المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخطر الإيراني يتمدد


عبدالناصر محمود
04-12-2015, 06:46 AM
الندوة الدولية حول التقريب في استانبول: عرض وتحليل
ـــــــــــــــــــــــــــ

(سعد بن محمد آل عبداللطيف)
ـــــــــــــــ

23 / 6 / 1436 هــ
12 / 4 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


أقيمت هذه الندوة في إستانبول بتركيا من 1315 فبراير 1993 م برعاية وقف دراسات العلوم الإسلامية بتركيا وهي مؤسسة علمية تعنى بالأبحاث والدراسات العلمية، تحت عنوان (الشيعة عبر التاريخ وحتى يومنا الحاضر)، وقد بدأ الإعداد لهذه الندوة والأبحاث التي ألقيت فيها منذ ثلاث سنوات، وقد اشترك فيها ستة عشر عالماً من جامعات تركيا، وقد قاموا برحلة علمية إلى إيران لمدة أسبوعين.
والهدف من هذه الندوة: تدارس التقارب بين السنة والشيعة!، وما هي العوائق التي تحول دون ذلك.
وألقيت في بداية المؤتمر كلمة ترحيبية يمثل صاحبها أهل السنة!! وكلمة ترحيبة أخرى يمثل صاحبها الرافضة، والأول من بلد له ثقل كبير عند أهل السنة والآخر له ثقل كبير أيضاً عند الرافضة، ولهذا الاختيار مغزى كما ترى، وقد اتفق الطرفان على أن الخلاف بين طائفتيهما السنة والرافضة هو خلاف هامشي!!
ثم ألقيت البحوث التي أعدها أساتذة جامعات من تركيا، وفي الغالب كان يتلو هذه البحوث تعقيب من الحاضرين من علماء ومثقفي الشيعة الحاضرين في الندوة، وسنعرض لبعض أهم هذه الأبحاث عرضاً موجزاً.

الأبحاث:
----

*بحث بعنوان نشأة الشيعة وتطورها، د. أدهم روحي فغلالي رئيس جامعة موغلا بتركيا تحدث في هذا البحث عن منشأ الخلاف وأساسه بين السنة والشيعة وهو مسألة: الإمامة، وذكر أن الشيعة يسرون أن الإمامة بالنص وأنها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم لأبنائه، وذكر أن الإمامة ركن من أركان الإيمان عندهم، ثم تتبع أحداث التاريخ لرصد تطور معتقدات هذه الفرقة أي الإمامية الإثنا عشرية.
ثم جاء تعقيب د. محمد علي آذرتب أستاذ في جامعة طهران بإيران حيث شكك في دعوى أن الإثنا عشرية يقولون بأن إمامة علي بن أبي طالب كانت بالنص، وعرف التشيع بأنه هو الاعتقاد بأن علي بن أبي طالب وأهل البيت أفضل الناس للخلافة بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقط، ثم ذكر وعلى حسب زعمه أن أغلبية الصحابة لم يبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم ذهب يطعن في الأمويين والعباسيين [1] .

*بحث بعنوان آراء الشيعة في علوم القرآن، د. موسى كاظم يلماز من كليات الإلهيات بجامعة طهران، وتحدث فقال: إن القرآن جاء بالتواتر دون زيادة ولا نقصان، بخلاف الرافضة القائلين بوقوع التحريف في كتاب الله بأقوال علمائهم ونقلاً عن مصادرهم، وجعلها على قسمين: القسم الأول المصادر والأقوال للعلماء المتقدمين منهم ما قبل القرن الرابع، والقسم الثاني العلماء القائلين بهذا القول ممن عاشوا ما بين القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الهجري ثم ذكر قسماً ثالثاً وهم القائلون بعدم وقوع التحريف.
ثم جاء التعقيب من محمد باقر حجي أستاذ كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران الذي أكد في أول الأمر أن القرآن الكريم جمع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس في زمن أبي بكر كما قال الباحث، ثم زعم أن الرافضة لا يقولون بتحريف القرآن، وأن الروايات التي في هذا الباب هي ضعيفة السند وهي مخالفة للقرآن والسنة والإجماع!! ثم ذكر عدة كتب لهم تنفي القول بتحريفه وقال:
لو أن وجود روايات تدل على التحريف عند الشيعة يعني أن الشيعة يؤمنون بتحريف القرآن لكان وجود الروايات الكثيرة الدالة على التحريف في نطاق واسع عند أهل السنة! هي أيضاً دليل على اعتقاد أهل السنة بالتحريف!! ثم ذكر بعض هذه المرويات التي على فرض صحتها من جهة السند فليس فيها دلالة على التحريف، من ذلك ما جاء في كتب الحديث أن آية الرجم نسخت تلاوة وبقيت حكماً، ففي هذا الحديث دلالة على وقوع التحريف في القرآن الكريم كما يزعم! ولا شك أن ذلك سفسطة [2] .
*بحث رأي الشيعة الأمامية الإثنا عشرية في التفسير، د. علي أوزك كلية الإلهيات بجامعة مرمرة تحدث عن عقيدة الإمامة عندهم وكون الإمام لابد أن يكون معصوماً، وذكر أمثلة على تفسيرهم وتأويلاتهم لآيات القرآن الكريم في دعوى الإمامة والنص فيها فيما يرى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبنائه من بعده.

ثم ذكر أركان مذهبهم وهي: العصمة، المهدية، الرجعة التقية وكيف أنهم أولوا آيات القرأن الكريم لتسويغ هذه الأركان والاستدلال على أهميتها وشأنها في الدين عندهم.
ثم تعرض للخصائص المشتركة كما يرى بين السنة والشيعة، وهي: التوحيد النبوة المعاد، ولكن المعلوم أنهم نفاه لصفات الله عُبّاد للقبور غلاة في أئمتهم، معرضون عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، معادون للصحابة رضوان الله عليهم... إلى آخر معالم مذهب القوم.
ثم ذكر الباحث أن العلم بالقرآن الكريم وبتفسيره هو خاص بالنبي وآل بيته رضي الله عنهم فقط، وذكر أن الإمام عندهم له أحقية التشريع! ثم علق المهدي الحسيني ******** بأن أركان الدين الأربعة ليست أركان بل هي أمور وقضايا فرعية! وأصول الدين عندهم هي خمسة: التوحيد العدل النبوة الإمامة، وقال: إن القول بأن الشيعة ترى أن للإمام أحقية في التشريع يجب اتباعه على ما يرى والتصديق بما يقول كذب عليهم! بل هو قول أهل السنة الذين جعلوا الصحابة رضوان الله عليهم لهم أحقية التشريع!! وهو يشير هنا إلى مسألة قول الصحابي وحكم الأخذ بقوله، وهي مسألة أصولية وقع فيها الخلاف بين أهل السنة، ثم زعم أن أهل السنة يقولون كما تقول الشيعة بأن للقرآن ظاهراً وباطناً، (كذا زعم!) [3] كان هذا التعليق المتهافت سبباً في أن يعقب الباحث د. علي أوزبك على تعقيب ********، حيث قال: إن المقصود في اجتماعنا هو الوصول إلى الحق والتجرد له دون محاكمة الصحابة وآل البيت [4] .
*بحث بعنوان أصول الدين عند الشيعة، د. عوني إنحاف كلية الإلهيات بجامعة 9 سبتمبر تحدث في بحثه عن أصول الدين عندهم، وهي: التوحيد والعدل، وقد وافقوا المعتزلة في هذين الأصلين: التوحيد بنفي الصفات والعدل بنفي القضاء والقدر.
الأصل الثالث النبوة، والرابع الإمامة، والخامس المهدوية، والسادس المعاد، بالإضافة إلى الرجعة والتقية، ثم شكك الباحث في كونهم يعتقدون بتحريف القرآن، ويرى أن التقية أمر طبيعي ربما احتاج له المسلم العادي إذا ما خاف على نفسه أو على من يعز عليه، وبخاصة وأن منهم الإثنا عشرية الذين لاقوا وذاقوا الكثير من المحن والمصاعب، فكان هذا دافع للتستر خلف ستار التقية.
ثم جاء تعقيب آية الله مهدي الحسيني ******** الذي قال: إن كلمة الشيعة تعظم أئمتهم كما زعم فإن هذا التعظيم لا يعدو مثل تعظيم أهل السنة للصحابة!! ثم ذكر أن قومه يوافقون الأشاعرة في تنزيه الله عز وجل يعني نفي بعض صفات الله عز وجل بخلاف من وقع في التشبيه من أهل الحديث السافبين والحنابلة وابن تيمية وأتباعه من الوهابيين! (كذا زعم).

ثم يعود ويذكر أن المعتزلة هم الذين أخذوا هذين الأصلين عنهم: العدل والتوحيد لا العكس، وهذا ادعاء غير صحيح، فإن الشيعة ومتقدميهم بخاصة كالروافض كانوا في أول أمرهم مشبهة ومن رؤوسهم في هذا الباب كما هو معروف هشام بن الحكم، ثم تحولوا إلي الاعتزال ونفي القول بنفي القدر ثم كيف يزعم في أول الأمر أنهم وافقوا الأشاعرة في باب التوحيد؟ وهنا يرى أن المعتزلة قد وافقوه؟ والأشاعرة تثبت بعض الصفات وتنفي بعضها الآخر أما المعتزلة فينفون جميع الصفات، فهل وافقت الرافضة حينما قالت بنفي بعض الصفات أو نفي الكل؟! ثم يوافق الباحث في أنهم لا يقولون بتحريف القرآن!! ويخالف الباحث في أن التقية والرجعة والبداء ليست من العقائد بل هي من المسائل الفرعية.

*بحث بعنوان مناقشة آراء الإمامية وتقييمها حول موضوعات أصول الدين، د. يوسف شوقي ياووز كلية الإلهيات بجامعة مرمرة تعرض لما تعرض له زملاؤه السابقون، ثم أشار إلى أن التقية والعصمة والإلهام الغيبي كانت وراء ما أسماه بـ (الإمامية الإلهية).
ثم تحدث الباحث بمرارة عن عقيدتهم في أئمتهم المجتهدين، وأنها فتحت باباً للظلم والاستبداد والعبودية، ونقل عن أحد علمائهم أنهم يرون طاعة المجتهدين من علمائهم في كل شيء، ومن رد عليه فهو راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله [5] .

*بحث بعنوان الفكر الشيعي من التقية والانتظار إلى الولاية المطلقة، أحمد الكاتب، تحدث في بحثه عن الفكر السياسي الشيعي مرحلة الانتظار والتقية حيث تجمد الحدود عندهم والقضاء وغيرها من الأمور حتى يخرج الإمام من السرداب، وهناك من قال بفكرة النيابة وذلك بأن يقوم الفقهاء بالقضاء وأخذ الزكوات وغيرها.
وكانت النيابة بذرة لفكرة وعقيدة ولاية الفقيه التي تطورت على يد الخميني حديثاً حيث أخذ ببث هذه الفكرة بين طلابه في النجف، وألف في شأنها كتابه الحكومة الإسلامية، ثم قام بالتطبيق العملي لهذه الفكرة حينما وصل إلى سدة الحكم في إيران، وللحكومة الإسلامية وتحت ستار ولاية الفقيه أن تفعل ما تشاء، فلها مثلاً أن تهدم المساجد إذا رأت ذلك، أو تمنع أفراد الشعب من الحج إلى مكة المكرمة... إلى غير ذلك [6] .

*بحث بعنوان التقية والعصمة والإلهام عند الشيعة الإمامية د. موسى الموسوي رئيس المجلس الإسلامي في لوس أنجلس بأمريكا قال في شأن التقية: كانت ولازالت لها آثارها السيئة في حياتنا، ولازلنا ندفع ضريبتها الباهظة.
وضرب أمثلة على عقيدتهم التقية فقال: إن عقيدتهم في الخلفاء الراشدين عقيدة غير حسنة كما تشهد بذلك كتبهم ولكنهم يضمرون هذه العقيدة أمام أهل السنة ويقولون فيهم قولاً حسنا.
ويرفض أن تنسب عقيدة التقية إلى الأئمة من آل البيت، ثم قال عن عقيدة عصمة الأئمة: إنما وضعت هذه العقيدة لأجل غاية وهي القول بـ الإمامة الإلهية، وشهد شاهد من أهلها [7] .
وهناك أبحاث أخرى منها: الثورة الإسلامية الإيرانية والشيعة في القرن العشرين، الشيعة من القرن العاشر إلى القرن العشرين [8] ، فروع الدين عند الشيعة، العبادات في المذهب الجعفري، التصوف عند الشيعة الزيدية... وغيرها من الأبحاث.

وفي الختام:
------

توالت كلمات الحاضرين من أهل السنة من غيرالأتراك من رعايا الدول العربية وباكستان ممن هم على مذهبهم بالثناء على هذه الندوة، ودعوتها إلى الوحدة الإسلامية ونشر المحبة بين الفريقين أهل السنة والشيعة، إلا أنهم أكدوا على جوب توضيح موقفهم أي الرافضة من مسألة وقوع التحريف في القرآن الكريم ومسألة سب الصحابة وتحذيرهم عامتهم من الوقوع في هاتين المسألتين، كما دعى ممثل إيران إلى أن يكون الاجتماع القادم في إيران وبإشراف مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية الموجود هناك [9] .
وقفات مع هذا المؤتمر:
أولاً: يتميز هذا المؤتمر أو الندوة بالطابع العلمي الأكاديمي إلى حد ما ومن ثم فهو ليس كغيره من مؤتمرات التقريب التي يغلب عليها الجانب العاطفي والدندنة حول شعارات الوحدة الإسلامية ومواجهة الأعداء... الخ.
ولكن ينقص أصحاب هذه البحوث الشيء الكثير من التأصيل العلمي الشرعي للموضوعات المطروحة، وما يترتب على معتقداتهم تلك مع أهمية عدم الاغترار بزخرف قولهم وبخاصة وأنهم أهل تقية، ومعرفة أقوال سلف الأمة والعلماء والمعتبرين المعاصرين فيهم، والرجوع إلى كتب الملل والنحل لمعرفة حقيقة مذهبهم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ كيف تعرف ذلك إلا بمعرفة أحكام وشرائع هذا الدين من مصدريه الصحيحين الكتاب والسنة والتجرد للحق ونصرته دون مواربة أو مجاملة أو عواطف زائفة؟!
فهناك من الباحثين من هَوّن من شأن في إثبات الصفات المثلى لله عز وجل كما دلت على ذلك النصوص الشرعية كما هي عقيدة أهل السنة أما القوم فهم ينفون هذه الصفات، فيرون أن الأمر ليس ذا أهمية وأنها قضية هامشية؟! وهناك من شكك في كونهم يقولون بوقوع التحريف في القرآن وغيرها من الأخطاءالثابتة فعلياً في مراجعهم المعتمدة.
ثم لابد للباحث من الحصيلة العلمية الشرعية الصحيحة والعقيدة والتصور الصحيح من أجل التقييم الصحيح على وفق منهج أهل السنة والجماعة، ومما يدل على ضعف الحصيلة العلمية الشرعية عند هؤلاء الباحثين، عدم تعرضهم لتوحيد العبودية عند أولئك، وبخاصة وأن مواقفهم معروفة في هذا الباب، كيف لا وهم يحجون إلى قبور أئمتهم؟! كما هو معروف في مشاهدهم في العراق وإيران مثلا.
ثانياً: الغاية من المؤتمر والمقصد منه هو التقريب، وهي غاية فيها نظر، فهل يجوز التقريب بين أهل السنة والمبتدعة، فضلاً عن أولئك؟! وهل المقصود من التقريب التنازل من أهل السنة عن عقائدهم!! أم هل يمكن الاجتماع معهم وهم يقولون بوقوع التحريف في كتاب الله ويردون السنة؟! ويكفرون الصحابة.
ثالثاً: عند وقوع التنازع بين أهل السنة والقوم سيقوم أهل السنة بالرجوع إلى الكتاب والسنة عند وقوع هذا الاختلاف والتنازع، عملاً بقوله تعالى: } فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً { [النساء: 59]، أما أولئك فيقولون أن القرآن الكريم محرف وربما أولوه على أهوائهم، أما السنة فهي عندهم ما نسبوه إلى أئمتهم (فقط)، ويطعنون في الصحابة رضوان الله عليهم إلا القليل منهم ويطعنون في السنة إلا أحاديث معدودة، يقدمون أقوال علمائهم ومراجعهم في الحوازات العلمية على نصوص الوحي، فكيف يتفق الفريقان بل كيف يلتقيان؟!
رابعاً: توصل بعض الباحثين إلى نتائج طيبة في معرفة عقيدة القوم من القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم إلى الطعن في الصحابة، إلى التقية والعصمة وغيرها، ولكن ماذا يترتب على هذه العقائد من حكم قائلها، وكيف نتعامل معه على ضوء معتقداته الفاسدة؟ هل يمكن بعد كل ذلك أن نجلس معه ونتحاور ونثني عليه ونحسن الظن؟!
كيف نكون مع قوم يطعنون في كلام الله ووكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفي صحبه الأطهار، ويرجون ليوم يظهر فيه إمامهم المزعوم ليهدم الكعبة ويقتل أهل السنة ويبطش بهم؟! كيف يؤمن جانبهم وهذا ما يؤمنون به، وإلى متى نبقى سذجاً إلى هذا الحد؟!
--------------------------------------------

(1) انظر لبيان أن الإمامة للإمام علي ليست بالنص (منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(2) انظر إلى كتاب (الشيعة والقرآن) لإحسان ظهير، و (الشيعة وتحريف القرآن) للأستاذ محمد مال الله، من واقع كتبهم المعتبرة.
(3) انظر لمناقشة مسألة أن للقرآن ظاهراً وباطناً في كتاب (التفسير والمفسرون) للشيخ الذهبي، وكتاب (الفكر الصوفي) للشيخ عبد الرحمن عبدالخالق، وكيف دحضاها.
(4) انظر الشيعة والتفسير (د علي السالوس) و (الشيعة والسنة) لإحسان ظهير.
(5) انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام، ومناقشتهم في هذا الباب مناقشة علمية.
(6) انظر (دراسة في ولاية الفقيه) د محمد عثمان، ومعلوم أن كثير من علماء الشيعة مثل (كاشف الغطاء) نقد هذه الفكرة التي اخترعها الخميني.
(7) انظر (الشيعة والتصحيح) لموسى الموسوي، لمزيد من الإيضاح لهذه المسألة.
(8) انظر (الثورة البائسة) لموسى الموسوي، و (جاء دور المجوس) د الغريب.
(9) انظر (رسالة التقريب بين الشيعة والسنة) د القفاري، من منشورات دار طيبة بالرياض، حيث ناقش هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-12-2015, 06:51 AM
التقريب بين المذاهب والأديان .. حيلة الأقوياء حلم الضعفاء*
ــــــــــــــــــــــــــــــ

23 / 6 / 1436 هــ
12 / 4 / 2015 م
ـــــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg

أن يتداعى قوم مختلفون في وجهات النظر إلى مؤتمر أو اجتماع ليدلي كل بوجهة نظره أمام الآخر، ويوضح جوانب من فكره، قد تكون خافية على الآخرين، لتكون صورة الفكر الذي يحمله واضحة أمام الناس لا لبس فيها ولا غموض؛ فهذا لا مانع منه، ولا بأس فيه. حيث إن هذا لا يعدو أن يكون تجلية للحق المنشود، وإزالة لأوهام قد تعلق في أذهان الآخرين بفعل مؤثرات شتى سابقة.
ولكن الذي ينعم النظر في كنه ما يسمى بدعوات التقريب بين النحل و الأديان، ويستبطن حقيقتها سيجد أن هذه الدعوات - إن لم تكن ترمي إلى عكس ما تدعو إليه - فهي على الأقل مشبوهة مدخولة.
وحتى يقام الدليل على هذه الدعوى فلابد من تحليل الأجواء التي تنبعث منها هذه الدعوات، ومن نظرة في حالة من يدعو إليها، ومن ينتدب للمشاركة فيها، ومن دراسة جدوى هذه الدعوات سواء في صفوف من تعقد باسمهم؛ أو الجهة التي تنظم وتشجع مثل هذه التظاهرات.
لو تتبعنا الظروف والأجواء التي تنشط فيها دعوات التقريب لسهل علينا أن نرى أن الداعين إليها والذين يرجون قطف ثمرتها يعيشون في "مأزق" وتحيط بهم (أزمة)، ويظنون أن دعوتهم قد تخرجهم من هذا المأزق وتنتشلهم من هذه الأزمة. فما هو المأزق عند دعاة التقارب الإسلامي المسيحي مثلاً؟
إن دعوات التقارب والحوار الإسلامي المسيحي كلها تقريبًا نشأت في الجانب المسيحي، ومع أن هذا الجانب هو الغالب غلبة مادية؛ لكن من السهل إدراك الأزمة التي يعيشها من يمثلونه، فقد وجدوا أن قرونًا طويلة من الصراع والصدام مع الإسلام لم تحل مشاكلهم معه، ولم يلمحوا أن حملة العقيدة الإسلامية يمكن أن يلينوا على العسف والقهر، ولم تبدُ عليهم آثار من تعب المصاولة في حلبات التذويب أو التشويه، بل يفاجأ هؤلاء - وهم في عنفوان تسلطهم المادي وهيمنتهم - بالإسلام الذي عملوا على تجريده من كل قوة، وسخروا لحرب أهـله كل أنواع الأسلحة، فنهبوا مقدراتهم، وضربوا وحدتهم، وبثوا بينهم كل سموم العصبيات، وتجاهلوا ثقافتهم، وأبرزوا عيوبهم، وكبتوا محاسنهم، بل أظهروا محاسنهم في ثوب العيوب، وضربوا بين شعوبهم وبين الإسلام بالأسداد، على الرغم من ادعائهم حرية الفكر يفاجئون بهذا الإسلام لا زال حياً له نفس يعلو وجسم يتحرك.

