المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاقتصاد الاحتيالي


Eng.Jordan
04-15-2015, 10:19 AM
الاقتصاد الاحتيالي (*)
يماثل عديد من الممارسات التجارية المألوفة عمليات
الاحتيال الشهيرة التي استخدمها <پونزي> في القرن الماضي.
<K. باسو>

المصدر : مجلة العلوم






باختصار
من المرجح أن فنون الاحتيال - من الصنف الذي يقوم فيه المحتال بسلب مال زيد كي يعطيه إلى عمرو - كانت من مقومات النشاط الاقتصادي الراسخة على الأقل منذ حقبة <ديكنز>(1) في القرن التاسع عشر.

والنظرة الجديدة إلى مخططات الاحتيال، التي تدعى أحيانا «مخططات <پونزي>،» نسبة إلى أول من استخدمها في الولايات المتحدة، وكان يدعى <C. پونزي>، توضح أنها أوسع انتشارا ضمن الاقتصادات المعاصرة مما كان يعتقد سابقا - وأن واضعي نظم المعاملات المالية لا يمتلكون من الوسائل ما يتيح لهم التحكم فيها.

ولفورات الازدهار والكساد في الفقاعات المالية خصائص تماثل ما تمتلكه مخططات <پونزي> من سمات. ومن جهة أخرى، فإن ممارسات تجارية اعتيادية - كمنح الموظفين خيار شراء أسهم الشركات التي يعملون فيها - قد تستخدم لإخفاء مخططات هرمية كتلك التي تستخدم في مخططات <پونزي>.



منذ القرن التاسع عشر على الأقل تكرر اللجوء إلى مخطط <پونزي> وسيلةً للاحتيال في الدول الغنية والفقيرة، وأدى إلى ثراء القلة ممن مارسوه، فأصبحوا من أصحاب الملايين، بينما من جانب آخر دمر حياة الملايين. لكن معظم الناس يمتلكون فكرة مبهمة عن مخططات <پونزي>؛ مما يفسر استمرار الكثيرين بالوقوع ضحية لجاذبيتها الغريبة التي تداني ضربا من ضروب *****. وبالطبع، فقد اتسمت عمليات الاحتيال التي نفذت باستخدام مخططات <پونزي> بقدر كبير من الاهتمام بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، وعناوين الصحف إبان فضيحة <B. مادوف>؛ التي مثلت أكبر عملية احتيال استخدم فيها مخطط <پونزي>، في أوج الأزمة.

ولا بد أن كل من تتبع انهيار <مادوف> يعتقد أن مخططات <پونزي> لا تعدو كونها مجرد عمليات احتيال متعمدة. فبدلا من استخدام أموال المستثمرين لتمويل مشاريع منتجة، يقدم المحتالُ البعضَ مما أودعه مستثمرون جدد فوائد لمن سبقهم من المستثمرين. لكن الاقتصاديين بدؤوا يدركون الآن أن هذا النمط من السلوك يمكن أن يحدث أيضا بشكل عفوي وبصورة غير واعية. وهذا بكل بساطة من خلال تغذية توقعات المستثمرين بعضها على بعض؛ مما يؤدي إلى فورة من التكهنات، وفقاعة اقتصادية مضخمة لا بد أن تنهار في نهاية المطاف.

ولقد أضحى الباحثون في شؤون الأسواق المالية والاقتصاديون السلوكيون(2) الآن يدركون أن موجات الانكماش والنمو التي تمر بها الأسواق المالية العالمية تضمر سلوكا مشابها لمخطط <پونزي>، وأن هذا السلوك ربما صار متأصلا في تعاملات هذه الأسواق، كما هي حال الظواهر الطبيعية كخسوف القمر والمد والجزر في المحيطات دون الحاجة إلى أوغاد مثل <مادوف>.

