المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرق بين برهة وهنيهة


عبدالناصر محمود
04-05-2015, 08:13 AM
الفرق بين برهة وهنيهة
ــــــــــ

(محمد تبركان)
ــــــــ

16 / 6 / 1436 هــ
5 / 4 / 2015 م
ــــــــ

https://fbcdn-sphotos-d-a.akamaihd.net/hphotos-ak-xtp1/v/t1.0-9/11133692_821579031256033_7030920580790014115_n.jpg ?oh=88c0eb3f2b00d63543bcc6ec9a460c7d&oe=559F3FC8&__gda__=1436951038_3b2aa28ee0e750e727382802bd68c80 1

الفرق بين بُرهة وهُنيهة
-------------

لا يكادُ كثيرون يَفْرُقُون بين هاتين اللّفظتين في دَرْكِ دلالة كلٍّ منهما كما وضعتها العرب؛ فتراهم يُنزِّلون إحداهما منزلة الأخرى؛ جهلاً مِن بعضِهم؛ وعدمَ اكتراث مِن آخرين؛ لأنّ لسانَ حال أحدِهم، بل ومقالَه يقول: إنّهما سواءٌ، وإن كان ثَمَّتَ فرقٌ فلستُ أعبأُ له!.

كذا!، فإذا تعلّق الأمرُ بشِدْقِهِ، وقَرْقَرَةِ معدتِه، تَراهُ امرءًا خِرِّيتًا، لا يكادُ يعزُبُ عنه صِنفٌ من أصناف الطّعام، ولا لونٌ مِن ألوان الشّراب، ثمّ عدِّ إلى لباسه وقَشِّ بيته؛ واعجب معي بعدُ لأُمّةٍ لم تَسْتَبن لغتَها؛ كيف تَستبينُ دينَها؟!.

إنّهم يلفظون (بُرْهَة) ويريدون: المدّة القصيرة من الزّمن!. ويلفظون (هُنَيْهَة) أو (هُنَيَّة) ويريدون: المدّة الطّويلة من الزمن!. وربّما عكسوا بينهما؛ فأصابوا في بعض الأحايين؛ فتكون منهم رميةٌ من غير رام. والصّوابُ: أن تُوَظَّفَ هاتان اللّفظتان وَفْقَ الوَضع العربيّ، فتقول:
1. البُرْهَةُ والبَرْهَةُ[1]: الحِينُ الطّويلُ من الدّهر[2]، قال ابنُ السِّكِّيت: أقمتُ عنده بُرْهَةً من الدّهر، أي مدّةً طويلةً من الزّمان. قال أبو ذُؤَيبٍ الهذليّ[3]: (الكامل)
بقَرارِ قِيعانٍ سَقَاها وابلٌ[4]
واهٍ فأَثْجَمَ بُرْهَةً لا يُقْلِعُ


وقال أعشى باهلة[5]: (البسيط)
عِشْنَا بِهِ بُرْهَةً صَلْتاً، فَوَدَّعَنا
كَذَلِكَ الرُّمْحُ ذُو النَّصْلَيْنِ يَنْكَسِرُ

وقول مَن قال: إنّ البُرْهَةَ الزّمان[6]، بإطلاق؛ فإنّما يعني: الزّمان الطّويل؛ لأنّه المعنى المتعارف في أصل الوضع.

وقيل[7]: البُرهة مدّة من الزمان. أي مدّة طويلة منه. يؤيّده قول صاحب الفروق اللّغويّة[8]: (وأمّا البُرهةُ فبعضُ الدّهر؛ ألا ترى أنّه يقالُ: بُرهةٌ من الدّهرِ، كما يقال قطعةٌ من الدّهر).

