل فترة حين أعدم أبو الفضل المصري المسؤول الأمني في مدينة موحسن بريف دير الزور الشرقي بسبب إعدامه لشخصين بدون ذنب. ومنها أيضاً إعدام أبو جعفر السوداني المسؤول عن الغاز في منطقة الميادين بتهمة التواصل مع المخابرات السودانية.
"تيم العلي" أحد ناشطي دير الزور قال: (بعد إعدامه لأكثر من عشرة أشخاص مدنيين أبرياء وبدون أن يقيم عليهم أي حجة أو دليل، قام التنظيم بإعدام أبو مصعب الجزراوي، أحد أكبر المسؤولين الأمنيين في التنظيم في دير الزور).
وإن مثل هذه العمليات لا تعني أنّ التنظيم غافل ٌعما يفعله القادة والأمراء والشرعيون؛ ولكنه يسمح لهم بالتمادي في إيذاء الناس، ومن ثمّ يعدمهم لكسب رضا الناس وتعاطفهم، وليبدو التنظيم بصورة الباحث عن العدل، وأنه لا يتوانى في إعدام حتى أكبر قادته إن ثبت عليهم ما يخالف القوانين.

(4) التوبة .. طريقة مبتكرة في الإعدام
------------------------------

تتجدّد طرق التنظيم في إعدام معارضيه وعناصره وقادته حتى، بتجدّد أنواع المنتسبين إليه، وكفاءتهم وقدرته على الاعتماد عليهم، ولكن ما يلفت النظر في الآونة الأخيرة أن خسارات التنظيم البشرية تكاد تفوق بأكثر من ضعف أعداد المنتسبين إليه، سواء من المهاجرين الذين يجنّد أغلبهم في القيادات، أو المناصرين الذين يستخدمهم التنظيم حطباً لمعاركه وتثبيت أركانه.
تنظيم الدولة الذي يعاني من نزيف كبير في عناصره جرّاء قصف التحالف الدولي المستمر عليه، وعمليات ومعارك العراق المتأججة والمتصاعدة بشكل يومي، تكاد لا توقف قدرته على التضحية بكل من يشك ّ بولائه أو يراه مضرّاً به لأي سبب كان، أو يرى فيه بذرة مقاومة مستقبلية.
وراء هذه الدوافع؛ أعدم التنظيم الكثير من عناصره وقياداته، ولنفس الأسباب تقريباً نراه يلهث بشكل يومي للحصول على منتسبين جدد، يغطي بهم النقص الحاصل في الجبهات.
قبل أشهر وزّع عناصر من التنظيم كميات كبيرة من المنشورات على جدران البيوت والجوامع والمحلات التجارية في عدة مناطق من ريف دير الزور الشرقي، وقد حملت هذه المنشورات طابعاً مبتكراً والتفافاً واضحاً على الحقيقة التي يتعمّد التنظيم تغطيتها بكل الطرق الممكنة. ففي الوقت الذي تدفعه الحاجة إلى البحث عن مقاتلين جدد لجبهاته النازفة؛ فإننا نراه لا يصرّح بالحاجة الحقيقية، وإنما يستخدم مصطلحات دينية كـ "الجهاد"، والدفاع عن الأرض والعرض، لتشجيع الشباب خصوصاً إلى الانتساب إليه.
الالتفاف الذي كان في هذه المنشورات هو أنه جعل الضعيف يبدو بمظهر القوي المتماسك، والمجرم يعفو عن ضحيته.
حدث هذا حين حملت المنشورات الموزعة ما يشبه البشارة للأهالي بفتح باب التوبة والعفو عن مقاتلي الجيش الحر سابقاً والمنشقين عن جيش النظام سواء كانوا متطوعين أو مجندين في الخدمة الإلزامية، متغافلاً تماماً عن فضل هؤلاء في تحرير كل المناطق المحررة، ليتسلمها هو على طبق من ذهب، وبدون أن يخسر في تحريرها مقاتلاً واحداً.
يقول أبو يوسف أحد ناشطي مدينة البوكمال: (إن شرعيين وأمنيين كبار في التنظيم اجتمعوا منذ فترة بأعيان مدينة البوكمال وعدد من الشخصيات، حيث حاول التنظيم من خلال هذا الاجتماع أن يستغل القرار السابق في تشجيع المنشقين والمعتزلين للقتال من عناصر الجيش الحر على الانضمام إلى صفوف التنظيم، مستخدمين في ذلك الترغيب تارة، والترهيب والتخويف تارة أخرى).
ويبدو أنّ التنظيم يستفيد بشكل مركب ومعقد من مثل هذه القرارات والتوجهات، فهو في كل الأحوال لا يخسر شيئاً. فمن قبل الانضمام إليه بعد ما يسمى في مصطلحات التنظيم بالتوبة، فإنه سيجد المصير الحتمي الذي ينتظره والذي يبدأ بمعسكرات شرعية وعسكرية يقيمها التنظيم في مناطق متفرقة من سورية والعراق وينتهي بزجه في الصفوف الأولى لمعارك التنظيم المفتعلة في أكثر الأحيان، والخاسرة في العديد من المناطق. ومن لم يقبل الانضمام إليه فهو بمثابة الواقف على طابور الانتظار " للإعدام الميداني" بمجرد وصول الدور إليه وتوفر التهمة.
إذ إن القاسم المشترك لدى من قَبِل أو رفض الانضمام إلى التنظيم هو الإعدام، سواء تم ذلك بتوفير تهمة مقنعة وبإعدام ميداني، أو تم في إخضاع الشخص لمعسكرات تدريبية ومن ثم وضعه في إحدى البؤر الملتهبة للمعارك في سورية والعراق.