وفي الواقع، يمكن لمخططات <پونزي> ارتداء أقنعة مختلفة؛ مما يعرقل الكشف عنها وعزلها ومن ثم اتخاذ إجراءات تنظيمية أو قانونية واضحة ضد منفذيها. وفي الأبحاث التي قمت بها تركز اهتمامي على السبل التي يصعب تبينها أو الكشف عنها والتي تستخدم من قبل المؤسسات التجارية لتعويم عملياتها على الرغم مما قد تعانيه من مشكلات، وذلك ربما لفترات وجيزة على الأقل، وهي في واقع الحال «مخططات <پونزي> مموهة» لا تخالف القوانين، لكنها قد تخلف آثارا اقتصادية مدمرة.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_41.jpg


وإن تزايد الاهتمام بمخططات <پونزي>، لا يعود فقط إلى العناوين التي تحفل به الصحف الشعبية عنها، بل لأن أبحاثا حديثة العهد بينت إمكانية تفسير بعض جوانبها، استنادا إلى تحاليل علمية تكشف البنى الرياضياتية التي تستند إليها، من جهة، ومن خلال دراسة نفسية المحتال والسبل التي يستخدمها لغواية ضحاياه مستفيدا من السذاجة الفطرية التي يتصف الكثيرون بها. ولهذه الأبحاث أهمية كبيرة لأنها تبعث الأمل بالكشف عن العمليات والمنتجات المالية الخبيثة في وقت مبكر، قبل أن يوقع إغراؤها الألوف من البشر وي*** لهم الخراب المالي إضافة إلى محن نفسية مدمرة.

حيلة <پونزي> الأساسية(**)

إن مخططات <پونزي> هي في الواقع أقدم من <C. («تشارلز») پونزي>(3) الذي ولد عام 1882 وتوفي في عام 1949. وعلى الرغم من أن <پونزي> كان رائدا لهذا النمط من الاحتيال في نيو إنگلند(4) عام 1920، إلا أن مخططات مشابهة ربما كانت شائعة قبل ذلك التاريخ، كما يتضح من الشخصيات الخيالية المنعدمة الضمير التي استوحاها <Ch. ديكنز> من عمليات الاحتيال الاستثماري في لندن إبان الحقبة الڤيكتورية Victorian-era - والحقيقة أن الترتيبات التي تضمر الآلية «اسرق مال زيد لتسدد دين عمرو» ربما تزامنت مع نشوء المستوطنات البشرية الكبيرة.

وكما أظهر <مادوف> بصورة جيدة للغاية، فإن مخطط <پونزي> يعد وسيلة للإثراء السريع. ويمكنه إن تحلى بلمسة من التسويق الساحر، أن يزدهر - وهذا حتى تنكشف الخديعة. وفي مخطط <پونزي> الكلاسيكي، قد يَعدِ المحتال بتحقيق عائد استثنائي يبلغ 10 في المئة شهريا لإقناع شخص ما باستثمار مئة دولار. وعندما يودع شخصان في الشهر التالي مئة دولار لكل منهما، يعيد صاحب المخطط للمستثمر الأول 10 دولارات ويحتفظ بـ 190. وعلى هذا النحو، ينمو الاستثمار بصورة هرمية. فإذا جمع صاحب المخطط مئة دولار في الشهر الأول، ومن ثم ضاعف عدد المستثمرين كل شهر يليه؛ فسيبلغ ما يجنيه في الشهر العاشر 090 46 دولارا. وهكذا يتسنى لمن يدير مخططات <پونزي> ناجحة جمع ثروات طائلة. لكن المشكلة تكمن في غياب أسلوب منطقي للتوقف - إذ يؤدي تراجع سيل الاستثمارات الجديدة إلى انهيار المخطط برمته.

ومع ذلك، فإن ما يجعل مخطط <پونزي> جذابا إلى أبعد الحدود هو عدم وضوح النقطة التي ينهار عندها. فلو أمكن تحديد نقطة انهيار المخطط، لما كانت آثاره مؤذية إلى الحدود التي قد خبرناها في الواقع. حيث إن أحدا لن يرغب في الاستثمار قبل شهر من حدوث الانهيار، واستنادا إلى ذلك، فلن يرغب أحد في استثمار ماله قبل شهرين من الانهيار، وهكذا دواليك؛ وفقا لمنطق دؤوب يدعى الاستقراء العكسي backwardinduction، بحيث يصير انطلاق عملية الاحتيال غير ممكن أساسا.

إن غياب نقطة انهيار محددة يظهر معضلة نفسية مهمة. ففي نهاية المطاف قد يعتبر مخطط <پونزي> ضربا من الحماقة الجماعية. لكن بالنسبة إلى كل فرد من المستثمرين، فإن الإسهام في مخطط <پونزي> لا يخالف في جوهره المنطق، إذ لا بد أن يستغرق انهيار منظومة الاحتيال الهشة بعضا من الوقت.

