المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل التصنيع


Eng.Jordan
04-15-2015, 10:22 AM
مكوناتٌ ذات شكلٍ متكيف آتيةٌ(*)
آلات مرنة أحادية القطعة(1) قد تجعل تجميع القطع
الصلبة خلال عملية التصنيع شيئا من الماضي.
<S. كوتا>

باختصار
يتم الحصول على المرونة في الآلات التي يبنيها الإنسان من خلال نظم معقدة تتكون من أجزاء صلبة لكنها قليلة الفعالية. مردُّ ذلك، وجود تنافر بين الصلابة والمرونة في غالب الأحوال.

نوصّف التصميم المرن أو المطاوع، بأنه توجه هندسي يمكّن من تحقيق المرونة بتوزيع الأحمال عبر مكونات قابلة للتشكل تصنع بأقل عدد ممكن من الأجزاء.

بذلك يصبح بالإمكان تصنيع آلات جديدة كأجنحة الطائرات المتغيرة الشكل والإنسالات الثعبانية snake robots، فضلاً عن زيادة التحمل والفعالية لمختلف أنواع المكونات المستخدمة.



في عام 1995 بينما كنت أقود سيارتي في يوم ماطر وفي إحدى ضواحي آن آربر بولاية مِتشيگان، سيطرت مسّاحات الزجاج الأمامي للسيارة على تفكيري. وكنت آنذاك أشغل منصب أستاذ مشارك في الهندسة الميكانيكية بجامعة مِتشيگان. وفي السنوات السابقة كنت قد قمت بالعديد من الدراسات حول ما يعرف في الصناعة ب «التصميم للتجميع(2).» وكان الهدف من ذلك تقليل عدد الأجزاء في أي جهاز عند تجميعه؛ مما يقلل من تكاليف التصنيع والتجميع. وكنت قد بدأت أتساءل في سياق هذا العمل عما سيحدث لو أخذت فكرة التصميم للتجميع إلى نهايتها المنطقية وهي: هل من الممكن أن نقوم بتصميم المنتجات من دون تجميع؟

وعلى نحو مفاجئ وأنا جالس وراء عجلة القيادة، تبين لي أن مسّاحات الزجاج الأمامي لسيارتي كانت مثالا ساخرا على إضاعة الجهد الهندسي. فإطار المساحة الحامل للشفرة المعدة للاستبدال، يجب أن يكون مرنا للغاية. كما يجب الحفاظ على الشفرة ضاغطة باستمرار على الزجاج طوال حركته جيئة وذهابا على سطح غير مستو متغير ذي محيط محدد. كما يتعين أن يكون الإطار قادرا على القيام بذلك عند تنوع نماذج السيارات واختلاف شكل الزجاج الأمامي لكل منها. فكيف كانت استجابتنا لهذه الحاجة المطلوبة إلى المرونة؟ لقد كانت نظاما معقدا يتألف من قضبان جامدة ووصلات ومحاور.

لقد كان لي اهتمام آخر متنام في تلك الأثناء وهو التصميم المرن أو المتوافق(3)، والذي يُمَكن من بناء آلات قوية ولكن مرنة باستخدام أقل عدد ممكن من القطع. لقد نجحت بالفعل مع زملائي في بناء آلات متنوعة من قطعة واحدة من المواد. فعلى سبيل المثال، في عام 1993 قمت مع طالبَيْ دراسات عليا لديّ هما <K.G. أنانثاسوريش> و<L. ساجير> ببناء دباسة مطواعة compliant stapler لا تجميعية. لكنني تخيلت أن مساحة الزجاج الأمامي ستكون حالة اختبار مثالية. إذ إن مساحة من قطعة واحدة(1) أو وحيدة الشكل(4)، يمكنها الاستغناء فعليا عن التجميع. ويشكل هذا المشروع في حال نجاحه أكثر من مجرد تمرين في الهندسة وتبسيطها. إن القسم الأكبر من تكلفة تصنيع المساحة يذهب إلى تجميعها. ولن يشكل إنتاج مثل هذه البضائع ذات التجميع الكبير أمرا مدهشا بانتقالها منذ فترة طويلة إلى خارج الولايات المتحدة إلى بلدان ذات أجور عمالة منخفضة نسبيا.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_53.jpg
يمكن للقزحيات irises المصنوعة من قطعة واحدة من المواد تغيير شكلها بنسبة 100 في المئة عند الضغط على الحلقة الخارجية.


