المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام ولاية العلم والعلماء


عبدالناصر محمود
04-15-2015, 07:07 AM
أحكام ولاية العلم والعلماء تجاه الدولة والمجتمع*
ـــــــــــــــــــــــ

26 / 6 / 1436 هــ
15 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710514042015013807.jpg

تتجلى أهمية بعض الكتب حينما يعز التأليف في بابه ويتوارى في مرحلة من المراحل ، فيأتي ذلك الكتاب ليجلي ما اجتمع على ذلك العلم من ركام ويجدد ما اندرس منه .
ولا شك أن " عودة ولاية العلم إلى الصدارة والريادة ، باعتبارها أجل ولاية دينية ورثها العلماء عن الأنبياء، وأشرف مؤسسة شرعية إلى موقعها المطلوب شرعاً وواقعاً في حياة الناس " هو أهم ما ينبغى عودته إلى نصابه وإعادة الاعتبار له .

فمنذ سقوط الخلافة ونشأة الدولة الحديثة نحيت الشريعة عن دساتير الحكم في أكثر البلاد العربية ونحيت معها ولايه أهل العلم وشراكتهم في القيادة ، فاندرست معالم البحث والتنظير في هذا الشأن لعدم وجود المبرر له .

بل إنه حتى في الأقطار التي لازال لحاكمية الشريعة فيها قوام تسنم صعيد التوجيه والتأثير على الرأي السياسي والفكري والإعلامي من لا يؤمن بمرجعية الشريعة على الشأن السياسي فأخذوا يضخون في أقنية التوجية والتأثير استقلال أهل السياسة بإرادة الدولة وينظرون لاستبدادهم بذلك دون أهل العلم ، بل اعتدوا على المفاهيم الشريعة في هذا الشأن ، فزعموا أن مصطلح "أولى الأمر" مقتصر على أهل السياسة -الذين هم شركاء في ذلك - ونحَّو مصطلح "أهل الحل والعقد" حالاً ومقالاً ، ليحلوا مكانه ما يضارعه في نظام الدولة العلمانية الحديثة ..

تجاه كل ذلك يأتي هذا الكتاب " أحكام ولاية العلم والعلماء تجاه الدولة والمجتمع " / تأليف : أ.د. محمد الأنصاري ؛ ليسهم في معالجة هذه القضية على بينة من العلم والهدى .
يقول المؤلف حول أهمية موضوع الكتاب :" إن البحث في مسألة الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعلماء وولايتهم بحث متجدد ، لا يمكن للأمة الاستغناء عنه في أي وقت من الأوقات ، فالعلماء هم القلب النابض في هذه ، الأمة ، شأنهم في ذلك شأن القلب في جسم الإنسان .

ولعل الدارس لتاريخ الأمة ، يدرك جيداً أن حياة المسلمين مجتمعاً ودولة وشعوباً وأمه .. أساسه حياة علمائهم وقيامهم برسالتهم ووظيفتهم الربانية ، وإحلالهم في الأمه محل النبوة في تعليم الناس.."
وفي موضع آخر يشير حول أهمية الموضوع وما طرأ عليه :" هكذا أصبحت وظيفة العلماء في الأمه تتقلص وتنحصر في بعض الجوانب إلى أن ضمرت وظيفتهم في وعي الأمة ، وأصبحت تكاد تكون منعدمة في عصرنا ، اللهم باستثناء بعض الأعمال الفردية التي يقوم بها بعض العلماء ، وبعض الأعمال المؤسسية هنا وهناك ، والتي لم تتبلور في شكل مؤسسة لولاية العلماء في الأمة تقوم بوظيفة الوراثة الحقة للنبوة " .

- بين المؤلف المقصود بولاية العلماء ؛ أن الولاية ترادف المحبة والقرب والنصرة والإيمان والتقوى .، وهذه الصفات كلها من صفات علماء الشريعة الربانيين فاستحقوا بذلك أن يكونوا من أولياء الله وحزبه الذين لهم السيادة والنصرة والغلبة والولاية على الناس .

