المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدليل العقلي في مسائل الاعتقاد


عبدالناصر محمود
04-13-2015, 08:07 AM
منهج الشيخ محمد العثيمين في التعامل مع الدليل العقلي في مسائل الاعتقاد*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

24 / 6 / 1436 هــ
13 / 4 / 2015 م
ــــــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6310.jpg

منهج الشيخ محمد العثيمين في التعامل مع الدليل العقلي في مسائل الاعتقاد

الدكتور: سليمان بن عبد العزيز الربعي – كلية الشريعة – جامعة القصيم

بحث محكم مقدم لندوة جهود الشيخ محمد العثيمين العلمية

ـــــــــــــــــــــــــــ

هناك حاجة ماسة لإبراز جهود الأئمة التفصيلية في بيان المنهج العلمي الصحيح في التلقي والاستدلال في الاعتقاد، ومن الأئمة المعاصرين الذي لهم قدم راسخة في تأصيل هذا المنهج: فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الذي اعتنى ببيان العقيدة الصحيحة وتأصيل المنهج الحق فيها تلقيا واستدلالا، مع رد العقائد المخالفة وكشف بطلانها.

وتناولت هذه الدراسة منهج الشيخ في التعامل مع الدليل العقلي في مسائل الاعتقاد، نظرا لكثرة الجدال في هذه المسألة، خاصة مع كثرة المناهج وادعاء كل منهج موافقة الحق، ناهيك عن عدم معرفة كثير من أهل السنة لجهود علمائهم المعاصرين في تقرير هذه المسألة، الذي فيه ارتباط وثيق مع منهج السلف الصالح.

وبعد بيان أسئلة الدراسة الرئيسية وأهدافها، أوضح الباحث خطة دراسته من خلال تقسيمها إلى تمهيد وأربعة مباحث، تناول في الأول قواعد الاستدلال العقلي الصحيح على مسائل الاعتقاد عند الشيخ، ليبحث في الثاني منهج الشيخ في الاستدلال بالعقل على مسائل الاعتقاد، بينما خصص الثالث لمنهج الشيخ في نقض الاستدلال العقلي الفاسد على مسائل الاعتقاد، لينهي دراسته بآثار الاستدلال العقلي الفاسد على مسائل الاعتقاد في رأي الشيخ.

وبعد التمهيد الذي تناول فيه الباحث تعريف مصطلحات الدراسة، كالمنهج والدليل والعقل والاعتقاد، كما تناول فيه لمحة موجزة عن منزلة العقل عند الشيخ محمد العثيمين، من خلال التأكيد على أن العقل مناط التكليف عند أهل السنة، وموضحا معيار الصحة والفساد في العقل، بدأ الباحث بالمبحث الأول من هذه الدراسة.

المبحث الأول: قواعد الاستدلال العقلي الصحيح على مسائل الاعتقاد عند الشيخ

1- العقل الصريح موافق للنقل الصحيح: لأن زعم تعارضها كان ذريعة للفرق الكلامية في تطبيق منهجها القائم على تقديم العقل على النقل، واعتبار الأول قطعيا والثاني ظنيا، والتي واجهها أهل السنة وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية بكتاب فريد "درء تعارض العقل والنقل".

2- العقل ليس حكما في الغيبيات: بل من شروط اعتبار دلالة العقل عند أهل السنة أن يكون النقل مهيمنا وحكما عليه، والعقائد الغيبية تخرج عن نطاق العقل، ولا يسع العقل أمام الغيبيات إلا التسليم لما جاء به النقل.

3- دلالة العقل على ما يجب لله تعالى ويمتنع دلالة إجمالية: وهو ما يؤكد وسطية أهل السنة في منهجهم بالاستدلال بالعقل.

4- النقل يقدم على العقل: ما دام العقل ليس حكما في الغيبيات.

5- عدم دلالة العقل ليس دليلا على انتفاء المدلول: فالعلم ما ثبت بالدليل، والأدلة كثيرة لا تقتصر على الأدلة العقلية، بل إن دلالة النقل مطلقة، بينما دلالة العقل بذاته نسبية.

6- الدليل العقلي أحد الأدلة وليس الدليل الوحيد.

7- يستدل بالعقل في الغيبيات لإثبات موافقته للنقل: وهو إعمال للعقل في مجاله الصحيح المضبوط بالنقل عند أهل السنة.

المبحث الثاني: منهج الشيخ في الاستدلال بالعقل على مسائل الاعتقاد

وتظهر معالم هذا المنهج فيما يلي:

1- ترتيب الدليل العقلي وفق مقتضيات المقام: حيث يلاحظ تقديم الشيخ للدليل النقلي في تقريراته وردوده العقدية على العقل غالبا، ولكنه ربما يقدم الدليل العقلي أحيانا ومعه دليل الفطرة باعتبار حال المخاطب.

2- الاستدلال بالمحسوس لإثبات حقيقة معنى المعقول: فإثبات صفة البصر لله لا يلزم إثبات العين، فالأرض تسمع بلا أذن وترى بلا عين في قوله تعالى {يومئذ تحدث أخبارها} الزلزلة/4.

