المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جريمة سفر المتهمين في قضية التمويل الأجنبي


Eng.Jordan
03-05-2012, 10:47 AM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2012/3/4/1_201234_23351.jpg

د. محمد مورو

إذا تأملنا ما حدث في قضية التمويل الأجنبي، نجد أن المسألة من أولها لآخرها كانت سياسية، فبدايةً هؤلاء المتهمون من الأجانب والمصريين كانوا يمارسون هذا العمل – المريب – منذ سنوات عديدة، تحت سمع وبصر الأجهزة المصرية ولم يتحرك أحد ضدهم، رغم أن ذلك كان فيه، طبعًا منذ الوهلة الأولى، تدخل في الشأن المصري الداخلي لا يليق بدولة أن تقبل به. بل إن كثيرًا من رموز القوى الحاكمة آنذاك، وقطاعًا كبيرًا من المعارضة كان يشارك هؤلاء في نشاطهم، ويتدرب عندهم وأحيانًا يتلقى أموالًا منهم!!.
ثم فجأة وبلا أي مقدمات – اللهم إلا إرسال مجموعة من الرسائل في الداخل والخارج – تحركت الأجهزة المعنية، وضبطت هؤلاء، وأسندت إليهم عددًا من التهم، وحولتهم إلى النيابة ثم القضاء.
كانت الرسائل واضحة، فهي أولًا طريقة لتخويف مؤسسات المجتمع الأهلي – التي تتلقى تمويلًا من الخارج أيًا ما كان هذا الخارج – أو تلك التي لا تتلقى تمويلًا من أي نوع، بأن من الممكن معاقبة هؤلاء عند اللزوم، وأن ملفاتهم موجودة تحت الطلب يمكن أن تتحرك في أي لحظة – كان ذلك في إطار أن بعض هذه المنظمات عارضت أو نددت أو فضحت ممارسات حكام المرحلة الانتقالية من قتل المتظاهرين، أو سحل البنات، أو محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وكذا بالنسبة للقوى الكبيرة في المجتمع بأن عليهم أن يدركوا أنه مازال للنظام قبضة قمعية قانونية قوية ولا يستهان بها، وفي نفس الوقت فإن توقيت الإعلان عن هذه القضية جاء في إطار حملة شاملة على منظمات وحركات ثورية اتهمت بالعمالة للخارج، وأنها تنفذ أجندة أمريكية لتفكيك مصر، مع الحديث المتكرر عن أن مصر تتعرض للتقسيم، وأن أول الطريق للتقسيم هو إضعاف أجهزة السيادة المصرية، وكأن هذه الأجهزة نجحت يومًا في وقف أي مخطط لإضعاف مصر، أو واجهت إسرائيل في ملف النيل أو غيره من الملفات الحرجة.
http://islamtoday.net/media_bank/image/%D8%B5%D9%88%D8%B1%20%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8 A%D8%A9/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1.jpg