(5) الاعتقال وعزل القادة
------------------------

حرص تنظيم الدولة منذ بداية سيطرته على محافظة دير الزور السورية بنسبة شبه كلية، وقبلها الرقة بنسبة كاملة تماماً، على فرض نمط أمني وعسكري وقضائي يتفرد به دون باقي الفصائل العسكرية المسلحة التي سبقته بتحرير هذه المناطق والسيطرة عليها على حساب نظام الأسد.
ولعل ّمن أهم مميزات هذه الأنماط التي اتبعها التنظيم هي أنه جعل التبعية الكبرى لاسم التنظيم والخليفة أكثر من أي شيء آخر.
وقد تحقق له بهذا الأمر قدرته على التضحية بأي شخص في التنظيم مهما كانت حاجته إليه، إذا ما كان هذا الشخص يشكل تهديداً على مقدسات التنظيم السابقة. ولم يكن هذا ناتجاً عن نزاهة حقيقية في التنظيم بقدر ما هو أسلوب جريء في التخلص من الخطر الداخلي والخارجي، وبشعارات رنانة تتناسب طردياً مع الاسم الكبير الذي يحمله التنظيم. إذ أن بعض الشخصيات المتنفذة في التنظيم مثل "عامر الرفدان" و"صدام الجمل" واللذان يعتبران من أهم قيادات التنظيم والمحسوبين عليه أثناء معارك ما قبل السقوط وهم من "الأنصار"؛ قد دخلوا في خلافات حادة مؤخراً مع قادة وأمراء عراقيين وكويتين من فئة "المهاجرين"، والتي تريد استبعاد قادة "الأنصار" من صف القيادات داخل التنظيم. وبالرغم من أن مثل هذه الأسماء هي من ساعدت التنظيم في السيطرة على المنطقة، بل وبطشت باسم التنظيم بكل من يعاديه بحجة عدم الاعتراف بالولاية والمبايعة، أومحاربة التنظيم ومقاومته بالسلاح؛ إلا أن الخلاف بات واضحاً جداً بينهم وبين القادة العراقيين والتوانسة على وجه الخصوص. ففي منتصف شهر أكتوبر من العام الماضي استبعد التنظيم "جعفر الخليفة"، ومن ثم اعتقله، وهو أحد أبناء الشعيطات الذي ساهم كقائد عسكري للتنظيم في اقتحام مناطق الشعيطات. وفي منتصف شهر ديسمبر من العام نفسه أيضاً استبعد التنظيم "عامر الرفدان"، وهو أحد أشهر الشخصيات من عشيرة "البكيّر" التي ساعدت التنظيم في فرض سيطرته على مناطق واسعة من ريف دير الزور، فتم عزله من منصب والي ولاية الخير بعد أن كان أول من حصل على هذا اللقب في دير الزور، وتم تجريده من صلاحياته على إثر اشتباكات تخللت عملية اعتقاله. كما أن التنظيم استبق عملية اعتقال الأخير وعزله، بتجريده من مجموعته المقربة وحاشيته من المقاتلين الذين تجمعه بهم صلة قرابة قوية، حيث كان يعتمد على تجنيد المقاتلين باسم العشيرة أكثر من التنظيم. حين تم إرسال أكثر من ثلاثين مقاتلاً من عناصره للمشاركة في معارك العراق ليتحقق للتنظيم ما أراد فعاد من عاد منهم جثثاً هامدة، ووقع "الرفدان" في فخ تطويقه بعناصر يدينون بالولاء للتنظيم مباشرة مما سهل عملية اعتقاله فيما بعد.