وعلى هذا السَّنَن وُظِّفت هذه اللّفظة في صحيح السنّة، فمنها قوله عليه الصّلاة والسّلام:
أ‌- (لا تَعجَبُوا بعَمَلِ أَحَدٍ حتَى تَنظُرُوا بما يُختَمُ له، فإنّ العامِلَ يَعمَلُ زمانًا مِن دَهْرِهِ أو بُرْهَةً مِن دَهرِهِ بعملٍ صالحٍ لو ماتَ [عليه] دخلَ الجنّةَ، ثمّ يَتحوَّلُ فيعمَلُ عمَلاً سَيِّئًا، وإنّ العبدَ لَيعمَلُ زمانًا مِن دَهرِهِ بعملٍ سَيِّءٍ لو ماتَ [عليه] دخلَ النّارَ، ثمّ يَتحوَّلُ فيعمَلُ عملاً صالِحًا، وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيْرًا استعملَهُ قبلَ موتِهِ؛ فوَفَّقَهُ لِعملٍ صالح، [ثمَّ يَقْبضُهُ عليهِ])[9].

ب‌- وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: (لقد عِشنا بُرْهةً مِن دهرِنا وأحدُنا يُؤتَى الإيمانَ مِن قبل القرآن، وتَنزلُ السّورة على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فيتعلّمُ حلالَها وحرامَها، وزاجرَها وآمِرَها وما ينبغي أن يقفَ عنده منها كما تعلمون أنتم القرآنَ. لقد رأيتُ اليومَ رجالا يُؤتَى أحدُهم القرآنَ قبل الإيمان فيقرأُ ما بين فاتحتِه إلى خاتمتِه ما يدري آمرَه ولا زاجرَه، ولا ما ينبغي أن يقِفَ عنده، يَنثرُهُ نثرَ الدَّقْل)[10].

2. (هُنَيْهَة وهُنَيَّة)[11]: يُرادُ بها الزّمنُ اليَسيرُ. والهِنْوُ بالكسر الوقتُ، تقولُ: أقمتُ عنده هُنَيَّةً أي: وُقَيْتًا، ومكثتُ عنده هُنَيْهَةً، أي: ساعةً لطيفة.

يُؤيِّدُ هذا المعنى ورودُه في كثيرٍ من الأحاديث النّبويّة، فمنها:
أ‌- عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ، فَجَاءَ
رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ "، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ "، فَإِذَا عُمَرُ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَسَكَتَ هُنَيْهَةً[12]، ثُمَّ قَالَ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ "، فَإِذَا عُثْمَانُ ابْنُ عَفَّانَ)[13].

ب‌- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [رضي الله عنه] أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟.
قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى اللّه عليه وسلّم هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ فَقَالَ: إِنْ عُمِّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ)[14].

