المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحثاً عن قيمة استراتيجية للعرب


عبدالناصر محمود
04-21-2015, 08:04 AM
بحثاً عن قيمة استراتيجية للعرب
ـــــــــــــــ

(غازى دحمان)
ـــــــ

2 / 7 / 1436 هـ
21 / 4 / 2015 م
ـــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_13282.jpg

ليست القيمة الاستراتيجية لدولةٍ، أو تجمع إقليمي، رفاهيةً، ولا حاجة زائدة من خارج قائمة الأولويات والضرورات، بل تقع في صلب أساسيات الوجود الحاضر، وتدعيم المستقبل، وقد صارت هذه المسألة تداعب الشعور العام العربي، بعد حالة نهوض شهدها على وقع التطورات الأخيرة، وذهب إلى رفع سقف طموحاته، وصولاً إلى البحث عن مكانة لائقة بين الأمم.

يؤكد على أهمية هذه المسألة واقع الارتباط الواضح بين القيمة المضافة التي تحققها القيمة الاسراتيجية لدولةٍ، أو تجمع إقليمي، وما بين زيادة فرص الأمن والتطوّر، أو العكس المتمثل بحقيقة أن تناقص القيمة الاستراتيجية أحد عوامل الانهيار والفوضى والتهميش.

وتتأثر القيمة الاستراتيجية بالمتغيرات العالمية، التقنية والاقتصادية وطبيعة توجهات النظام الدولي، وليس خافياً مدى تأثير هذه المتغيرات، عبر التاريخ، على مواقع القوى وأدوارها، ولعل تجربة انتقال القيمة الاستراتيجية عبر التاريخ من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، ثم انتقالها، حالياً، إلى المحيط الهادي، خير مثال على مدى تأثير تلك المتغيرات. وذلك لا يعني أن أثر المتغيرات حتمي، أو قدري، بحيث تنتفي معها القدرة على فعل شيء، كما أن القيم الاستراتيجية يعاد صياغتها وترتيبها وصيانتها، ولا تزول بشكل مطلق ، بالإضافة إلى حقيقة أن كل منطقة تنطوي على قيم استراتيجية، نتيجة توفرها على عناصر استراتيجية في لحظة ما، ولعلّ العالم العربي هو المثال الأوضح في هذا السياق، ذلك أن تركيبته الاستراتيجية ثرية ومتعدّدة، وتحتوي على أكثر من عنصر، كالموقع الجغرافي، والإشراف على البحار المهمة، والتحكم بالمضائق والمعابر الاستراتيجية، إضافة إلى غناها بالثروات، وتوفرها على أسواق واعدة وكتلة ديمغرافية كبيرة.

ودليل أهمية النسيج الاستراتيجي العربي أن العالم، وقوى الجوار، تحاول وضع اليد على ما أمكن من مكوّنات ذلك النسيج، لتعزيز قوّتها نفسها، كما تفعل إيران التي تحاول السيطرة على باب المندب، والوصول إلى شواطئ المتوسط، والسيطرة على المعابر الأرضية التي تشكل جسور تواصل بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، ولا شك في أن الدافع الإيراني هو تحسين القيمة الاستراتيجية لإيران، عبر إضافة عناصر جديدة لمكوناته، كما أن أوروبا تستغل العنصر الديمغرافي العربي في ترميم قيمتها الاستراتيجية وتدعيمها، ما أمكن. وفي الحالتين، يجري تعزيز القيم الاستراتيجية من التعيّش على الرصيد العربي المهمل والمسيب.

في المقابل، هذا الرصيد الاستراتيجي ما لم تجر إدارته، بعقلانية وحكمة، يتحول إلى صفر من الفرص، بل حتى إلى عبء وخطر حقيقي، وربما هذا ما يفسر سبب أن العالم العربي كان الأكثر تعرضاً للغزوات على مر التاريخ، والتي كثيراً ما ارتبطت بمحاولات تغيير ديمغرافي، وإعادة توطين، وتغيير لحقائق الأرض، ومعادلاتها عبر اقتطاع الأجزاء المهمة منها.

لكن تحقيق القيمة الاستراتيجية يستلزم عدة شروط، أهمها وجود تخطيط استراتيجي بعيد المدى، وامتلاك رسالة محددة، ماذا نريد ولماذا، ورؤية واضحة تحدد الأهداف بدقة، وصناعة المسار اللازم وخريطة الطريق المؤدية للوصول إلى الأهداف المرسومة.

يحتم هذا الأمر من صناع القرار في العالم العربي تسخير الجهود باتجاه صناعة بنية استراتيجية عربية متكاملة، وعدم الاكتفاء بردود فعل آنية ومرحلية، كما حصل في مواجهات العرب مع إسرائيل وإيران، ذلك أن اتباع نهج التصدي للعدوان، بدون استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى موضعة أسباب القوة، هي تكتيك خاسر بكل المقاييس، ولا ينطوي على استثمار بعيد المدى، بقدر ما يشكّل خسائر متراكمة، لا يكون لها نتائج حقيقيّة في الدفاع والأمن، ولنتذكّر أن حروب العرب كانت تكاليفها عالية، بما لا يتناسب والنتائج المترتبة عليها، ففي حرب 1973 اضطر العرب، لكي يحقّقوا بعض المكاسب، إلى وقف إنتاجهم من النفط. وفي حرب تحرير الكويت، دفع العرب أثماناً مبالغاً فيها. وفي حربهم مع إيران، جرى استنزافهم في أكثر من ساحة. وعلى الرغم من ذلك، ظل ّ الفضاء العربي مكشوفاً على المخاطر. وفي كل تلك الحالات، كان ممكنا لبنية استراتيجية مؤسسة بشكل صحيح، أن تؤدي الغرض من دون دفع تلك الأثمان.

أثبتت تجارب الأمم في صناعة القيم الاستراتيجية لنفسها، والحفاظ عليها، على الرغم من تغيّر الظروف والمعطيات، أن هذا الأمر لم يكن مجرد مصادفة جغرافية، ولا حتمية تاريخية، بقدر ما هو سلوك عقلاني وواع، يبدأ في تنظيم الموارد الاستراتيجية، وبلورتها في خدمة الأهداف العامة، ثم تحديد الأهداف قريبة الأمد والبعيدة منها، بالإضافة إلى تفعيل كل الطاقات، واستثمارها وعدم إهمال أي مكون منها، وتغليف كل هذه الأمور بفعالية دبلوماسية موازية ونشاط سياسي مؤثر. وتتطلب كل هذه الأمور، بدرجة كبيرة، صناعة أطر للتنسيق والتشارك وهيكليات مؤسسية، تراكم المكاسب والخبرات، وتجعل العمل العربي أكثر مرونة وانسيابية.

لعل أكبر إنجازات الربيع العربي كشفها حقيقة أن الدولة / النظام، أو الدولة/ العائلة، كانت إحدى أكبر المخاطر على الواقع العربي، إذ تنطوي على بذرة فنائها بداخلها، وتندرج هذه الحقيقة الكاشفة على حقيقة النظام العربي الذي تأسس، منذ البداية، على معادلة أمن النخب الحاكمة، وضيّع الجهود العربية عقوداً، وها هو اليوم يترنح ويسقط، ويأخذ بسقوطه المجتمع العربي بغالبيته. وتبعا لذلك، ليس المطلوب اليوم ترميم أطر ذلك النظام، بل إعادة صياغتها على أسس جديدة، تأخذ في الاعتبار المتغيرات الحاصلة في البيئتين، الإقليمية والدولية، والأهم تراعي الحاجة العربية لصناعة قيمة استراتيجية.

-------------------------------------