فكيف السبيل وما العمل؟!
-----------------

هنا يلبسون جلد الحَمَل، ويقدمون أنفسهم على أنهم يريدون أن يفهموا الإسلام فقد اكتشفوا كثيرًا من النقاط الإيجابية فيه وفي أهـله، ومن الخسارة أن تضيع الجهود في الحروب والصراعات، ولابد من اكتشاف نقاط الالتقاء، وتضييق الفوارق، فتجوز الخدعة على بعض مفكري المسلمين، فيكتبون البحوث التي غالبًا ما تكون مملوءة بالنفاق والتشويه والتمييع.
ومما له دلالة يحسن التوقف عندها أن الداعين لمثل هذه الندوات تجمعهم صفة واحدة وهى خدمة المفاهيم الغربية، فهم إما أن يكونوا من السفراء السابقين في الدول الإسلامية، أو من الذين يدرسون الإسلام في بعض الجامعات الغربية التي تقدم خدماتها لوزارات الخارجية هناك، أو من رجال الكنيسة الذين يقومون بمهام التنصير في البلاد الإسلامية.

أما فيما يتعلق بالجانب الإسلامي فإن الذين ينتدبون للمشاركة غالباً ما يكونون إما من المفتين الرسميين، أو أصحاب مناصب لها شبهة تعلق بدين الإسلام من الذين ترسلهم دولهم كي يدفعوا عنها تهمة التعصب والانغلاق، ويبرزوا بالنيابة عنها وجه الإسلام المتطور!
أما من حيث النظر في نتائج دعوات التقارب وندوات الحوار فإنها لا تؤدي إلى شيء مما يسمى التقارب أو تضييق شقة الخلاف، ولا تعطي أي نتيجة عملية على هذا الصعيد، اللهم إلا تحقيق أهـداف الأذكياء من الداعين إليها، كجمع المعلومات عن المسلمين، وتسجيل الشهادات التنازلية التي يقيدونها عندهم كسابقة يستشهدون بها فيما يستقبلون من أحداث ومشاكل مع المسلمين، فتكون هذه الشهادات زيادة في رصيدهم الذي يستخدمونه لشق الصفوف وزيادة الهوة بين إسلاميين: إسلام هو الإسلام، وإسلام آخر متطور يجتهدون في إحلاله محل الإسلام الشَّموس الذي ضاقت بهم السبل والحيل في تأهيله وترويضه.
وتبقى وراء ذلك الخلافات كما هي، وهذا أمر طبيعي، فالقفز فوق الخلافات العقائدية لا يحلها ولا يذيبها، وتجاهل قرون متطاولة من العداء والصراع ذر للرماد في العيون، واستهانة بتاريخ كل من الإسلام والمسيحية، فضلاً عن أنه من المستحيل التبرؤ من أي تاريخ إلا بالتبرؤ أولاً من العقيدة التي انبثق منها وعنها ذلك التاريخ.

وقل مثل ذلك في ما يطرح من دعوات لإزالة الخلاف السني- الشيعي، فهي دعوات كثيرًا ما تنبثق من الجانب الذي يواجه طريقاً مسدودًا، وتهدف إلى تسويق أصوله لتكون مقبولة عند الطرف الآخر، هذا مع ملاحظة التساهل إلى درجة السطحية والغفلة - إن لم نقل الغباء - عند من يختارون ناطقين باسم أهل السنة، والمداورة والإيهام والعناد الذي لا يخفيه لحن القول عند محاوري الشيعة.
على أن المثير فيما يتعلق بالحوار السني - الشيعي هو الجهل المطبق الذي يلف الداعين إلى ذلك، لا الجهل فيما ينبغي أن يكون عليه تصور المسلم في هذا العصر، بل الجهل بحقيقة عقيدة الآخر وأسسها، والنظر إلى الخلاف على أنه لا يعدو خلافًا على قضايا فرعية، أو على أمور أخرى عفّى عليها الزمن، فماذا عسانا أن نقول فيمن يطرح - كمنطلقات لإزالة الخلاف -ما يلي:

* نحن والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن للتشريع.

*وأنه لا يمكن طرح مسألة الإمامة كمشروع معاصر.

*وأن مشكلة المهدي المنتظر ليست من الأهمية بمكان.

إلى غير ذلك مما يعكس عقيدته وفكره هو، ونظرته إلى سلبيات العقيدة الأخرى.
كيف يقال إن السنة والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع؟ أية سنة؟! هل يعتد أحد الطرفين بما يسميه الآخر سنة؟! وترك البحث في الخلافات وإثارتها يرضى به أهل السنة، ولكن هل هناك عاقل يظن أن الشيعة ترضى به؟ إذن؛ لانهار أساس مكين من أسس عقيدتها، فلو وقع ظلم على شيعي من أي جهة حتى لو كانت يهودية أو مسيحية سرعان ما يتناخى القوم بـ " يالثارات علي والحسين! " ولا حاجة للقول أن التشيع - كما آل معناه في هذا العصر - يقوم على جملة أركان منها: البراءة واللعن، البراءة ممن، ولعن من؟!
وكيف يمكن التخلي عن فكرة الإمامة؟ أليست أصلاً من أصول الدين عند الشيعة تعادل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر؟ والمنطق الإيماني يقول: إن الإيمان بهذه الأمور كل لا يتجزأ، وإن كل الأصول الشيعية تنبع من مشكلة الإمامة وإليها تعود، وكذلك قضية المهدي المنتظر، لو ترك القوم الاعتقاد بالمهدي لانهار ركن " الرجعة " وما ينبني عليه ويتفرع منه - وهو كثير- عندهم..
ليس من مقصود هذه الكلمة أن تستقصي الأصول التي يخالف فيها الشيعة أهل السنة، ولكن الهدف هو إظهار أن مقولة التقريب أسطورة من الأساطير، لو أنتجت نتائجها المنطقية لجعلت كل طرف يتخلى عما هو أساسي في عقيدته، ولتشكل من ذلك فريق ثالث لا هو سني ولا هو شيعي، فهل يمكن تصور وجود هذا الفريق في المجتمع الإسلامي؟ نعم، إنه فريق " الإلحاد "، وإلا فالمشاهد أن قضية التقريب بين المذاهب لا تروج إلا في صفوف أهل السنة، نظرًا للكثرة العددية والانفتاح الذي يعيشون فيه - إن لم نقل التسيب- والتعصب والخوف من الآخر لم يوجد إلا في صفوف الطوائف الأخرى سواء على صعيدها الشعبي أو الرسمي. وأمامنا تجارب من الماضي والحاضر على سبيل المثال لا الحصر.
فدار التقريب التي كانت يشرف عليها مرجع إيراني هو العلامة (القمي) كانت في مصر، في حين أنه لم يكن لهذه الدار ولو فرع واحد في أي جزء من إيران، وقد يقال، من باب التذاكي والشطارة: إن حكومة إيران على أيام سيء الذكر الشاه السابق لم تكن إسلامية، ولكن نقول: هل تغير الحال على عهد طيبي الذكر حكام إيران الحاليين؟ إن الدستور الإيراني منَّ على أهل السنة حين اعترف بهم وجعلهم على سوية واحدة وفي مرتبة اليهود والنصارى والبهائيين والزرادشتين، هذا في الوقت الذي لا نلحظ فيه هذا التفريق بين المسلمين أنفسهم ولا بينهم وبين غيرهم في الماضي والحاضر في أي دستور آخر غير الدستور الآنف الذكر. وبعد...
فإن هذا الكلام لا يتوجه إلى أصحاب الأهواء والأغراض، وإنما يتجه إلى الذين تسوءهم حال المسلمين وما هم عليه من الفرقة والضعف والتخلف الذي نرى أن أسبابه ترجع بالدرجة الأولى إلى الجهل بعدة أمور:

* الجهل بحقيقة ما هم عليه من دين، وخلطهم بين الأصل والفرع والواجب والمسنون.

*الجهل بأعداء هذا الدين وتاريخهم ونفسياتهم ودوافعهم التي تحركهم.

*الجهل بالماضي كيف وقع، وبالحاضر كيف يسير، وعدم القدرة على ربط كل حدث بالآخر ربط الأسباب بالنتائج، حتى طمع فينا كل طامع، ونعق بين ظهرانينا كل ناعق.
إن بدعة التقريب والتقارب شأنها شأن البدع جميعًا، تقدم نفسها على أنها خدمة للحق والحقيقة، وجهد في سبيل الله، ولكنها - علم ذلك مبتدعوها والمدندنون لها أو لم يعلموا - جهد في سبيل الشيطان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م:البيان 35 / 6 / 2013 م}
ـــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-12-2015, 06:56 AM
المشروع الإيراني.. وصرخة القرضاوي*
ـــــــــــــــــــ

23 / 6 / 1436 هــ
12 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فإن اتفاق كلمة المسلمين ووحدة صفهم وعدم تفرقهم في أصول الدين؛ من المقاصد العظيمة التي حرصت الشريعة على إيجادها وتأكيدها؛ لذا كان العمل على تحقيق ذلك في أرض الواقع من المهام الجليلة التي يعمل لها المحبون لنصرة هذا الدين، ولظهوره على الدين كله. لكن مع نُبْل هذا المقصد فقد سلك بعض الناس لتحقيقه طريقاً لا يوصل إلى المراد، وهو الاستجابة لمحاولة التوفيق بين الحق والباطل وغض الطرف عن المخالفات العقدية؛ بزعم التقريب بين المختلفين، ومن هذا المنطلق كانت دعوى التقريب بين أهل السنة و الشيعة وتوحيد صفهما، ومع كل محاولة من هذه المحاولات المتعددة يتبين خطأ هذا الطريق وعدم جدواه، وأن دعوى التقريب من جانب الشيعة لم تزد في حقيقتها عن كونها غطاء وستاراً لنشر مذهبهم بين أهل السنة؛ مستغلين في ذلك حسن نية أهل السنة وحرصهم على جمع الكلمة، وكان الذي ينبغي فعله في ذلك هو كشف زيف العقائد الشيعية وبطلانها وإقامة الحجة عليهم مع دعوتهم إلى اتِّباع السنة النبوية الصحيحة، وذلك كما فعل الشيخ موسى بن جار الله التركستاني، وهذا الأسلوب بلا شك لو بُذل فيه الجهد لكان أنفع وأجدى من محاولات تقريب - لو نجحت - لم تثمر إلا عن خلط الحق بالباطل، والمساواة بينهما، أو الإعراض والتغاضي ولزوم الصمت حيال ما يناقض شريعة الله تعالى، وفي هذا جناية على الحق بتضييعه، وجناية على أهل السنة بتيسير سبل اختراق صفوفهم.

* التمدد الشيعي ودعوى التقريب:
-------------------

الدعوة إلى التقريب ينبغي أن تكون قائمة على أسس من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود، وهو اتِّباع كتاب الله وتعظيمه، وتوقير السنة والعمل بها، والتمسك بهدي القرون المفضَّلة. وفي غياب مثل هذه الأسس الصحيحة تصبح دعوى التقريب بيئة خصبة للتمدد الشيعي في المجتمع السني، بل وصل الأمر ببعض أهل السنة أن بالغ في قبول هذه الدعوى والترويج لها بين أهل السنة، حتى إنه ليصف من يقبل هذا النوع من التقريب بأنه تيار الاعتدال، ويسمي من يكون مستبصراً بالوضع الحقيقي مدركاً لموقف الشيعة من أهل السنة - على مدار التاريخ القديم والحديث - بالتيار المتشدد أو تيار الغلو.
لقد بدأت مسيرة التقريب بين السنة والشيعة في العصر الحديث منذ عدة عقود من الزمان، ولم تسفر عن شيء سوى الغزو الشيعي لبلاد السنة ونشر الرفض فيها، لذلك فإن كل من سلك طريق التقريب مع الشيعة يتبين له بعد مشواره الطويل أن لا فائدة متحققة من وراء ذلك، ومن ثم يعلن تراجعه عما أقدم عليه، وقد مرت دعاوى التقريب بعدة تجارب، من أبرزها: تجربة العلَّامة محمد رشيد رضا حيث سعى في ميدان التقريب أكثر من ثلث قرن كما يقول، ثم سجل خلاصة تجربته قائلاً: « وقد ظهر لي باختباري الطويل وبما اطَّلعت عليه من اختبار العقلاء وأهل الرأي أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء؛ إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه » [1].

ومن التجارب أيضاً تجربة د. مصطفى السباعي الذي التقى بعض مراجع الشيعة وزار وجوههم من سياسيين وتجار وأدباء، ثم يذكر أن غاية ما قدَّم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقارب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس مع استمرار كثير منهم في سبِّ الصحابة وإساءة الظن بهم واعتقاد كل ما يُروَى في كتب أسلافهم من الروايات والأخبار، ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب أثر لدى علماء الشيعة في العراق و إيران؛ فلا يزال القوم مصرِّين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، وكأن المقصود من دعوة التقريب هو تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة » [2]. وهكذا تجربة الشيخ عبد اللطيف بن محمد السبكي والشيخ محمد عرفة والشيخ طه الساكت وغيرهم مع دار التقريب بين المذاهب الإسلامية. لقد أدرك الجميع أن الهدف المنشود من التقريب ما هو إلا وَهْم من الأوهام وخيال من الخيالات؛ إذ الخلاف في الأصول وليس في الفروع، ولن يحدث تقريب حقيقي في هذه الحالة إلا بتخلِّي أحد الطرفين عن بعض أصول مذهبه، وهنا يكمن أصل المشكلة.

* صرخة القرضاوي:
--------------

أطلق فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي - جزاه الله خيراً - تحذيراً شديد اللهجة من خطورة المشروع الشيعي في المنطقة، وجهر بالتحذير من التمدد الشيعي في المجتمع السني وما يترتب على ذلك من خطورة على الدين والأمة، وقد لقي تحذير الشيخ ترحيباً من المخلصين الفاقهين الحريصين على المصلحة الشرعية، ولكن هذا التحذير لم يَرُقْ لمراجع الشيعة ووسائل إعلامهم فشنّوا عليه حملة متشنجة كشفت كثيراً من مخازيهم، ومع الأسف الشديد أن هذا التحذير لم يرق أيضاً لبعض الناس من أهل السنة، حيث دعوا - كالمعتاد - إلى تنحية الخلافات بين السنة والشيعة، والتوحد أمام الهجمة الصهيونية والأمريكية ( وهو ما لم يسبق حدوثه). لقد أظهر هذا الموقف مدى التغلغل الشيعي داخل أدمغة بعض النخب المحسوبة على الاتجاه السني؛ فقد عارض موقفَ الشيخ من عارضه ممن كان يُظَنُّ به متابعته له، كما صمت عن نصرته من صمت، حيث لا يصلح الصمت في مكان ينبغي فيه الجهر.
إن هذا الموقف الشجاع من الدكتور يوسف لم يأت من فراغ ولم يكن ناتجاً عن تسرُّع أو جهل بحقيقة الشيعة، بل كان على علم ومعرفة بالمشروع الإيراني الطائفي، وجاء بعد معاناة طويلة، فعندما عاتبه بعض أصحابه على هذا الجهر وطالبه بالحديث غير المعلن مع علماء الشيعة قال الشيخ: « هذا قد تم يا دكتور خلال أكثر من عشر سنوات ثم في مؤتمرات التقريب ومن خلال زيارتي لإيران سنة 1988م بيني وبين علماء طهران و قم و مشهد و أصفهان، وتم فيما كتبته من بحوث ورسائل آخرها رسالة مبادئ الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ولكني وجدت أن المخطط مستمر، وأن القوم مصمِّمون على بلوغ غاية رسموا لها الخطط ورصدوا لها الأموال وأعدوا لها الرجال وأنشؤوا لها المؤسسات، ولهذا كان لا بد أن أدقَّ ناقوس الخطرِ؛ وأجراسُ الخطر يا دكتور لا تؤدي مهمتها ما لم تكن عالية الصوت توقظ النائم وتنبه الغافل وتُسمِع القريب والبعيد ». ثم قال بكل وضوح: « الخطر في نشر التشيع أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية وهي تسعى إلى توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسع ومد مناطق النفوذ حتى تصبح الأقليات التي تأسست عبر السنين أذرعاً وقواعد إيرانية فاعلة لتوتير العلاقات بين العرب وإيران وصالحة لخدمة استراتيجية التوسع القومي لإيران ».

* الاختراق الشيعي:
------------

تمكَّن الشيعة من اختراق مجتمعات أهل السنة؛ سواء كان ذلك عن طريق بعض مغفلي أهل السنة، أو عن طريق العصرانيين والعَلْمانيين وكل مناوئ لأهل السنة، حتى ظهرت في بلاد أهل السنة المقولات الرافضية وانتشرت في وسائل الإعلام المتعددة. وفي ظل ضعف كثير من أنظمة الحكم في بلاد أهل السنة تمكَّن الشيعة من تحقيق مكاسب على الأرض وصار لهم وجود محسوس في بلاد لم يكن لهم فيها موطئ قدم، لكن ينبغي أن يُعلَم أن كثرة الحديث من بعض رموز أهل السنة عن ضرورة الجمع بين أهل السنة والشيعة، وتهوين مسائل الخلاف معهم وعدّها من قبيل الاختلاف في الفرعيات أو المسائل التاريخية التي لم يعد لها وجود في العصر الحاضر، والتنقُّص ممن يحذر من ضلال القوم، بل وعدّه ممن تصب جهودهم في صالح أعداء الأمة؛ كل ذلك سهَّل بشكل كبير من تحسين صورة الشيعة عند عوام المسلمين، وهو ما سهَّل - من ثَمَّ - عمليات الاختراق المتعددة.

* أصول الشيعة والتقريب [3]:

تأبى أصول الشيعة إيجاد أي تقارب حقيقي مع أهل السنة، إذ هما ضدان لا يلتقيان أبداً، والناظر في أصول الفريقين يدرك ذلك بأدنى نظرة حيال بعض الأصول المعروفة لدى القوم:

1 - الشيعة وتحريف القرآن:
---------------

القرآن الكريم كتاب الله الذي تكفَّل بحفظه فقال في تأكيد مجزوم به: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { (الحجر: 9) وهو ما يقطع بأن الذكر محفوظ، وقد انعقد إجماع المسلمين على ذلك، والقرآن هو أصل الأصول وإليه المرجع في أمر الشريعة كلها، والقول بتحريفه يُسقِط الحجة به، ويُسقِط في الوقت نفسه جدية الحديث عن التقريب، إذ كيف يمكن التقريب بين من يرى أن القرآن أصل الأصول وبين من يرى أنه محرَّف مبدَّل، أو أنه ناقص غير كامل؟

2 - الشيعة وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الناظر في كلام الشيعة المدوَّن في مذهبهم وكتبهم في حق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجد الحكم بكفرهم وردتهم إلا نفراً يسيراً، وتصويرهم بأقبح صورة وكأنهم مجموعة من الأشرار أو قطَّاع الطريق الذين لا همَّ لهم غير التكالب على الدنيا، ولا شك أن هذا إلى جانب كونه ذماً لهؤلاء الصحابة الأطهار الذين لا مثيل لهم في عالم البشر، والذين قام الإسلام على أكتافهم ولم يصل إلينا كلام الله -تعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا عن طريقهم؛ هو ذم أيضاً في حق صاحب الرسالة؛ إذ كيف يحيط به أمثال هؤلاء ويدنيهم منه ويثني عليهم، ولا يتبين له حالهم رغم عشرته لهم سنوات متطاولة؟!

وسبُّ الصحابة والطعن فيهم مُفْضٍ إلى ضياع الدين؛ لأن القدح فيهم مانع من قبول ما يروونه من أحكام الشرع، بينما الصحابة عند أهل السنة هم خير القرون كما ثبت بذلك الحديث، وهم الذين تلقوا الإسلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علماً وعملاً ونقلوه إلى من بعدهم كما تلقوه، وهم الذين مدحهم ربهم في القرآن وأثنى على جماعتهم فقال -تعالى-: } وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ{ (التوبة:100)، فبينما يترضى أهل السنة على الصحابة نجد الشيعة يكفرونهم ويلعنونهم، ولم ينجُ من هذا الحكم حتى أفضل الناس بعد نبيهم أبو بكر و عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - ولا أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، فكيف يحدث تقارب في ظل هذا التعارض الشديد في هذا الموقف؟!

3 - الشيعة وتكفير أهل السنة:
-----------------

تقوم نظرة الشيعة إلى أهل السنة على تكفيرهم إياهم، ومن ثم نجدهم على مدار التاريخ يعاونون الكفار الأصليين عليهم، ولم تكن هذه مجرد حالة طارئة أو استثنائية، بل كانت منهجاً متّبعاً، ولعل ما حدث في وقتنا الحاضر من معاونة الشيعة للعدو النصراني ومساعدته في احتلال أفغانستان والعراق دليل واضح على ذلك، بل بلغ من طغيانهم واستخفافهم بأهل السنة أنهم يعلنون ذلك ولا يستترون به.

4 - الشيعة والغلو في الأئمة:
----------------

الإمام سواء كان إماماً في الدين أو إماماً في الإمارة والسياسة له مكانة كبيرة في الإسلام، لكن مكانته عند الشيعة تفوق مكانة الأنبياء والملائكة؛ حيث لهم - كما يدَّعون - اطِّلاع على علم الغيب، وأنهم معصومون، ولا يُتَصَوَّر منهم الخطأ فضلاً عن المعصية، فكان مثلهم مثل أهل الكتاب الذين قال الله عنهم: } اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ{ (التوبة: 31)، فقد بوَّب الكليني في كتابه (الكافي) - الذي يُعَدُّ بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة - عدة أبواب تدل على ذلك، فقال: « باب: أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها »، « باب: أن الله - عز وجل - لم يعلِّم نبيه علماً إلا أمره أن يعلِّمه أمير المؤمنين (ع) وأنه شريكه في العلم »، « باب: أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل » [4].