مخططات <پونزي> الطبيعية(***)

تمثل الفقاعات المالية وافدا جديدا نسبيا إلى طيف عديد الألوان من مخططات <پونزي>. والاعتراف بها كنمط من مخططات <پونزي> يعود إلى أن الدوافع النفسية لدى المستثمر واحدة، سواء ذهبت الاستثمارات إلى سمسار عقارات أو **** للبورصة أو محتال يجيد فنون الخداع. فما يضمن استمرار الاستثمار، في جميع الأحوال، هو الارتفاع المطرد في الأسعار - أو على نحو أدق، التوقع بأن تتجه الأسعار إلى الأعلى. وهذا ما دفع حائز جائزة نوبل في الاقتصاد <J .R. شيللر> [من جامعة ييل Yale] إلى تسمية الفقاعات المالية «مخططات <پونزي> الطبيعية» - إذ إنها فقاعات لا تنشأ نتيجة لمناورات مفتعلة بل استجابة لقوى السوق الطبيعية، حيث تحفز توقعات كل من المستثمرين سواه على المساهمة في الاستثمار.

لقد رأينا هذا يحدث على مر العصور في سوق الإسكان، وفي أسواق الذهب، حيث يرغب الشاري في ابتياع السلعة لمجرد أن الآخرين يقومون بذلك؛ مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها. ولقد انهارت أسعار الذهب مؤخرا – نتيجة «لسلوك القطيع» الذي أدى إلى نشوء مخطط <پونزي> طبيعي. إذ كانت أسعار الذهب قد ارتفعت بشكل حاد في الفترة بين عام 2009 إلى عام 2011 لاعتقاد المستثمرين بأن ضخ السيولة من قبل البنوك المركزية لمواجهة الأزمة المالية سيؤدي إلى ارتفاع مستمر بأسعاره. وهذا الاعتقاد دفع البعض إلى استبدال ما لديهم من النقد بالذهب؛ مما أدى إلى انخفاض قيمة النقد ومن ثم إلى سيل من الأصول المالية الرامية إلى الاستفادة من الانتعاش المتوقع في السوق. وهكذا ارتفع سعر أونصة(5) الذهب من نحو 900 دولار إلى 1800 دولار خلال هذين العامين. وفي الشهر 4/2013 حصل تصحيح طفيف، أحدث حالة من الذعر أدت إلى بيع مكثف للمعدن الثمين وانتهت بانهيار كبير في أسعاره. فخلال يومين فقط انهارت أسعار الذهب إلى مستويات أدنى مما كانت عليه قبل ثلاثين عاما؛ مما حيَّر المضاربين والمحللين سوية.

وكما يمكن لمخططات <پونزي> أن تنشأ بصورة طبيعية دون تنسيق، فمن الممكن أيضا للفقاعات، والانهيارات التي تليها والتي تبدو طبيعية، أن تصمم لإحراز مكاسب طائلة. وهو ما يشهد به أشهر حدث في تاريخ قطاع الأموال، جرى مطلع القرن الثامن عشر عندما بدأت شركة المسيسيبي(6) التي كان يمتلكها رجل يدعى <J. لو> في فرنسا بتقديم عائدات مضخمة كأرباح من مشاريع كانت هذه الشركة تنجزها في مستعمرة لويزيانا الفرنسية. فقد اجتذبت عملية الاحتيال هذه مساهمات منقطعة النظير من المستثمرين إلى أن حدث تهافت على سحب الودائع من بنك تابع للشركة أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الخديعة المحكمة برمتها.

عمليات الاحتيال الخفية(****)

إن تحري بعض التعاملات المالية التي لا تشبه مخططات <پونزي> ظاهريا قد يكشف أنها في واقع الحال مخططات هرمية مموهة. وغالبا ما تنشأ هذه المخططات، التي تلتزم تماما بالقوانين النافذة، بسبب تلاعب الشركات بعملياتها لتبقى عائمة في الأوقات الصعبة. وتطرح مخططات <پونزي> المموهة تحديا للمسؤولين عن تنظيم التعاملات المالية؛ إذ تتداخل مع أنشطة قانونية تماما. وإن تطبيق الأنظمة بحزم فائق لاستئصالها، كما يستأصل الجراح ورما خبيثا، قد يضر بالأنسجة السليمة المحيطة، بينما يواجه تركها دون رادع مخاطر استمرار نمو الخلايا الخبيثة. إضافة إلى ذلك، من الممكن لهذه المخططات الهرمية المموهة أن تتخذ أشكالا متباينة.