لم نشتغل أنا وزملائي بتصميم مساحة زجاج أمامي من قطعة واحدة على الفور. فعلى مدى العقدين الماضيين تركزت معظم أبحاثي حول المبادئ العامة للتصميم المرن - بمعنى استنباط القوانين والنظريات التي يحتاجها المهندسون لتصميم وبناء جهيزات مطواعة compliant devices. لكننا قمنا، في نهاية المطاف، بتصميم مسّاحة الزجاج الأمامي تلك. لقد استخدمنا التصميم المرن في الواقع لبناء مكبرات حركة مصغرة وحيدة الشكل وأجنحة طائرات مرنة وثعابين إنسالية(5) robotic snakes وآلات أخرى عديدة، تعبر كل منها عن مفهوم جديد للهندسة قد حان وقته.

آلات حية(**)

في حقيقة الأمر، نحن أكثر دراية بالآلات المطواعة مما قد نعتقد. وقد يكون القوس والنّشّاب أقرب وأبسط مثال على ذلك. فعندما يسحب الرامي القوس، يتم تخزين الطاقة المرنة ببطء ومن ثم يجري إطلاقها بسرعة لدفع السهم. ويمكن استخدام هذه الآلية المرنة القوية مرات عديدة بالنجاح نفسه والدقة. والمثال الأحدث لذلك هو غطاء زجاجة الشامبو، فهو جهيزة وحيدة الشكل تجمع بين غطاء سهل الفتح وطوق مسماري خالٍ من المفاصل الميكانيكية. أما المثال الآخر، فهو الملقط الطبي الذي يستعمل لمرة واحدة والذي يستخدم على نطاق واسع في المستشفيات، وهو من الدقة بما يؤهله للاستخدام في غرف العمليات، كما يسمح ثمنه الزهيد بالتخلص منه بعد كل استخدام.

يوجد في الطبيعة أكثر التصاميم المرنة نجاحا. فقد بدأت أدرك هذا في عام 1995، عندما شرعت في قراءة أعمال <S. ڤوگل> [عالم الأحياء الشهير في جامعة ديوك]. وفي كتب مثل «جهيزات الحياة»(6) و «كفوف القطط والمقاليع»(7) فـ<ڤوگل> يوضح ببراعة طريقة عمل تصاميم الطبيعة، ويظهر أوجه التشابه بينها وبين الجهيزات الهندسية(8). وتمتاز فروع الأشجار وأجنحة الطيور وسيقان سرطان البحر وخراطيم الفيلة كلها بأنها مرنة وقوية. أما مكوناتها، فإما أن تنمو من بعضها البعض، أو تكون مترابطة جنبا إلى جنب بروابط قوية ذاتية النمو خلافا لأنظمة التروس والزلاجات والنوابض. ويمكن لتلك الأنظمة المرنة الانحناء والاعوجاج والتمدد من خلال استغلال مرونتها الكامنة.

وعبر آلاف السنين تراكمت لدى بني البشر الكثير من الخبرة في تصميم هياكل قوية وصلبة كالجسور والمباني. وفي الغالب، إننا نفعل ذلك عن طريق استخدام المواد القوية والصلبة. فإذا تزايدت الضغوط، فإننا نضيف وببساطة المزيد من المواد لتوزيع الحمل أو لزيادة والصلابة. والصلابة ههنا أمر جيد ومحمود، في حين أن المرونة أمر سيىء. وفي الواقع، عندما يكون الحديث عن الهياكل الجامدة، فإن الانحراف - أو القابلية للتشوه أو التغير تحت الضغط - يعد أمرا مرغوبا في حالة التصميم المقاوم للزلازل فقط.

وفي المقابل، يتجاوب التصميم المطاوع مع الانحراف. فإذا ازداد تركيز الإجهاد كثيرا على نقطة مرنة ما، فإننا نجعلها أرق لا أسمك، ذلك لأن وظيفة البنية المطاوعة هي استغلال المرونة بوصفها وظيفة ميكانيكية أو حركية.