5 - الشيعة والتَّقِيَّة:
-----------

من الأصول المعتمدة لدى الشيعة مسألة التَّقِيَّة وهي أن يُظْهِر غير ما يُبطِن في أمر الدين، فلا تحصل لهم الثقة في أقوال علمائهم ولا يكونون على يقين من أحكام عباداتهم، إذ كل قول من أقوالهم يحتمل أنه قيل تقية، والتَّقِيَّة تُذهِب الثقة بكل كلام يقال، وتصبح قضية التقريب مجرد حيلة للتغلغل في وسط أهل السنة، فالشيعي يُظهِر نقيض ما يبطن، وإذا احتج عليهم محتج بمخالفة أئمة أهل البيت لما هم عليه؛ قالوا: إنما فعلوا ذلك أو قالوه تَقِيَّة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف توجد الثقة في أقوال الشيعة وتصرفاتهم حيال أهل السنة؟ ولعلَّ ما يظهرونه من وفاق وائتلاف إنما هو من قبيل التقية، وحينئذ يبطل كل أثر للتقريب؛ لأنه قائم على إمكان الأمر ونقيضه في آنٍ واحد.

إلى غير ذلك من الطوامِّ الكثيرة؛ كالغيبة والبداء والرجعة وغيرها، التي يخالف بها الشيعةُ أهلَ السنة، والتي لا يجوز تصنيفها على أنها خلاف في الفروع.

يتبين لنا من كل ما تقدم أن الحديث عن إمكان التقريب في ظل احتفاظ كل فريق بأصوله؛ وَهْمٌ من الأوهام وخيال من الخيالات؛ لعدم إمكان حدوثه وتحققه، وخدعة من الخدع؛ إذ المقصود منه إيجاد القبول للشيعة عند أهل السنة وهو ما يترتب عليه نشر التشيع والرفض بين أهل السنة؛ فالأصول متناقضة والجمع بين النقيضين لا يتصور إمكانَهُ إلا ناقصو العقول، والتمسك بالوهم في ظل إصرار الطرف المقابل على التمسك بأصوله لا يكون له نتيجة سوى المزيد من التغلغل الشيعي في ديار أهل السنة؛ فهل يعي المفتونون بقضايا التقريب هذه الأمور؟
وهل نجد لهم وقفة جادة في بيان أصول الشيعة التي خالفوا فيها أهل السنة ونقدِها وإظهارِ ما فيها من خطأ أو ضلال؟ وهل نجد الجِدَّ والثبات في الشهادة على المبتدعة الضُّلَّال أنهم أهل بدعة وضلالة، وننتصر لكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله الأمين وأصحابه الغر الميامين، ولا نجعل السياسة غير الشرعية بمصالحها الوهمية هي الحاكمة على تصرفاتنا في مثل هذه القضايا المصيرية؟ لعل ذلك يكون.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر؛ آمين!
----------------------------------------

(1) مجلة المنار (31/290)، نقلاً عن مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة (2/194).
(2) السنة ومكانتها في التشريع (ص 9-10)، نقلاً عن مسألة التقريب (2/197).
(3) ينظر في أصول الشيعة وعقائدها: كتاب: مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة د / ناصر بن عبد الله القفاري، وكتاب: لله،،،، ثم للتاريخ، لمؤلفه السيد حسين الموسوي من علماء النجف، وكتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للطبرسي، وكتاب: الكافي للكليني.
(4) هناك من الشيعة من يظهر أمام أهل السنة عدم موافقته على هذه الأصول الباطلة، ويوافق أهل السنة على كثير مما يقولونه، لكن وقوف هذا التصرف عند حد الكلام من غير أن يتبعه عمل يؤكده ويدل عليه يجعل الكثيرين يعدون هذا المسلك من باب التقية، لا سيما أن التقية مما تدين به الشيعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م:البيان}
ـــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-13-2015, 07:12 AM
الأزمة الإيرانية سقوط القناع عن الوجه الحقيقي للولي الفقيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(أحمد أبا الخيل)
ـــــــ

24 / 6 / 1436 هــ
13 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


خطبة (المرشد الأعلى) للثورة الإيرانية علي خامنئي في جامعة طهران يوم الجمعة الموافق لـ 19 من يونيو 2009م، وتعليقه على الاحتجاجات التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية وضعت علامات استفهام كثيرة أمام مكانة المرشد الأعلى لدى الشعب الإيراني، بل حول ثبات بدعة ما يسمى بـ ( الولي الفقيه) [1].
هذه البدعة التي نشأت على يد أحمد التراقي مؤلف كتاب « عوائد الأيام » في أصول الفقه، والمتوفى عام 1829م.
وطبقها الخميني لأول مرة عام 1979م؛ ليكون أول مرشد أعلى في الجمهورية الإيرانية.
فما يسمونه بـ (الولي الفقيه) يُفترض أن يسمو فوق السياسة حتى لا ينحاز لطرف ضد طرف؛ ليكون ذلك الحَكَم الذي يفصل بين المتنازعين، ومن ثَمَّ يكون هو حارسَ الدين ومنقذ الشعب من أيَّة أزمة قد يتعرض لها وفقاً لِمَا تقتضيه هذه البدعة الدينية السياسية.
ولكن خامنئي بدلاً من ذلك جعل نفسه طرفاً في النزاع بانحيازه للرئيس المنتهية ولايته (محمود أحمدي نجاد) انحيازاً وضعه في صِدام مع ملايين الغاضبين والمحتجين على نتائج الانتخابات التي يرونها مزوَّرة.
هذا الموقف من خامنئي بخطبته التاريخية التي فاقت التصورات في قسوتها أدخلت إيران فيما يمكن وصفه بالعملية الديناميكية؛ لإعادة تشكيل العلاقة بين المرشد الأعلى أياً كان هو والشعب.
وهو الأمر الذي يهدد إلى حد كبير ركائز الاستقرار السياسي في النظام الإيراني على المديَيْن (المتوسط والبعيد).
فالمرشد الأعلى أو مرشد الثورة أو الولي الفقيه أياً كانت التسمية هو أهم منصب في إيران اليوم؛ لأنه القائد الأعلى بموجب الدستور الإيراني الحالي؛ وما رئيس الجمهورية إلا منفذ لسياساته؛ فقد ادعت المادة الخامسة من الدستور الإيراني أن ولاية الأمة في ظل غيبة الإمام [2] (المزعومة) تؤول إلى أعدل وأعلم وأتقى رجل في الأمة؛ ليدير شؤون البلاد.
ومؤهلات الولي الفقيه وفقاً للدستور هي: العلم، والعدالة، والمروءة، والفقه الواسع بظروف العصر، والشجاعة، والفطنة، والذكاء، والقدرة على إدارة الأمور.
وهذه الصفات التي يتمتع بها الولي الفقيه تعطي له صلاحيات واسعة جداً في الجمهورية لا ينافسه فيها منصب آخر؛ إذ إن له الحق في تعيين وعزل نصف أعضاء مجلس ***** الدستور، وتعيين وعزل رئيس السلطة القضائية الذي بدوره يُعيِّن النصف الآخر من أعضاء مجلس ***** الدستور!
كما له الحق في تعيين وعزل رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والقائد الأعلى لقوات الحرس الثوري، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن.
وكتطبيق عمليٍّ لهذه الصلاحيات وهذه المكانة نسرد حادثتين تاريخيتين تؤكدان أن المرشد هو رأس الدولة والمهيمن على مفاصل الحياة فيها؛ فقد قام الخميني بإقالة أبي الحسن بني صدر رئيس الجمهورية الأول عام 1981م عندما خالف تعليماته!
وفي الحادثة الأخرى وجَّه الخميني رسالة شديدة اللهجة إلى علي خامنئي عام 1988م عندما كان رئيساً للجمهورية؛ وذلك لمَّا اعترض على بعض ممارساته حين أجاز قانون العمل بعد أن عارضه مجلس المحافظة على الدستور.
ومن ثَمَّ؛ فإنه ما من شك في أن علي خامنئي هو قائد إيران الحقيقي دستورياً وفعلياً، وشرعيته يستقيها من الفكر السياسي الشيعي وتطبيقاته العملية في عهد الخميني أولاً، وما تم غرسه في ضمير الشيعة من أوهام حول بدعة الولي الفقيه ثانياً.
وبناءً عليه، كان يُفترض بخامنئي أن يكون محافظاً على حقوق الشعب الذي يؤمن بمصداقية و (قداسة) خامنئي (بحكم الصفات التي يُفتَرض أن يتحلى بها كما نص على ذلك الدستور) ولذلك؛ فهو أقرب السياسيين لهم كما ينبغي أن يكون، وهو الذي يلجأ إليه الشعب؛ لنيل حقوقه التي قد يعتدي عليها النافذون في الدولة.
ولكن خامنئي - وبحماقة سياسية لا يُحسد عليها - آثر أن يتصادم مع قطاع كبير من الشعب؛ ليضع منصب الولي الفقيه بذلك في مفترق طرق.
فما حدث في هذه الأزمة وخاصة بعد خطبة خامنئي وما تلاها من أحداث كشفت القناع عن وجه (الولي الفقيه) وهبطت بمكانته (المقدسة) وجعلت منه لاعباً سياسياً لا يختلف عن غيره من السياسيين المتنفذين، قد يصيب وقد يخطئ، وله مصالح يدافع عنها، كما له منافسون على منصبه، قد يزيحونه عنه متى حانت الفرصة لذلك.
فتعبير خامنئي عن انحيازه لنجاد قبل الانتخابات كان خطأً تكرر للمرة الثانية، باعتبار أنه انحاز له في انتخابات 2005م ضد (علي أكبر هاشمي رفسنجاني) الذي حفظها له في نفسه، كما أمعن في الخطأ عندما بارك فوزه ونفى وجود تزوير في الانتخابات وهدَّد منافسيه، وحذر أنصارهم من التظاهر.
لذلك أصبح خامنئي خصماً لهؤلاء المحتجِّين الذين لا يُعَدُّون بالآلاف ولا بمئات الآلاف وإنما بالملايين! إذن هو خصم للشعب.
ما حدث بعد الخطبة كان مفاجأة لخامنئي الذي راهن على مكانته، وظن أنه سيحسم الأمور ببضع كلمات أمام حشد من المصفِّقين والمكبِّرين؛ فقد تحدى المحتجون تحذيرات خامنئي، وخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات مليونية، واشتبكوا مع قوات الأمن، وسقط عدد من المحتجين ما بين قتيل وجريح أمام مرأى ومسمع من الرأي العام العالمي (بواسطة الصور الملتقطة عبر الجوالات والمبثوثة عبر مواقع الإنترنت كمَوقِعَي يوتيوب وتويتر).
وماذا يعني هذا التحدي؟ إنه بكل بساطة يعني: أن كلمة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لم تعد مسموعة كما كانت، أو كما ينبغي لها أن تكون.
وهذا التحدي الشعبي لخطبة خامنئي إنما هو تحدٍّ لِمَا زعمه الخميني من أن ولاية الفقيه كولاية الرسول - عليه الصلاة والسلام - فالولي الفقيه بالنسبة للخميني معيَّن من قِبَل الإمام المهدي الغائب، ولذلك لا يجوز الاعتراض على قراراته بناءً على الحديث المنسوب إلى المهدي الذي يقول: « إن الراد على الفقهاء كالراد علينا، وكالراد على الله ».
وكانت هذه الكلمات موجهة في رسالة توبيخية من الخميني إلى خامنئي نفسه في الحادثة التاريخية السالفة الذكر.
وقد تعلَّم خامنئي من كبيرهم هذا (الخميني) أن الولي الفقيه ذو كلمة مسموعة ونافذة ولا أحد يجرؤ على كسرها، ولذلك كانت خطبته شديدة القسوة وذات نبرة تهديدية، ظناً منه أن الأزمة ستنتهي بكلمة منه، وسيبارك الشعب فوز نجاد، كما باركها هو، ولكن الرياح جرت على عكس ما اشتهى خامنئي و (خادمه) نجاد والمحافظون (خُدَّام الثورة).
فمنافسو نجاد الذين يوصفون بالمعتدلين - وإن كانوا جميعهم من أبناء الثورة والمخلصين لها، كما قال خامنئي في خطبته - رفضوا نتائج الانتخابات التي أعلن من خلالها عن فوز المتشدد أحمدي نجاد وطالبوا بإلغائها وإعادة فرز الأصوات، كما وقفوا في وجه خامنئي وعلى رأسهم (مير حسين موسوي) ونالوا تأييد رفسنجاني الواسع النفوذ ومحمد خاتمي وعدد من علماء الدين الذين يوصفون بآيات الله.
وأبرزهم حسين منتظري أكبر مرجع ديني في حوزة قم الذي نطق بعد عشرين عاماً من العزلة والصمت وحذَّر من سقوط النظام، وأكد أن ما جرى تحت مرأى ومسمع خامنئي « يختلف عن الإسلام وطريق النبي - عليه السلام - في الحكم والأداء العلوي »، وإذا كان خامنئي بانحيازه للفائز بالتزوير، قد خالف الإسلام وطريقة النبي - عليه الصلاة والسلام - في الحكم، فأية شرعية دينية يتمتع بها؟ ولماذا يبقى أصلاً مرشداً للثورة؟
وهذا ما نعتقد أن رفسنجاني وغيره يدبِّرونه ضد خامنئي المتهاوي من على عرشه؛ ربما حفاظاً على أسس الثورة، وربما انتقاماً من خامنئي الذي أيَّد نجاد ضد رفسنجاني عام 2005م.
كانت الحكمة السياسية تقتضي - كما أسلفت - ألَّا يتصادم خامنئي مع شعبه، وكان الأجدر به أن يكون نصيراً للقانون؛ فلو أنه تعاطف مع الاحتجاج الشعبي، وطالب بإعادة فرز الأصوات من أجل تطبيق القانون والوصول إلى الحقيقة فلربما حظي بشعبية أكبر و (كاريزما) قد تضاهي (كاريزما) الخميني في زمانه، ولكن الحماقة السياسية أعيت من يداويها؛ فقد أظهر خامنئي للشعب الإيراني حقيقة أنه لا يتوانى عن سحقه في سبيل استمرار هيمنته على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إيران من خلال وصول مَنْ يراهم خاضعين له تماماً إلى السلطة واستيلائهم على مختلف المناصب الكبرى في الدولة.
ولا شك أن هذا يتعارض مع ما أسماه خامنئي في خطبته بـ (الديمقراطية الدينية) هذا المصطلح الذي قال عنه المراقبون: إنه غير موجود في أي علم من العلوم السياسية والاجتماعية، وإنه من التدليس الذي يُطبِّقه خامنئي على الشعب الإيراني؛ فأية ديمقراطية تمنع التظاهرات السلمية، وتقتل المشاركين فيها؟ وهل هناك شيء اسمه ديمقراطية دينية أصلاً؟ فإما أن ذلك جهل من خامنئي أو تدليس، وكلاهما لا ينبغي على المرشد أن يتصف بهما.
كما أظهر خامنئي في خطبته كم هو متناقض مع نفسه؛ حيث أعلن عن إجراءات للتحقيق في صحة ادعاءات أنصار منافسي نجاد، وفي الوقت ذاته بارك فوز نجاد ونفى وجود تزوير، مؤكداً أن الانتخابات كانت نزيهة ولا تشوبها شائبة، مستدلاً على ذلك بأن التزوير لا يمكن أن يحصل في عشرة ملايين صوت بين نجاد وموسوي أشد المنافسين له.
وعلى الرغم من أن خامنئي قال: إن الانتخابات لم تَشُبها شائبة، نجد أن مجلس ***** الدستور (أكبر مؤسسة تشريعية في إيران) يعلن أن ثَمَّةَ انتهاكات انتخابية في خمسين إقليماً، ولكن المجلس الذي يُعيِّن خامنئي نصف أعضائه، والنصف الآخر يُعيِّنُهم رئيس القضاء المعيَّن - أصلاً - من قِبَل خامنئي لا يمكن أن يتصادم مع كلمة المرشد الأعلى، فزعم أن هذه الانتهاكات لا تؤثر في الانتخابات؛ ومع ذلك يُعلِن عن إعادة فرز عشوائي لـ 10% من الأصوات... لماذا هذا الإعلان طالما أن هذه الانتهاكات لا تؤثر؟
ولماذا هذا التراجع طالما أن هذه الانتخابات بنظر المجلس هي الأصح في تاريخ الثورة؟ وكذلك ما فائدة إعادة الفرز هذه في حين أن خامنئي بارك فوز نجاد، وسيتم الاحتفال بتنصيبه رئيساً لإيران للمرة الثانية؟
ألم يكن من المفترض أن ينتظر خامنئي نتيجة إعادة الفرز احتراماً لهذه الإجراءات القانونية؟ هذه تناقضات واضحة أسقطت القناع الذي يغطي الوجه الحقيقي للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية.
إن إيران بأسسها الثورية ومناصبها المبتدعة وعلى رأسها منصب (الولي الفقيه) تَمرُّ بأزمة شرعية وتصارع من أجل البقاء.
وإن خرجت من هذه الأزمة بتسويات معينة أو لصالح طَرَف على حساب الآخر؛ فإن ما حدث لن يمر مرور الكرام وإنما سيعيد تشكيل الخريطة السياسية الإيرانية...
ولكن ما شكل هذه الخريطة الجديدة؟ لعلَّ الأيام القادمة ستظهر تفاصيلها، والتي يبدو أنها لن تكون لصالح النظام وبدعة (الولي الفقيه).

---------------------------------------------------
(1) ولاية الفقيه بدعة شيعية في بدايات القرن التاسع عشر طرحها عالمهم (أحمد التراقي) في كتابه (عوائد الأيام)، وتبناها الخميني عام 1979م بثورته على الشاه آنذاك، وعارضها علماء شيعة كبار منهم أحمد الطبطبائي القمي، و موسى الموسوي، و محمد جواد مغنية. انظر كشف حقيقتها في كتاب: محمد مال الله (نقد ولاية الفقيه) الناشر دار الصحوة بالقاهرة، ط عام 1409هـ - البيان -.
(2) غيبة الإمام خرافة أشاعها التشيُّع الصفوي، وقد ناقشها بموضوعية وعلمية الباحث الشيعي الاثني عشري الأستاذ (أحمد الكاتب) في كتاب له: عن نفيه الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وإبطال زعم وجوده؛ ولذلك تعرض إلى نقد ومهاجمة القوم وتكفيرهم إياه، وتعرض كتابه للنقد الانفعالي من عشرات منهم دون أن يتمكن أي واحد أن يبطل قوله - البيان -.
ـــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-13-2015, 07:20 AM
عصمة الأئمة بين أهل السنة والشيعة من خلال (منهاج السنة النبوية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أحمد بن عبدالرحمن الصويان)
ــــــــــــــــــ

24 / 6 / 1436 هــ
13 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg

من الكتب الجليلة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله): (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)، ردّ فيه على كتاب: (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة) لابن المُطَهّر الحلي الرافضي، وقد طبع أخيراً بعناية الدكتور محمد رشاد سالم (رحمه الله) ، وتأتي أهمية هذا السفر الجليل لعدة أسباب، أذكر منها:

1- أنّ الشيعة من أقدم الفرق ظهوراً في التاريخ الإسلامي، ومن أكثرها انتشاراً في العصر الحاضر.

2- أن ابن تيمية اهـتم بالردّ عليهم معتمداً على النقل الدقيق من أكثر كتبهم رواجاً وانتشاراً في عصره.

3- أن ابن المطهر الحلي الذي ردّ عليه ابن تيمية كان يُعدّ عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعضهم: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقاً [1].

4- يُعدّ كتاب (منهاج السنة النبوية) من أوسع كتب أهل السنة وأجمعها في الرد على الشيعة الإمامية خاصة، وقد استوعب ابن تيمية فيه الرد على كثير من شبهاتهم وافتراءاتهم التي كانوا وما زالوا يرددونها، ويكتبون فيها الرسائل والمدونات.

5- وحيث إن مذهب الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنّهم جهمية في الصفات، قدرية على مذهب المعتزلة، رافضة في الصحابة [2] فإن ابن تيمية استطرد استطرادات نفيسة للرد على الجهمية والمعتزلة والفلاسفة.. وغيرهم من طوائف المبتدعة ورؤوس الضلال.
وقد ناقش ابن تيمية في هذا الكتاب مسائل متعددة أثارها ابن المطهر في أبواب مختلفة، ولعلّ من أهم هذه المسائل وأجمعها:

أولاً: منزلة الصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)، ومواقفهم بعد وفاة النبي، والرد على المطاعن والأكاذيب التي ذكرها ابن المطهر.

ثانياً: الإمامة والعصمة.

ثالثاً: منهج أهل السنة في الصفات والقدر، ومقارنته بمنهج الرافضة وأشياخهم المعتزلة، والرد على أكاذيبهم ومخازيهم.
وسوف أقتصر في هذه المقالة على مقارنة مختصرة بين منهجي أهل السنة والرافضة في عصمة الأئمة من خلال هذا السفر الجليل.

عصمة الأئمة عند الشيعة:
-----------------

لعل موضوع الإمامة هو الموضوع الرئيس الذي يدور حوله كتاب ابن المطهر: (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)، ولذا: فإنه أبرز الموضوعات التي تكلم عنها فيما بعد شيخ الإسلام ابن تيمية في: (منهاج السنة النبوية)، وسوف أشير في هذا المبحث إلى منهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم، ثم أختمه ببيان منهج أهل السنة في العصمة.

* أقسام الأئمة الاثني عشر:
----------------------
ذكر ابن تيمية أن: (أصول الدين عند الإمامية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، فالإمامة هي آخرالمراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك) [3].

ويقسم ابن تيمية الأئمة الاثني عشر أربعة أقسام:

القسم الأول: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين (رضي الله عنهم) وهم صحابة أجلاء، لا يُشَكّ في فضلهم وإمامتهم، ولكن شَرِكَهُم في فضل الصحبة خلق كثير، وفي الصحابة من هو أفضل منهم [4] بأدلة صحيحة عن النبي.

