المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغلو في الدين: الشيعة أنموذجاً


عبدالناصر محمود
04-19-2015, 07:17 AM
الغلو في الدين: الشيعة أنموذجاً
ـــــــــــــــ

( رمضان الغنام)
ــــــــ


30 / 6 / 1436 هــ
19 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7326.jpg


الغلو ظاهرة لا يكاد يخلو منها مجتمع أو عصر أو ديانة أو مكان، ولهذا كثرت التوجيهات القرآنية والتحذيرات النبوية؛ لتجنب الوقوع في مظاهر هذا الغلو، لما له من آثار قد تعظم، فتخرج الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر- عياذا بالله-، فجاءت النصوص المحذرة من الإفراط أو التفريط، والمشجعة على الوسطية والاعتدال في كل أمر من أمور العباد؛ في دنياهم وأخراهم، لا كما فعلت ملل الشرك والكفر، وفرق الضلال والنفاق، فغالت وأحدثت وبدلت.

والمقصود الغلو: "الإفراط وتجاوز الحد في الأمر؛ فإذا كان في الدين، فهو تجاوز حد الوحي المنزل إلى ما تهوى الأنفس; كجعل الأنبياء والصالحين أرباباً ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم، فوق سنن الله في الأسباب والمسببات الكسبية، واتخاذهم لأجل ذلك آلهة يعبدون، فيدعون من دون الله تعالى أو مع الله تعالى، سواء أطلق عليهم لقب الرب والإله، كما فعلت النصارى، أم لا، وكشرع عبادات لم يأذن بها الله، وتحريم ما لم يحرم الله; كالطيبات التي حرمها القسوس والرهبان على أنفسهم وعلى من اتبعهم; مبالغة في التنسك، سواء كان ذلك لوجه الله، أم كان رياء وسمعة"(1).

وفي ذلك يقول المولى عز وجل: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)(2).

قال الحسن: "يجوز أن تكون- أي الآية- في اليهود والنصارى؛ فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد فيه"(3).

وللغلو وجهان؛ وجه تفريط، ووجه إفراط، وما وجد مفرطاً في شيء إلا كان غالياً في آخر، وما وجد مغالياً في شيء إلا كان مفرطاً في مقابل ذلك، يقول أبو شامة، كاشفاً لهذه العلاقة: "ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة- يقصد الموالد- ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي؛ نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين"(4).

يقول الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في تفسيره لآية المائدة سالفة الذكر: "أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)؛ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال"(5).

وقال في موضع آخر من تفسيره: "ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا"(6).

ويقول الشوكاني- رحمه الله-: "قوله: (تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ)، لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة، نهاهم عن الغلوّ في دينهم، وهو المجاوزة للحد؛ كإثبات الإلهية لعيسى، كما يقوله النصارى، أو حطه عن مرتبته العلية، كما يقوله اليهود، فإن كل ذلك من الغلوّ المذموم، وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط، واختيارهما على طريق الصواب،و(غَيْر) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غلوّاً غير غلوّ الحق، وأما الغلوّ في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم"(7).

ولقد مثل الشيعة محطة هامة في تاريخ الغلو في الإسلام، فكثر غلوهم في أمورهم الإعتقادية، إفراطاً وتفريطاً، فقلما تجد عندهم موقفاً وسطياً يقفونه، بل جعل البعض منهم- من شدة تطرفه في غلوه- مخالفة أهل السنة عبادة وقربة، فخالفوهم في عبادات مفروضة، وسنن مؤكدة، وأمور مستحبه، بل تحول مجرد العداء لهم فضيلة من فضائلهم التي يحرصون عليها، ومنقبة يحضون الأتباع تحصيلها، ومن ثم صار بغض الصحابة والتقول عليهم، وإيذائهم من شعائرهم المعروفة، وصار لعنهم قربة يتقربون بها إلى الله عز وجل!!

وفي مقابل هذا التفريط في جانب صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم-، غالى الشيعة في نفر آخرين من الصحابة وآل البيت؛ على رأسهم علي ابن أبي طالب، وفي أئمتهم الاثنى عشر بصفة عامة، وأوجبوا لهم من الصفات ما لا يجوز إلا في حق الله عز وجل.

وحتى لا ينفرط منا عقد الكلام، ويُنسينا الاستطراد موضوع المقال، سنعرض في عجالة لأهم مظاهر الغلو عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية؛ والتي ترتبط في الأساس بمقام الإمامة، الذي هو مدار دينهم، ومحور خلافهم مع ما عداهم من الفرق الإسلامية، وعدائهم لأهل السنة والجماعة، وسيكون ذلك في نقاط رئيسية، وهي:

- قولهم في العصمة: من مظاهر الغلو عند الشيعة قولهم بعصمة أئمتهم الاثنى عشر؛ المبدوئين بعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، والمنتهين بمحمد بن الحسن العسكري- المزعوم- القابع في سردابه منذ أكثر من 1200 سنة!! وإلى اليوم يقفون على باب سردابه ينتظرون خروجه المقدس.

وعصمة أئمة الشيعة ليست كعصمة الأنبياء، بل هي مقام أعلى وأرقى، فالنبي قد يجوز عليه النسيان، أما أئمة الشيعة فلا- بحسب زعمهم- ويتضح ذلك من قول المجلسي صاحب بحار الأنوار، يقول: "اعلم أن الإمامية- رضي الله عنهم- اتفقوا على عصمة الأئمة- عليهم السلام- من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلا؛ لا عمداً، ولا نسياناً، ولا لخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه"(8).