من الأمثلة على هذه المخططات تلاعب بعض الشركات والحكومات، من وقت إلى آخر، بقروضها - وهي ممارسة غير ضارة في حد ذاتها. فقد لا يرغب المقترض - سواء أكان فردا أو شركة أو دولة - في تسييل قسط من الأصول التي يمتلكها من أجل سداد دين مستحق، لما قد يترتب على ذلك من تكاليف مرتفعة. فيلجأ إلى نمط من التلاعب، يتمثل باستدانة المبلغ المطلوب من مقرض جديد لسداد المقرض الأول. وإذا انعدمت بعدئذ مقدرة المقترض على سداد القرض أو لم يتحقق العائد المرتفع المنتظر، فقد يؤسس ذلك لانهيار شامل.

ويرى بعض خبراء الاقتصاد أن أزمة الديون التي شهدتها البيرو في أوائل الثمانينات، عندما حصلت الحكومة على قروض جديدة لسداد قروض سابقة، تمثل شكلا من أشكال التلاعب بالقروض. فقد خابت توقعات الحكومة بتحسن الاقتصاد، بسبب زلزال ضخم ضرب البلاد، تلاه تراجع في صادرات البطاطا والسكر، وأزمة ديون عمت أرجاء أمريكا اللاتينية، وأدت هذه التحولات مجتمعة إلى تدن في الناتج المحلي الإجمالي.

ويمكن للعديد من أشكال النشاط التجاري الشرعي أن تخفي مخططات تشبه ما قام <پونزي> بتنفيذه. ولننظر إلى الممارسات التي تتمثل بمنح خيارات شراء الأسهم للموظفين، وهي ممارسات واسعة الانتشار وقانونية تماما، ويمكنها أن تولد أرباحا مع أنها قد تنتج سلعا منخفضة التكلفة وذات قيمة متدنية.

وكمثال معبر عن هذه الممارسات، يمكن لشركة ناشئة في وادي السيلكون(7) أن تقوم بتوظيف خريجين ذوي مهارات عالية بمرتبات منخفضة، تقل عن المرتبات السائدة في السوق، وتمنح إضافة إلى هذه المرتبات فرصة شراء أسهم الشركة مما يولد لديهم الأمل بعوائد كبيرة في المستقبل. وهكذا تؤمن الأجور المنخفضة التي تمنحها الشركة لموظفيها الأرباح حتى ولو باعت منتجاتها بأسعار أدنى من أسعار منافساتها. وفى الوقت ذاته يحتفظ مالك الشركة بجزء من الفرق بين المنتجات المنخفضة السعر والأجور المتدنية، بينما يوزع ما تبقى كأرباح إضافية لكبار الموظفين.

ومع نمو الشركة وانضمام أعداد أكبر من الموظفين إليها، يمكن لمن بادر بإنشائها تحقيق أرباح مرتفعة للغاية، على الرغم من أنها ستنهار في نهاية المطاف، كما هي حال جميع مخططات <پونزي>، تاركة الموظفين عاطلين عن العمل ولديهم أسهم لا قيمة لها.


http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_43.jpg
<C. پونزي>
المساعد الخاص لمأمور السجن
ولد <كارلو پيترو جيوڤاني گوگايلمو تيبالدو پونزي>(8) في 3/3/1882 في مدينة لوگو بإيطاليا. وبعد أن أضاع عدة سنوات بجامعة في روما، قضاها كما يقضي البعض «إجازة مدفوعة الأجر،» هاجر إلى الولايات المتحدة، ونزل في بوسطن في أواخر عام 1903. وسرعان ما اتضحت خصلتان من خصاله. إذ كان عديم الضمير وخارق الذكاء - ظهرت الخصلة الأولى عندما احتجز في سجن كندي لقيامه بتزوير توقيع والثانية عندما كتب إلى أمه ******ة من السجن، موضحا أنه اتخذ عنوانه الجديد بسبب الوظيفة الرائعة التي حصل عليها وهي «مساعد خاص» لمأمور السجن.
وعندما عاد إلى بوسطن بعد إطلاق سراحه، شرع <پونزي> في تصميم مخطط مالي بعد الآخر للتغرير بمن يسهل الإيقاع بهم من الطبقات الوسطى، فمنح الاحتيال المالي مكانة رفيعة. ولم يؤد انهيار أحد أكبر مخططاته إلى إفلاس العديد من العائلات وحسب؛ بل سبب أيضا انهيار ستة بنوك في مدينة بوسطن. وبعد دخوله السجن وخروجه منه مرات، تم ترحيله إلى إيطاليا، ومن هناك هاجر إلى البرازيل. وتوفي في ريو دي جانيرو في18/1/1949 في فقر مدقع وقد تحطم نفسيا وأدركه المرض.