القسم الثاني: علي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر [5]، وهؤلاء من العلماء الثقات المعتد بهم، وقد أشار ابن تيمية في مواضع عديدة إلى تقديرهم ومحبتهم، وجواز تقليدهم لمن عجز عن الاستدلال، حالهم في ذلك كحال بقية علماء الأمة [6].

القسم الثالث: علي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي بن موسى الجواد، وعلي بن محمد بن علي العسكري، والحسن بن علي بن محمد العسكري.
وقد أثنى ابن تيمية على الأئمة الثلاثة: علي بن الحسين، وابنه أبي جعفر، وجعفر بن محمد، ثم قال: (وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر عليهم علمٌ تستفيده الأمة، ولا كان لهم يدٌ تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين، لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين، وأما ما يختص به أهـل العلم، فهذا لم يُعرف عنهم، ولهذا: لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك الثلاثة، ولو وجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده) [7].

القسم الرابع: محمد بن الحسن العسكري المنتظر.

وهذا من غرائب الشيعة، حيث لم يُرَ له عينٌ ولا أثر، ولا سُمع له حسّ ولا خبر.
والشيعة يجعلون له مشاهد ينتظرونه عندها، كمشهد سامراء [8].!
أصول الشرعيات عند الرافضة وغلوهم في الأئمة:
ذكر ابن تيمية في عدة مواضع: أن الرافضة الإمامية أصّلوا لهم أصولاً اعتمدوها في كلّ ما يُنقل عن أئمة البيت، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الأصل الثاني: أن كل ما يقوله هؤلاء الأئمة منقولٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الأصل الثالث: أن إجماع العترة حجة، ثم يدّعون أن العترة هم الاثنا عشر، ويدعون أن ما يُنقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه [9].

قال ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الأصول: (فهذه أصول الشرعيات عندهم، وهي أصول فاسدة كما سنبين ذلك في موضعه، لا يعتمدون على القرآن ولا على الحديث ولا على الإجماع، إلا لكون المعصوم منهم، ولا على القياس وإن كان واضحاً جليّاً) [10].
فالرافضة إذن بالغوا في أئمتهم، وجعلوا: (الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين) [11]، بل إنهم جعلوا الإمامة: (أحد أركان الإيمان) [12].
ومن غلوّ الرافضة في الأئمة: اعتقادهم أن (كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال) [13].
والرافضة: (تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء، لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدتها النصارى في المسيح) [14].
(وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم) [15].
ولهذا: فإن الغلو لا يوجد في (طائفة أكثر مما يوجد فيهم، ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي -صلى الله عليه وسلم- وادعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف) [16].
وتزعم الرافضة أن (كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-) [17].
ثم ترتب على هذا الغلو أن (الرافضة تزعم أن الدين مُسَلّم إلى الأئمة، فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه) [18].
وحقيقة قول الرافضة: أنهم (يُريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع المؤمنين، بمنزلة القرآن والمتواتر من السنة) [19].
ومن عجائب بعضهم: ترجيحهم للقول الذي لا يُعرف قائله؛ لأنّ المنتظر المعصوم يقول به. فكان دينهم مبنيّاً على مجهول ومعدوم..! [20]

انحراف الرافضة في الأئمة:

مع ذلك الغلو والتعظيم الشديد للأئمة، فإن الرافضة وقعوا في الأمور التالية:

الأمر الأول: اختلافهم في تعيين الأئمة:
-----------------------

اختلفت الرافضة في تعيين أولئك الأئمةاختلافاً متبايناً، وكل فرقة من فرقهم تدعي أنها هي التي على الحق، بدون حجة أو برهان [21].

الأمر الثاني: مخالفتهم لأئمتهم:
-----------------

مع أن الرافضة يغلون في الأئمة وتعظيمهم، إلا أنهم لم يأخذوا بأقوالهم، ولم يقتدوا بهم؛ ولهذا قال ابن تيمية: (لا نُسلّم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي (رضي الله عنه) وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة... والنقل بذلك مستفيضٌ في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علماً ضروريّاً بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم) [22].
الأمر الثالث: أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات:
قال ابن تيمية: (وعمدتهم في الشرعيات ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت، وذلك النقل منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب عمداً أو خطأً وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث) [23].

الأمر الرابع: كذب الرافضة على أئمتهم:
------------------------

لم يقف الرافضة مع أئمتهم عند حد القصور في تمييز المنقولات عنهم، بل تعدوه إلى الكذب والافتراء؛ قال ابن تيمية: (الكذب على هؤلاء [يعني: الأئمة الاثني عشر] في الرافضة أعظم الأمور، لا سيما على جعفر بن محمد الصادق، فإنه ما كُذب على أحدٍ ما كُذب عليه، حتى نسبوا إليه: كتاب الجَفْر والبطاقة، والهفت.
وفي الجملة: فمن جرّب الرافضة في كتابهم وخطابهم علم أنهم من أكذب خلق الله، فكيف يثق القلب بنقلِ من كثر منهم الكذب قبل أن يعرف صدق الناقل؟) [24].


الأمر الخامس: اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم:
-------------------------

قال ابن تيمية: (إن الأئمة الذين يُدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمئة وخمسين سنة، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد، والذين يُطاعون شيوخٌ من شيوخ الرافضة، أو كتب صنفها بعض شيوخ الرافضة، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين، وهؤلاء الشيوخ المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة.
فإذن: الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يُباشرونهم بالأمر والنهي، وهم أئمتهم حقّاً، وإنهم في انتسابهم إلى أولئك بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة، ولا يدرون بماذا أمر، ولا عن ماذا نهى، بل له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه وأن يتخذوهم أرباباً) [25].

الأمر السادس: سخافة قول الرافضة في أئمتهم:
-------------------------

مع أن الإمامة عند الرافضة من أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، إلا أنهم: (قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين) [26].
وقال ابن تيمية أيضاً: (ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه يعني: المنتظر، لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجوداً بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب؟!..) [27].

الأمر السابع: شرك الرافضة في أئمتهم:
----------------------------

من غلوّ الرافضة في الأئمة: أنهم حوّلوا حبهم لهم إلى شرك وعبادة لغير الله (تعالى)، قال ابن تيمية: (.. وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم، فتجدهم يُعطلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فلا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، وليس لها عندهم كبير حُرمة، وإن صلوا فيها صلوا وحداناً، ويُعظمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا)..) [28].
(وقد صنف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتاباً سماه: (مناسك المشاهد)، جعل قبور المخلوقين تُحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يُطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين) [29].
منهج أهل السنة في العصمة:
بعد هذا العرض لمنهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم وأشياخهم، أنتقل إلى عرض منهج أهل السنة في هذا الباب:

أولاً: الطاعة المطلقة لا تكون لمخلوق إلا للرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين):
--------------------------

قال ابن تيمية: (والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبلغ عن الله أمره ونهيه، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو، فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يُريد وينهى عما يُريد كان الميت مُشبّهاً بالله (تعالى) والحي مشبّها برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله) [30].
وقال أيضاً: (المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد، والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة؛ قال (تعالى): } وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً{ [الجن: 23]، فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قُدّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي فرق به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهـل العلم (أهل الكتاب والسنة) على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة، كما قال (تعالى): } فَلَنَسْئَلَنَّ الَذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ{ [الأعراف: 6]..) [31].

ثانياً: أهل السنة لا ينتصرون إلا لقول الرسول:
-----------------------

قال ابن تيمية: (فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيره، إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله) [32].

ثالثاً: ليس أحدٌ من البشر واسطة بين الله وخلقه في الخلق والرزق: قال ابن تيمية: (ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه، وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل. وأما خلقه ورزقه، وهداه ونصره، فلا يقدرعليه إلا الله (تعالى)، فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلاً، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر، وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر، أو أن أحداً من البشر يتولى ذلك كله، ونحو ذلك، فهذا كله باطل) [33].

رابعاً: الردّ عند التنازع لا يكون إلا لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم-: ذكر ابن تيمية قول الله (تعالى): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء: 59]، ثم قال: (فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأمرهم بالرد إليه، فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم-) [34]. وقال في موضع آخر: (فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصاً معصوماً غير الرسول-صلى الله عليه وسلم-، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول-صلى الله عليه وسلم-، وهذا خلاف القرآن) [35].

خامساً: مقالة أهل السنة في العصمة:
-------------------
ذكر ابن تيمية بأن أهل السنة: (متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله (تعالى)، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقرّ في ذلك شيء من الخطأ) [36].
ولهذا فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (معصومٌ في التبليغ بالاتفاق، والعصمة المتفق عليها: أنه لا يُقر على خطأ في التبليغ بالإجماع) [37].
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المعصوم: (الذي لا ريب في عصمته، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي فرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والنور والظلمة، وأهل السعادة وأهل الشقاوة..) [38].
من أجل ذلك فإن أهل الحديث: (جعلوا الرسول الذي بعثه الله إلى الخلق هو إمامهم المعصوم، عنه يأخذون دينهم، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وكل قول يخالف قوله فهو مردود عندهم وإن كان الذي قاله من خيار المسلمين وأعلمهم وهو مأجور فيه على اجتهاده، لكنهم لا يُعارضون قول الله وقول رسوله بشيء أصلاً: لا نقل نُقل عن غيره، ولا رأي رآه غيره.
ومن سواه من أهل العلم فإنما هم وسائط في التبليغ عنه: إما للفظ حديثه، وإما لمعناه، فقوم بلغوا ما سمعوا منه من قرآن وحديث، وقوم تفقهوا في ذلك وعرفوا معناه، وما تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول) [39].

سادساً: لا عصمة لأحدٍ بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن تيمية: (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم-، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ) [40].

سابعاً: العصمة لمجموع الأمة:
-------------------

قال ابن تيمية: (والله (تعالى) قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عدداً من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا: لما كان في قول بعضهم من الخطأ في مسائل، كبعض المسائل التي أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً) [41].
وقال أيضاً: (.. فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع، فإنما يُخالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفاً للسنة الثابتة..) [42].
وقال أيضاً في بيان الواجب على المسلم: (ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً، إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاًعاماً، إلا للصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)؛ فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يُجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسلّماً إلى عالم واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم..) [43].
ثامناً: طاعة الأئمة والولاة في المعروف لا في المعاصي:
قال ابن تيمية: (.. النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقاً، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يُبيّن أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين..) [44].
وذكر أيضاً أن أهل السنة: (لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يُجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه مثل: أن يأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يَجُز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق، فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما قال (تعالى): { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] فأمر بطاعة الله مطلقاً، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله: { مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: { وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة، إنما يُطاع في المعروف) [45].
----------------------------------------------------
(*) طبع طبعة علمية محققة، مراجعة على ثلاثة عشر مصدراً خطيّاً، بالإضافة إلى مراجعته على طبعة بولاق، وعلى كتاب (منهاج الكرامة) لابن المطهر، المطبوع في إيران عام 1880م، وظهرت هذه الطبعة في تسعة مجلدات كبار، خصص التاسع منها للفهارس، ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.
(1) (4/127) و (5/461).
(2) انظر: (4/131) و (8/10).
(3) (1/99) وانظر: (3/484).
(4) انظر: (1/169).
(5) موسى بن جعفر قد يُلحق بالقسم الثالث.
(6) انظر: (2/243، 244).
(7) (6/387).
(8) انظر: (1/113، 114) و (1/44-46).
(9) انظر: (1/69) و (5/164، 165).
(10) (1/69).
(11) (1/74).
(12) (1/106).
(13) (4/104).
(14) (1/481، 482).
(15) (1/474).
(16) (2/34).
(17) (2/462) و (5/164).
(18) (1/482) و (5/176).
(19) (5/165).
(20) انظر (1/89، 90) و (6/442).
(21) انظر: (3/369-484) و (4/17، 18).
(22) (4/16، 17).
(23) (1/69).
(24) (2/464-467) وانظر: (4/54، 55).
(25) (3/488، 489).
(26) (1/100).
(27) (1/121، 122).
(28) أخرجه: البخاري (1/91) (2/88 و102، 103)، ومسلم (1/ 376، 377).
(29) (1/474-476).
(30) (3/490).
(31) (6/190، 191)، وانظر: (4/182).
(32) (6/368).
(33) (1/97).
(34) (3/381).
(35) (6/190).
(36) (1/470، 471)، وانظر: (2/396).
(37) (2/410).
(38) (6/417)، وانظر: (6/384).
(39) (5/165، 166).
(40) (6/196)، وانظر: (4/310).
(41) (3/408، 409).
(42) (5/166، 167).
(43) (5/262)، وانظر: (6/409 و461).
(44) (1/115، 116).
(45) (3/387)، وانظر: (1/82 و84، 85).
------------------------------------------

عبدالناصر محمود
04-14-2015, 07:29 AM
الروم حاضرة... والفرس عائدة... والعرب نائمة...
ــــــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
_______

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


اندثار الدول وظهورها رهين مقادير الله - سبحانه - تمضي بها سننه ووفقها تسير، أيام يداولها الله بين الناس، فتارة هذه تَغِْلب، وأخرى تدافعها تلك فتُغلَب.
مد وجزر، غلبة واندحار، هكذا تجري الأحداث بالدول والأمم، ومنها دولتا الفرس و الروم، القوتان العظميان على مدى قرون طويلة، واللتان تبدوان الآن للعالم بثياب أكثر إبهاراً وأوفر تقنية، من دون أن تفارقهما خصوصية لازمت علاقتهما عبر الزمان، فلا التاريخ يعود القهقرى، ولا السنن تفارق مستجدات الحاضر.

{ الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }(الروم:1-7)

هكذا تُليت حلقة واحدة من حلقات الصراع المزمن بين الفرس و الروم في محكم التنزيل على أسماع العالم، وفي أول مرة كان التأثير العربي مقتصراً على الرصد والمتابعة والميل لانتصار هذا الطرف أو ذاك، سواء أكان هذا الرصد من كفار قريش أم من المسلمين، فالغلبة الفارسية أسعدت من يناظرها من أهل الأوثان، والكرَّة الرومية فرح لها المسلمون برغم أنهم كانوا على موعد قريب مع منازلة الروم.
التفاعل حينئذ كان سيداً وإن ارتدى لبوس المراقب؛ كون الفريقين (المسلم والوثني القرشي) أقل استعداداً للدخول كخصم قوي لأي من القوتين الأعظم حينئذ، فهو مراقب حذق يرمق المستقبل بعين ثاقبة.
لم يكن يعيب المسلمين العرب يومها ألاَّ يشاركوا في هذه المعركة، فتلك ليست معركتهم الآن؛ ففي الأفق معركتهم قادمة، ومن بين سنابك الخيل كان الغبار يوشك أن يطامن بعد أن أثارته كتائب الفتوح ليكشف عن نصر على تلكما الدولتين العتيدتين، أَلَقُ النصر الإسلامي وعبقه غمر المدائن الفارسية و أنطاكية الرومية حاضرتي الإمبراطوريتين المتراميتين الأطراف، سنوات قليلة ما لبثت أن انقضت على نزول الوحي بهذه الآيات حتى ارتفعت البيارق الخضراء في الشرق والغرب، وقرون مضت بعد ذلك، وكاد التاريخ يكرر نفسه في مناخ مختلف، استطالةٌ فارسية ورومية وانكماشٌ عربي رهيب، بَنَتْ الإمبراطوريتان نفسيهما، وأعادتا توطيد أركان حكميهما، ولم يعد العربُ استراتيجياً للفترة المكيّة بل إلى مجاهل التاريخ؛ فدولتا الحيرة الموالية للفرس والمناذرة الموالية للروم قبل الإسلام كانتا أحسن حالاً من الحالة العربية المزرية.

هنا الروم غُلبت من جديد، مُنِيَت بهزيمة تكتيكية نافذة من دون طلقة واحدة، وبعد هيمنة شبه مطلقة رومية (غربية) على العالم وعلى قلبه المتوسط؛ لملمت فارس (إيران) جراح إمبراطوريتها الضائعة لتضع الحصان أمام العربة الأمريكية الطائشة، ومهما قيل من بعد عن تنسيق (إيراني / أمريكي) أو (فارسي / رومي) استصحاباً لجملة من المعطيات المؤكدة في هذا المضمار؛ فإن الضربة الفارسية كانت أسبق من كل حدس رانه باحث استراتيجي أو خبير أممي تغص بهم مراكز الدراسات الأمريكية، إذ الحاصل قنوات إيرانية قد سالت فيها مياه الخليج و دجلة و الفرات و الليطاني، وأوراق طاشت من الحقيبة الأمريكية في لحظة دولية فارقة، وفي حاضر أمريكي مأزوم.

الروم حاضرة، والفرس عائدة، والعُرب غائبة، هذه المعادلة وذاك المشهد، والتاريخ يطرق الأجراس ويقرع الطبول؛ بيد أن الآذان بعدُ صماء، أو ربما سمعت بـ (مهران بن بهرام) القائد الفارسي في (عين التمر) التي كانت تضم إلى جواره القائد النصراني العربي (عقة بن أبي عقة) على قبائل (تغلب) النصرانية إبان زحف (خالد بن الوليد) إليها (12هـ)، ولم تأبه لشرحه لقادته الفرس لما نزل عن دعوة (عقة) له بترك القتال له، متخلياً عن القتال للأخرق ( عقة): « دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي للفرس) وشر لهم (أي الروم)، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم (أي المسلمين)، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على (خالد) فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء »، فما قاله (مهران) لم يكن يحمل إلا أجندة يقرأ منها (ملالي فارس) في هذه اللحظة سياستهم في العراق وغير العراق، « دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي لإيران) وشر لهم ( أي الأمريكان)، إنه قد جاءكم من أضاع إمبراطوريتكم، وفل حدكم، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على المقاومة فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء »!
ثمة تعاون بغير جدل، لكنه أفضى إلى إيجاد حالة صراعية جديدة، الصوت الأعلى فيها انفراداً وتمايزاً للإمبراطورية الصاعدة التي غلبت الروم في معركة إقليمية وتسليحية نوعية، وجازت بها من إستراتيجية الاحتواء المزدوج الأمريكية ( لإيران والعراق) إبَّان حكمَيْ (ريجان و بوش الأول)، وتفادت إستراتيجية الحروب الاستباقية إلى أمد في عهدَيْ (كلينتون والأولى لبوش الثاني) إلى إستراتيجية الاحتواء المزدوج من جديد، ولكن هذه المرة بلاعب مختلف هو اللاعب الفارسي الذي بضربة واحدة نفذ إستراتيجيته الخاصة باحتواء الولايات المتحدة والعراق!

إن هناك بالتأكيد أكثر من اعتراض قد ينشأ على هذا التفسير؛ فدونه تفسيرات أخرى ترى الإمبراطورية الفارسية الجديدة مقدمة على حتفها باستعداء الروم بكل جبروتهم العسكري ونفوذهم الواسع، وأن صعودها هو عنوان تآكلها بعد أن أصبحت خطراً على حلف الأطلسي برمته، من الشرق التركي صاحب أكبر قوة أرضية في أوروبا إلى الغرب الأمريكي صاحب أكبر آلة عسكرية جوية وبحرية ودفاعية في العالم، وهذا مفهوم ومعتبر، وآخر يرمي كراته دوماً في سلة تتسع لقواسم تجمع الدولتين (الإيرانية والأمريكية) في معاداة العرب، وعلى مرمى البصر ترى حاجة الأخيرة للأولى في فك الدول العربية، وإعادة تركيبها وفقاً لـ (سايكس - بيكو) جديدة لا تضمن أمريكا استقرارها دون الارتكان لشريك آخر غير « إسرائيل »، ضارباً الذكر صفحاً عن انطلاق السياستين (الإيرانية والأمريكية) من أجندتين غير متطابقتين بطبيعة الحال والمصالح والأيديولوجيات المختلفة، وهو تفسير أيضاً معتبر لكنه مفرط في أحادية منطقه بعض الشيء وتعززه عدة شواهد، منها:

- أن الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الصوت الزاعق في رفض المشروع النووي الإيراني هي بالأساس من وضعت لبنة تأسيسه، وفي العام (1974م) كانت (إيران والولايات المتحدة) توقعان اتفاقية تزويد أمريكا لإيران بالوقود النووي، بعدما اشترى الشاه (رضا بهلوي) أول مفاعل نووي أمريكي لمركز ( أمير باد) للأبحاث النووية.

- أن الولايات المتحدة الأمريكية وإن كُبلت اليوم عن تنفيذ ضربة تكتيكية للطموح النووي الإيراني؛ فإنها لم تكن كذلك إبَّان الهجوم الصهيوني على المفاعل العراقي (1981م) حين كان المشروع العراقي يبدأ خطواته الأولى، وكان بمقدورها أن تجهض البرنامج النووي الإيراني في مهده، لكنها لم ترَ داعياً لذلك في أي وقت حتى الآن.

- أن من شأن النمو العسكري الإيراني أن يزعج جيران إيران، ما يمد الرقعة الزمنية الترهيبية اللازمة لبقاء الشراكة (الأمريكية / الخليجية) على خلفية الحاجة الدائمة لبقاء القوات الأمريكية في المنطقة العربية، بما يستبقي السيوف لزمن ممتد خارج الأغماد بعد سنوات ثلاث من انهيار الدولة العراقية، ويدعم الأطماع الغربية الشرهة في بلاد العرب.

