المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعدد والتسامح في جمهورية المستقبل


عبدالناصر محمود
04-04-2015, 08:08 AM
التعدد والتسامح في جمهورية المستقبل*
ــــــــــــــــــــ

15 / 6 / 1436 هــ
4 / 4 / 2015 م
ــــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/hewarat/21-3-2015D.jpg


التعدد والتسامح في جمهورية المستقبل

أو حتى لا تكون فرنسا آلة لإنتاج التطرف

حوار مع ميشال مافيزولي
---------------

أتلنتكو 2 فبراير 2015 م
---------------

ترجمة: د. محمد عبدالنور
---------------

يعتبِر "مافيزولي" أن الذين يمارسون القتل هم أشخاص معزولون اجتماعيًا ويفتقدون إلى روابط تصهرهم بقوة في تجمعات اجتماعية، فلم يعد متاحًا في فرنسا صهر المواطنين في قالب وطني موحد، ذلك أنهم صاروا أميل إلى مشاركة رغباتهم العميقة ضمن قبائل متعددة.

أتلنتكو: بعد عمليات باريس وكوبنهاجن صار السؤال ملحًا عن مدى قدرة المجتمعات الأوروبية على مقاومة تصاعد الاعتداءات؛ فكيف ستهدد الهجمات الاستقرار السياسي للديمقراطيات الغربية؟ ومن أي حجم ستكون؟

مافيزولي: أعتقد أنه من غير الوارد تقييم هذا الخطر من الناحية الكيفية، ذلك أن الأمر متعلق بصراع قيم لا يتعلق فحسب بمعركة دول غير ديمقراطية أو حتى دول إرهابية مع الديمقراطيات العريقة، لكنه أيضا يحمل إنذارا لنا من عدم قدرة الديمقراطية على مسايرة تطور عالمٍ تُشكل فيه الديمقراطية ذاتها إحدى مميزاته، كما أن حرية التعبير الفردية هي أيضا من مبدعات هذه المرحلة،كما أن عصر الحداثة الذي ساد ما بين القرنين الثامن عشر والعشرين هو أيضا مبدع أوروبي.

راهنًا؛ نحن نعيش ما بعد الحداثة، إنها مرحلة حيث تتجلى العودة إلى الروح المحلية، أعني الحاجة إلى اندماج الأفراد ضمن جماعات (واحدة أو متعددة)، أعني الانتماء إلى"قبائل"، وهذا حاصل في بلداننا الأوروبية، قبائل على نظام متعدد إثنيًا ودينيًا وأيضًا موسيقيًا فنيًا ورياضيًا.

وعلى العكس مما يقال فإني أعتقد أن السلوكيات المتطرفة هي صادرة عن أشخاص لهم مشكل مع الجماعة، أيًا كانت، وليس عن أشخاص مندمجين بشكل جيد ضمن جماعاتهم. أيضًا من المؤكد أن تأثير الحروب الإقليمية عامل مهم، لكنه أيضا تعبير عن ظاهرة داخلية للدول المستهدفة، إنه صراع داخلي يُظهِر حاجةً إلى الاندماج في الجماعة أكثر من أن يكون صراعًا بين الجماعات المحلية.

أتلنتكو: هل تختلف مقاومة الهجمات حسب الدول؟ وهل فرنسا مدعوة لتقييم مقاومتها؟

مافيزولي: أعتقد أن الدول الأكثر هشاشة تجاه الصراع الناشئ عن هذا التطور الفوضوي لنظام حداثي نحو نظام مابعد حداثي هي الدول التي قام كل من "شأنها العام" وعيشها المشترك على مبدأ الفردانية، بحيث يربط العقد الاجتماعي الأفراد بكيان الأمة وبفعل سلطة توحيدية (Monolithique).

فيما يتعلق بفرنسا؛ أعتقد أن الفرنسيين تخلوا عن كل هوية أو انتماء، لقد كان يجب خلال القرن التاسع عشر التنازل عن الانتماء واللهجة المحلية في أقاليم بروتون والألزاس مثلًا، إذ أنه في بداية القرن العشرين قَدِم الإيطاليون والإسبان والبولنديين إلى فرنسا للعمل في مناجم الفحم، فأُمروا بأن لا يتحدثوا بغير الفرنسية، وبأن ينسوا كل أصولهم وآبائهم. ويظهر أن هذه النزعة التوحيدية التي كانت جوهر تاريخ الجمهورية في فرنسا تنسحب أيضا على الدول الاسكندنافية وكل الدول التي تعمل على طمس الاختلافات وحصر المقدس في الحياة الفردية الخاصة، إذ أن الهيمنة على "الحياة العامة" يضعنا أمام خطر عودتها مشوهة في تمظهرات ذاتية وأشكال قدسية.