ت‌- وفي اللّسان[15]، والنّهاية[16] أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (أقامَ هُنَيَّةً)، ويُروى: (هُنَيْهَةً) أي: قليلا من الزّمان.
--------------------
ويراجع:
1) أدب الكاتب (ص27 كتاب المعرفة وص435 كتاب الأبنية/باب ما جاء على فعلة فيه لغتان - فَعْلَةٌ وفُعْلَةٌ).
2) تاج العروس (1 /68 المقدّمة) و(40 /315، 423) و(36 /340 ب ر هـ).
3) تطهير اللّغة (1 /2 /59 رقم 678).
4) تهذيب اللّغة (6 /295 [بره]).
5) الفروق اللّغويّة (ص192 - 193 رقم 768 حرف الحاء/الفرق بين الحقبة والزّمان).
6) القاموس المحيط (ص1243، 1346).
7) الكتاب (3 /455 باب تحقير ما كانت فيه تاء التّأنيث).
8) لسان العرب (3 /400 مدد) و(5 /85 قرر) و(13 /476 بره) و(15 /366 هنا).
9) المحكم والمحيط الأعظم (4 /358، 383) و(6 /122 ).
10) مختار الصّحاح (ص50 ب ر هـ).
11) المصباح المنير (ص33 ع1) و(ص381 ع1-2).
12) معجم الأخطاء الشّائعة (ص37 رقم 76).
13) المعجم الوسيط (ص53 ع1) و(ص998 ع2).
14) المغرب (2 /390) و(5 /464).
15) مفردات الرّاغب (ص45 بره).
16) النّهاية (5 /651 حرف الهاء - هنا).
-----------------------------
[1] بضمّ الباء وفتحها، والجمعُ بُرَهٌ وبُرُهاتٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرُفات. - المصباح المنير (ص33 ع1).
[2] وأمّا قوله في تطهير اللّغة (1 /2 /59 رقم 678): (فالبرهة أقلُّها سنة)؛ فلست أدري مصدر هذا النّقل؟!. إلاّ أن يكون لسان العرب فقد جاء فيه: (13 /476): (يقال أَقمت عنده بُرْهَةً من الدّهر، كقولك أَقمتُ عنده سنةً من الدّهر). وليس فيه ما ذهب إليه.
[3] ديوان (ص148 رقم 18)، اللّسان (5 /85)، والفائق (1 /368 القاف مع الزاي)، والمحكم والمحيط الأعظم (6 /122)، وتاج العروس (13 / 392)، جمهرة أشعار العرب (2 /687 رقم 21)
[4] في جمهرة أشعار العرب (2 /687)، والأشباه والنّظائر من أشعار المتقدّمين (1 /161): (صَيِّفٌ) بدل (وابل).
[5] جمهرة أشعار العرب (2 /720 رقم 29).
[6] قاله أبو عبيد كما في تهذيب اللّغة (6 /295 بره).
[7] الصِّحاح (6 /2227 بره)، والمصباح المنير (ص336 ع2)، والمعجم الوسيط (ص53 ع1).
[8] (ص192 - 193 رقم 768 حرف الحاء/الفرق بين الحِقْبَة والبُرهة).
[9] الصّحيحة (3 /323 رقم 1334).
[10] قال الذهبي في تعليقه على مستدرك الحاكم: (1 /91 رقم 101): (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولا أعرفُ له علّةً، ولم يُخرِّجاه)، وأخرجه البيهقيّ في السُّنن الكبرى (3 /120)، والمروزيّ في مختصر قيام اللّيل (ص179)، وابن منده في الإيمان (1 /254)، والهيثميّ في مجمع الزوائد (1 /404 رقم 755)، وتخريج أحاديث الإحياء (1 /177 رقم177).
[11] وهُنَيَّة: تصغير هَنَّة على القياس، وهُنَيْهَةً على إبدال الهاء من الياء في هُنَيَّة؛ وذلك للقرب بين الهاء وحروف اللِّين، وأصلُها: هَنْوَةٌ يعني: شيئا يسيرا.
[12] قال الحافظ في الفتح: (7 /413): (قوله: " فسكتَ هُنَيْهَةً " بالتّصغير أي قليلا).
[13] صحيح البخاري (7 /410 رقم 3695 فتح).
[14] صحيح مسلم (9 /18 /90 - 91 رقم 138 نوويّ) وفيه: (قوله (سألوه عن السّاعة متى هي؟. فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إنْ يعشْ هذا لم يُدرِكْهُ الهَرَمُ قامتْ عليكم ساعتُكُم). وفي رواية: (إنْ يعشْ هذا الغلام فعسى أن لا يُدْرِكَهُ الهَرَمُ حتّى تقوم السّاعةُ)، وفي رواية (إن عُمِّرَ هذا لم يُدرِكْهُ الهَرَمُ حتّى تقومَ السّاعةُ). وفي رواية: (إنْ يُؤَخَّرْ هذا). قال القاضي: هذه الرّوايات كلُّها محمولةٌ على معنى الأوّل، والمراد (بساعَتِكُم) مَوتُهُم، ومعناه: يموتُ ذلك القرنُ، أو أولئك المخاطَبُون. قلت [نووي]: ويُحتمَلْ أنّه عُلِّم أنّ ذلك الغلام لا يَبلُغُ الهرَمَ ولا يُعَمَّرُ، ولا يُؤَخَّرُ).
[15] (15 /365).
[16] (5 /278، 651).

ــــــــــــــــــــــــــــــ