- أن العلاقات (الإيرانية / الأمريكية) كانت دوماً محل التقاء بعيداً عن « تطفل » الإعلام، رشح منها فضيحة تسليح إيران في عهد (ريجان)، وتصريح (أبطحي) مستشار (خاتمي) سابقاً « لولانا ما سقطت بغداد وكابول »، والتعاون الممتد فيما قبل الإعلان العلني عن نية التفاوض بين البلدين في العراق، والذي جاء مقترحاً على لسان رئيس المجلس الأعلى للثورة في العراق (عبد العزيز الحكيم) وعززه الموافقة الإيجابية من جانب (علي لاريجاني) الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي والمكلف بالملف النووي، وهناك مؤشرات عديدة تشير إلى علاقة براجماتية تجمع بين « الشيطان الأكبر » و « أحد أقطاب محور الشر » أمريكا وإيران، أو الروم والفرس، فالحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران منذ الثورة الإيرانية تخترقه هي على الدوام بحسب ( كنت تيمرمن) الباحث الأشهر في وكالة الاستخبارات الأمريكية للشؤون الإيرانية القائل: « أمريكا نفسها لا تنفذ هذا الحظر »، كما أن وزير خارجية أمريكا السابق (كولن باول) كان يعتقد وقت شغله منصبه أن: « إيران ليست في موقع يسمح لها بالإضرار كثيراً بالمصالح الأميركية في المنطقة » وفق صحيفة (كيهان 8/4/2001م)، أما النفط الذي تملك إيران من احتياطه ( 10%)، و (25%) من احتياطيات الغاز الطبيعي فـ « من الذي يستطيع أن يمنع إنتاج 2.5 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في الوقت الذي وصلت أسعار النفط إلى ما وصلت إليه مؤخراً؟ » كما يقول (باتريك كلاوسون) نائب مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، ومن ذا يتجاهل 70 مليون نسمة هم عدد سكان إيران وأكبر سوق محتمل للولايات المتحدة في المنطقة، ومن يطلق اليد الأمريكية في الإفادة من نفط بحر (قزوين) وترتيب أوضاع دول آسيا الوسطى إذا لم تعقد تفاهماً - لا مغامرة غير محسوبة - مع إيران؟! ومن يغض طرفه عن 12 رجل أعمال إيرانيين كانوا من كبار المتبرعين لحملة (بوش) الماضية ( الشرق الأوسط 9/6/2001م)، أو يغمض عينيه عن مليوني إيراني نقلوا حوزاتهم العلمية واستثماراتهم المالية الضخمة في بلاد « الشيطان الأكبر »، ونثروا في جنباتها (آياتهم وملاليهم) ومنهم آية الله (حسن قزويني) أحد مستشاري (بوش) الدينيين، ومراكزهم الدينية التي سمحت لهم الدولة الرومية العظمى بأن ينشئوا أكبر مركز ديني ينسب للمسلمين فيها؟ وأرمد من فاته الاطلاع على غابة القنوات الفضائية المرتبطة بإيران في سماء المنطقة، وأولها كان السبق فيه لمنظمة توصف في أدبيات السياسة الأمريكية بـ « الإرهابية »؛ والمقصود بالطبع (حزب الله) اللبناني الشيعي.
هذه التفسيرات وتلك الاعتراضات لها وجاهتها بالتأكيد كما أسلفت، ولكن ما الذي يدعونا لئلا نصهر هذه الاعتراضات والتفسيرات في بوتقة تجمع الشواهد لا للتعارض؛ وإنما لمحاولة النظر من جديد للأمور بنظرة أكثر شمولاً مستصحبة تجربة تاريخية ثرية وموحية؟ يقول (أ. د محمد السعيد عبد المؤمن) أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة (عين شمس) عن المشروع النووي منذ بدايته في زمن ( الشاه): « يبدو أن (الشاه) قد استطاع أن يعزف على أوتار عقائدية وقومية عند الإيرانيين، فالطاقة النووية تمثل في الوجدان الإيراني قمة الوصول بـ (النار) ذات القيمة الخاصة التي تصل إلى درجة التقديس لغايتها، فلم ينظر الإيرانيون إلى ما سوف ينفقه (الشاه) على هذا المشروع نفس نظريتهم لما أنفقه على احتفال مرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، فرغم أن كليهما يمجدان الشخصية الإيرانية إلا أن الأول أدخل إلى الوجدان والعقائد من الثاني، وعندما نجحت الثورة الإسلامية في إسقاط (الشاه ونظامه) قضت على آثار الملكية كلها، وأوقفت مشروعاتها إلا ما ارتبط منها بالجانب الوجداني العقائدي للإيرانيين، ومنها المشروع النووي الذي أصبح إرثًا قوميًّا، على نظام الجمهورية الإسلامية أن يتحمل تبعاته، وإلا فقد أهليته في نظر الشعب »، فلوعة غياب الدولة الفارسية بجبروتها ونارها المقدسة ما زالت تعمل مفاعيلها التأثيرية النافذة في الوجدان الإيراني، ولم تندمل الجراح التي خلَّفَها انطفاء النار المقدسة قبل أربعة عشر قرناً باتقادها نفطياً من جديد مع الثورة النفطية التي اجتاحتها قبل نصف قرن، وإنما استوجب تأمينُها قوة نووية وصعوداً (تسليحياً وسياسياً) موائماً للرغبة العارمة في إعادة الإمبراطورية الفارسية مجدداً.

ولنرجع ثانية إلى التفسيرات المتعارضة في ظاهرها، جاهدين في لملمتها في صيغةٍ من خلالها يمكن المزج بين التاريخ والحاضر؛ فمن حيث المبدأ لابد من الإقرار بأن الإمبراطوريتين (الرومية والفارسية) وجدتا محطات التقاء على مر التاريخ؛ تخندقتا فيها ضد عدو مشترك، ففي العام الثاني عشر للهجرة وإثر انتصار المسلمين في (ذات السلاسل) كان على القائدَيْن الفارسيين (الأندر زغر) و (بهمن جاذويه) أن يتحالفا مع نصارى الحيرة و قبائل بني تغلب بـ « مباركة » من الدولة الرومية التي تربطها بهما روابط دينية في معركة أليس الصغرى ( نهر الدم)، ولم يكن هذا إلا تكراراً لما تم قبل أربعة أشهر في معركة (عين التمر)، من « تفاهم » بين الفرس والمتعاطفين مع الروم.
وبعد انهيار الإمبراطورية الفارسية بستة قرون شهد العالم (650 هـ) تحالفاً قوياً بين الدولة الصفوية (وريثة الإمبراطورية الفارسية و البرتغاليين ضد العثمانيين، يقول الدكتور (محمد عبد اللطيف هريدي): « وهكذا بدلاً من أن يضع الصفويون يدهم في يد العثمانيين لحماية الحرمين الشريفين من التهديد البرتغالي، ولتطهير البحار الإسلامية منهم وضعوا أنفسهم في خدمة الأسطول البرتغالي، لطعن الدولة العثمانية من الخلف، ورغم انتصار العثمانيين عليهم؛ فإن الحروب معهم كانت استنزافاً لجهود العثمانيين على الساحة الأوروبية، وعرقلة للفتوح الإسلامية » [الحروب العثمانية الفارسية ص 70]، بيد أن التاريخ سائده يتحدث عن تعارض في المصالح بين الإمبراطوريتين، يتحدث أيضاً عن حضارة ( بالمعنى المدني لها) لأرض فارس تؤهلها لأن تصعد أو تسعى بإصرار لأن تتبوأ مكانها قوة عالمية مرهوبة في العالم وإن وجدت نفسها في حقبة رومية إن جاز التعبير، فقبل أن نطنب في عرض أدوات فارس لكسر هيمنتها أو اختصار مدتها الزمنية، نعود إلى صفحات التأريخ الصراعية الأبرز هذه المرة:

- معركة (حرَّان) في العام (53) قبل الميلاد في زمن (يوليوس قيصر):

أبيد فيها الجيش الرومي على يد (أورود الفرثي) الفارسي عن بكرة أبيه.

- معركة (نصيبين) حوالي العام 100 قبل الميلاد في زمن الإمبراطور الروماني (تراجان): تكبَّد فيها الرومان خسائر فادحة في مسعاهم لتوسيع الإمبراطورية بعد أن نجحوا قبلها في ضم أغلب ممتلكات الفرس، وكان زمن استطالة للرومان على الفرس.

- المعركة الكبرى والاستيلاء على (أنطاكية) أواسط القرن الثالث الميلادي زمن (سابور) الجند الفارسي: أعطى قادة الرومان الجزية بصغار لـ (سابور).

- محاصرة القسطنطينية من قبل (كسرى الثاني) والاستيلاء على آسيا الوسطى: لم يحصل مثل هذا النصر لفارسي من قبل ولا من بعد، وفي المعركة التي جرت بـ (أذرعات) وفقاً لجمهور المفسرين نزلت الآيات: }الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ { (الروم: 1-2) سنة 614 م.

- انتصار (هرقل) على (كسرى): وهو ما بشرت به الآيات } وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ { (الروم: 3-4)، وحدث في يوم بدر، أو يوم بيعة الرضوان، أو يوم الحديبية، مثلما ذكر (الإمام القرطبي) في تفسير الآية.

وهو ما يشي بالحالة الأرِقة الدائمة في السجال الحربي بين الإمبراطوريتين العظميين على مر القرون السالفة للإسلام.
والآن تسعى دولة الفرس من جديد للصعود بأدوات تؤهلها لأن تعود إلى الواجهة من جديد، لتغييرها للمعادلة النووية في العالم، واستخدام لغة دبلوماسية بارعة، ومراكمة أوراق لعبتها مع الروم بذكاء مَرَدَ عليه حكماء فارس على مر القرون، ولئن ضيَّقت الولايات المتحدة الأمريكية عليها الخناق في زمن بسطت فيه قوتها العسكرية والاقتصادية الضخمة على العالم، لقد وجدت دولة الفرس ما يعوضها عن هذا الجفاف مع الدولة العظمى، فمدت علاقاتها المتينة مع أوروبا و آسيا، فإيران الآن تشتري الآلات من ألمانيا، والحاسبات والأجهزة العلمية من فرنسا، والمصانع العسكرية من روسيا و الصين وما يرافقها من تجهيزات لا عسكرية، ألم يك لافتاً أن تعارض روسيا والصين بشدة قراراً أممياً ضد إيران؟

وأن يعتبر رئيس الوزراء الفرنسي (دومينيك دو فيلبان) أن العمل العسكري « ليس الحل » موضحاً: « لقد اختبرنا سابقاً سيناريو مماثلاً لا يؤدي إلى نتيجة كما حصل في العراق ». (الوكالات 5/5/2006م)، وأن يُشِير الرئيس الأمريكي فور إعلان نظيره الإيراني عن دخول إيران النادي النووي إلى التباحث مع الشركاء في أوروبا خاصة وألمانيا تحديداً؟ ففي الحقيقة إيران تدير معركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية نيابة عن روسيا والصين، وهذه الأخيرة تتساوق سياستها الحالية مع تاريخها الذي كانت فيه ضنينة بالحروب، وتسعى لاستخدام أدوات أخرى للاحتفاظ بقوتها العسكرية لوقت الضرورة، كلا الدولتين لهما مصالح عسكرية واقتصادية جَمَّة لا تقفان عند حد الصفقات التسليحية الهائلة ولا الاستثمار والإمداد النفطي؛ وإنما تتعدى ذلك إلى نشاطات اقتصادية وسياسية أخرى (نسأل عرضاً: لماذا وجدت فارس اليوم ضالتها في دول غير كتابية؟!)، أما فرنسا التي أدار مرشد الثورة السابق (الخوميني) معركته مع ( الشاه) انطلاقاً منها، فهي تحتفظ بعلاقات نفطية متميزة تخترق بها شركة ( توتال) الفرنسية جدران الحظر الأمريكية وهمهمات حقوق الإنسان الأوروبية، وأما ألمانيا فإمدادها لإيران بالمعدات الثقيلة لم يبرئ ساحتها من التورط في تزويد إيران بمعدات الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم.
إذن الفرس تعود بحبال من الناس متينة، وحين نتحدث هنا عن الفرس فليس بدافع رغبة في *** تسمية أضحت غوراً في أغماق التاريخ؛ بل لأن هذه التسمية حاضرة فعلاً في لغة السياسة الإيرانية ذاتها، وإلا فلماذا رهنت إيران مشاركتها الرياضية في دورة الألعاب بـ (قطر) هذا العام بعدول الدولة المنظمة عن تسمية الخليج العربي بـ « الفارسي »؟ ولماذا احتجت لدى مجلة (انترناشيونال جيوجرافيك) العالمية لتدفعها إلى تسمية الخليج بالفارسي بدلاً من العربي أو حتى الإسلامي برغم كون جميع حواضره من العرب بدءاً من الأهواز إلى الإمارات؟
ولماذا تكاد تخلو قيادة إيران من غير الفرس فيما عدا (خاتمي) وقلة أخرى برغم كونهم لا يتجاوزون (52%) من الإيرانيين؟

الحالة الدولية تتبدل ملامحها هذه الأيام، وفي غياب الفضائيات وأدوات التخاطب والمعلوماتية عبر الإنترنت وأجهزة الاتصالات الحديثة، كان المسلمون والعرب معنيّين بتشكل خريطة الصراع في محيطهم وأبعد من محيطهم، الأدوات كانت بدائية والنفوس كانت طموحة أبيّة، ثمة إدراك لدائرة الدول ومدى تأثيرها على موازين الصراع، } وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ { (الروم: 4-5)، ليس فرح المتفرجين الصائحين كما في ملاعب الكرة، بل فرح نصرٍ يرومونه من خلال مشاركة في صناعة الأحداث، يبدأ من هنا، من قلب مكة، من مركز الأرض إلى « أدنى الأرض »؛ إذ الأحداث لا يصنعها النائمون، وحيث لا غرو أن يكون المسلمون في مهد دعوتهم خارج المعادلة الدولية حينئذ؛ فإن انكسار النفوس لابدّ وأن يلازم قوماً تسيَّدوا، وأذابوا ملح الإمبراطورتين العظميين في بحار حضارتهم، ثم نكسوا على رؤوسهم، وقد غار الماء وعاد الملح.

وصارت المعادلة الدولية تخلو إلا من الروم وفارس، وحتى كرَّة مرجُوَّة سيظل الحاضر بدوننا، وسنظل بانتظار مخبوء القدر، } لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ { (الروم: 4-7).

--------------------------------------

عبدالناصر محمود
04-14-2015, 07:38 AM
المحافظون والإصلاحيون في إيران ... من يحل عمامة الفقيه ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ


(أمير سعيد)
_______

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg

مرت حادثة تفجير قنبلة بواسطة (انتحاري) أو مؤقتة في مرقد مرشد الثورة الإيرانية الأول الخميني بفتور، ولم تسترعِ انتباه أحد، وكأنها تخص قبر مجهول في جبل كردي، ولم تُثِر كثيراً حفيظة الشعب الإيراني، ولا الإعلام الثوري، ولا الجهات الأمنية المعنية؛ فلم نسمع شيئاً عمَّن يقف وراء الإرهابي الانتحاري الذي لم تُكشف هويته حتى الآن!

ولم تنتش أقلام الناطقين باسم الحوزة القُمِّيَّة من صحفيي إيران وآلتها الإعلامية الفارسية والإنجليزية والعربية، ولا كتَّاب التومان [1] العرب بترديد حديث (النواصب، التكفيريين، الوهابيين...) الذين تم اتهامهم فوراً بالمسؤوليةعن تفجير مرقَدَي (علي الهادي و الحسن العسكري) في سامراء قبل ثلاثة أعوام، وهي الحادثة التي حولت وجه الأحداث في العراق، واستفزت ميليشيات إيران في العراق لتخريب 100 مسجد سُنِّي خلال 24 ساعة فقط من التفجير، وفقاً لبيان للحزب الإسلامي حينها، وفُرِض تعتيم هائل على المجازر بحق العراقيين السُّنة، والتي بدأت بذبح الصحفية (أطوار بهجت) التي حصلت على معلومات تقود إلى مرتكبي التفجير الذي لم يكن في النهاية إلا شرارة مؤقتة؛ لتفجير العنف ضد السُّنة، وصافرة البداية؛ لتفريغ بغداد من السُّنة أو كسر شوكتهم فيها على الأقل.

هل هان الخميني على أتباعه لهذه الدرجة؟ (للحد الذي يستنكفون عن النياحة واللطم على مرقده) وهو الغائب الحاضر على لسانَي (نجاد وموسوي) في صراعهما المحترم على الرئاسة الإيرانية، أم أنهم مشغولون أكثر بالتركة عنه؟ وهل كان الفاعل واحداً في سامراء و طهران، وأراد هذه المرة هدفاً لم ينجح في تحقيقه فسارع إلى تبريد الملف فوراً، لكي لا يُفسح المجال للقيل والقال؟ وهل يطيب لأهل طهران تفجير مراقدهم بأيديهم، تحمَرُّ أنوفهم إذا قيل إن من فَجَّرها سُنِّيون؟!

قد يكون من الواجب الإجابة عن تلك الأسئلة بشكل مستقل، إلَّا أنه ليس هذا هو مناط المقصود، فالشاهد أن الخميني الذي أقيمت له احتفالية كبيرة في ذكرى وفاته قُبَيل الانتخابات بقليل، لم يُستفَز أحدٌ للتنديد بمحاولة تفجير مرقده أو التشويش بها على الأحداث! وغالب الظن أن تلك العملية لم تكن إلا إحدى حلقات الصراع الداخلي بين أركان الحكم في طهران و قُم، وتمَّت على أيدي تابعي إحدى الأجهزة الأمنية الإيرانية ذاتها، وقد تكون هي أيضاً مَنْ فَجَّرت مرقَدَي (الإمامين الإثني عشريين) في سامراء بعد عام واحد من تصعيد محافظ بلدية طهران ( محمود أحمدي نجاد) إلى سُدَّة الرئاسة الإيرانية (يونيو 2005م) عَبْر عملية انتخابية رئاسية تم فيها تخفيض عدد الأصوات التي حصل عليها المرشح هاشمي رفسنجاني من 17 مليوناً إلى 10 ملايين لتترجَّح كفَّة مرشح المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي) محمود أحمدي نجاد، وهو في ذلك الوقت - أيضاً - مرشح المرجع الشيعي (مصباح يزدي) المصنَّف أحد رؤوس المحافظين في إيران.

كان المطلوب حينها أن يباشر الرئيس الجديد (نجاد) دوراً في الداخل والمحيط الإقليمي تحت مظلَّة من (البروباجندا) الإعلامية الرامية إلى تصدير الأزمة الداخلية للخارج، واستيراد المبررات الثورية للداخل المحتَقِن، بموازاة ذلك رفع السقف (الثوري) المُصاحب للبرنامج النووي الإيراني ومحطاته المصيرية الأخيرة.
قام نجاد بالمطلوب جيداً في العراق، وأحدث ضجيجاً مطلوباً للمشروع النووي، وحاول تجييش الشعب الإيراني من جديد خلف لافتة التحدي الثوري للقوى الغربية، لكنه لم يفلح بالتأكيد في تسويق ذلك بالداخل، كما لم ينجح في إبعاد الخصوم السياسيين للمرشد الأعلى (خامنئي).
مشكلة نجاد الحقيقية فيما تَبَدَّى أنه جاء في لحظة متأخرة كثيراً؛ لترميم بناء بدأ يتشقق من كل مكان، فأرهقه الترميم بدلاً من أن يساعده على القيام.

غير أن مشكلة خامنئي أعمق منه؛ فالرجل يحاذر من تيارين متصارعين يقف بينهما ثالث شديد البراجماتية يقوده الداهية (هاشمي رفسنجاني) الذي أزاحه المرشد في انتخابات 2005 فلم يغفرها له، ويقود الأول (مصباح يزدي) المتشدد، وهو الأب الروحي لنجاد، و (الإصلاحي) محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق وفاقه الآن شعبية زعيم المعارضة القوي (مير موسوي).

عندما سمح خامنئي لمير موسوي بالترشح للرئاسة - وقد كان بوسعه منعه ابتداءً لو كان الأمر لم يزل بيده عملياً، وهو لم يعد كذلك بعد أن فَقَد بعض أوراق دستورية مهمة لم يعد بمقدوره استخدامها وقت الحاجة - كان المرشد يدرك أنه يناوش به القوى التي تريد وراثته حياً من المحافظين، أو الحد من مكانته كلية من ( الإصلاحيين) والبراجماتيين، وكان يعلم أنه لا يمكنه أن يُخْرِج التيارين الأخيرين من الحَلَبة من دون أن يدفع فاتورة باهظة جداً قد تُكلِّفه منصبه.
لكنَّ نجاد لم يُلْجم المناوئين للمرشد، ولم يتمكن من تمرير سيناريو (التعيين الانتخابي) له دون خسائر؛ فقد فتح الإعلان عن فوز نجاد في انتخابات يونيو 2009 أبواب النار على المرشد؛ إذ لم تكن التربة الإيرانية مهيأة لاستنبات الوهم من جديد، والأسباب كثيرة في تغيُّر تلك التربة، ليس للأحسن بالضرورة، وإنما لِما يُعاكس طموحات الملتصقين بمرقد (الإمام) أيّاً كان.