وفيما يلي مثال مبسط يوضح كيف تتم هذه العملية، وكيف تتبنى سمات مخطط <پونزي>. تعرض شركة ناشئة على العاملين لديها أجورا منخفضة، تقل في واقع الحال عن القيمة الدولارية لما ينتجه الموظف، وهكذا يمكن للشركة أن تجني بعض الربح لقاء كل موظف يلتحق بها. بينما تحفز جاذبية الخيارات أو الفرص التي تعرضها الشركة لشراء أسهمها، المزيد من الموظفين على العمل لديها، وهذا على الرغم من انخفاض ما تقدمه لهم من أجور. وتعين الشركة الناشئة عاملا واحدا في ربع السنة الأول من عملها، وتمنحه فرصة ابتياع أسهم تعادل قيمتها نصف أرباحها عن تلك الفترة. ومن ثم تضاعف حجم قوة العمل لديها بتعيين عامل إضافي - وتعرض عليه خيارات تعادل ربع أرباحها عن تلك الفترة. وفي الفترة الثالثة تضاعف الشركة مجددا فريق العاملين لديها بتعيين مُوظَفَين جديدين، وتقدم إليهما حزمة خيارات تعادل ثمن أرباحها عن تلك الفترة، وهو ما يعنى حصول كل موظف جديد على خيارات تعادل 1/16 من الأرباح. وهكذا دواليك في كل ربع يلي ذلك.

تضمن هذه الخطة تضاعف أرباح الشركة كل ربع سنة. ولأن الموظفين يحصلون على حصة ثابتة من الأرباح، فإن الأرباح العائدة لما يمتلكون من أسهم تتضاعف أيضا كل فترة. بينما ينجم دخل صاحب الشركة عن الفارق في قيمة السلع المنتجة من قبل العاملين والأجور المنخفضة التي يتقاضونها لأن صاحب الشركة يحتفظ بجزء من هذا الفارق، بينما يوزع الباقي على الموظفين كعائدات على الأسهم التي ابتاعوها.

ويجعل النمو الأسي لقيمة خيارات شراء الأسهم العملَ لدى الشركة الناشئة مغريا مع أن هؤلاء المهنيين المدربين تدريبا عاليا لم يكونوا ليجدوا العمل لديها جذابا نظرا لتدني ما تقدمه من أجور. ومع ذلك، وفي نهاية المطاف، فإن مخطط <پونزي> المموه هذا سينهار وسيقود الشركة إلى الإفلاس لأن نمو الشركات على هذا النحو يتطلب توسعا غير محدود في القوى العاملة، وهو أمر مستحيل في عالم عدد سكانه محدود.

ومن مخططات <پونزي> المموهة التي أخطأت المسار ذاك الذي نفذته شركة النفط البرازيلية OGX التي كان يديرها الملياردير الشهير السابق <E. باتيستا>(9). لقد كان صعود الشركة OGX مذهلا، كما كانت نهايتها. فقد مثَّلت عندما انهارت في الشهر 10/2013، أكبر حالة من حالات تخلف الشركات عن الوفاء بالتزاماتها في تاريخ أمريكا اللاتينية. فقد استخدمت الشركة OGX استراتيجية تضمنت استقطاب الموظفين الموهوبين من شركات أخرى بمنحهم خيارات سخية لشراء أسهمها. واستثمرت هذه الاستراتيجية فترة من الزمن، بينما أخذت الديون تتراكم كالهرم المقلوب رأسا على عقب. ومن ثم انهارت الشركة تاركة موظفيها ومستثمريها مفلسين.


