المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أوباما والعرب السنة وإيران


عبدالناصر محمود
04-09-2015, 08:07 AM
أوباما و«العرب السنة» وإيران
ـــــــــــــــ

(ماجد محمد الأنصاري)
ــــــــــــ

20 / 6 / 1436 هــ
9 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_13251.jpg

في مقابلة مع الصحافي الأميركي الشهير توماس فريدمان تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن «العرب والسنة» وهو مصطلح لا يستخدمه الأميركيون كثيراً ففي العادة يكتفون بتسميتهم بالعرب، ولكن هذه المرة وفي ظروف الاستقطاب الطائفي في المنطقة كان لا بد لأوباما أن يحدد هوية من يتحدث عنهم بوضوح، تحدث أوباما عن مشكلة العرب السنة وأن التهديد الرئيسي الذي يواجهونه ليس خارجياً، بل هو داخلي، ويتمثل في السخط الشعبي الناتج عن قمع الحريات والظلم، قلل أوباما من الخطر الإيراني وكرر مراراً أن أي مواجهة للعدوان الخارجي لا بد أن يسبقها إصلاحات داخلية.

طبعاً نسي -أو تناسى- أوباما أن إدارته هي إحدى أدوات إفشال الربيع العربي الذي كان هدفه إزالة القمع والظلم الذي يتحدث عنه، نسي أن حكومته دعمت الانقلاب في مصر، ومنعت وما زالت تمنع الدعم العسكري عن ثوار سوريا، وكانت دائماً داعمة لأنظمة القمع العربي عسكرياً وسياسياً، لكن ما الذي دفع أوباما للحديث عن المخاطر الداخلية التي تواجه العالم العربي السني في الوقت الذي تخوض فيها عشر دول سنية حرباً مكتملة الأركان مع إيران وحلفائها؟ وما علاقة ذلك باتفاق الإطار مع إيران؟

كان حلم أوباما وإدارته منذ وصل إلى السلطة هو ذاته طموح كل رئيس ديمقراطي وصل للبيت الأبيض، وهو تحييد أعداء الولايات المتحدة باستخدام القوة الناعمة وتخفيض الإنفاق العسكري الذي يستحوذ على نصيب الأسد من الميزانية الأميركية الضخمة، وجدت إدارة أوباما في الاتفاق مع إيران حول قدراتها النووية إرثاً مناسباً يتركونه قبل مغادرتهم للبيت الأبيض ولذلك استماتت آلة العلاقات الخارجية الأميركية في الوصول إلى اتفاق مع الإيرانيين قبل نهاية عهد أوباما الذي وصل إلى نهاية مشواره في البيت الأبيض، إيران لها سابق عهد مع رئيس ديمقراطي كان يلهث للوصول إلى اتفاق مع إيران، الرئيس كارتر أراد حتى آخر لحظات رئاسته أن يكون تحرير الرهائن الأميركيين في طهران على يده، ولكن الخميني حينها تعمد تأخير إطلاق الرهائن حتى أداء الرئيس ريجان للقسم ليحرم كارتر من أي إنجاز تاريخي بعد أن شارك في قطع طريقه إلى فترة ثانية في البيت الأبيض؛ لذلك تفهم إيران حاجة الرؤساء الأميركيين إلى هذا الإرث وتعرف كيف يمكن استغلاله.

الإيرانيون منذ وصل أوباما البيت الأبيض وهم يلعبون معه لعبة القط والفأر في موضوع الاتفاق النووي، يتنازلون قليلاً كلما زاد الضغط ثم متى انخفض التوتر يعودون وينكثون كل الوعود التي قطعوها، وهذه هي الدبلوماسية الإيرانية، دبلوماسية المراوغة، التي طالما نجحت في ترويض الثور الأميركي الهائج، تطور الأحداث على الأرض من خلال عاصفة الحزم وبداية مقاومة عربية رسمية للتدخل الإيراني في المنطقة دفع بالإيرانيين إلى التسريع بإنجاز اتفاق بأي شكل كان مع الشيطان الأكبر بغية استغلال حاجته للوصول إلى اتفاق لكبح جماح الإدارة السعودية الجديدة التي تبدو جادة في ردع النفوذ الإيراني المتغلغل في المنطقة، ولكن الإيرانيين لا يريدون أن يخسروا آخر كروتهم مع الإدارة الأميركية فعوضاً عن التوصل لاتفاق نهائي وصلوا مع الغرب إلى اتفاق «إطار» وهو ببساطة اتفاق على الاتفاق. الأميركيون يعتقدون أنهم من خلال الأدوات الدبلوماسية والظروف التي تحيط بالنظام الإيراني سيتمكنون من إلزام الإيرانيين بالتوقيع على الاتفاق النهائي في يونيو، ولكن لا شك أن لدى الإيرانيين مشروعا آخر، الإيرانيون يريدون استغلال هذ الحالة البرزخية بين اتفاق «الإطار» والاتفاق النهائي في تحييد الدور الأميركي في الحالة اليمنية وربما إقناع إدارة أوباما أن الطريقة الوحيدة للوصول لاتفاق في يونيو هي عبر إقناع الحلفاء العرب بالتنازل والتراجع في اليمن وسوريا، الأميركيون رغم امتلاكهم لواحدة من أضخم أدوات الدبلوماسية على مستوى العالم فإنهم دائماً يقعون ضحية لدبلوماسية المراوغة الإيرانية.

الأميركيون اليوم ما زالوا مترددين في سوريا واليمن وتصريحات أوباما الأخيرة هي استمرار لنهج التردد في التعامل مع النفوذ الإيراني في المنطقة، كل هذا التردد سببه، بالإضافة إلى الموازنة مع روسيا طبعاً، هو الحفاظ على الإنجاز الدبلوماسي الوحيد «المتصور» في ذهن أوباما وإدارته وهو الاتفاق الإيراني، أوباما يعرف أنه في عامه الأخير في السلطة لن يتمكن من إنجاز أي اختراق على الأرض في المنطقة من قبيل حل المشكلة السورية أو تحقيق السلام بين الكيان الصهيوني والعرب، لذلك ليس لديه هَمّ أكبر من أن يحيد العدو الإيراني وتهديده بامتلاك السلاح النووي من خلال استغلال صراع إيران مع العرب لصالحه، والولايات المتحدة اليوم تبدو على استعداد للتضحية بالعرب مقابل الوصول إلى اتفاق نهائي مع إيران.

حتى الآن يبدو أن التحالف العربي الجديد أنتج إرادة مستقلة عربية للمرة الأولى منذ انفراد الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمياً، ولكن هذه الإرادة لا شك ستتأثر بضغوطات أميركية في حال قررت الولايات المتحدة التضحية باليمن في سبيل الاتفاق مع إيران، تصريح أوباما الأخير هو مجرد تمهيد لتبرؤ أميركي من الحلفاء التقليديين بدعوى أن مشكلتهم تكمن في تعاملهم مع شعوبهم، وهو كذلك تهديد مبطن لأنظمة المنطقة بأن الولايات المتحدة على استعداد لدعم التحركات الشعبية ضد الأنظمة في حال خرجت الأخيرة عن طاعة واشنطن، كل كلمة وحركة وسكنة الآن في المنطقة محسوبة وسيكون لها أثر بالغ في تاريخها، والأيام ستأتينا بخرائط تحالفات لم تكن في الحسبان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