والإمام الخميني قال يوماً: (أنا أزعم وبكل جراءة أن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية في العصر الراهن أفضل من أهل الحجاز في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضل من أهل الكوفة) [2]، لكن هذه الملايين لم تعد الآن أفضل من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - حاشا صحابة رسول الله عمَّا يقول الخميني - بل قائمين بـ (بدعة غير مشروعة) على حد قول خامنئي واصفاً مظاهرات طهران المناوئة له، وهم - في ذلك - مندفعون بأفكار مختلفة تماماً عن تلك التي استطاع الداهية الخميني تجييشهم بها قبل ثلاثين عاماً.
الأمر في الواقع مختلف، والبيئة الحاضنة للجماهير اليوم تُغَاير تلك قبل عقود ثلاثة، والتغيُّر السريع في بِنْيَة المجتمع الإيراني واشية بأن الأمر أكثر مما يفوق طاقة (المحافظين) و (الإصلاحيين) معاً.
البيئة الجديدة:

في مجتمع نصف المليون مُعمَّماً، وعاصمة نصف المليون بَغِيّاً، يصعب ألا يصطدم الباحثون بِكمٍّ هائل من التناقضات الحاكمة لمزاج هذا المجتمع الذي يزيد تعداده عن 70 مليون نسمة، والتي رَشَح بشأنها أرقام لا تلبي شهية الدارسين، لكنها تعطي انطباعاً عن هذه البيئة الحاضنة للثورة الدينية ونقيضها في آن واحد.
وفي بلد يُجرِّم ويدعو ملاليه إلى البعد عن المخدرات، يصبح تقرير المخدرات العالمي الصادر من الأمم المتحدة في عام 2005، عن مدمني الأفيون في العالم، والذي يشير إلى أنه يوجد في إيران أعلى نسبة من المدمنين في العالم برقم يقارب 3 % من تعداد السكان، يصبح مثيراً لحفيظة المبشِّرين بالثورة الإيرانية خارج حدودها.

الأخطر أن الإيرانيين ذاتهم اعترفوا على لسان رئيس الشؤون الثقافية السابق لبلدية طهران محمد علي زام قبل تسعة أعوام بأن مجتمعهم القائم تحت ظل حكم ولاية الفقيه لا يصلي ثمانون بالمائة منه! بحسب زام ولا يركعون لله في بلاد تريد أن تصدِّر ثورتها الإسلامية للعالم الإسلامي [3]، علاوة على أرقام أخرى ساقها في مؤتمره الصحفي الجريء، حين تحدث عن (تجاوز نسبة الإباحية الجنسية الستين بالمائة، وتزايد نسبة الزنا خلال السنتين الأخيرتين فقط بنسبة 635%، وانخفاض معدَّل عُمْر الزناة من 27 سنة إلى 20 سنة).

الأرقام الرسمية تتحدث عن أن ثلث الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر، ومعدلات بطالة رهيبة تلامس النسبة ذاتها، وتدفع نحو‏180‏ ألف جامعي إيراني للهجرة كل عام إلى أوروبا، و أمريكا الشمالية، و أستراليا، و نيوزيلندا من الدولة النفطية التي تملك الاحتياطي النفطي الثاني في العالم (132 مليار برميل) وذلك بحسب أرقام إيرانية رسمية.

بينما يغادرها ذَوُو العقول لدرجة أن الأطباء الإيرانيين في كندا أصبحوا أكثر من الأطباء الإيرانيين في إيران ذاتها‏! والأهم أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً صاروا يمثلون أكثر من 70% من تعداد السكان، وهم لم يشهدوا الثورة الخمينية، ولا عاصروا الحرب مع العراق إلا صغاراً، وحتى أولئك الذين عاصروها لم تعد العراق تُمثِّل لهم الآن عدواً تنبني عليه عقيدة قتالية وثورية، وحتى ( الشيطان الأكبر) الولايات المتحدة لم يعد أحد من هؤلاء يُصدِّق أن الملالي الذين يكتسبون شرعية بعدائها، ومنهم بيدقهم (أحمدي نجاد) أنهم في حالة عداء حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وإن كانوا في حالة عداء حقيقية، فما الثمن الذي يتوجب على الشباب العاطل دفعه لهذا العداء الملتبِس، وما الدافع له في ظل تعاون إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق؟ الشباب الإيراني الذي يهوله منظر النساء الإيرانيات في الخارج سواء في دبي أو أوروبا أو حتى في الصين التي أضحى الزائرون لها يتحدثون عن منافسة الإيرانيات للصينيات في (الممارسات غير الأخلاقية)، يعجب لحرص الملالي على تصدير الثورة إلى أقصى بلاد إفريقيا و آسيا.
لماذا يدفع الفقراء في إيران ثمن الحرب في لبنان؟ وكثير من هذه الأسئلة التي تتزاحم لدى الواقعيين من الشباب الإيراني.

إن كثيرين من أنصار إيران في لبنان كتموا غيظهم في أعقاب حرب لبنان 2006، وهم يتساءلون: لماذا ندفع ثمن البرنامج النووي الإيراني من حياتنا واستقرارنا، مع أنه لم يسقط زجاج بيت واحد في طهران مقابل ذلك؟ فإن كان الثمن قد جاء على الفور إنقاذياً عبر (المال النظيف)؛ فإن الجانب الآخر هو أيضاً بدأ يتململ قائلاً: ولماذا ندفع نحن ثمن مقامرة (حسن نصر الله)؟

ثمَّة حراك حقيقي يدور لدى النخبة الإيرانية والشباب الذي لم تعد هتافات الثورة في ظل العولمة تطربه، لا سيما أن الأرقام التي تتحدث عن ترك الصلاة وغيرها لا تُشَجِّع كثيراً على تعويل أصحاب العمائم على هؤلاء للمحافظة على مكتسبات الثورة، في مقابل أن هؤلاء الشباب - وهم الغالبية من الشعب الإيراني - لا يجدون أنفسهم متحمِّسين لدفع فاتورة العداء الظاهري للغرب، وتصدير الثورة ودفع أموال حول العالم في جُهْدٍ تنوء به خزائن الإمبراطوريات الضخمة دون طائل مادي مرتجى للمجتمع الإيراني.

تحت لافتة الدفاع عن البلاد والإسلام والمذهب تم تجييش الشباب في الحقبة الأولى للثورة ومنهم نجاد ضد العراق، وتحت اللافتة نفسها تدفقت الميليشيات لا سيما جيش القدس والحرس الثوري للمساهمة في احتلال العراق إلى جانب الأمريكيين، وتوقع الإيرانيون أن تَحُلَّ عليهم (بركة) النفط العراقي المسلوب عبر عصابات التهريب، لكن هذه (البركة) لم ينلها كالعادة إلا أصحاب العمائم، الذين تضخمت ثرواتهم لحدِّ بعيد، حتى في ظل حكم الرئيس (الزاهد) نجاد، وهو الذي جاء مبشِّراً في الفترة الأولى بالقضاء على الفساد في مؤسسات الحكم، والشيء ذاته يقال عن فائض الميزانية قبل الأزمة الاقتصادية العالمية الإيرانية من ارتفاع أسعار النفط، والتي حصلت إبان حكم نجاد (الزاهد)، لكن شيئاً من ذلك لم ينعكس على أصحاب أكشاك الصفيح حول المدن الكبرى، ولم يغيِّر شيئاً من أرقام البطالة وتأخُّرِ سِنِّ الزواج والفساد والمخدرات.

إن شيئاً من ذلك لا يشجع الناخبين على التصويت لأصحاب العمائم، وإذا كان النظام لا يسمح إلا بالتصويت لمن يَمُر من فلاتر الملالي الضيقة فقط؛ فليكن التصويت لمن هم أقرب لطموح الشباب والفقراء والأقليات المضطهدة والمهمَّشة، حتى لو كانوا من أمثال رئيس وزراء حكومة الخميني السابقة مير حسين موسوي الذين لم يزالوا يبكون المؤسس وأيام حكمه.

الخريطة السياسية والتصدع المتوالي:
--------------------

قبل سبع سنوات كانت جموع الطلبة تهتف (ليُشْنق المرشد، ليمت خامنئي) وكتبت حينها كغيري أن (الحمم لم تزل في جوف البركان) وأن (المنتظَر ألا تكون مظاهرات الطلاب القادمة مجرد حركة احتجاجية عارضة؛ لأن وقود الثورة متوافر لها وبكثرة)، لكن ما كان في الماضي حبيس التكهنات، صار اليوم حقيقة؛ إذ كسرت تلك الاضطرابات كل البرامج الإيرانية الثورية، وجعلت رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام (رئيس مجلس الخبراء) يكرر تصريحاته المثيرة للجدل بأن (المهدي خرافة)، ونتيجةً لذلك فإن (الولي الفقيه) بدوره خرافة أخرى، وبناءً عليه؛ فإن إعلان رفسنجاني الولاء المطلق هو إعلان عن ولاء يخص المنافع الدنيوية من وراء هذا النظام القائم على التوازنات التي بلغت حدود التناقضات في الأزمة الأخيرة.

ما حقيقة جناحي المحافظين والإصلاحيين؟
-----------------------

في الواقع إن ما يحدث في إيران يخرج كثيراً عن رغبة فريقين في الحكم يُسمَّيان: (المحافظين والإصلاحيين)؛ فكلاهما في النهاية جزء من النظام وإن اختلفت الاتجاهات؛ فمنتهى طموح الشباب في الشارع الإيراني يتجاوز بكثير وعود الإصلاحيين (واستُخدم المصطلحان لاشتهارهما، وإلا فليس هؤلاء محافظين بالمعنى الإيجابي، ولا أولئك إصلاحيون بالمعنى الشرعي)، لكن من الغبن أن ننكر التغيُّر في المزاج السياسي المفضي إلى تغيُّر تابع في أفكار ورؤى الإصلاحيين.
والإصلاح لدى الساسة في إيران معناه تقييد ولاية الفقيه، وتعزيز العمل المؤسسي، ومنح قَدْرٍ من الحريات للأقليات والأعراق في إيران، ومزيد من ( الحرية) للمرأة بمفهومها الغربي.
وقد كانت فترة حكم خاتمي اختباراً لرغبة الإصلاحيين في تغيير وجه إيران وتعاملها مع الخارج، وقد أدت سياسة خاتمي إلى تطبيع علاقات الجمهورية مع معظم دول الاتحاد الأوروبي، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الكويت في العام 1999م، وفي تعزيز العلاقات مع السعودية وتوقيع اتفاقية أمنية معها، وتحسين العلاقات مع بقية دول الجوار، وإطلاق (حوار الحضارات)، وشَهدَتْ أيام حكمه قيام ثلثي أعضاء البرلمان الإيراني بإرسال خطاب إلى المرشد الأعلى ( علي خامنئي) أيدوا فيه فصل الدين عن الدولة، كما وقَّع نحو ‏250‏ مثقفاً إيرانياً على خطاب آخر يدعون فيه إلى إقامة نظام ديمقراطي على غرار النُّظُم الديمقراطية الغربية يسمح بمساءلة المسؤولين باعتبارهم أشخاصاً عاديين وليسوا فوق القانون‏.
لكن مساعي الرئيس السابق محمد خاتمي اصطدمت بصخرة المرشد عندما حاولت تقييد سلطاته، وهو ما أدى في النهاية إلى انزواء التيار الإصلاحي بعدما أطلق المحافظون حملتهم لإخراج الإصلاحيين من الحكم، ونجحوا بعد منع 1250 مرشحاً إصلاحياً من الترشح للبرلمان، وهو ما أدى في النهاية إلى مجيء نجاد في عام 2005م؛ لإعادة الهيبة إلى المرشد الأعلى، ولتقليم أظافر الإصلاحيين ولجم طموحاتهم، مع أن هذه الهيبة لم تعد في الواقع بعدما تنازع المحافظون والإصلاحيون والبرجماتيون للإفادة منها.
لم يتمكن علي خامنئي من إزاحة الإصلاحيين بقسوة هذه المرة في الانتخابات الرئاسية؛ لأن المِرْجَل الشعبي لا بد من فتح بعض صِمَاماته الشعبية من خلال بعض القوى الإصلاحية التي تنتمي روحياً إلى النظام، وتُعدُّ واحدة من إفرازاته.
ولم يتمكن من فرض نجاد مباشرة؛ حيث يقف رفسنجاني الرجل القوي في موقع معاكس له تماماً، ويأخذ رفسنجاني على عاتقه الثأر من هذا التلميذ النجيب لخامنئي الخادم له وفق ما تقتضيه المصلحة الدينية الافتراضية.

داهية عهد ما بعد الخميني!
------------------

رفسنجاني (تاجر الفستق، البرجوازي البرجماتي، داهية عَهْدِ ما بعد الخميني) لم يَعُد في وفاق منذ فترة مع المرشد الأعلى، وهو مستعد للذهاب بأي اتجاه حفاظاً على مصالحه وأسرته الثرية التي تتوسع استثماراتها في مزارع الفستق وتجني أرباحاً (ثورية) كبيرة تذهب بعضها إلى بنوك أوروبا، وهو القادر على اتخاذ سياسة ونقيضها متى كانت المصلحة في ذلك!!
بـ (كذبة بيضاء) وَضَعَ خامنئي في سُدَّة الولاية العظمى، بعدما قال لكبار المرجعيات: إن الخميني قد « أسَرَّ إليه بما يفيد بأن خامنئي هو خليفته » قبل وفاته برغم أن خامنئي لم يكن الأجدر علمياً بتولي المنصب ودونه منتظري وغيره، وبخفَّة سياسية لعب دوراً محورياً في ترجيح كفَّة خاتمي على نوري في انتخابات 1996 بعدما كان المرشد يدعم الأخير.

وردها له المرشد في انتخابات 2005م عندما زوَّر الانتخابات لمصلحة أحمدي نجاد، مثلما أفاد بذلك (راي تاكيه) في كتابه القيِّم (إيران الخفية) [4]، مطيحاً بسبعة ملايين صوت من رصيد رفسنجاني لحساب نجاد: قال خامنئي في الانتخابات الأخيرة: « ليس من المعقول أن يكون التزوير في 11 مليون صوت »، ثم عاد رفسنجاني ودعم موسوي الإصلاحي ليحشر خامنئي في زاوية الخضوع، وليبدأ مرحلة كسر عظام عتيدة، قد تظل لحين ملتحفة بعباءة الوحدة والوفاق بينما تضمر احتقاناً مرشحاً للانفجار في أي لحظة.
أسدى خامنئي لنجاد - الذي لن يعدو قدره في الحقيقة كتكنوقراطي غير معمَّم لا مطامع له في حكم إيران - من كرسي الولي الفقيه خدمةً عندما وضعه على سدة الرئاسة تحت لافتة محاربة الفساد، لكن نجاد جاء به (الفساد)، وشهد عهده تسخيناً غير مقبول داخلياً مع دول العالم المختلفة، في مقابل إخفاق كبير في التنمية ولجم الفساد الذي مسَّ وزراء نجاد أنفسهم وحاصرهم في أكثر من ملف لا سيما الأخلاقي كوزير الداخلية الإيراني ومسؤولي بلديتين أخريين.

هِياج نجاد الذي أُريد له أن يعزز من سلطة الولي الفقيه [5]، أوهنها، وفتح شهية كبيرة للإصلاحيين للجم المرشد، وكان من قَبلُ قد اضطر إلى الإفراج عن أكبر المراجع الدينية أهمية في إيران (حسين علي منتظري) الذي هو في الحقيقة أحق بالمنصب المهيمن في النظام السياسي الإيراني، كما فتح شهية مصباح يزدي - الزعيم الروحي لنجاد - للشراكة بالحكم عبر مجلس شورى للولي الفقيه برغم تدني شعبية يزدي مؤخراً، تَأثُّراً بأداء نجاد السياسي داخلياً، وخارجياً، وتأثُّراً بمواقفه وفتاواه المتشددة التي أوجبت قتل أدباء وصحفيين.
ثم مؤخراً نسبت إليه صحيفة (الكوياريه ديلاسيرا) الإيطالية (2009/6/ 13) عَبْرَ مصادر أمريكية لم تسمِّها فتوى بإباحة دم المرشَّحَين الرئاسِيَّيْن موسوي وكروبي!

مواقف نجاد، ومحازبيه أضعفت وضع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وعززت من حظوظ الإصلاحيين في الشارع الإيراني، لكن من يا تُرى هؤلاء الإصلاحيون؟ إن أبرزهم في الحقيقة هو موسوي أحد أبواق الثورة الأشداء خلال ترؤسه صحيفة متشددة (جمهوري إسلامي) إبان حكم الخميني؛ حيث دافع عن الثورة بمقالات قوية حينها، ورئيس وزراء إيران في أحلك أيام الثورة الدموية.
أما أبرز داعميه بعد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي؛ فهو رفسنجاني الذي رفض إيقاف الحرب العراقية الإيرانية، والمتهم بإدارة أموال الخمس لمصالحه وأولاده، والإفادة من الثورة لتحقيق ثروة، على حين كان نجاد ورفاقه يلعقون الدم على حدود العراق.

إن ما يمكن للمرء الخلوص إليه من قراءة المشهد السياسي في إيران، أن ثمة جناحين أو أكثر يحكمان النظام الإيراني، غير أن روافدهما الشعبية تختلف جذرياً عن مطامع الساسة الذين يديرون معارك النفوذ بطريقة عصيَّة على فهم البسطاء، وكلها بالتأكيد تحت ذرائع الحفاظ على الثورة، سواءٌ عبر تعزيز سلطتها أو تطوير وإصلاح أدائها، وفي النهاية يبقى الهمُّ الشعبي بعيداً نوعاً ما عمَّا يضمره الساسة ( معتدلوهم ومتشددوهم).
أما فيما يخص الشعوب الإسلامية خارج إيران؛ فأمور أخرى تخالف أحلام تجار الفستق والنفط والبازار الديني في قُمْ وطهران، وتتعلق بوضع الأقليات السُّنية والعربية في إيران بعد الأزمة، ومستقبل نشر التشييع حول العالم، والاختيار بين إمبراطورية علمانية في نهاية المطاف، أو إمبراطورية طائفية، وكلاهما تطمع فيما وراء الخليج العربي، ما بين الطاووس والعمامة، وكلاهما له رمزيته وتأثيره.
ستكون إيران - إصلاحية أو محافظة - دولة مؤثرة لها استراتيجيتها ومصالحها وتطلعاتها وأحلامها التي تصوغها بأي لغة تريد، لكنها ستكتب بها أجندتها على أي حال، وربما تقوى بـ (الإصلاح) أكثر من المحافظة على رتابة نظام الثورة الجاثم على صدور الإيرانيين، والتي تصرفت خلال السنوات الست الماضيات كإمبراطورية تتوسع أفقياً دون غطاء كثيف من الاقتصاد والعسكرية والسياسة؛ فخسرت كثيراً على الصعيد المعنوي، وانكشفت خارجياً كما انكشفت داخلياً، وباتت على مفترق خطير، واستحقاق مصيري.
بقي شخص لم يسقط سهواً من الحديث، هو الرئيس (الإصلاحي المعتدل) محمد خاتمي كأحد أكبر داعمي (الإصلاحي) موسوي، تذكَّروه جيداً، إنه الرجل الذي وقَّع مع الإدارة الأمريكية صك تدمير العراق...
اشتُهر كسرى أنوشروان بالحكمة والاعتدال وتحقيق العدل في مملكته، لكنه في سبيل تحقيق ذلك رفض العقيدة المزدكية وأعاد الزرادشتية للفرس، وأزهق ( في ضحوة واحدة - أرواح - مائة ألف زنديق - مزدكي - وصلبهم )[6]؛ فسمي لذلك أنوشروان أي الروح العالية!
تُرى هل كان أنوشروان إصلاحياً أم محافظاً؟
--------------------------------------------
(1) اسم العملة الإيرانية.
(2) كتاب الوصية السياسية الإلهية، ص 27.
(3) بي بي سي 7/7/2000م.
(4) ص 59.
(5) ولاية الفقيه نظرية اخترعها الخميني وأسس بواسطتها ثورته عام 1979م وعارضها كثير
من علماء وآيات إيران وغيرها من علماء الشيعة ومنهم آية الله منتظري وآية الله طبطبائي القمي والعلامة موسى الموسوي من إيران ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين فضل الله من لبنان، انظر: الحقيقة وولايه الفقيه ونقدها علمياً في كتاب (فقه ولاية الفقيه) لمحمد مال الله - البيان.
(6) ابن الأثير/الكامل ج 1 ص 336.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
04-16-2015, 07:15 AM
علماء الشيعة والنسب الهاشمي
ــــــــــــــ

(د. سلمان الظفيري)
ـــــــــــ

27 / 6 / 1436 هــ
16 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


كنت في جلسة مع بعض الأساتذة الشرعيين قبل سنوات فقلت: لماذا لا نحقق وندقق في قضية النسب الهاشمي التي كثرت كثرة فاحشة عند علماء الشيعة ولا سيما العجم منهم؟
وهذه القضية مهمة؛ لأن تفنيدها وكسر أضلاعها مما يساهم في تفتيت كثير من باطل الشيعة ولا سيما هذه التكأة أعني أهل البيت وتسترهم خلف هذا الاسم الشريف اللامع.
غير أن هؤلاء الإخوة منهم من سكت، ومنهم من قال الأمر فيه صعوبة؛ وذلك لأن النسب الهاشمي لا يعدو أن يكون نسباً يملكه صاحبه فقط فلا توجد سجلات عامة يمكن للباحث الاستفادة منها وتحقيق الدخيل في النسب.

وقفات مع هذا الادعاء:
----------

أولاً:العادة المعروفة عند علماء الشيعة أن من كان هاشمياً فإنه يلبس العمامة السوداء، ومن كان من غير بني هاشم فإنه يلبس العمامة البيضاء.
وهذه العادة سارية مثل القانون في جميع البلاد التي يكون فيها للشيعة علماء مثل إيران و العراق وغيرها من البلاد.
ولكننا نجد هؤلاء الهاشميين فيما زعموا ألقابهم منسوبة إلى مدن من مدن البلاد الأعجمية مثل الميلاني والأردبيلي والخميني والخوئي.
وهؤلاء أحدهم لا يعرف نسب أجداده وإلا لانتسب إليهم بدل أن ينتسب إلى أسماء المدن.
وهذه الحقيقة المرة يقف الباحث إزاءها ويتعجب من كثرة من ينتسب إلى النسب الهاشمي بهذه الكثرة العظيمة من علماء الشيعة؛ ثم بعد ذلك هم ينتسبون إلى مدينة من مدن إيران؛ مما يدل على عدم قناعة أحدهم بهذا النسب.