اسرق <هارشا> لسداد <گوبار>(*****)
القصة القصيرة بعنوان: «رنام كرتفا» («بالدَّين إن لزم الأمر»)، للكاتب البنغالي <Sh. شاكرابورتي>(10) الذي اشتهر في منتصف القرن العشرين، تصف بفاعلية الأسس التي يستند إليها مخطط <پونزي>. وفي هذه القصة يقول بطل الرواية إنه احتاج بصورة ماسة إلى مبلغ 500 روبية صباح يوم من أيام الأربعاء. فتذكر صديقه الساذج من أيام المدرسة <هارشاباردان>(11)واستجمع الشجاعة لزيارته ليقنعه بأن يقرضه المبلغ، واعدا إياه بأن يسدد الدين يوم السبت التالي. وعندما أتى يوم السبت، صار يواجه ورطة أخرى. لكنه تذكر، لحسن الحظ، صديق طفولته الساذج الآخر، <گوباردهان>(12)، وسرعان ما يتملقه ليحصل على قرض بمبلغ 500 روبية، مع وعد بأن يعيد المبلغ يوم الأربعاء التالي. وهكذا يعيد مبلغ 500 روبية إلى <هارشاباردان>. لكن عليه يوم الأربعاء أن يسدد القرض الذي حصل عليه من <گوباردهان>. لذا عاد مرة أخرى ليقترض من <هارشا> مذكرا إياه أنه رجل يفي بوعوده. وهكذا يقترض 500 روبية مرة أخرى ويقوم بإعادة سداد <گوبار>. وسرعان ما يصبح هذا حدثا أسبوعيا.

وهكذا تجري الحياة ببطء بالنسبة إلى بطل الرواية من السبت إلى الأربعاء ومن الأربعاء إلى السبت. لكن كارثة تلوح أمامه عندما يرى <گوبار> و<هارشا> يتمشيان باتجاهه من جانبين على مفترق الطريق، يشعر الراوي بالدوار أول الأمر لكنه يتعافى في الوقت المناسب ليقول لكليهما كم هو مسرور بلقاء صديقيه المفضلين معا. وبعد حوار عادي، يخبرهم بأن لديه خطة، ويؤكد لهم أنها لن تغير في حياتهم شيئا ولكنها ستنقذه حتما من متاعب لا داعي لها. فيقول ل<هارشا>: «في كل يوم أربعاء، من فضلك اعط <گوبار> 500 روبية،» ثم يتوجه بالكلام إلى <گوبار> ليقول: «وكل يوم سبت اعط 500 روبية ل<هارشا> .» وتذكرا أنه لا يجب أن تتوقفا أبدا عن فعل ذلك.» وبينما يحاول الصديقان الحائران معرفة ما الذي يحدث، يودعهما بطل الرواية ويتركهما حائرين.
ترجمة إنكليزية من القصة القصيرة «رنام كرتفا» في
إكونومسيتس ميسيليني Economist’s Miscellany، بواسطة
كاوشك باسو Kaushik Basu (مطبعة جامعة أكسفورد، 2011)



ينجم التحدي الذي تواجهه المساعي الرامية إلى تنظيم المداولات المالية عن تبدل طبيعة مخططات <پونزي> المموهة خلال مراحل تنفيذها، وذلك بحيث يبدو المشروع في نهاية المطاف قانونيا بصورة تامة. إن توافر المناخ الاقتصادي المواتي وقدر من الحظ قد يؤدي بالشركة التي تنغمس في تلك الممارسات إلى ابتكار وتوفير منتجات مرتفعة القيمة؛ مما يسمح لها بالتالي بتعيين المزيد من الموظفين دون منحهم خيارات لشراء أسهمها. ومن الممكن بعدئذ أن تبطئ توسعها بحيث تتمكن تدريجيا من البقاء، دون الحاجة إلى نمو لا ينتهي وزيادة مستمرة بتوزيع الأسهم على الموظفين. وهذا ما يجعل تدخل الهيئات المنظمة صعبا، ويقلص الرغبة في تطبيق إجراءات ربما أدت إلى وأد أعمال تجارية مشروعة وإلى تثبيط مبادرات قد تطلقها مؤسسات أخرى. من جهة أخرى، فإن غياب التنظيم المناسب قد يؤدي إلى نشوء مخططات هرمية وعمليات احتيال يمكن أن تسبب أضرارا فادحة.