وفي حالة غطاء زجاجة الشامبو، يتركز الضغط على الجزء المبلمر الرقيق الذي يربط الغطاء بالقاعدة. وكما يتبع الملقطُ الطبي الرخيص الثمن التصميمَ ذاته. وعندما تتركز الضغوط في منطقة منفصلة رقيقة، يسمى الانثناء عندها المطاوعة المركزة lumped compliance. لقد عكف الباحثون على دراسة المطاوعة المركزة منذ خمسينات القرن الماضي. وفي الآونة الأخيرة، فإن <A. ميدا> [من جامعة ميسوري للعلوم والتقانة] و<L.هويل> [من جامعة بريگهام يونگ] و <S. أوتان> [من جامعة مِتشيگان] و <M .L. كابيبر> [من معهد ماساتشوستس للتقانة] قاموا جميعا بسلسلة من البحوث الممتازة حول هذا الموضوع، موضحين التطبيقات المختلفة للمطاوعة المركزة في الأدوات الدقيقة وجهيزات التوضيع النانوي(9).

وفي المقابل، فإن القوس والنشاب لا يحتوي على مثل هذه المناطق للانثناء المتموضع. فهو يضرب مثالا صريحا ورائعا «للمطاوعة المتوزعة» distributed compliance على مدى طوله بأكمله. وتعتبر هذه المطاوعة المتوزعة أمرا أساسيا لبناء الآلات المرنة التي تقوم بأعمال ثقيلة - كالأجنحة التي تُبقي على الطائرات في الجو، أو المحركات التي تعمل لملايين الدورات، على سبيل المثال. وعندما بدأت العمل في هذا المجال، لم أتمكن من العثور على أسس نظرية أو طرق عامة لتصميم أجهزة ذات المطاوعة المتوزعة. وكان ذاك هو المكان الذي ركزت فيه جهودي بطبيعة الحال، وهو المكان الذي لا يزال اهتمامي مركزا عليه.

بداية بشكل صغير(***)

بدأت العمل على آلات مرنة أحادية القطعة ليس لكونها أمرا جديدا وممتعا، بل لأن التصميم اللاتجميعي هو ضرورة قصوى في بعض التطبيقات. فقد عملت أولا في دراسة الأنظمة الميكانيكية الكبيرة مثل نواقل الحركة في السيارات. ولكنني وجدت نفسي في أوائل التسعينات أقوم بتصميم آلات صغيرة جدا - هي أنظمة كهروميكانيكية ميكروية (MEMS)ا(10). وكان هذا متعلقا إلى حد كبير بظروف تلك الحقبة. فقد بدأت شركات الاتصالات للتو بتطوير مفاتيح بصرية لشبكات الألياف الضوئية؛ كان عليها استخدام محركات في غاية الصغر لتغيير زوايا المرايا بسرعة كبيرة، ومن ثم توجيه الإشارات الضوئية إلى اتجاه أو آخر. وبعد فترة ليست بالطويلة وبعد قراءتي لكتب <ڤوگل> واستكشافي لعالم التصميم المرن، بدأت في مشروع مع <S. روجرز> وفريقه في مختبر سانديا الوطني، قسم الأنظمة الميكروية microsystems division، حيث بدت فكرة تصميم وحيد الشكل مناسبة جدا.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_55_a.jpg
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_55_b.jpg
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_55_c.jpg
مع التصميم المرن، يمكن للأسطح المرنة القابلة للتشكيل أن تحل محل لوحات الجناح الجامدة (1)، ولإطارات مساحات الزجاج الأمامي أن تصب من قطعة واحدة من المواد (2)، ولقطعة واحدة من البلاستيك أن تقوم بعمل ما يقرب من الأربعة والعشرين جزءاً المشكِّلة للدباسة التقليدية (3).


كان الباحثون في مختبرات سانديا محتاجين إلى بناء محرك خطي(11) يقدر على تقديم إزاحة كافية - بمقدار عشرة ميكرونات على الأقل. لكن قيود التصنيع للمحركات الكهروساكنة قلصت حركتهم بميكرونين فقط. كنت أعرف ببساطة تعذر تصغير تروس نقل الحركة مثلا. وحتى لو سلمنا بإمكانية العثور على شخص ذي أيد ثابتة بما فيه الكفاية لتجميع تروس و محاور ومفاصل ذات أبعاد في نطاق الميكرون والميكرونين، فإن الجهاز الناتج سيكون عديم الدقة بالنسبة إلى متطلبات الهندسة الحديثة. وتحتاج تقانة الأنظمة MEMS إلى دقة من مرتبة عُشر الميكرون لتصنيع ألعاب التركيب Tinkertoy. إلى جانب ذلك، تصنع جهيزات الأنظمةMEMS بطريقة الدفعة batch كما في الدارات المتكاملة integrated circuits، أي عشرات آلاف المكونات في منطقة بحجم ظفر إصبع. فقد قمت بتصميم مكبر حركة أحادي الشكل لتوليد حركة مقدارها عشرون ميكرونا إثر دمجه في المحرك الكهروستاتيكي.