وقد أحسن الكاتب حينما أطّر هذه الولاية في إطار مؤسسي ، وقد ألح على هذا الإطار في غير موضع ، فبين أن المقصود بمؤسسة ولاية العلماء هو تلك الرابطة الدينية القائمة على أسس الإيمان والتقوى ، وأن العلماء بهذا المعنى هم علماء المؤسسة الشرعية والولاية الدينية ، فهم بهذا الاعتبار علماء المؤسسة الولائية الجماعية المنظمة ، القائمة على قواعد الإدارة والتنظيم الهادف والتخطيط الراشد ، فهي بهذا المعنى الرسالي والوظيفي : مؤسسة دينية مؤهلة لقيادة الأمة في جميع المجالات الدينية والدنيوية .
وأسهب في بيان مشروعية مؤسسة العلماء ثم اعتصرها في ثلاثة أفرع : أن إقامة مؤسسة ولاية العلماء تنوب عن النبوة في إقامة الدين / وأنها ضرورة تاريخية / وأنها ضرورة واقعية وحاجة بشرية.
ثم شرح في موضع آخر أن التاريخ قد عرف هذا الصنف الذي يمثل الولاية الشرعية للعلماء ، والوراثة الحقه للنبوة ،، فكانوا علماء عاملين وفقهاء مجاهدين ، ودعاة مصلحين .. بل إن موظفي الدولة الإسلامية في العصور الذهبية الأولى ، كانوا من جلة العلماء وأتقاهم ، لأن ولاية الأمر كانت للعلماء الربانيين ، وهذا هو الوضع الطبيعي الصحيح الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسلامية.
وحول حدود صلاحيات مؤسسة ولاية العلماء وتصرفاتها ، يوضح المؤلف أن االولاية العلمائية لا تملك السلطة التنفيذية على الناس ومن ها هنا ؛ فإنه يتحتم على مؤسسات الدولة وأفراد المجتمع وهيئاته بمقتضى الواجب الشرعي أن تأخذ بإرشادات الفقهاء وفتواهم ( المؤسسية الولائية ) .
ومن هنا تتحدد صلاحية ولاية العلماء ، المتمثلة في إصلاح الأوضاع ، وإرشاد الدولة وتوجيهها ، واتخاذ المواقف الشرعية تنويراً للرأي العام باعتبارها المرجع الذي يحدد مواقع حركة النطام في الفراغات التشريعية .

ويفصل المؤلف بيان حقوق العلماء من واقع ولايتهم ، فمنها حرية الرأي والتعبير والاجتهاد العلمي / وإكرامهم وإجلالهم وتوقيرهم / وموالاتهم ومحبتهم ونصرتهم / وطاعتهم / وحقهم في التجمع المؤسسي / وحقهم في تجميع الناس حولهم لتعليمهم وتوعيتهم / وحقهم في تبني قضايا الأمة والدفاع عن حقوقها / وحقهم في تولى الولايات العامة في الدولة الإسلامية / وحقهم في اتخاذ المواقف السياسية تجاة الناس والمجتمع والدولة والأمة والعالم / وحقهم في الدفاع عن حقوقهم الشرعية .
ويعاود المؤلف تأكيد الإطار المؤسسي في دور العلماء ، وهذه المرة حول ولاية مؤسسة الشورى بالتحديد ؛ فيورد تعريف طارق البشري لمؤسسة الشورى : بأنها مؤسسة تشريعية تتكون بطريقة تمكنها من أن تقوم بوظيفة إصدار القرارات العامة للدولة والمجتمع ، يتم اختيار أعضائها بطريقة تكفل لها أن تكون على علاقة مباشرة بقوى الرأي العام الموجودة في المجتمع .
ولتأكيد أن الإطار المؤسسي للشورى وغيرها كان أصيلاً في الممارسة السياسية الإسلامية عبر التاريخ يورد المؤلف أنموذجين من تطبيق الشورى مؤسسياً من خلال تجربتي أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب [ ص:١٥١]

ثم ممارسات أخرى عبر التاريخ الإسلامي

- ومن المباحث الجديرة بإثارة الاهتمام ، مقارنته بين الشورى والديمقراطية وذلك لما له علاقة بالشورى باعتبارها ولاية دينية ومؤسسة شرعية ، وقد أجاد المؤلف في عرض أوجه الاختلاف وأوجه التشابه والتقارب بينهما ، بأسلوب سهل وقريب من الأفهام وبعيداً عن التعمق والتشقيق الفلسفس الذي يعمّي على جوهر الفكر وأصولها .

فقد خلص إلى أن الفروق تميز الشورى باعتبارها منهاجاً عاماً في سلوك الأفراد ، وولاية مؤسسية في تأطير الجماعة والدولة ، فهي دعوة للأصلح في الأمور كلها ، وتربية للناس ، ومنهاج للجماعات.
وقد قرر أن الأخذ بإيجابيات الديمقراطية باعتبارها شكلاً للحكم ، يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم وإقرار الشورى والنصيحة ...

وبمثل هذا الاقتدار خاص المؤلف غمار البحث في أحكام مؤسسة ولاية الاجتهاد والافتاء والحسبة والقضاء والمظالم والمالية والاقتصاد والزكاة والجهاد .
وكل ذلك يعكس أهمية الاهتمام بمثل هذا الباب من العلم تنظيراً ودروساً واجتهاداً وتطبيقاً ، وعلى ذلك أكد المؤلف أنه من الواجب الشرعي إحياء هذه الولاية الرسالية ، وإبراز من جديد ، وفي مقدمة من يجب عليهم ذلك العلماء الذين أدوا على مر تاريخ الأمة الوظائف الطلائعية في ولاية التعليم والتربية والجهاد والتجديد والاجتهاد ، وكادت هذه الوظائف الولائية العظيمة في أزمنة الوهن ومنها زمننا تنعدم .. ومن ها هنا ، فإن المسلمين اليوم في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى ،إلى ولاية علمائية ربانية صادقة ، تؤم الدولة والمجتمع وتقود الأمة، وتحفظ إرثه وتصونه، وتقوم بمقتضاه وتؤدي وظائفة لا تخاف في الله لومة لائم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{البيان:مركز البحوث والدراسات}
________________________