أكبر كثيرا من أن تفشل(******)

يعود التحدي الأكبر في صياغة النظم المصممة لمكافحة المخططات الهرمية إلى وجود أنشطة تمزج بين التعاملات القانونية وغير القانونية. فإذا احتال مدير مؤسسة تستخدم مثل هذه المخططات على مستثمر ما متظاهرا بأن أموال هذا المستثمر ستستثمر على نحو منتج - بينما لا بد أن تقابل المكاسب الحالية في واقع الحال خسائر حتمية لمن سيستثمر مستقبلا - فمن الممكن عندئذ أن توجه إلى هذا المدير تهمة الاحتيال الإجرامي. لكن، وكما هي الحال في مخططات <پونزي> الأخرى، فمن الممكن أن تدار هذه العمليات علنا وأن تستمر باجتذاب الأموال ممن لا يعي مخاطرها.

كما ينجم جانب من المعضلة عن أن تعاملات البشر تفتقر إلى قدر من العقلانية. فالحاجة إلى فرع ضمن العلوم الاقتصادية التقليدية يدعى «الاقتصاد السلوكي»(13) وإلى فيض من التجارب المخبرية المتصلة به لَدليل ناطق على قصور البشر عن التصرف بالعقلانية المتوقعة منهم في الكثير من الأحيان. وتماشيا مع الإدراك بأن تعاملات البشر كثيرا ما تفتقر إلى العقلانية تبرز الحاجة إلى تصميم قوانين تقي من يحتاج منهم إلى الحماية.

إن الحاجة إلى فرع ضمن العلوم الاقتصادية التقليدية يدعى «الاقتصاد السلوكي» وإلى فيض من التجارب المخبرية المتصلة به، لَدليل ناطق على قصور البشر عن التصرف بالعقلانية المتوقعة منهم في كثير من الأحيان.


وبفضل ما تراكم عبر السنين من بيانات وتحليلات، تسعى قوانين كثيرة الآن إلى حظر مخططات <پونزي> التي تمثل عمليات احتيال مكشوفة تستهدف الغافلين. ففي الولايات المتحدة، كلفت هيئة الأوراق المالية والتداولات(14) بإغلاق مخططات <پونزي> الاحتيالية. وتسعى قوانين تتصف بقدر متزايد من الحصافة، مثل قانون دود-فرانك(15) الذي مرره الكونگرس عام 2010، إلى معالجة أشكال لا تعد ولا تحصى تتخذها هذه المخططات الهرمية. وقادت موجة من المخططات الشبيهة بمخططات <پونزي> إلى مناقشات في الهند لتعديل قانون هيئة الأوراق المالية والتداولات الهندية(16) الصادر في عام 1992 ليصير أكثر فاعلية في مراقبة عمليات الاحتيال المالية.

إن إحدى أكبر الصعوبات التي تجابه مكافحة مخططات <پونزي>، إن كانت قانونية أم لا، تعود إلى السياسات العجيبة التي تنتهجها بعض الحكومات. فالعديد منها، في الاقتصاديات الصناعية على وجه التحديد، تلتزم بالتدخل لإنقاذ كبرى الشركات عندما تكون على وشك الانهيار. ويمكن لهذه الممارسة، التي يشار إليها بعبارة «أكبر من أن تفشل(17)،» (والتي أضحت شائعة إلى حد يبرر استخدام المختصر غير المحبب (TBTF)ا(17) في الإشارة إليها) أن تجتذب المستثمرين إلى شركة تنفذ مخطط <پونزي> اعتقادا أن مجرد كون الشركة أكبر من حد معين، يستدعي تدخل الحكومة لتسعفها بأموال دافعي الضرائب، وذلك للحيلولة دون انهيارها ولتحمي بالتالي المستثمرين كليا أو جزئيا، على أقل تقدير.