وبحلول عام 1998 كان لدينا المحرك والمكبر يعملان بدقة وفعالية. ومازلت أذكرني واقفا في المختبر، متأملا بتعجب ذلك العنصر الصغير. لقد كان مستمرا بالعمل لأكثر من عشرة بلايين دورة من دون وجود علامات توقف في الأفق. لكن الأكثر إثارة للإعجاب في رأيي، هو أن مكبر الحركة بأكمله وبجميع تعقيداته و مرونته، كان مكَونا من قطعة واحدة فقط من السيليكون المتعدد البلورات.

طائرات مرنة(****)

ومن بين جميع الأسباب التي اخترت من أجلها دراسة التصميم المطاوع، أجد الأكثر إلحاحا بينها هو تكيف الشكل، أو «التحول» morphing. وتمكن هذه القدرة على تغيير شكل الهيكل آنيا الآلات الطبيعية من العمل بأقصى قدر من الكفاءة. قارن، على سبيل المثال، هذه القدرة على التكيف السريع بمثيلاتها في عالم الهندسة الثابتة - القاطرة المحركة وأجنحة الطائرات والمحركات والضواغط والمراوح وغيرها. ونجد هذه الأجهزة وجميع الأجهزة الأخرى المصممة تقليديا تعمل بكفاءتها القصوى تحت ظروف محدودة للغاية، بينما يتراجع الأداء في الأوقات الأخرى. فالطائرة، على سبيل المثال، تتعرض لمجموعة متنوعة من ظروف الطيران لتصل من نقطة إلى أخرى. فهناك التغير في الارتفاع والسرعة بل وحتى الوزن - بفعل استهلاك الوقود؛ مما يعني أن الطائرة تعمل طوال الوقت تقريبا بكفاءة أقل من كفاءتها القصوى. لكن الطيور، من ناحية أخرى، يمكنها أن تقلع وتحط وتحوم وتنقض بلا جهد يذكر بفضل تشكيل أجنحتها حسب الحاجة.


[أساسيات]
كيف تصنع ثعبانا إنساليا(*****)
بالنسبة إلى الديدان والأخطبوطات والعديد من الرخويات الأخرى، لا يشكل عدم وجود هيكل عظمي جامد إعاقة تذكر: فيمكنها الحركة باستخدام السوائل اللزجة elastofluidics. وتتكون أجسامها من توليفة من الألياف النسيجية المتصلة ومن عضلات، تحيط بتجويف فيه سائل مضغوط. وتعتبر الألياف المتشابكة حلزونيا بمثابة مضادات لمقاومة ضغط السائل الناتج من تقلص العضلات، في حين يحدد اتجاه تشابك الألياف مدى الحركة. ويعكف المهندسون في جامعة مِتشيگان على تطوير الإنسالات robots استنادا إلى المبدأ نفسه. ويمكن أن تشمل التطبيقات العملية جهيزات تقويم العظام التي تساعد على الحركة، وإنسالات قادرة على التعامل مع الأشياء الدقيقة القابلة للكسر والتلف برقة شديدة، وهو ما يمكنها كذلك من العمل بأمان جنبا إلى جنب مع البشر.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_56.jpg
(1) الألياف والسائل
استخدمت معظم المحاولات السابقة لتصميم الإنسالات الثعبانية snake robots أجساما مقطعة - سلسلة طويلة من المكونات المفعلة. فقد قرر كل من <كوتا> و<J. بيشوب-موسر> [من جامعة مِتشيگان] استخدام سائل مضغوط ضمن ليف كحل بديل - حاوية مرنة مقواة «السائب»FREE. و«السائب» عبارة عن أسطوانة مفرغة من البوليمر المرن والمقوى بطبقتين أو ثلاث من شبكة ليفية (في الأعلى). وتحدد زوايا حلزنة الألياف حول الأسطوانة مدى تغير الشكل عند انضغاط السائل في الداخل (في اليمين).
(2) الثعبان الماسك للأنابيب
قام <بيشوب-موسر> بتنفيذ إنسالة ماسكة للأنابيب صنع فيها «السائب» من أنبوب مرن مغلف بألياف طبيعية ويملؤه الهواء (أسفل اليسار). ويتغير شكل «السائب» ليأخذ شكل الحلزون عند زيادة ضغط الهواء، ومن ثم يضغط بدوره على داخل الأنبوب (أو تنحشر من الخارج) (أعلى اليسار). ويمكن لهذا الثعبان الماسك للأنابيب حمل أشياء تصل إلى مئة ضعف وزنه.
(3) الثعابين تنضم إلى القوى
نظرا لثبات طول وتوجيه ألياف «السائب الواحد»، فإنه يغير شكله بطريقة واحدة عند انضغاطه. فقد قام كل من <G. كريشنان> [من جامعة إلينوي في أوربانا-شامپين] و<بيشوب-موسر> بتنفيذ عدد من «السوائب» المرتبطة إلى بعضها؛ مما أتاح قدرا أكبر من الحركة (التفاصيل في اليمين). ويتخذ هذا العنصر المركب شكلا مختلفا تبعا «للسائب» المفعل. فقد لونت «السوائب» المضغوطة بلون مختلف عن غير المضغوط كما يوضح في السلسلة أدناه، الرمادي في حالة الراحة.
(4) هل الإنسالات robots الناعمة قادمة؟
لاتزال الأبحاث المتصلة «بالسوائب» الخاصة بالإنسالات في بداية الطريق، لكن <كوتا> يزعم أن التطبيقات يمكن أن تتضمن الجهيزات الطبية وتفتيش الأنابيب وحتى خط إنتاج بإنسالات ناعمة وماهرة (في اليمين) قادرة على تناول منتجات هشة لاتستطيع الإنسالات الحالية القيام بها الآن.


