المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدين والتدين في السوسيولوجيا الكلاسيكية


عبدالناصر محمود
04-04-2015, 08:17 AM
الدين والتدين في السوسيولوجيا الكلاسيكية
ــــــــــــــــــــ

(الياس تيار)
ــــــ

15 / 6 / 1436 هــ
4 / 4 / 2015 م
ــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/21-3-2015B.jpg


عرف علم الاجتماع منذ نشأته في القرن 19 اهتماما متزايدا بظاهرتي الدين والتدين، ومحاولة مقاربتهما مقاربة معرفية ومنهجية جديدة تنزع عن التدين قداسته باعتباره ظاهرة اجتماعية متغيرة، متحولة وفردية، أي أنها ترصد علاقات الأفراد المتدينين بمحيطهم الاجتماعي والثقافي ومدى تأثيرهم وتأثرهم به، فهي بذلك تدرس مظاهر التدين أكثر من اهتمامها بالمعتقدات والتصورات التي يقدمها الدين حول الإنسان والخالق والعالم.

وقد أسس لهذا المسار الفيلسوف الوضعي وصاحب الفيزياء الاجتماعية "أوجست كونت Auguste comte" من خلال تقسيمه لتطور المجتمعات الإنسانية إلى ثلاثة أطوار أساسية: أولها المرحلة اللاهوتية/الدينية، ثم المرحلة الميتافيزيقية، ثم المرحلة الوضعية، جاعلًا المرحلة الوضعية هي مرحلة نضج المجتمع واكتماله. من هنا نستشف أن الدين عند "كونت" ليس إلا مرحلة وجب القطع معها لاستشراف مستقبل الإنسانية، وليس إلا موضوعًا كباقي المواضيع يجب مقاربته بالأدوات العلمية والمنهجية، مثله مثل علم الأحياء والفيزياء وغيرها من العلوم.

أما كارل ماركس؛ فرغم أنه لم يدرس الدين في حد ذاته وبصورة تفصيلية إلا أنه ترك أثرًا كبيرًا في هذا الميدان، متأثرًا في هذا السياق بأفكار "لودفيغ فيورباخ"، حيث اعتبر "ماركس" الدين شكلًا من الإيديولوجيا التي تخدم مصالح الفئة الحاكمة ويبرر سلوكها على حساب الآخرين، واستلابًا لهوية الإنسان واغترابًا لها. أما كلًا من "دوركايم" و"ماكس فيبر" فقد قدما دراسات أساسية تعتبر حجر الزاوية في علم الاجتماع الديني الكلاسيكي، والتي دشنت لدراسات لاحقة في هذا المجال، وسأحاول أن أبرز أهمية الدراسات التي قام بها كل منهما في هذا الباب. اذن يمكننا طرح مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تفرض ذاتها في هذا الموضوع.

فما هي أهم الدراسات التي قام بها كل من "دوركايم" من جهة و"فيبر" من جهة أخرى؟ وما هو التصور الذي قدماه للدين والتدين في هذا الباب؟ كيف حاول كل واحد منهما تفسير بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالدين والتدين؟.

لكن قبل هذا وذاك يبقي تبيان الفارق بين الدين والتدين أمرًا أساسيًا قبل البدء في استعراض النظريات والدراسات الاجتماعية السالفة الذكر. فما الفرق إذن بين الدين والتدين؟

1- بين الدين والتدين

إن التمييز بين الدين والتدين يدفعنا لسبر أغوار كل من المفهومين، والبحث عن العلاقات الموجودة بينهما، فالدين حسب معجم "لاروس" لديه معانٍ متعددة نذكر منها أولا: "هو مجموعة من المعتقدات والطقوس التي تحدد علاقة الإنسان بالمقدس". وثانيا: "مجموع الممارسات والطقوس الخاصة بكل معتقد"، وثالثا: "الانتماء إلى عقيدة دينية". أما التدين حسب نفس المصدر فهو "تطبيق تعاليم الدين بصفة فيها الرحمة والتفهم واللين و اليسر، وهو تأثير الموقف الذاتي على الموقف الديني مما يؤدي إلى موجة من الدين الشخصي أو الخاص". ما يمكننا استنتاجه من هذه التعاريف هو أن الدين صورة من التعاليم المنزلة من الخالق (المقدس) والمعتقدات والطقوس المرتبطة بها، أما التدين فهو تطبيق العملي لهذه التعاليم، وبالتالي فالتدين هو بمثابة محرك شخصي (ذاتي)، أما الدين فهو وضع إلهي، وبالتالي يمكن اختصار التدين بأنه المعرفة بالدين والالتزام بمقتضياته حسب الفهم الخاص لكل شخص دون الآخر.