يستند تبرير سياسة الممارسة TBTF إلى الاعتقاد أنه عندما تفلس شركة استثمارية كبرى، فإن الأضرار التي تلحق بالمواطنين العاديين تبلغ حدودا تحتاج الحكومة معها إلى التدخل وإنقاذ الشركة من الإفلاس. ومع ذلك، فقد أصبح من الواضح الآن أن هذه السياسة، إن كانت حسنة القصد - أو حتى ولو لم تكن كذلك ولكنها مُوِّهت لتأخذ صورة حسنة - قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات المالية؛ إذ تطمئن المسؤولين عن شركات التعاملات المالية أن ما قد يتحقق من أرباح نتيجة مخططاتهم، سيكون ملكا لهم ليحتفظوا به، بينما يتحمل دافعو الضرائب الخسائرَ في حال حدوثها. وقد كان لهذه السياسة دور جلي خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

لقد شجعت هذه السياسة بعض المؤسسات على خوض مجازفات متهورة وانتهاج ممارسات مالية غير مسؤولة. ومن الواضح أننا نحتاج إلى سياسات تسمح بالتدخل الحكومي لحماية شركة خاصة من الإفلاس، ضمن ظروف استثنائية. لكن لا ينبغي لهذه السياسات أن تحمي أولئك الذين يديرون هذه الشركة ويتخذون القرار فيها. واستنادا إلى هذا التوجه، يسعى العديد من الدول إلى وضع قواعد محكمة تحول دون اضطرارها إلى إنفاق أموال دافعي الضرائب من أجل إنقاذ الشركات المالية الكبرى من الانهيار.

ومن بين الأفكار الجديدة الأخرى التي أبرزها العقد الماضي الذي حَفِل بعمليات الاحتيال والأزمات المالية نظام اعتماد للمنتجات المالية. فكما هي الحال بالنسبة إلى الطبيب الذي يكتب وصفة طبية لدواء خطر، يتطلب هذا النظام توقيع خبير مالي على أي منتج مالي جديد، وقد يكون هذا المنتج الجديد رهنا عقاريا معقدا، بحيث يكون آمنا للمشتري قبل أن يتمكن أي شخص من تسويقه. لكن، حتى ولو تبنت الشركات تدابير كهذه، فالواقع هو أن مخططات <پونزي> والفقاعات المالية التي تصاحبها تؤدي، في بعض الأحيان على الأقل، إلى أضرار تسمم النشاط الاقتصادي في أي بلد كان. ولن يتوقف من تسوغ له نفسه عن مواجهة كل نظام جديد بمنتج مالي مبتكر صمم للاستيلاء على أموال الناس، وستبقى الحاجة إلى قيام المؤسسات المسؤولة بتصميم نظم مواتية في المقابل.
المؤلف
Kaushik Basu
<باسو> أحد كبار نواب رئيس البنك الدولي. وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل. وإلى جانب عمله على مخططات <پونزي>، أجرى <باسو> أبحاثا شملت العديد من المجالات، منها دراسات تناولت قوانين واقتصاد الرشوة.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_42.jpg
مراجع للاستزادة

Irrational Exuberance. Robert J. Shiller. Princeton University Press, 2000.
Ponzi’s Scheme: The True Story of a Financial Legend. Mitchell Zuckoff. Random House, 2005.
Animal Spirits: How Human Psychology Drives the Global Economy, and Why It Matters for
Global Capitalism. George A. Akerlof and Robert J. Shiller. Princeton University Press, 2009.
A Marketing Scheme for MAKING MONEY OFFhttp://cdncache-a.akamaihd.net/items/it/img/arrow-10x10.png (http://www.oloommagazine.com/Articles/ArticleDetails.aspx?ID=2829#) Innocent People: A User’s Manual. Kaushik
Basu in Economic Letters, Vol. 107, No. 2, pages 122–124; May 2010.

(*)THE PONZI ECONOMYأو: “الاقتصاد الپونزي” وينسب هذا الاقتصاد إلى الإيطالي <كارلو پونزي> الذي اشتهر بعمليات احتيالٍ مالي في عدة بلاد في العالم. ؛
(**)The Basic Con
(***)Natural Ponzis
(****)Hidden Scams
(*****)Robbing Harsha to Pay Gobar
(******)Too Big to Fail
(1) Dickens
(2) behavioral economists
(3) Carlo (“Charles”) Ponzi
(4) New England
(5) ounce
(6) Mississippi Company
(7) Silicon Valley
(8) Carlo Pietro Giovanni Guglielmo Tebaldo Ponzi
(9) Eike Batista
(10) Shibram Chakraborty
(11) Harshabardhan
(12) Gobardhan
(13) behavioral economics
(14) the Securities and Exchange Commission
(15) Dodd-Frank Act
(16) Securities and Exchange Board of India Act
(17) too big to fail