وفي منتصف التسعينات، تساءلتُ عما إذا كان أي شخص قد حاول تغيير شكل الجناح (احديدابهcamber) أثناء الطيران لتحسين الأداء. وقد اكتشفت، ولدهشتي، أن الأخوين <رايت> اخترعا نوعا مختلفا من تحول أو تحريف الجناح في طائرتهما الأصلية. كما علمتُ لاحقا أن تغيير احديداب الجناح للتعامل مع مختلف ظروف الطيران في الطائرات الحديثة ظل هدفا بعيد المنال لعقود عدة. حتى جلست ذات ليلة عند طاولة غرفة الطعام وبدأت بالعمل على التصميم.

وبعد بضعة أشهر من دراسة الموضوع، لاحظت مقالا صغيرا في صحيفة يومية يتحدث عن بحث في الأجنحة المرنة قد أجري في أواخر الثمانينات بقاعدة <رايت-پاترسون> الجوية في ولاية أوهايو. وكان المهندسون هناك يطلقون على هدفهم اسم الجناح المتكيف مع المهمة mission-adaptive wing. ولم يذكر المقال أي شيء عن نتائج بحثهم، لكنني تيقنت أن فكرة الجناح المتحول ليست بتلك الفكرة الحمقاء كما خشيت. ولذلك قمت بالاتصال بالباحثين والسؤال عما إذا كانوا يرغبون في التعرف على تصميمي، فكان الحماس الشديد هو رد فعلهم.

لقد أوضح الباحثون أن معظم المحاولات السابقة لبناء الجناح المتحول، إن لم يكن كلها، استخدم هياكل معقدة - آليات ثقيلة وجامدة مع العشرات من محركات التحكم القوية لجعل هيكل الجناح يتشكل وفقا لظروف الطيران. فعلى سبيل المثال، عدل المهندسون مرة جناح الطائرة المقاتلة F-111 باستخدام لوحات مرنة. وبالفعل، فقد أظهر الجناح المتكيف قدرات أيروديناميكية aerodynamic فائقة، لكن الهيكل كان ثقيلا ومعقدا بحيث أخرجه ذلك من دائرة التطبيق العملي.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_58.jpg
بالنسبة إلى الآلات الصغيرة جدا، مثل مكبر الحركة الكهروميكانيكية هذا، يصبح التصميم الأحادي القطعة ضرورة من ضرورات التصنيع.