2- إميل دوركايم: الدين ووظيفة الاندماج والتضامن الاجتماعي

أمضى "دوركايم" جانبًا كبيرًا من جهده البحثي في دراسة الدين والتدين مع التركيز بصورة خاصة على الاعتقاد الديني في المجتمعات التقليدية الصغيرة. وقد قام بتجميع هذا المجهود موزعًا على مؤلفين: الأول، والذي خصصه لظاهرة الانتحار وعنونه بـ"الانتحار (1896)"، ربط فيه الانتحار في جزء من تحليله بظاهرة التدين، أما الثاني فخصصه لدراسة الأصول الاجتماعية للدين وسماه "الأشكال الأولية للحياة الدينية (1912)". وسنحاول في هذا السياق تبيان أهم النتائج التي توصل لها "دوركايم" في هاتين الدراستين.

ففي الدراسة الأولى اكتشف دوركايم الدين، من خلال الدور الذي يلعبه في حياة ومواقف وسلوك الأفراد والجماعات، فأخرج ظاهرة الانتحار من احتكار علم النفس لفهمها وتحليلها، ليعطيها طابعا اجتماعيا محاولا فهمها وتفسيرها انطلاقا من هذا البعد، مستبعدا بذلك الأسباب اللاجتماعية في هذه العملية. حيث درس الظاهرة في مجتمعات محددة وفي سياقات زمنية محددة، وليس كحوادث معزولة بعضها عن بعض، بحيث تحتاج كل واحدة منها إلى الدراسة على حدة، منطلقا في ذلك من إحصاءات رسمية حول نسب الانتحار (معدل الانتحار بين كل مليون ساكن في مختلف بلدان أوروبا) في مجموعة من الدول الأوروبية، مبينا التبدلات التي تطرأ على نسب الانتحار في الزمان والمكان. فاعتبر الانتحار ظاهرة اجتماعية، بل دالة عن طبيعة الأخلاق السائدة في مجتمع معين، فسلطة المجتمع على الفرد تلعب دورا أساسيا في عملية الانتحار، فعندما تكون الجماعة متماسكة ويتماسك فيها الأفراد وتتبلور قيم وقواعد السلوك لتنظيم العلاقات، فإن نسب الانتحار تقل إذا ما استطاعت الجماعة مساعدة الأفراد في ايجاد السبل الناجحة لتحقيق ما يصبو إليه الفرد.

وفي علاقة الانتحار بالتدين يرى دوركايم من خلال تفسيره "للانتحار الأناني"، وهو واحد من الأنماط الثلاثة التي قام بدراستها (الغيري، الفوضوي)، أن الانتحارات في البلدان الكاثوليكية، كإسبانيا والبرتغال وايطاليا، ضعيفة جدا في حين تبلغ حدها الأقصى في البلدان البروتستانتية كبروسيا وساكسونيا والدانمارك. وهنا يعتبر عامل تأثير العقيدة الدينية وشكل التدين المرتبط بها، هو من القوة بحيث يفوق جميع العناصر التفسيرية الأخرى (السياسي، الأسري..) (دوركايم.1896: 170).

أما في الدراسة الثانية والتي تركز على دراسة طقوس"الطوطمية"[1] التي يمارسها السكان الأصليون لأستراليا، فلا يربط دوركايم الدين بالتفاوت الاجتماعي والسلطة، بل درس علاقته بطبيعة المؤسسات المجتمعية. بحيث يعرف الدين عن طريق الفصل بين ما هو مدنس من جهة، وما هو مقدس من جهة أخرى. فالناس يتعاملون مع الأشياء والرموز المقدسة بمعزل عن الجوانب الروتينية اليومية التي تصنف في باب المدنس. فموضوع العبادة هو المجتمع نفسه الذي يسعى إلى أن يؤكد ذاته بذاته، ويرسخ شرعيته وقيمه، ومن تم تكون الآلهة هي صورة للمجتمع وليس المجتمع صورة للآلهة. من هنا تكون الديانات ليست معتقدات فحسب بل تتجاوزها لتشمل مجموعة من الأنشطة الطقوسية والاحتفالية التي يتجمع فيها المؤمنون ويلتقون سويا، لترسيخ الإحساس بالتضامن الاجتماعي (غيدنز: 581).

نستنتج إذن أن الدين عند "دوركايم"، هو الشكل المنظم، والمؤسساتي للمقدس، وهو نمط لإنتاج المعايير الجماعية والوعي الاجتماعي، الذي يؤدي في الأخير إلى الاندماج الاجتماعي، بالتالي فأهمية الطقوس الدينية تتجلى في الإبقاء على الوعي الجمعي في حالة صحو دائمة.