ودعوى العصمة دعوى خبيثة، يهدف الشيعة من ورائها إلى التزييف في التشريع، والتحريف في الدين كله؛ نقصاً وزيادةً وتأويلاً وتحريفاً؛ لأن "دعوى العصمة في النبوة تضاهي المشاركة في النبوة، فإن المعصوم يجب اتباعه في كل ما يقول، ولا يجوز أن يخالف في شيء، وهذه خاصة الأنبياء، وقد أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم.. فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها"(9)، وهذا هو عين الغلو، وغاية مراد المغالي.

- قولهم في الإمامة: يعرف الصغير والكبير، والجاهل والعالم، بل يعرف كثير ممن لم يتدينوا بدين الإسلام، حديث النبي المشهور المُبَيِّن لأركان الإسلام، الذي يقول فيه- صلى الله عليه وسلم-: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ على خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)(10)، فهذا الحديث تكاد تغلب شهرته ما دونه من الأحاديث، وهو بمثابة الحدود، أو الخارطة لمعالم هذا الدين، وأسسه التي قام عليها، فهو جماع الدين وقواعده وأصوله.

ولكي تعرف – أيها القارئ الكريم- مدى ما وقع فيه الشيعة من غلو في حق أئمتهم، عليك أن تطالع النسخة الشيعية من هذا القول الشريف، حيث أورد الشيعة في كتبهم روايات شيعية تجعل الاعتراف بالإمامة بديلاً عن شهادة التوحيد والإقرار بنبوة المعصوم- صلى الله عليه وسلم-.

ومن ذلك ما رواه الكليني بسنده عن أبي جعفر- عليه السلام- قال: "بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية؛ ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع، وتركوا هذه- يعني الولاية-"(11).

فأي غلو هذا؟!! بل أية عقيدة تلك التي تستبدل شهادة التوحيد، بالاعتراف بإمامة أحد من البشر دون الأنبياء؟ وتجعل من ذلك محكاً للولاء والبراء، وللحب والبغض، بل فيصلاً بين الكفر والإيمان.

يقول الشيخ الصدوق في الاعتقادات في دين الإمامة: "واعتقدنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والأئمة من بعده- عليهم السلام- أنه بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين، وأنكر واحداً من بعده من الأئمة؛ أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم-"(12).

وهو تلميح بالكفر، فهل يبقى إيمان بعد إنكار نبوة النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو الأمر الذي صرح به الطوسي، ولم يصبر على التلميح به، فقال: "ودفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر؛ لأن الجهل بهما على حد واحد"(13).

- قولهم في الرجعة: حيث يزعم الشيعة أن علياً- رضي الله عنه- وشيعته سيرجعون للدنيا، كما سيرجع أعداؤهم ليُنتقم منهم، وفي ذلك يقول الحر العاملي: "تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد- عليهم السلام-، أن الله سيعيد عند قيام المهدي- عليه السلام- قومًا ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قومًا من أعدائه، لينتقم منهم وينالوا ما يستحقونه من العقاب في الدنيا، من القتل على أيدي شيعته، أو الذل والخزي بما يرون من علو كلمته". [الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة- الحر العاملي: (ص:64)].

وقال الحر العاملي في موضع آخر: "إن صحة الرجعة وثبوتها ووقوعها من اعتقادات أهل العصمة- عليهم السلام- ، وكل ما كان من اعتقاداتهم فهو حق بل قد أجمعوا على صحتها، وإجماعهم حجة... إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة، واعتقادها، وتجديد الاعتراف بها؛ في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة، وكل وقت، كما أنا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة"(14).

ومظاهر الغلو عند الشيعة في غير ما ذكرناه كثيرة جداً، ولا يتسع المقام والمقال لذكر ذلك، لكن علينا أن ننبه إلى أمر قبل الانفلات من هذا المقال، وهو أن دافع الغلو له أسباب عدة: منها الجهل، ومنها التحريف لنصوص الكتاب والسنة، ومنها الإعراض عن الدعاة والعلماء الربانيين، ومنها اتباع الهوى، إلى غير ذلك من الأسباب، وجميعها متحقق في فرقة الشيعة الإمامية، ولهذا فغلوهم مركب، سيما وأنه غلو اعتقادي، وهو أشد من الغلو العملي؛ لأنه- فضلاً عن بدعة الغلو- يتضمن بدعة التحريف والتزييف والتبديل، فليس من غالى في العبادة، فجعل النوافل كالفرائض، أو من حرم ما أحله الله عليه من الزواج وطيب الطعام، كمن غالى في حب غير الله، وأوجب في حقهم ما لا ينبغي إلا لله عز وجل، ووالى وعادى عليهم، واستغاث بهم ودعاهم كما يفعل الشيعة مع أئمتهم الاثنى عشر.

ــــــــــ

الهوامش:

(1) تفسير المنار- محمد رشيد رضا: (3/159).

(2) سورة المائدة: (77).

(3) تفسير السمعاني: (1/505).

(4) الباعث على إنكار البدع والحوادث: (110-111).

(5) تفسير القرآن العظيم: (3/159).

(6) تفسير القرآن العظيم (2/477).

(7) فتح القدير (2/343).

(8) بحار الأنوار: (25/210).

(9) أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، عرض ونقد، ناصر القفاري: (792).

(10) متفق عليه؛ البخاري (8)، ومسلم (16).

(11) الكافي: (2/18).

(12) الاعتقادات: (104).

(13) بحار الأنوار للمجلسي: (8/368).

(14) المرجع السابق: (88).

---------------------------------