ثانياً:من شعارات الشيعة المعروفة: (التقية ديني ودين آبائي، ومن لا تقية له لا دين له)، فإذا عرف هذا لاح لنا أن الكذب في هذه القضية له نصيب كبير.

ثالثاً:مما يشكك بهذه الدعوى رغبة علماء الشيعة في اللغة الفارسية واهتمامهم العظيم بها حتى إن الخوئي كان بالنجف يدرس باللغة الفارسية، وبنو هاشم هم عرب ولغتهم اللغة العربية وسيدهم صلى الله عليه وسلم هو أفصح من نطق بالضاد؛ فكيف لا يدعوهم هذا إلى الاهتمام بلغة القرآن الكريم ولغة سيدهم ( سيد بني هاشم) والإنسان ميال إلى أصله؟!

رابعاً:من المضحكات في هذه الدعوى أن المدعو التيجاني التونسي مؤلف كتاب (ثم اهتديت) الذي زعم أنه كان تيجانياً صوفياًَ ثم صار شيعياً جلداً قال وهو يتكلم عن مذهب الشيعة وعن ترجيحه الفاشل له: « وأبي أخبرني بأننا أصولنا من العراق، وأن نسبنا ينتهي إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ».
أقول وبهذه السهولة بحث في ذكرياته القديمة ودفاتره العتيقة إن كان صدق فإذا به سيد هاشمي يستطيع أخذ الخمس، وتأوي إليه كل راغبة ببركة المتعة لعلو أرومته ونصاعة نسبه!!

خامساً:شكك الدكتور موسى الموسوي بنسب الخميني (النسب الهاشمي)؛ وذلك لأن أصله من الهند؛ فقد جاء جده من الهند واستقر في مدينة خومين وتديرها؛ فلماذا قطع الخميني صلته بأقاربه؛ والعهد ليس ببعيد؛ فلا يعرف له صلة بقومه وأقاربه؛ فعلامَ يدل هذا؟[1].
أقول: يدل هذا على سر سعي الخميني إلى إخفائه تلك الصلة، وأن وراء الأكمة ما وراءها.

سادساً:ذكر الأستاذ أحمد الكاتب أن الخوئي كان أبوه يلبس العمامة البيضاء فلما صعد الخوئي بدأ يلبس العمامة السوداء[2]!

وهذا معناه أنه زوَّر نسبه وادعى الهاشمية.

سابعاً:ومما يزيد الشبهة قوة ما وقع من حوادث وقعت في النجف كشفت المغطى بستور غليظة؛ وقد سجلها بعض علماء الشيعة العائدين؛ إذ يقول: « توفي أحد السادة المدرسين في الحوزة النجفية، فغسلت جثمانه مبتغياً بذلك وجه الله، وساعدني في غسله بعض أولاده، فاكشتفت أثناء الغسل أن الفقيد الراحل غير مختون »[3].

والختان شائع عند المسلمين واليهود ولا يعمله النصارى، وهذا السيد الفقيد محسوب على بني هاشم؛ فهل بعد هذا التزوير في الدين والنسب تُصدَّق دعواهم؟! ويقول أيضاً: « وهناك بعض السادة في الحوزة لي عليهم ملاحظات تثير الشكوك حولهم والريب؛ وأنا والحمد لله دائب البحث والتحري للتأكد من حقيقتهم »[4].

أي حقيقة: حقيقة الدين، أم حقيقة النسب؟ لا شك أنه يريد حقيقة الدين: هل هم يهود، أم نصارى، أم مجوس؟ فهؤلاء أساتذة الحوزة من السادة (من بني هاشم) هذه حقيقتهم؛ فماذا تكون حقيقة السادة السياسيين؟-

اعترافات خطيرة:
-----------

في السنوات الأخيرة تاب ثلة من علماء الشيعة من أباطيلهم، واعترفوا بفساد العقيدة الشيعية، ومن هؤلاء الشيخ حسين الموسوي مؤلف كتاب: (لله ثم للتاريخ) حيث ذكر أحوالاً سافلة في تزوير النسب الهاشمي بأبخس الأثمان وأحط الأحوال.
ويحسن بي أن أنقل كلامه حول النسب الهاشمي وتزويره في النجف إذ يقول: « ويحسن بنا أن ننبه إلى أن الفقهاء والمراجع الدينية يزعمون أنهم من أهل البيت؛ فترى أحدهم يروي لك سلسلة نسبه إلى الكاظم (عليه السلام). اعلم أنه يستحيل أن يكون هذا الكم الهائل من فقهاء العراق وإيران و سوريا و لبنان ودول الخليج والهند و باكستان وغيرها من أهل البيت، ومن أحصى فقهاء العراق وجد أن من المحال أن يكون عددهم الذي لا يحصى من أهـل البيت؛ فكيف إذا ما أحصينا فقهاء البلاد الأخرى ومجتهديها؟ لا شك أن عددهم يبلغ أضعافاً مضاعفة؛ فهل يمكن أن يكون هؤلاء جميعاً من أهل البيت؟
وفوق ذلك فإن شجرة الأنساب تباع وتشترى في الحوزة؛ فمن أراد الحصول على شرف النسبة لأهل البيت فما عليه إلا أن يأتي بأخته أو امرأته إذا كانت جميلة إلى أحد السادة ليتمتع بها، أو أن يأتيه بمبلغ من المال وسيحصل بإحدى الطريقتين على شرف النسبة وهذا أمر معروف في الحوزة.
لذلك أقول لكم: لا يغرنكم ما يضعه بعض السادة والمؤلفين عندما يضع أحدهم شجرة نسبه في الصفحة الأولى من كتابه ليخدع البسطاء والمساكين كي يبعثوا له أخماس مكاسبهم »[5].
وبعد فإن نبينا صلى الله عليه وسلم نهانا عن الطعن في الأنساب، وأنها من الجاهلية وأخلاقها؛ غير أن الأمر هنا يتعلق بالدين والافتراء عليه، والتعلق بالنسب الهاشمي الشريف لتضليل العباد وتكفيرهم وهدم الإسلام والتفريق بين أبنائه؛ فكان على من علم أن ينصح ويحذر المسلمين، وعسى أن تكون هذه الكلمات طليعة لأقلام أخرى تساهم في إماطة اللثام عن وجه الحقيقة في هذه القضية الخطيرة.

------------------------------------------
(1) انظر: الخميني في الميزان، د موسى الموسوي، ص 148.
(2) وقد ذكر ذلك في المسجد المركزي في لندن لبعض إخواننا من طلبة العلم، والكاتب هذا في علماء الشيعة الذين يدعون إلى تصحيح المذهب ونبذ الخرافات، وقد نقض الإمامة الشيعية بأدلة
قوية، وله كتاب في ذلك اسمه: (تطور الفكر الشيعي).
(3) انظر: لله ثم للتاريخ، حسين الموسوي، ص 101، ط 4 دار الأمل القاهرة.
(4) المصدر السابق.
(5) لله ثم للتاريخ، مصدر سابق، ص 771 72.
--------------------------------

عبدالناصر محمود
04-16-2015, 07:21 AM
المرشد الإيراني علي خامنئي في مرَّبع تنظيم الحجتية
ــــــــــــــــــــــــــ

(صباح الموسوي الأحوازي)
ــــــــــــــ

27 / 6 / 1436 هــ
16 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


يعتقد كثيـر من الباحثين والمراقبين ممن تابعـوا الزيارة التي قام بها مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي لمدينة قم مركز الحوزة الدينية في إيران في تشرين الأول الماضي [2010 م] ، والتي عدَّتها السلطات الإيرانية حدثاً تاريخياً، يعتقدون أن الزيارة مُعَدٌّ لها من قِبَل فرقة الحجتية لإظهار حجـم هذه الفِرْقة ومدى نفوذها في الوسط الحوزوي والساحة الدينية الإيرانية عامة من جهة، وكذلك إظهار مدى العلاقة الوثيقة التي باتت تربط مرشد الثورة بهذه الفِرْقة وتبعيَّته لها من جهة أخرى.

وحول الصمت الذي لفَّ مسؤولي النظام في إيران إزاء ما قامت به (فرقة الحجتية) طوال السنوات التي أعقبت الثورة وخاصة فترة ما بعد الخميني، وما ابتدعته هذا الفرقة من خرافات مذهبية، وما قامت به من مؤامرات سياسية وعمليات إجرامية على أرض الواقع، يشرح عدد من الباحثين وجهات نظرهم قائلين: إن (فرقة الحجتية) اضطرت في بدايات الثورة وتحت ضغط الخميني إلى الإعلان عن حلِّ نفسها صورياً وعزل بعض عناصرها الذين كانوا أعضاء في الحكومة المؤقتة ولكن تبيَّن فيما بعد أن الحجتية لم تحل نفسها وتعزل عناصرها الذين كانوا أعضاء في الحكومة الموقتة (حكومة بازركان) من أمثال وزير التربية والتعليم (علي أكبر برورش) والوزراء الآخرين: (سيد حسن سجادي، وسيد حسن افتخار زاده سبزواري، بل عملت على إعادة تنظيم نفسها والتحول إلى صندوق مغلق وأنشأت لنفسها منظمات بأسماء مختلفة موازية للمنظمات الحكومية من بينها (مؤسسة الغدير) و (مؤسسة نشر أفكار آية الله الخميني) وجميعها في الواقع أفكار فِرقَة الحجتية لكنها اختارت هذه التسمية إبعاداً للأنظار عنها؛ فالمؤسسة الأُولَى يترأسها آية الله أبو القاسم خزعلي، والثانية يرأسها آية الله مصباح يزدي، كما أن رئيس مجلس ***** الدستور آية الله أحمد جنَّتي هو أيضاً من عناصر الحجتية وقد حوَّل المجلسَ المذكور إلى مؤسسة تابعة لهذه الفرقة.

لقد تأسست فرقة الحجتية على يد الشيخ محمود ذاكر زاده تولايي المعروف باسم ( الشيخ محمود الحلبي) الذي توفي عام1997م عن 80 عاماً، وكان إمام مسجد عزيز الله جنوب مدينة طهران وكان بمثابة القطب لدى مريديه قبل أن ينتقل إلى مدينة مشهد ويختفي عن الأنظار هناك لفترة ثم يعاود الظهور فجأة في طهران بعد انقلاب عام 1952م ضد حكومة مصدق معلناً عن تأسيس (الجمعية الخيرية الحجتية المهدوية). ويؤكد كثير من المتابعين لفرقة الحجتية أن تأسيسها جاء بموافقة مباشرة من الشاه محمد رضا بهلوي؛ لذا ركَّزت الحجتية (التي يتمحور فكرها حول شخصية الإمام الثاني عشر لدى الشيعة (المهدي المنتظر) ونَفْي أيِّ ظهور له في الماضي، والدعوة إلى انتظاره في المستقبل، وربط قيامه بانتشار الفوضى والفساد في الأرض)، لقد ركزت جلَّ اهتمامها آنذاك على جذب فئات معيَّنة من المجتمع دون الاهتمام بالعمل السياسي ضد نظام الشاه.

ويرى هؤلاء الباحثون أن تصريحات وخطـابات بعض المسؤولين الإيرانيين الكبار من بينهم الرئيس أحمدي نجاد ومدير مكتبه أسفنديار رحيم مشائي ورئيس مجلس ***** الدستور آية الله أحمد جنَّتي وبعض القيادة الدينية في حوزة قم من أمثال آية الله محمد تقي مصباح يزدي وآية الله خزعلي... وغيرهم حول موضوع المهدي المنتظر؛ إنما هي في الواقع تكرار لخطابات مؤسس الحجتية الشيخ محمود تولايي وبعض مساعديه؛ حيث قامت هذه الفرقة خلال السنوات الأخيرة بإعادة نشر خطب قادتها الأوائل في موقع تابع لها على شبكة الإنترنت ومن يستمع إلى تلك الخطب يجدها تتكرر اليوم على ألسنة كبار المسؤولين الحاليين في النظام الإيراني.

ويعتقد الباحثون أن الاغتيالات التي شهدتها إيران طوال العقود الثلاثة الماضية - والتي جرى أغلبها على طريقة عمليات المافيا - أن للجماعات المرتبطة بفرقة الحجتية دور كبير فيها؛ فقد عملت فرقة الحجتية على تشكيل مجاميع سرية مسلحة بأسماء وتوجهات سياسية مختلفة كان من بينها جماعة (الفرقان) بقيادة أكبر غودرزي الذي كان تلميذاً عند آية الله ميلاني؛ حيث شنت تلك الجماعة سلسلة اغتيالات استهدفت مسؤولين مدنيين وعسكريين ورجال دين كبار من قادة الثورة والنظام. و جرى تصفية الأب الروحي للجماعة (الشيخ ميلاني) داخل السجن من قَبَل الحجتية قبل أن تتمكن السلطات من إجراء التحقيق معه؛ خشية إفشائه سرَّ ارتباط جماعة الفرقان بالحجتية

كما يعتقد الباحثون أن الحجتية تمكَّنت من اختراق منظمة (مجاهدي خلق) المعارِضة التي شنت هي الأخرى حملةَ اغتيالات في الثمانينيات شملت قادةً ومسؤولين كبار في النظام، وهو ما أسهم في إزاحة كثير من الوجوه المخالفة لفرقة الحجتية وفسحت الميدان أمام رجال دين وعناصر تابعة لهذه الفرقة لتبوُّؤ مناصب عُليا في السلطة.
لقد قامت فرقة الحجتية خلال الثلاثين عاماً الماضية بإرسال كثيرٍ من عناصرها في بعثات دراسية خارج البلاد لنيل الشهادات العليا والعودة بهم إلى إيران لشغل مناصب وزارية ومناصب أخرى هامة في الدولة، ويُعَدُّ كلٌّ من **** وزارة الإرشاد الحالي وأمين عام مؤتمر نَفْي مذبحة الهلكوست (محمد علي رامين)، ووزير العلوم (كامران دانشجو) ومئات العناصر الأخرى من ضمن تلك المجموعات الطلابية التي شملتها البعثات الدراسية.

وعن علاقة المسؤولين الإيرانيين الكبار من ذوي الأصول اليهودية بالمؤسسات والمحافل السرية المرتبطة بفرقة الحجتية يقول المراقبون: إن ذلك ما ستكشفه الحوادث والهزات التاريخية التي سوف يشهدها نظام الجمهورية الإيرانية مستقبلاً.

ومن المسائل الهامة التي تؤكد عليها فرقة الحجتية هي إلزام أعضائها بتقديم فروض الطاعة والاحترام الكبير للمؤسسين الأوائل وللعناصر القديمة للفرقة والإذعان الكامل لأوامرهم دون أي مناقشة، ويُعَدُّ هذا الأمر من الواجبات المسلَّم بها، وللخروج عليها أو تجاوزها ثمن باهظ لمن يحدِّث نفسه بذلك. أما بشأن إدارة العلاقات التنظيمية الداخلية لفرقة الحجتية، فهي لا تجري على الطريقة الحزبية العصرية المعمول بها في الأحزاب الإيرانية؛ فحين يتبوأ العضو منصباً قيادياً في السلك العسكري أو الأمني أو القضائي أو أي منصب كبير آخر في السلطة، فعليه الالتزام بقرارات (الفرقة) قبل كل شيء. ويعتقد الباحثون أن هذا الالتزام هو الذي وفر الانسجام داخل (الحجتية) ومكَّنها من الهيمنة على بعض المراكز الحكومية والقضائية والأجهزة الأمنية والعسكرية، وقبل كل ذلك هيمنتها على مرشد الثورة آية الله علي خامنئي.
و تشير بعض الوثائق المتعلقة بلقاءات الخميني أوائل الثورة بالشخصيات والجمعيات الدينية والسياسية الإيرانية إلى أن لقاءً هاماً جرى في الأسبوع الأول من انتصار الثورة في إيران بين آية الله الخميني و آية الله خزعلي الرئيس الحالي لمؤسسة الغدير؛ حيث سلمه الأخير رسالة من زعيم فرقة الحجتية الشيخ محمود الحلبي جاء فيها أن لدى الحجتية ثلاثين ألف عنصر وأنه على استعداد لأن يضعهم في خدمة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن الخميني رفض العرض على الفور وقال: إن الثورة ليست بحاجة إلى هذه العناصر. وعندما دبَّت الخلافات بين مجلس ***** الدستور الذي تهيمن عليه فرقة الحجتية من خلال آية الله أحمد جنتي و آية الله أبو القاسم خزعلي وبين الحكومة التي كان يرأسها آنذاك السيد مير حسين موسوي حول تفسير القوانيين الحكومية، وجَّه الخميني رسالة قصيرة إلى مجلس ***** الدستور ضمَّنها جملة هامة جداً قال فيها: (احذروا هؤلاء الحجتية؛ فإنهم إن تمكنوا من التسلط فإنهم سوف يهدمون كل شيء).

لقد استطاعت الحجتية ومن خلال أسلوب عملها السري المماثل لأسلوب عمل منظمات المافيا أن تنظم صفوفها وتقوِّي نفوذها بصمت بعيداً عن الأضواء، واستطاعت أن تنظم وتربي رجال دين خاصين بها، وتضعهم تحت تصرُّف مرشد الثورة علي خامنئي ليقوم بتعيينهم في مناصب عليا في كثير من المؤسسات الهامة؛ من بينها الحرس الثوري ومليشيا قوات التعبئة الشعبية (الباسيج)، وتعيين كثير منهم أئمة جمعة وممثلين للمرشد في الأقاليم والمدن الإيرانية، كما استطاعت الحجتية أن تضم الأبناء الثلاثة (لخامنئي) تحت عباءتها وتجعلهم تابعين لها، وعملت أيضاً على كسب أعضاء داخل جميع المؤسسات والهيئات الحكومية وتربيتهم وتنظيمهم، وتمكَّنت كذلك من ضم عدد كبير من قادة الحرس الثوري ووضعهم تحت جناحها، ومَن رفض الانضمام منهم إليها أو رفض الانصياع إلى أوامرها قامت بتصفيته، وفعلت مثل ذلك مع سائر قادة الأجهزة الأمنية والجيش وقادة مليشيا (الباسيج)؛ لذا فإن قادة هذه الوحدات يتطابقون في تعبيراتهم، وديباجة تصريحاتهم، ومنطقهم، وتفكيرهم، حتى يخيل للسامع أنه يستمع إلى شريط مسجل مكرور.

إن أغلب الأقطاب الحقيقيين لفرقة الحجتية غير معروفين للعيان، والمعروفون منهم قليلون جداً؛ من أمثال آية الله مصباح يزدي (الأب الروحي للرئيس الإيراني أحمدي نجاد) الذي يتطلع إلى تبوُّؤ مركز هام جداً في النظام، وآية الله أبو القاسم خزعلي وآخرون. وبما يتعلق بأسلوب العمل (المافيوي) لهذا الصندوق المغلق (الحجتية)؛ فإنه أشد تنظيماً وسرية من عمل منظمة الماسونية؛ بحسب رأي هؤلاء المراقبين.
وعن ارتباط فرقة الحجتية بالدول الأجنبية والأيادي التي تقف وراء تكوينها جاء في بيان نشرته جهات إيرانية مجهولة مؤخراً بعنوان: (لا تتركوا فرقة الحجتية تغيب عن أنظاركم) جاء فيه: إن فرقة الحجتية أنشئت من قِبَل جهات بريطانية معيَّنة لإيجاد نفوذ لها في وسط الطائفة الشيعية والمجتمع الإيراني وأن الدكتور علي شريعتي (1933 - 1977م) كان السبَّاق إلى كشف حقيقة هذه الفرقة، وكان ذلك سبباً في معاداة جماعات من رجال الدين له. واتهم البيان الحجتية بالوقوف وراء الوفاة الغامضة لشريعتي قائلاً: إنه دُسَّ له نوع من الحبوب السامة وهو قيد السجن ثم أطق سراحه ليموت خارج السجن، وتوفي شريعتي في باريس عام 1977م بعد مغادرته السجن بفترة قصيرة، وتستخدم هذه الحبوب اليوم من قِبَل النظام الإيراني ضد معارضيه داخل السجون؛ حيث تؤدي إلى إصابة الضحية بأمراض مجهولة تؤدي إلى وفاته بعد فترة وجيزة جداً.

وأكد البيان على أن جماعة الفرقان التي اغتالت عدداً من قادة ومفكري الثورة من أمثال (آية الله مطهري وآية الله مفتح والجنرال قرني) كانت مرتبطة بفرقة الحجتية وأن الخميني حاول بعد انتصار الثورة تدمير هذه الفرقة (لتعارض مشروعها البريطاني مع مشروعه الأمريكي)، وكثيراً ما حذر الخميني قائلاً: (لا تتركوا الثورة تقع بيد هذه الفرقة) لكنه لم يوفَّق في تحقيق مراده.
ومن أجل حماية عناصرها والحفاظ على وجودها؛ فقد احتجبت فرقة الحجتية عن الواجهة مدة من الزمن قلَّت فيها ظاهرة قراءة دعاء (الندبة) الذي هو من أدبياتها، لكن الفرقة عادت إلى الواجهة من جديد منذ عشرة أعوام عادت من جديد وأخذت ظاهرة قراءة دعاء (الندبة) بالانتشار وأصبح هذا الدعاء يسوَّق في كل مكان؛ وفي ذلك دليل على عودة نفوذ الحجتية حتى داخل دوائر السلطة.
وحول الشعارات الإيرانية المعادية للغرب وإسرائيل، أشار البيان بقوله: (يجب أن لا تحملوا حرب الشعارات المعادية التي تشنها فرقة الحجتية ضد بريطانيا وأمريكا وإسرائيل على محمل الجد؛ فهي مجرد شعارات لتشتيت أفكار الرأي العام؛ فهل سألتم أنفسكم كيف يمكن تفسير زيارة وزير الخارجية البريطاني (جاك سترو) إلى طهران بعد حادثة 11سبتمبر2001م مباشرة؟ و إجراءه اللقاءات السرية بأعضاء الحجتية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور مهدي خزعل نجل أحد كبار قادة فرقة الحجتية (آية الله أبو القاسم خزعلي) هو مَن كشف قبل عامين الأصول اليهودية للرئيس الإيراني أحمد نجاد لكن السلطات الإيرانية اعتقلت الدكتور خزعلي وأودعته السجن. ويفسر المراقبون هذا الأمر بأنه نوع من الألاعيب السياسية التي تقوم بها فرقة الحجتية بهدف إرغام كثير من المسؤولين من ذوي الأصول اليهودية على الانتماء لها أو التعاون معها.