3- الاستدلال بالملزوم (الدليل) على وجود اللازم (المدلول): كلزوم الشمس للنهار في التلازم العقلي، وقد عد أهل السنة التلازم طريقا صحيحا للاستدلال العقلي، وهو ما سار عليه الشيخ.

4- السبر والتقسيم من الطرق العقلية المؤثرة في الاستدلال، وقد استخدم الشيخ هذه الطريقة في الاستدلال على وجود الله تعالى عقلا.

5- اقتضاء النفي للإثبات: وهي من الطرق العقلية في الاستدلال، فالعقلاء متفقون على نفي صفات النقص لله تعالى وإثبات صفات الكمال له عقلا، وهي من طرق أئمة أهل السنة في الرد على المخالفين في حقائق الصفات، والتي اعتمدها الشيخ في تقريراته العقدية.

6- قياس الأولى: بأن يكون الحكم المطلوب فيه أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه، وهو الدليل الصحيح الذي كثر دورانه في نصوص القرآن والسنة، والذي استعمله الشيخ في الاستدلال.

7- دلالة الأثر على المؤثر: فالمحدثات تقتضي الدلالة على الموجد، لأنه لا يمكن للحادث أن يحدث نفسه بنفسه، وإنما لا بد له من محدث، وهي طريقة قرآنية في إثبات الربوبية والصفات، وقد أفاد الشيخ من هذا الطريق لتقرير مسائل في البابين.

المبحث الثالث: منهج الشيخ في نقض الاستدلال العقلي الفاسد على مسائل الاعتقاد

ومن أبرز الطرق التي اعتمد عليها الشيخ في إبطال أدلة العقل الفاسدة في الاعتقاد:

1- قلب الدليل: حيث يكون ما ذكره المستدل لا يدل على مراده، وإنما يدل على خلافه، فيكون عليه لا له، وقد استخدم الشيخ هذا الأسلوب في نقض حجة نفاة حقائق الصفات بعد قبول العقل لها، بأن من المعاني العقلية التي حملوها عليها ما يستلزم حقائقها بالعقل، فيكون العقل دليلا عليهم لا لهم.

2- قياس الخلف: وهو إثبات أمر ما من خلال إبطال نقيضه، وقد رد الشيخ بهذا القياس على الفلاسفة في مسألة إنكارهم حقيقة الروح، بأنه يلزمهم ما لا يمكن من اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما.

3- الإلزام: وهو أن يعجز أحد الطرفين عن التعرض للطرف الآخر، لأنه انتهى به إلى مقدمة ضرورية القبول أو مسلمة عنده، وبهذا الطريق نقض الشيخ استدلال معطلة الصفات بالعقل، من خلال حملهم نصوصها على غير حقائقها، حيث أبان لهم أنه يلزمهم –عقلا– في المعاني التي حملوا عليها الصفات نظير ما نفوا من حقائقها له، بالإضافة لتحريفهم الوحي.

فتأويل "اليد" بأن المراد بها القوة، لكون إثبات حقيقة اليد يستلزم التشبيه بالمخلوق، يلزمهم أن إثبات القوة أيضا فيه تشبيه للمخلوق الذي يتمتع بالقوة.

4- التفريق بين المتماثلات: حيث يتبين فساد الدليل العقلي من عدم اطراد عمله فيما أعمل فيه في جميع المسائل المتماثلة، وقد استشهد الشيخ بهذا الدليل فيمن يثبت بعض الصفات دون بعض.

5- المعارضة: وتعني أن الدليل على ما نفاه المستدل بالعقل أوضح وأجلى مما يقر به، وقد استعمل الشيخ هذا الطريق في نقض استدلال المعطلة لنفي حقائق الصفات.

المبحث الرابع: آثار الاستدلال العقلي الفاسد على مسائل الاعتقاد في رأي الشيخ

1- القول على الله بغير علم: بأن يثبت لله ما لم يثبته لنفسه أو ينفي عنه ما لم ينفه.

2- إبطال دلالة النص الصريح إثباتا ونفيا: بتعطيل - الاعتماد على العقل - دلالة نصوص الكتاب والسنة على الإثبات والنفي.

3- الاختلاف: حيث لا وجود لمعيار دقيق وجامع، بل تتعدد دعاوى مرجعيته باختلاف عقول منتهجيه وأهوائهم، ولذلك كان الاختلاف أبرز سمات الذين يحكمون العقل في الاعتقاد.

4- التناقض: وهي نتيجة طبيعية للاختلاف والتباين، فإذا كانت المقدمات مختلفة، جاءت النتائج متناقضة ملازمة للشك والحيرة وعدم اليقين.

5- هدم العقل: من خلال إعمال الفرق الكلامية للعقل فيما لا يطيقه من الغيبيات.

وبذكر أهم نتائج الموضوع وخلاصته ختم الباحث دراسته القيمة، التي تناولت موضوعا من أخطر وأهم موضوعات الخلاف بين منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج الفرق الكلامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