3- ماكس فيبر: التدين والتغير الاجتماعي

توزعت أعمال "فيبر" على مجالات متعددة كالفلسفة والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، لكننا نلاحظ اهتمامًا بارزا لـ"فيبر" بالدين والتدين من خلال مؤلفيه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية 1930" و"علم الاجتماع الديني 1957"، ويعتبر الأول هو المؤلف الأهم في هذا الباب، حيث حاول من خلاله إبراز دور القيم الدينية في ظهور قيم وأخلاق العمل في المجتمعات الصناعية الجديدة، التي كانت أساس ظهور النظام الرأسمالي. وهنا ننتبه للفرق القائم بين "دوركايم" و"فيبر" في مقاربة مسألة التدين. فـ"فيبر" هنا يعتبر الدين من ركائز التغير الاجتماعي وفاعل أساسي فيه. فالدين ليس قوة محافظة كما يرى "كارل ماركس"، بل إن بعض الحركات الدينية أحدثت تحولات جوهرية في المجتمعات الغربية، فقد كانت البروتستانتية خاصة الكالفينية منها المنبع الأساس للرأسمالية حيث كان أوائل المبادرين بالمشروعات التجارية من أتباع البروتستانتي "كالفن"، وكانوا في اندفاعهم لتحقيق النجاح، الذي أسهم في انطلاق التنمية الاقتصادية الغربية، يصدرون عن رغبة في خدمة الله، وكان النجاح المادي بالنسبة إليهم علامة من علامات العناية الإلهية. (غيدنز:582)

وهنا يمكن أن نستحضر رصد "فيبر" وانتباهه إلى أن "رجال الأعمال وأصحاب الحيازات الرأسمالية، وكذا ممثلي الشرائح العليا المصنفة من اليد العاملة، وفوق ذلك الملاك التقني، والتجاري ذا الثقافة الرفيعة في المؤسسات الحديثة، هم بأغلبية كبيرة من الطائفة البروتستانتية" (فيبر:16). والسبب في ذلك يعود لعدة أسباب؛ كملكية الرساميل، التربية باهظة الكلفة، وإلتزامهم –كما سبق الذكر- بالتعاليم الكالفينية. وفي المقابل يبين "فيبر" كيف أن المذاهب والعقائد الدينية الأخرى كانت عاملا في عدم انتشار الرأسمالية في دول مشرقية (كالصين والهند مثلا).

خلاصة القول؛ أن الدين احتل موقعًا هامًا في النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية، من خلال فكرة الوظيفة التي وجدت لها جاذبية في دراسات رواد سوسيولوجيا التدين، خصوصًا الوظيفة الكامنة المتصلة بالدين. كما أن انطلاقة علم الاجتماع الديني تمت مع دراسة تكوينات أو تنظيمات الحركات الدينية في المجتمع. فـ "فيبر" و"دوركايم" رسما جانبًا هامًا من الملامح والخصائص العامة للدين والتدين، إلى جانب علماء اجتماع وباحثين لاحقين لهم أمثال "بارسونز" و"بورديو" وغيرهما، والذين أسسوا لفهم موضوعي للظاهرتين. فإذا كان "دوركايم" قد لفت الانتباه لدور الدين في تعزيز التماسك بين أفراد الجماعات البشرية من خلال الشعائر والطقوس الاحتفالية؛ فإن "فيبر" أبرز دور الجماعات الدينية التي قد تشكل نواة قادرة على التغيير الاجتماعي للنظم الاجتماعية القائمة، وكذا التأثير في مجالات أخرى لديها ارتباطات بالمجتمع كالاقتصاد والسياسة وغيرها. هذا التأسيس لدراسة الدين والتدين دراسة سوسيولوجية موضوعية، يجد صداه وراهنيته اليوم مع انتشار مراكز الدراسات والأبحاث التي انتشرت بشكل كبير، والكم الهائل للدراسات الفردية والجماعية في هذا الباب، والتي تدفعنا لنتساءل عن مدى تأثير هذه الدراسات والأبحاث في فهم الظاهرة الدينية في بعديها الفردي والجماعي اليوم.



http://dc07.arabsh.com/i/01906/3kca9jle8tqj.jpg


-------------------------

* أستاذ مادة الفلسفة وباحث مغربي


[1]الطوطم: هو حيوان أو نبات يجسد قيمة رمزية للجماعة ويحظى بالإجلال والاحترام لأن له طابع مقدس (غيدنز:580)
--------------------------