-----------------------------------------

عبدالناصر محمود
04-16-2015, 07:34 AM
الصراع في الساحة العراقية .. خفايا وأولويات
ـــــــــــــــــــــــ

(رائد الحامد)
ـــــــ

27 / 6 / 1436 هــ
16 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/photoGallary/mgzcaticon/irandang.jpg


لا يمكن بأي حال من الأحوال حصر الصراعات التي تجري في العراق بين مشروعين اثنين، بل هي صراعات متداخلة بين مشروعات عدة؛ قلة منها واضحة المعالم ويمكن تحديد ملامحها بسهولة، غير أن الصراع بين المشروع الصهيوني ممثَّلاً بالعدو الأمريكي والدول المتحالفة معه والشخصيات العراقية التي أدمنت العمالة واستمرأت الاستعانة بالأجنبي من جهة، والمشروع العربي الإسلامي ممثَّلاً بالمشروع الجهادي الذي تقوده المقاومة في العراق ومعها العرب و المسلمون الرافضون للوجود الأجنبي والنفوذ الإيراني الذي يمثل المشروع الصفوي من جهة أخرى؛ هذا الصراع هو الأكثر فهماً من العموم، وإن لم يكن هو الأهم.

المشروع العربي الإسلامي يصارع من أجل البقاء والحفاظ على دوره ووجوده، ووجود المؤمنين به وقيمهم ومبادئهم وتطلعاتهم لمستقبل واعد يضمن لأبناء الأمة العربية وعموم المسلمين وأجيالهم اللاحقة حياةً كريمة، في إطار نهضة حضارية علمية فكرية تؤمِّن لهم دوراً فاعلاً ومؤثراً في المحيطين الإقليمي والعالمي، ويستمر هذا المشروع في دفاعه عن وجوده أملاً في انقلاب جذري يتحول من خلاله إلى موقف هجومي قادر على نشر قيمه ومبادئه في أنحاء أخرى من العالم، على اعتبار أن المؤمنين به مكلَّفون بتبليغ رسالة ربانية للناس كافة؛ ارتضاها لهم ربهم أكمل دين وأتم نعمة.

وفي المقابل يسعى طرف الصراع الثاني، أي المشروع الصهيوني، للانقضاض على المشروع العربي الإسلامي ونهب موارده الطبيعية وثرواته، ومسخ قيمه ومبادئه بما يتلاءم مع سمات المشروع الصهيوني وما يمثله من إرادة طامعة؛ تحاول فرض رؤاها وتطلعاتها في إعادة رسم الجغرافية السياسية للمنطقة كما يريدها أرباب المشروع من المحافظين الجدد بأن تكون العراق نقطة انطلاق نحو الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ومن ثم أمركة العالم وعولمته على أسس مشروع القرن الأمريكي الجديد بمحدداته الزمنية لنصف القرن الحالي، على الأسس التي كرسها انهيار الاتحاد السوفييتي وطغيان سياسة القطب الواحد بما تعنيه من هيمنة عسكرية واقتصادية وسياسية، وفرض نمط العيش الأمريكي على العالم بدءاً من العراق، كما أسلفنا، بما تعنيه من إلغاء تام للكيانات الحالية (أي الدول)، وخلق حكومات اللا دول واستبدالها بشكل من أشكال الحكم الذي يعتمد على سلطة الشركات متعددة الجنسيات.

قراءة نتائج العدوان على العراق بعد خمس سنوات تشير إلى قدرة المقاومة في العراق على إيقاف عجلة تقدم المشروع الصهيوني وإرباكه من وجهة نظر بعض المحللين، أو تأجيله من وجهة نظر محللين آخرين. لكننا نرى بوادر هزيمته تلوح في الأفق على الرغم من محاولات الالتفاف على هذه الهزيمة عبر خطط فرض القانون وزيادة عدد قوات العدو، وأخيراً (تشكيل مجالس الصحوات)[1]. وتبقى مسؤولية هزيمة المشروع الصهيوني في العراق شأناً لا يعني المقاومة في العراق والشعب العراقي وحدهما، بل هي مسؤولية كل المؤمنين بالمشروع العربي الإسلامي. ويمكن أن تكون روسيا، و الصين، وشعوب أوروبا الرافضة للأمركة والعولمة والتجارة الحرة والهيمنة وغيرها معنيّةً هي الأخرى؛ فهذه الشعوب بعد ما مضى من أعوام أدركت جيداً أنها مستهدَفة هي الأخرى في مرحلة لاحقة تعقب نجاح مشروع احتلال العراق، وأن حفاظها على حريتها وسيادتها وخصوصيتها الثقافية ومصالحها الحيوية رهنٌ بنجاح مشروع المقاومة وهزيمة المشروع الآخر.
وفي دائرة أخرى من دوائر الصراع، هناك ما يشير إلى وجود صراع بين مشروعين آخرين يرتكزان على أسس فكرية: الفكر السلفي بوصفه محركاً لمشروع المقاومة في العراق، والتشيع الصفوي بوصفه جزءاً من المشروع الصهيوني وشريكاً له في إدارة الصراعات في المنطقة والتي تتخذ من العراق ساحة لتصفيتها وحسمها. فبعد أن انتفت الحاجة إلى استغلال الفكر السلفي في هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان لكونه أحد ضرورات الحرب الباردة ومتطلباتها، حيث توافقت الإرادتان وتقارب هدفهما؛ فإن أول من دشن الحرب على الفكر السلفي هم إدارة المشروع الصهيوني ذاته، وفق ما أعلن بالحرب على الإرهاب في أعقاب الحادي عشر من أيلول / سبتمبر. لا يمكن أن ينكِر وجود صراع فكري معلَن بين الفكر السلفي وهو يدافع عن وجوده وبين الفكر الصفوي، وأن كلاً منهما يريد استئصال الآخر من أرض العراق، وأنه يتخذ شكلاً من أشكال صراع الوجود الذي لن ينتهي إلا بنهاية أحد طرفيه؛ إلاَّ من أراد أن ينقل ماء البحر بعود ثقاب.
منذ الأيام الأولى لفوز قائمة الائتلاف في (انتخابات) الجمعية الوطنية في 30/1/2005م؛ كان العراقيون ينظرون إليها بمثابة اعتراف رسمي بالاحتلال الإيراني للعراق، حيث شكِّلت (الحكومة) الانتقالية بمهام محددة، أبرزها وأخطرها على مستقبل العراق كتابة الدستور الدائم ثم الاستفتاء عليه في 15/10/ 2005م، وإقراره أو تمريره بالاتفاق مع الحزب الإسلامي العراقي، لكونه ضمن المشتركين في البرلمان العراقي.

كان واضحاً أن زعماء قائمة الائتلاف يعيشون حينها في سباق مع الزمن لاستغلال كل دقيقة منه لتصفية حساباتها مع من ترى فيهما عدوين لها يشكل بقاؤهما تهديداً لوجودها ومستقبل مشروعها، أولهما: الفكر العربي، بمعنى التمسك بعروبة العراق وحمايته من (التفريس)، وتجريم أي اعتقاد أو إيمان بأي فكر ما خلا الفكر الصفوي الشعوبي الذي يراد له أن يسود قبل حلول العام 2020م حسب الخطة الخمسينية التي أعدها منظِّرو الثورة الإيرانية. وقد يكون قانون اجتثاث البعث فكراً وليس أفراداً بعثيين هو الخطوة العملية التالية بعد تمرير الدستور. أما العدو الثاني: فهو الفكر السلفي بما يصفونه - بزعمهم - بالوهابي والتكفيري والإجرامي وغيرها من الصفات التي يوصف بها لتسويغ القضاء عليه وعلى المؤمنين به وإبادتهم، أي العرب من أهل السنة تحديداً. وفي الوقت الذي يطلق أقطاب المشروع الصفوي وزعاماته وأتباعه صفة التكفير على المؤمنين بالفكر السلفي؛ فإنهم مارسوا ويمارسون الفعل ذاته الذي يرون جواز محاربة الآخر وإبادته، بينما يستكثرون عليهم الدفاع عن أنفسهم وفكرهم ووجودهم.
في الإطار الفكري المجرد، يمكن القول: إن هناك شيعة، ولكن ليس هناك فكر شيعي له الصفات والمقومات والأسس التي تؤهله ليكون مذهباً فقهياً، بل هناك حركة دينية سياسية تمتد لعدة قرون مضت لعبت خلالها دوراً مهماً ومؤثراً في التاريخ العربي الإسلامي. ولم يكن التشيع بعيداً عن لعب أدوار سياسية، بغض النظر عن طبيعتها في أي مرحلة زمنية من مراحل التاريخ العربي الإسلامي، بل دائماً ما يغلب السياسي على الديني دون أن يعتمد بالضرورة على النصوص الفقهية، حتى تلك التي وضعها الإمام جعفر الصادق - رضي الله عنه - الذي يعدونه مرجعاً فقهياً لهم.
هذا عن التشيع عموماً.

أما التشيع الصفوي فهو - فيما أحسب - ليس أكثر من مزيج بين المبادئ والأسس التي قامت عليها الديانة المجوسية وبين مقومات القومية الفارسية. أما أتباع الطرف الآخر في الصراع، أي الفكر السلفي؛ فهم يرون استهدَافهم المعلَن من أرباب التشيع الصفوي؛ إذ لا يكاد يمر يوم دون أن تَصدُر تصريحات أو بيانات أو تحريضات صفوية تدعو علناً لاستئصال (الفكر السلفي) والقضاء على ( الوهابيين الضلاليين الإجراميين التكفيريين)[2].

وتماشياً مع الرغبة الصهيونية الصفوية المشتركة؛ استُدرِج تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين إلى ساحة هذا الصراع الفكري بما فيه من أخطار وتداعيات، واتخذ المشروع الصهيوني بالشراكة مع المشروع الصفوي نهجاً مزدوجاً ومشتركاً؛ أحدهما: الدفاع عن عقيدتهما الدينية بما فيها من أوجه تقارب فكري متعدد وجذور فكرية تغطي مساحة لا بأس بها مما هو مشترك بينهما. والآخر: على النهج المتبع ذاته لدى الصفويين؛ بالعمل على استئصال الآخر بدوافع دينية وعرقية. وبذلك تكون دفة الشراع في العراق الآن موجَّهة من طرفي الصراع اللذين يستتران خلف واجهات دينية أو سياسية منتمية إلى المجتمع العراقي، وقد نجحت زعامات التشيع الصفوي في عملية الخلط بين تنظيم القاعدة وبين العراقيين جميعاً من أهل السنّة والجماعة باسم (السلفيين) أو (الوهابيين)، فيما لم يُخلط بين أتباع التشيع الصفوي وغيرهم من شيعة العراق.

ما تقدم يشكِّل استعراضاً لأهم الصراعات التي تدور رحاها على الساحة العراقية. وهي كما أشرنا من نوع الصراعات ذات الملامح البيِّنة الحدود والأهداف والخلفيات، وهو ما ألقى على المقاومة في العراق مهام كبرى في التعاطي مع الفروع المعزِّزة للمشروع المعادي؛ كالأحزاب الدينية الشيعية والسنية، والأحزاب الكردية، وبعض مجالس الصحوات، والعملية السياسية بشقيها: الحكومة و مجلس النواب. إضافة إلى ما يعتري ساحة العمل المقاوم في العراق من انشقاقات وإعادة تكتل برؤى جديدة مستندة إلى التطور الحتمي لواقعها وواقع القوى الفاعلة من حولها؛ فإنها تجد نفسها في مواجهة مشروعين غاشمين في آن واحد. وإن بدا أن هناك ما يشي بصدام بينهما في عموم مناطق جنوب العراق؛ فإنه ليس أكثر من صدام مرحلي لا يغوص بعيداً في عمق ما بينهما من أهداف حيوية مشتركة، وهما يجتمعان معاً في مواجهة مشروع المقاومة في العراق، بل هو في حقيقته تضاد مصالح بين كتل حزبية وقوى سياسية، واتجاهات دينية شيعية، وصراع نفوذ على مكاسب سياسية ومناطقية ومصالح مادية لا علاقة لها بوجود قوات الاحتلال. وإن استُهدِفت في البصرة وغيرها؛ فإنما هو لوقوف قوات الاحتلال إلى جانب جهة متصارعة في مواجهة أخرى، ليس إلا.

في لحظةٍ ما وجد أرباب المشروع الصهيوني أنفسهم وحيدين في مواجهة حقيقة انفضاض أنصارهم المفترضين الذين سوغوا لهم غزو العراق، واست***وهم معهم ليحملوا المحتل على أكتافهم. لم يكن ولاء هؤلاء للغزاة كما توهموا، بل كان لإيران فقط وليس لغيرها. وهذه الحقيقة تعني فقط أدوات المشروع ومنفذيه. أما قادة المشروع الصهيوني؛ فإن هذه الحقيقة لا تعنيهم بشيء، فهم يدركون حقيقة العلاقة بينهم وبين أرباب المشروع الصفوي، خلافاً لما يشاع في الإعلام عن خلافات بين إيران و الولايات المتحدة.
العلاقات الإيرانية الأمريكية ليست مجرد علاقات تنسيقية على مستويات حزبية أو علاقات على مستويات مؤسسات الدولة المختلفة، وإنما هي على مستوى ما هو مشترك بينهما من مشروعات سياسية تستند إلى معطيات إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تنفذها مؤسسات الإدارة الأمريكية الاستخبارية، و البنتاغون، و البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، والخطط الصفوية بعيدة المدى التي تنفذها مؤسسات استخبارية أيضاً (الحرس الثوري)، والمرجعيات الدينية، ومؤسسة الحكم القائم التي تستند إلى مبدأ ولاية الفقيه بجناحيها الإصلاحي والمحافظ.

وعلاقات حيوية كهذه هي بالتأكيد علاقات سرية بين صناع القرار وراسمي السياسات في البلدين؛ إذ إنها مرفوضة ظاهرياً بالنسبة للشعب الإيراني الغارق في لُجّة الخطاب الإعلامي والمخدوع بالعداء للشيطان الأكبر والكيان الصهيوني.

وإيران أيضاً لم تعترض، وهي قادرة، بل شجعت تعميق التحالفات بين الإدارة الأمريكية وبين حلفائها في حزب الدعوة الذي يقود حكومة الاحتلال الحالية في بغداد بالمشاركة مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الإيراني المنشأ والتمويل والولاء والأداء. إن العدو الأمريكي لن يحقق لأهل السنّة والجماعة في أي مسألة كانت، وإن موقفه في حال نشوب حرب سنيّة شيعية لن يكون كما هو معلن رسمياً بأنه سيقف على الحياد، بل سيكون إلى جانب الشيعة ضمن إطار تبنّي المحافظين الجدد سياسة الدفاع عن مظلومية الشيعة، وهي إحدى أهم المسوغات الخفية للعدوان على العراق. ويكفي التذكير برسالة المرجع الديني علي السيستاني التي حملها عادل عبدالمهدي نائب رئيس جمهورية الاحتلال إلى الرئيس بوش، خريفَ 2006م، والتي أراد منها الاطمئنان على استمرار وقوف الإدارة الأمريكية إلى جانب الشعب العراقي (أي الشيعة) كما صرح عبد المهدي. لهذا؛ فإن العدو الأمريكي لم يحقق لأهل السنّة والجماعة شيئاً ولن يحقق شيئاً؛ إلا باستمرار استنزافه بشرياً واقتصادياً، على العكس مما تتوهمه الواجهات السياسية للعرب السنّة الغارقة في أوهام تحقيق المصالح عبر العملية السياسية.

برز في الأشهر الأخيرة على الساحة العراقية خطاب سياسي جديد تبنته بعض فصائل مشروع المقاومة في العراق، أعاد بموجبه صياغة أولويات الصراع، عادّاً إيران هي العدو الأول، وهو ما يستوجب تحييد العدو الأمريكي أو مهادنته للالتفات إلى العدو الآخر، وهو ما يشكل خطراً على مشروع المقاومة في العراق. لذا؛ فإن الموقف المطلوب في الوقت الراهن يتمثل في أنه لا يمكن مهادنة العدو الأمريكي بأي شكل كان، بل يبقى عدواً أولاً كما هي إيران. وإن كان الأخير يشكل خطراً أكبر على عقيدة المعنيين الأساسيين بمشروع المقاومة في العراق؛ فهو يمتلك مشروعاً إمبراطورياً كسروياً شعوبياً يستهدف انتماءهم العربي الإسلامي وثقافتهم، يدفعهم لذلك حِقدٌ تاريخي يمتد إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي فتح بلادهم عنوة وأسقط إمبراطوريتهم. ولدى إيران أيضاً أطماع تاريخية في أرضهم وثرواتهم، كما أنها تشترك معهم في جوار جغرافي لا فكاك عنه. على العكس من العدو الأمريكي الذي له أهداف قد يتخلى عنها في القريب العاجل وفق معادلة التوازنات الدولية ومتغيراتها واختلاف طبيعة مصالحها وأهدافها. وإيران لديها سياسة معلنة منذ مجيء الخميني للسلطة؛ تتمثّل في تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق وبقية البلدان العربية، وهو المشروع الذي شنّت لأجله عدوانَها على العراق مدة ثماني سنوات. ولم يستطع العراق القضاء عليه، بل تمكن من تأجيله إلى حين احتُل العراق سنة 2003م بشراكة إيرانية رسمية اعترف بها كلٌّ من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ونائبه أبطحي، وذكّر به أحمدي نجاد في أكثر من مناسبة، ولا سيما أثناء زيارته إلى أفغانستان سنة 2006م أثناء حرب تموز في لبنان؛ حيث أشار وهو في غمرة الأجواء الإعلامية الصاخبة التي رافقتها إلى قيام دولة المهدي، أكثر من مرة.

يحاول الكثيرون من المهتمين تصوير ما يجري في العراق من اقتتال بأنه حرب طائفية، وهو مفهوم خاطئ في حقيقته؛ إذ إن ما يجري هو حرب بين مكونات في إطار الصراع الدائر؛ فالمجتمع العراقي ليس مجتمع طوائف بل مكونات، وأقصى ما يمكن القول فيه: إنها حرب دينية.
تشكل أحداث سامراء المفتعلة منعطَفاً مهماً في مسلسل استهداف مشروع المقاومة في العراق والمعنيين به من أهل السنّة والجماعة، وهي التفجيرات التي لم تستطع الأجهزة الأمنية الأمريكية أو العراقية أو الإيرانية إقناع الآخر بأن العرب السنّة هم الفاعلون، حيث بلغ عدد الذين اعترفوا بمسؤوليتهم عنها أكثر من سبعة توزعوا على مُدَد زمنية متعاقبة تكفي لنسيان ما سبق من اعترافات من جهة، وإعادة زخم الشحن العدائي كلما خفّت حدته لدى الشيعة من جهة أخرى. وعلى الرغم من الحملات الإعلامية المكثفة المرافقة لكل اعتراف منتزع قسراً؛ غير أنها جميعاً فشلت في إقناع الآخر المستهدف، أو المحايد الذي بات على يقين بأنها اعترافات انتُزِعت قسراً تحت التعذيب، وبخاصة في عهد داخلية (صولاغ) الذي فاق في بشاعته حدود ما يمكن تخيله؛ فأثناء الدقائق العشر الأولى التي أعقبت التفجيرات كانت هناك آلاف الشعارات التي يحملها مئات الآلاف من الغاضبين؛ فمتى كُتبت هذه الشعارات إذن؟ وكم من الساعات يحتاجها المنظِّمون لتلك المسيرات لإنجازها؟ وفي الساعة الثانية عشرة ظهراً، أي بعد أربع ساعات فقط؛ كانت بغداد قد سقطت بأكملها تحت سيطرة الميليشيات الشيعية؛ حيث أُحرق حوالي مائتي مسجد، وقُتل واختُطف واعتُقل حوالي ثلاثة آلاف من أهل السنّة، في وقت كانت حكومة الجعفري تفرض حظْراً للتجول على كامل مدينة بغداد والمحافظات السنيّة. في تلك اللحظات؛ صار لزاماً على المقاومة في العراق أن تعيد النظر مكرَهة في أولويات صراعها؛ وهو بالتأكيد هدف إستراتيجي يتمثل في الوقوف في وجه المخطط الصفوي، والمشروع الصهيوني الأمريكي.

------------------------------------------------
(1) نُقِل عن الشيخ حارث الضاري في المقابلة معه عمَّا يسمى بمجالس الصحوات: إن مجالس الصحوات منها ما هي ضد ما أصاب مناطقهم من عسف وجور من الحكومة وغيرها، وهؤلاء انتفضوا للدفاع عن أنفسهم من غير أن يستعينوا بالاحتلال، فهؤلاء معذورون؛ لأنهم في موقف المدافع الصائل وهو جائز، أما النوع الثاني وهي التي يطبل لها الاحتلال وعملاؤه؛ فهذه غفوات وليست صحوات، وبخاصة ممن رضيت لنفسها أن تعمل مع المحتل، البيان، العدد 244 لشهر ذي الحجة، ص 53.
(2) يصف بعض الشيعة الاتجاه الوهابي السلفي المنسوب لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بهذه الصفات الظالمة وهم من أكثر الناس تكفيراً لغيرهم! انظر - على سبيل المثال - مقالة: د / عبد العزيز كامل، بعنوان: (وماذا عن التكفيريين الشيعة؟)، www.soaaid.net في موقع (صيد الفوائد)
-------------------------------------------------