لم يفاجئني هذا الأمر كثيرا. فتصميم جناح عملي ذي هندسة متغيرة يتطلب تلبية العديد من المتطلبات المتعارضة. إذ يجب أن يكون الجناح خفيف الوزن وقويا بما يكفي لتحمل آلاف الكيلوغرامات الناجمة عن حمل الرياح، كما يتمتع بموثوقية عالية للعمل مئات الآلاف من الساعات، وأن يكون سهل التصنيع وال***** وشديد التحمل لما قد يتعرض له من مواد كيميائية أو أشعة فوق بنفسجية، إضافة إلى التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة. لم تكن أدوات التصميم والبرمجيات المستخدمة في ذلك الوقت مهيأة لتصميم أو تصنيع آلات أحادية الشكل، تاركة التصاميم التي تتطلب الكثير من المتطلبات المتنافسة وحدها.

فقد استفاد تصميم الجناح المرن الذي قدمته إلى قاعدة < رايت-پاترسون> من مرونة مكونات الاختبار التي كانت مواد صناعة الطيران والفضاء التقليدية. أما الجناح، فكانت له بنية داخلية يمكنها إعادة التشكل بسهولة استجابة لقوة مطبقة من محرك داخلي صغير، في حين ظل هذا الجناح قويا عند تعرضه لقوى خارجية شديدة في اختبار نفق الرياح. وأثار هذا التصميم كثيرا حماس كبار المهندسين في قاعدة <رايت-پاترسون> كما أثار حماستي؛ مما دفعني في الشهر 12/2000 إلى تأسيس الشركة FlexSys لتطوير التطبيقات العملية للتصميم المتوافق.

وبعد ست سنوات تخللها الكثير من التطوير وعدة اختبارات ناجحة داخل نفق الرياح، تمكنا من التوصل إلى نموذج من الجناح المرن وإلصاقه بالجانب السفلي لنموذج مصغر لطائرة مصنعة من المواد المركبة ScaledComposites سميت الفارس الأبيض White Knight، لإجراء اختبارات الطيران في صحراء موجاڤي. فقد ثبت الجناح تحت جسم الطائرة النفاثة، وجهز بالكامل لقياس معاملات الرفع والسحب أثناء الطيران. وقد تراوح معامل الرفع بين 0.1 و1.1 من دون زيادة في معامل السحب؛ ويترجم هذا إلى زيادة كفاءة الوقود بنسبة تصل إلى اثنتي عشرة في المئة لجناح مصمم لتحقيق الاستفادة الكاملة من الجنيحات flaps المرنة الجديدة. (إذا ما استخدمت الجنيحات المذكورة لتحديث وتعديل الأجنحة القائمة بالفعل؛ فمن شأنها أن ترفع المردود بمقدار أربع في المئة أو أكثر.) وبما أن شركات الطيران الأمريكية تستهلك نحو ستة عشر بليون غالون من وقود الطائرات سنويا، فيمكن الجزم بأن النسب المذكورة، وإن بدت صغيرة، سيكون لها أكبر الأثر من حيث التوفير. إضافة إلى ذلك، يمتاز الجناح المعدل بأنه أكثر بساطة، مع غياب أي جزء متحرك في آلية التحول. ونتيجة لذلك، نحصل على ازدياد الموثوقية reliability ورفع نسبة الوزن إلى الاستطاعة.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_59.jpg
تمثل الهيدروستات hydrostats القابضة على الأنابيب كالتي تظهر هنا إثباتا لصحة المفهوم، ويمكن أن يؤدي في النهاية إلى إنسالات ثعبانية لينة.


سيأتي الاختبار الحقيقي لأجنحة الطائرات ذات الأشكال المتكيفة عندما تَحلُّ الأسطح القابلة للتحكم المرن محل الجنيحات التقليدية تماما. ونقوم حاليا بوضع اللمسات الأخيرة على مثل هذا المسعى. ومن خلال العمل مع مختبرات سلاح الطيران التابع للولايات المتحدة، تقوم الشركة FlexSys بتصميم وبناء سطح متصل ذي قابلية للانحناء (للاحديداب) والتقلب العرضي لتحسين الأداء الأيروديناميكي عند استخدامه في مكان جنيحات الحافة الخلفية المنتجة للسحب. كما زودنا طائرة خاصة برجال الأعمال من الطراز GulfstreamAerospace GIII بأسطح مرنة من صناعتنا متغيرة الشكل والتحكم بدلا من الجنيحات التقليدية. كانت النتيجة، أنه إضافة إلى توفير كبير في استهلاك الوقود، فإنه من المتوقع أن يقلل تصميمنا من الضجيج الناتج من حركة الطائرة في الهواء. ووفقا لوكالة الفضاء الأمريكية، فإن المصدر الأعظم للضجيج الناجم عن هبوط الطائرات هو الدوامات الناتجة عند الحواف الحادة والفجوات بين اللوحات الخلفية للجناح والأجزاء الثابتة فيه. ومن أجل ذلك قمنا باستخدام أسطح انتقالية للقضاء على هذه الثغرات. ومن المقرر أن تجرى اختبارات الطيران في مركز <نيل أرمسترونج> لبحوث الطيران التابع لوكالة ناسا في الشهر 7/2014.