ومنها أيضاً عملية اعتقال "همام اللافي" الملقب بـ" أبوالحارث"، وكان شرعياً في جبهة النصرة، وفقد أخويه "بدر" وهو إعلامي اغتيل في بدايات سيطرة التنظيم على الميادين، والآخر في معارك الشمال وكان يقاتل في صفوف التنظيم. ثم انضمّ هو إلى التنظيم سرّاً أثناء تشكيل الخلايا النائمة وقبل العمليات القتالية المباشرة في ريف دير الزور الشرقي. وقد كان يشغل منصب القاضي الأول للتنظيم في مدينة الميادين وريفها، وهو من أهم الشخصيات التي خدمت التنظيم، ثم وجد نفسه خارج معادلة الحياة حين أصبح مهدداً بصدور أمر إعدامه بين اللحظة والأخرى.
ويذكر وائل العمر، وهو ناشط من دير الزور، أنّ "اللافي" كان من أشدّ المعارضين لعمليات الإعدام الصادرة عن شرعيين عراقيين وتوانسة، وخصوصاً في تلك العمليات التي راح ضحيتها مدنيون أبرياء، مما جعل الأخير يدفع ثمن وقوفه بوجه القرارات التي تصدر عن المهاجرين الذين يتمتعون بحظوة كبيرة لدى القادة الكبار في التنظيم.
مع التصدّعات الحاصلة في بنية تنظيم الدولة؛ يبدو حال التنظيم في مناطق سيطرته، وخاصة في دير الزور، في أصعب حالاتها، خاصة مع ظهور جيوب مقاومة شعبية وأخرى جماعات محلية تعود في الإنتماء لفصائل الثورة، وتعمل على ضرب مناطق تجمعه، أو عمليات اغتيال تصيب عناصر أو قادة محسوبين على التنظيم. أسهم ذلك في تراجع التنظيم عن بعض البلدات في مناطق ريف دير الزور مع توجه الأخير لمعارك العراق، حيث تنازل فيها التنظيم عن مقراته وعمل على إبقاء دوريات جوالة تثبت وجود شكلي للتنظيم في هذه المناطق، في الوقت ذاته يبدو أن ثبات التنظيم في تلك المناطق مجرد وقت يسمح لتحضير جماعات أخرى تستطيع الإنقضاض عليه مع وجود رغبة محلية لدى عامة الناس بالتخلص من ممارسات التنظيم التي زادت من معاناة الناس، بالإضافة لوحشية النظام المستمرة في حق تلك المناطق منذ انطلاق الثورة السورية في آذار من عام 2011.

_________________________________
البراء هاشم: ناشط سوري من مدينة دير الزور السورية.

[1] حملة دير الزور تحت النار هي مجموعة الناشطين من مدينة دير الزور تعمل على توثيق انتهاكات كل من نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية.
---------------------------------------