في هذا المعنى يندرج الفيديو الذي يعرض لشاب دنماركي، من أصول غير إسلامية، يهاجر للجهاد ويموت في عملية انتحارية. لقد كان، من دون شك، يبحث عن علاقة بالمقدس، وعن هوية محلية متحررة من نظام شديد الرقابة حيث تتحول العقلانية فتصبح "دينًا للدولة".

أتلنتكو: من خلال تاريخها في ممارسة العنف المفرط أحيانا، يمكننا الحكم بأن المجتمعات الأوروبية تتسم بمرونة معينة، ذلك على الرغم من التفاعل السلبي للنخب مع الأمر، فهل افتقدنا حكمة التصرف اللازمة أمام وضع كهذا؟

مافيزولي: العنف المفرط ليس خصوصية أوروبية، ومؤكد أن الحروب الصليبية الخارجية والداخلية من قبيل تلك التي شُنت ضد الألبيين (Albigois) في الحروب الدينية للقرن السادس عشر، فضلًا عن الحروب الكبرى والإبادات الجماعية التي تم ارتكابها خلال القرن العشرين ضمن الغزوات الاستعمارية في أمريكا وآسيا وإفريقيا بحيث كشفت عنف متعاظم، ومقابل ذلك، فإن الولايات المتحدة وكندا لم تمارس العنف مع أهالي المستعمرات. فلقد كانت إفريقيا مسرحا للحروب الداخلية التي تصل حد الإبادة، هذا دون ذكر الاتحاد السوفياتي والصين والخمير الحمر في كامبوديا، للأسف فإن جنون القتل والهيستيريا الجماعية يمكنها أيضا أن تصهر المشاعر في قالب جماعي.

صحيح أن سبعين سنة من السلام في أوروبا أبعدت شبح العنف الجماعي، وأصبحت الحوادث المعزولة المشهد الوحيد لحمام الدم، لكني لا أعتقد أن هذا هو السبب في برود النخب أمام الوضع، فدوافع الميول إلى القتل قد تم تحديدها، كما أن الأمن صار مضمونا بأفضل من السابق، وإن انعكس ذلك على حرية الأفراد التي انتكست على مستوى الأنترنت وتقييد حرية التنقل بين البلدان مثلا. لكن بالمقابل فإني ألاحظ غياب تفكير جماعي مشترك يأخذ بعين الاعتبار التغيرات القيمية الحاصلة، خاصة تلك التي تتقمصها نسبة من مواطنينا من خلال ميلهم إلى الانصهار في الجماعات الدينية أو شبه الدينية.

أتلنتكو: إن هذا التوتر يختبر علاقتنا بالإسلام الراديكالي، ومنه علاقتنا بكل ما هو ديني عامة، في فرنسا النخب تركز كثيرًا على ظاهرة "كراهية الإسلام"، هذا صحيح بالتأكيد، لكن ما هو مُحصى من الظواهر في هذا الموضوع قليل، فهل تحُدّ محرماتنا من مقاومة الظاهرة بشكل فاعل؟

مافيزولي: أعتقد أننا لم نجانب الصواب عندما رفضنا اختلاف المسلمين في التعبير عن تدينهم بطرق مختلفة، فنحن لم نعد أمام جماعة مسلمة واحدة بل أمام جماعات ليست فقط كثيرة العدد وإنما أيضًا هي متعددة في تأويلها للنص والعقائد، والإرهاب ينهل من تفسير راديكالي للإسلام. ومن جهة أخرى؛ صحيح أن شعورًا بعدم الثقة يُكِنّه الشعب الفرنسي بشكل جلي تجاه المسلمين بالمقارنة مع الديانات الأخرى، وهذا يعني بأن المشكلة لا تكمن في الدفاع عن إسلام مجرد نسبيًا بقدر ما هي مشكلة كامنة في الالتزام بالتسامح المتبادل بين مختلف الجماعات الدينية وغير الدينية. والنموذج الفرنسي الذي يُضاد بين الكاثوليكيين وأعداء الكهنوت في حرب متكررة يعلم مسبقًا أن الاستجابة لن تحدث لأي طرف منهما في ظل من توسع الهويات الدينية، ففي كل الديانات البروتستانتية، الكاثوليكية، اليهودية والإسلام؛ تنشأ جماعات تبشيرية (دَعَوية)، صوفية، أصولية... إلخ.

ومن جهة أخرى تحاول كل ديانة التعايش مع الآخر بطريقة تكون أسهل أو أصعب، تعايش يأتي ضمن الاحترام المتبادل والاعتراف بالخصوصيات، فما يؤسس لجمهورية المستقبل ليست تلك الوحدة التي لا تنقسم، بل جمهورية متعددة ومتسامحة تخول للجميع بأن يتقمص هويات متعددة: وطنية، جهوية، إثنية ولغوية والتي تنتظم شيئا فشيئا في نظام داخلي على قاعدة هوياتية تعددية.