وكان لا بد بالتالي من إظهار وجود أدلة على وجود تمويل أجنبي، ورغم أن حركة 6 أبريل التي نالت الحظ الأوفر من الدعاية السوداء نفت ذلك جملة وتفصيلًا، وتحدت الحكام بأن يحولوها إلى المحاكمة، ورغم خلو قرار الاتهام من أي عنصر من عناصر تلك الحركة، فإن المطلوب قد تحقق جزئيًا، بالتشنيع على كل ناشط سياسي ربما حضر مؤتمرًا هنا أو هناك، أو حضر فاعلية في الداخل أو الخارج، وبالطبع فإن هذا السيناريو كان يضر بمصر ذاتها أكثر مما يضر حركة أو نشطاء، لأن معناه أن الثورة المصرية هي فعل أجنبي، وكأن عشرات الملايين الذين شاركوا في الثورة كانوا عملاء، وهذا اتهام بأن الشعب المصري ما هو إلا كومبارس في مسرحية دولية لإضعاف مصر، مع أن الصحيح أن الشعب المصري أكبر وأذكى من أن يكون كذلك، بل إن فعله الثوري أثبت أنه أكثر تحضرًا من الأوروبيين والأمريكان أنفسهم.
وبديهي أيضًا أن الثورة تنقذ مصر من حكم فاسد، وتضر بمصالح أمريكا وإسرائيل بالضرورة، وهما اللذان كانا يدعمان أي حكم ديكتاتوري يحقق مصالحها، ويمنع الشعب من المشاركة في اتخاذ القرار، لأن معنى هذا أن يكون القرار هو قرار الشعب، فإن مصالح أمريكا ومستقبل إسرائيل في خطر شديد.
من أهداف تلك العملية أيضًا إظهار حكام المرحلة الانتقالية بمظهر الوطنيين الذين هم على استعداد لمواجهة أمريكا وألمانيا وغيرهما من أجل سيادة مصر، وتوالت المقالات واللقاءات الفضائية تتحدث عن هذا المعنى، وقلنا خيرًا، لعل تلك الطبقة الحاكمة ستمارس السيادة المصرية بعد أن غابت طويلًا في عهد المخلوع.
بل تورط عدد من علماء الدين ومشايخ الأزهر وقساوسة الكنيسة وقوى مدنية في حملة للتبرع من أجل الاستغناء عن المعونة الأمريكية، ثم اكتشفنا في النهاية فجأة أيضًا وبلا أي مقدمات، أن المتهمين الممنوعين عن السفر، قد صدر قرار بسفرهم وسافروا فعلًا، وأن الهيئة القضائية الموقرة برئاسة المستشار محمود شكري، قد تعرضت للضغط الذي رفضته بشدة، ومن ثم استشعرت الحرج وتنحت عن نظر القضية، فجاءت هيئة أخرى وأصدرت قرارًا بالإفراج بكفالة قدرها 22 مليون دولار عن المتهمين الأجانب، وجاءت طائرة عسكرية أمريكية، فقامت بترحيل هؤلاء المتهمين.
علينا هنا أن نتأمل لماذا ضعفت الإدارة المصرية أمام الضغط الأمريكي، وما الفرق بين هذه الإدارة وإدارة حكم نظام المخلوع حسني مبارك الذي كان يظهر قدرًا من الممانعة أمام الأمريكان في العديد من القضايا، ويرغي ويزبد حول الإدارة الوطنية، ثم فجأة ينصاع لمطالبهم، وإذا كان ذلك بسبب ملف التوريث مثلًا، فما هو السبب في ضعف الإدارة الحالية أمام الأمريكان، خاصة أن هناك ثورة اندلعت وأطاحت برأس النظام، وجماهير مستعدة أن تقف مع أي وطني لو استشعرت الوطنية فيه فعلًا.
ثم ما معنى أن يكون في السجون الأمريكية مواطنون مصريون في قضايا سياسية مثل الدكتور عمر عبد الرحمن، ولا يتحرك أحد من أجلهم، في نفس الوقت الذي تحرك رئيس أمريكا والكونجرس والإعلام وكل من هب ودب في أمريكا من أجل الرعايا الأمريكيين، هل هؤلاء بشر، والآخرون لا قيمة لهم، أم أن حكامنا قد فقدوا الإحساس بالكرامة الوطنية، أم أن هناك شيئًا مريبًا يخفى علينا، يجعل كل من يجلس على كرسي الحكم – حتى الآن – ضعيفًا تجاه الإدارة الأمريكية، ولا يعير اهتمامًا لمشاعر الشعب المصري، ونذكر في هذا الصدد المجلس العسكري، ورئاسة الوزارة حتى رئيس الوزراء السابق عصام شرف، الذي جاء من التحرير فإذا به مطيع جدًا، ويتجاهل مطالب الشعب والثورة.
والحقيقة أن ما حدث ليس فقط انبطاحًا أمام أمريكا، ولكنه أيضًا إفساد في المجال الداخلي، فهو كذب في بعض أجزائه، وتدخل في أعمال السلطة القضائية في أجزاء أخرى، وهذا أمر خطير جدًا، يمكن أن يفسد السلطة القضائية ويفقدها مصداقيتها، وهذا هدم لإحدى مؤسسات الدولة، التي يزعم الحكام أنهم حريصون على صيانتها من الفوضويين والأناركيين وآخرين.
في كل الأحوال فإن ما حدث مأساة كاملة، وتراجيديا سوداء تضاف إلى كل التراجيديات السوداء التي عشناها حتى الآن.