حابون وزاحفون(******)

في السنوات القليلة الماضية، وبالتعاون مع طلبة الدراسات العليا الذين أشرف عليهم، بدأت بإجراء أبحاث في التصميم المرن مستوحاة من الآلات الطبيعية الأكثر مرونة على الأرض، وهي الحيوانات الرخوية اللافقارية التي تخلو من الهياكل العظمية. وتمارس الحيوانات الأكثر غرابة فيها، مثل الحلقيات annelids والديدان الخيطية nematodes، حياتها بطرق بدأنا مؤخرا بفهمها. في حين أن الأمثلة المعروفة أكثر، مثل الأخطبوطات، توفر نماذج مثالية يسعى إليها المهندسون المشتغلون بالتصميم المرن.

وعلى الرغم من افتقار الرخويات مثل الديدان والأخطبوطات إلى أي هيكل عظمي واضح، إلا أنه يمكنها أن تتحرك بقوة وسلاسة. إنها تفعل ذلك في الغالب من خلال ما يسمى السوائل اللزجة elastofluidics. وتصنف أجسامها هندسيا على أنها هيدروستات hydrostats - تتكون من توليفة من الألياف النسيجية المتصلة ومن عضلات تحيط بتجويف فيه سائل مضغوط. وتكشف الدراسة التشريحية لهذه المخلوقات عادة ترتيبا حلزونيا متشابكا من الألياف والعضلات تحيط بالأعضاء الداخلية، والتي بدورها تحتل اللب المملوء بالسائل. وتعتبر الألياف المتشابكة حلزونيا بمثابة مضادات لمقاومة ضغط السائل الناتج من انقباض العضلات، في حين يحدد اتجاه تشابك الألياف مدى الحركة.

تتعدد وجوه الهياكل العظمية الهيدروستاتيكية وطبيعتها في عالم الحيوان. فأذرع الأخطبوط ليست سوى هيدروستات ذوات عضلات قوية، بينما يحوي خرطوم الفيل عددا من الألياف العضلية مرصوصة بإحكام حول جسم هيدروستاتيكي. أما جلد ثعبان البحر المقوى بالألياف، فيمثل وترا خارجيا يتيح للحيوان توليد قوة دافعة عظيمة للسباحة.

لا تزال أبحاثنا في السوائل اللزجة بمراحلها الأولى، لكن رهاننا على هذه العناصر يتمثل بإمكانية أن تكون بمثابة جهيزات لبناء «الإنسالات الناعمة» soft robots وغيرها من الجهيزات التي يمكنها التفاعل مع البشر والبيئة بسلام. ومع ذلك، فمن المرجح أن تكون أقرب التطبيقات في مجال تقويم الأعضاء. فعلى سبيل المثال، فإن المرضى الذين يعانون انكماش الذراع الناجم عن تصلب العضلات وتشوه المفاصل أو صلابتها، يمكنهم استخدام جهاز تقويم العظام المرن الذي يعيد ذراعهم بلطف إلى موضع مفيد للأنشطة اليومية.

مطاوعة محل تقدير(*******)

أثمرت نتائج الأبحاث الأساسية التي بدأناها في عام 1993 بمساعدة العديد من طلبة الدراسات العليا الموهوبين في مختبر تصميم النظم المطاوعة بجامعة مِتشيگان، مجموعةً نفيسة من الرؤى وأساليب التصميم المنهجية. ويقوم هؤلاء الطلبة الآن بالعمل من تلقاء أنفسهم على تصاميم مرنة في جامعة ولاية پنسلڤانيا وجامعة إلينوي في أوربانا-شامپين وجامعة إلينوي في شيكاغو وجامعة بوكنل ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا ومختبرات سانديا الوطنية ومختبر أبحاث سلاح الطيران وKLA-Tencor وشركة فورد للسيارات والشركة FlexSys، إضافة إلى الشركتين Raytheon وIntel. كما تقترب بعض الجهيزات التي طورناها على مدى السنين الفائتة من التسويق بفضل المهندسين الموهوبين في الشركة FlexSys. فقد أكملنا الاختبارات المناخية لإطار مساحة الزجاج الأمامي الوحيد الشكل وانتهينا من قالب الإنتاج له، والمناقشات جارية مع شركات صناعة السيارات والموردين لاستخدامها كمساحة للزجاج الخلفي. ويتم تصنيع هذه المسّاحة الوحيدة الشكل من البوليمر اللدن بالحرارة، الممتلئ بالزجاج؛ مما يجعلها تعمل بشكل صحيح في كل الظروف الجوية، الشديدة البرودة والحرارة. إنها لن تنكسر أو تنثني حتى في حالة نفض الجليد والثلوج عنها بقوة. أما فيما يخص التسويق، فإن هذه المسّاحة ذات عمر أطول و موثوقية أكبر وتكلفة تصنيع أقل مقارنة بمثيلاتها المنافسات لها.