أتلنتكو: لقد قام "السوري" (1)، وهو من منظري الجهاد، بتطوير استراتيجية تهدف لنقل الحرب الأهلية إلى أوروبا، من وجهة نظرك متى ستستشعر الشعوب الأوروبية الخطر الذي يتهددها سياسيًا؟

مافيزولي: من الممكن جدا أن يكون لصراعات محلية قابلية الاشتعال وتتبلور في إطار أحزاب سياسية، وهذا مثلًا ما شكل أساسًا لتحليلات ميشال ويلباك الواردة في روايته الأخيرة (2).

إن هذه الإحالة السياسية للدين هي بدورها ليست بالجديدة، لقد كان في أوروبا أحزاب ذات مرجعية كاثوليكية وبروتستانتية وحتى لاأدرية، وقد تجسد الأمر في فرنسا مع "الحركة الجمهورية الشعبية" MRP، أما بالنسبة للحظة الراهنة فإن "الكتلة العظمى" تبقى متمنعة عن الإفصاح عن نفسها سياسيا لأنها لا تجد من يعبر عن مكنوناتها بما يشبع تطلعاتها. أو أنها تعبر عن ذاتها ضمن ردة فعل مشوهة من خلال أحزاب؛ كالجبهة الوطنية أو جبهة اليسار إذ يعبران علنا وبشكل أو بآخر عن أيديولوجيا شمولية. وواضح أن المجال السياسي يسمح بطريقة ما بالتنفيس عن المخاوف والكراهية بين الجماعات المحلية، لكن الخطر هو أن تسييسًا من هذا النوع سيختزل الهويات المتعددة إلى هويات متصارعة تتسم بالجمود والتصلب.

أتلنتكو: ما الذي يمكن تصوره أنه حاصل بالفعل؟ سنفكر بطبيعة الحال في التنظيم الذاتي (ذهنية الميليشيات)، نفكر في يقظة المواطن، إنها تشبه قليلًا الصورة النمطية التي في أذهاننا عن بعض الإسرائيليين الذين يعيشون حالة طوارئ مستمرة منخفضة الشدة.

مافيزولي: من الممكن جدا أن تكون الأعمال الإرهابية مثيرة لردود أفعال جماعية من قبيل الاستنكار والشتم، فضلا عن الوصم الذي يطال قطاعًا من المواطنين بالإرهاب بشكل تعسفي. وعندما نلاحظ أن هيستيريا جماعية تثيرها مثلا محاكمات جماعية لمرتبكي الجرائم، والمنحرفين جنسيًا، والمظاهرات المطالبة بإعدام مغتصبي الأطفال ... إلخ؛ يمكننا في السياق ذاته أن نتصور ردود أفعال أشخاص بعد عمليات اغتيال تستهدف ديانتهم عندما يحملون علنيًا رموزًا دينية، بغض النظر عن شرعية ذلك من عدمه.

مرة أخرى؛ لا أعتقد بأن مقاومة التطرف ستكون فاعلة بتحييد "المجال العام" بواسطة إفراغه من التعبيرات المختلفة للمقدس، بل وعلى العكس من ذلك يجب أن نتعلم الاحترام المتبادل بين الديانات حتى في حال غيابها.

استعير هنا عبارة بيكون الواردة في كتاب السياسة (in La Politique ): حرية التفكير تكون أصيلة عندما تكون "محكومة بضوابط الحكمة والاتزان"، فعلينا في زمن الأنترنت والإعلام الجماهيري التفكير مليًا في كل تعبير عن كراهية أو حتى في مجرد سخرية عابرة !

http://www.atlantico.fr/sites/atlantico.fr/themes/atlantico/ui/img/logo.png


Michel Maffesoli : Pourquoi la République de demain ne pourra plus être une et indivisible mais multiple et tolérante pour que la France ne soit plus une machine à produire des djihadistes

Pour le sociologue Michel Maffesoli, les personnes qui commettent des attentats sur notre sol sont plus en manque de communauté que solidement ancrées dans un groupe d'individus. Dans la France d'aujourd'hui, les citoyens ne sont plus disposés à se fondre dans un seul moule républicain, ils ressentent le désir profond d'appartenir à une ou plusieurs "tribus".




-----------------------------------------
(1) لمقصود هو "أبومصعب السوري" من مواليد مدينة حلب سنة 1958.

(2) رواية "الخضوع" أو الاستسلام لميشال ويلباك، والتي تخيل فيها فرنسا محكومة من حزب إسلامي في عام 2022، أصبحت الرواية الأكثر شهرة في أوروبا خلال أسبوع من صدورها، (Soumission, Michel Houellebecq, Flammarion, 2015)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{مركز نما}