أما أجنحة الطائرات المرنة، فهي جاهزة من الناحية الفنية للتسويق التجاري منذ الآن. وإن استبدال الخمس عشرة في المئة من الجزء الخارجي للرفرف المستخدمة حاليا في الجنيحات الجزئية subflaps المطواعة الشكل سيوفر وحده خمساً في المئة من وقود الطائرات في وضعية ضبط المسار فقط. أما استبدال الرفرف بكامله بأسطح مرنة ناعمة ومتغيرة، فسوف يوفر نحو اثنتي عشرة في المئة من الوقود المستخدم في التصاميم الجديدة. قد نضطر إلى الانتظار سنة أو سنتين للحصول على ترخيص من إدارة الطيران الاتحادية، ولكن بمجرد اكتساب ثقة الصانعين بالأجنحة المرنة، يمكننا الترجيح بأنها ستحل تماما محل اللوحات المثبتة في الطائرات ذات الأجنحة الثابتة بجميع أنواعها في المستقبل القريب.

وتكثر الحالات التي يمكن للتصميم المرن أن يقلل إلى حد كبير عدد الأجزاء المستخدمة في أي جهاز وذلك في قطاعات السيارات والأجهزة المنزلية والطبية والبضائع الاستهلاكية. لذا، فالتحدي الأكبر هو إيصال هذه المعلومة إلى المصممين الصناعيين. واتساع نطاق الاستخدام للمنتجات الجديدة مثل مساحة الزجاج المطاوعة يسهم في جعلها حجة لصالح التصميم المرن. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال أمر البرمجيات يشكل تحديا؛ فلا يوجد حاليا أي أداة برمجية سهلة الاستخدام لاستكشاف ومحاكاة التصاميم المرنة. ولكن من خلال عقد مع مؤسسة العلوم الوطنية (NSF)، تقوم الشركة FlexSys بتطوير برمجيات تتوافق مع تلك الرؤى.

سوف يستغرق الأمر عدة سنوات لكي يصل التصميم المرن إلى حالة من القبول بدرجة معقولة. لكننا نرى أن اعتماده على نطاق واسع أمر لا مفر منه. فالقوة والدقة والبراعة والكفاءة التي تعطيها المرونة، ستتيح للمهندسين في العديد من المجالات مجموعة جديدة تماما من الأدوات لاستخدامها، وقريبا سوف نبدأ جميعا بفهم وتقدير القوة الكامنة في كون الشيء مرنا.

المؤلف
Sridhar Kota
<كوتا> أستاذ كرسي هرِّيك بالهندسة في جامعة مِتشيگان ومؤسس ورئيس الشركة FlexSys, Inc.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2014/11-12/2014_11_12_54.jpg
مراجع للاستزادة

Better Bent Than Broken. Steven Vogel in Discover, pages 62–67; May 1995.

(*)SHAPE-SHIFTING THINGS TO COME
(**)LIVING MACHINES
(***)STARTING SMALL
(****)FLEXIBLE FLIERS
(*****)How to Build a Robot Snake
(******)CREEPERS AND CRAWLERS
(*******)COMPLIANCE IS APPRECIATED
(1) one-piece
(2) design for assembly
(3) elastic, or compliant, design
(4) monoform
(5) robotic إنسالية، نسبة إلى إنسالة robot وهذه نحت من إنسان-آلي.
(6) Life’s Devices
(7) Cat’s Paws and Catapults
(8) engineered devices
(9) nanopositioning devices
(10) micro electromechanical systems
(11) linear motor