المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من المسؤول عن غرق المهاجرين ؟


عبدالناصر محمود
04-22-2015, 08:08 AM
من المسؤول عن غرق المهاجرين لأوروبا ؟*
ــــــــــــــــــــــــ

3 / 7 / 1436 هــ
22 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_13287.jpg


يوما بعد يوم تزداد مأساة ظاهرة غرق المهاجرين غير الشرعيين لأوروبا تفاقما، الأمر الذي تزداد معه إلحاحا الحاجة للإجابة على تساؤل لطالما شغل بال الكثيرين: من المسؤول عن هذه المأساة البشرية؟!

فقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أمس الاثنين أن سفينة تقل 300 مهاجر سري غرقت في البحر الأبيض المتوسط, وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة خشيتها أن يكون 700 شخصا على الأقل لقوا مصرعهم في غرق قارب مكتظ بالمهاجرين الأحد قبالة الشواطئ الليبية في كارثة تعد الأسوأ حتى الآن في البحر المتوسط.

وإذا علمنا أن منظمة الهجرة الدولية قد أعلنت أن 1750 مهاجرا لقوا مصرعهم في البحر المتوسط منذ بداية هذا العام، وهو يتجاوز 30 ضعف عدد الذين لقوا نفس المصير في نفس الفترة من عام 2014م، فإن تحديد المسؤول عن هذه الأرواح البريئة التي تزهق يغدو مسألة في غاية الإلحاح والأهمية.

وضمن هذا السياق تابعت جل مقالات وافتتاحيات الصحف البريطانية الصادرة اليوم مأساة اللاجئين المتفاقمة في البحر المتوسط بعد غرق أعداد كبيرة منهم، وردود الفعل المتباينة حول سياسات الدول الأوروبية في التعامل معها.

أما صحيفة إندبندنت فقد علقت بأن أوروبا مسؤولة عما يحدث للمهاجرين الذين يلقون حتفهم في البحار، لأن بعض دول الاتحاد الأوروبي - مثل بريطانيا وفرنسا- ساعدت في خلق عدم الاستقرار المقلق في ليبيا بالتدخل فيها عام 2011، الأمر الذي أوصل الشخص العادي إلى الوضع المأساوي الذي جعله يحاول النجاة بحياته ليلاقي حتفه في البحر هربا.

وإذا عملنا بمبدأ القياس على ما ذكرت الصحيفة، فإن مسؤولية أوروبا تطال المهاجرين السوريين والعراقيين..... الذين يغرقون في البحر هربا من جحيم الحرب التي لا تخلو مسؤولية أوروبا فيها، من خلال عدم الضرب على يد طغاة تلك البلدان لإيقاف جرائمهم بحق شعوبهم، والتي وصلت إلى حد استخدام الأسلحة المحرمة دوليا "الكيماوي" دون أن تحرك تجاه ذلك ساكنا، اللهم إلا بالتصريحات الفارغة والتنديد.

وعن جانب آخر من المسؤولية الأوروبية عما يحدث، ترى الصحيفة أن أوروبا يمكن أن تحدث فرقا في هذه الأزمة بأن تبدأ بالاهتمام بخدمات الإنقاذ الخاصة بها وتحسين نظام اللجوء الخاص بها، بالإضافة إلى تحسين الأوضاع في أماكن مثل الصومال والعراق وملاحقة مهربي الناس.

والحقيقة أن هذا الجانب في غاية الأهمية، فكثير من أسباب حالات الغرق تعود لعدم اهتمام الدول الأوروبية بخدمات الإنقاذ، تهربا من تزايد أعداد اللاجئين في بلادها، وهو ما يعني أن كثيرا من الأرواح كان بالإمكان حفظها لو تم التوجيه لخفر السواحل بمضاعفة الاهتمام بالمراقبة والإنقاذ.

ومن الصحف التي علقت في افتتاحيتها على هذه المأساة صحيفة ديلي تلغراف، التي ذكرت أنه بالرغم من ضرورة عبارات التعاطف والحزن التي نطق بها بابا الفاتيكان، فإنها ليست ردا كافيا على هذه المأساة المفجعة، والأمر يتطلب قيام الدول الأوروبية بدور أكبر لمواجهة مثل هذه الأزمات.

وأشارت الصحيفة إلى عدة حلول لمثل هذه الأزمات، وانتهت إلى أن الحل الأفضل حاليا هو اتباع نهج أشد صرامة يتمثل في فرض حصار بحري للموانئ التي تنطلق منها هذه الرحلات المحفوفة بالمخاطر، وبالتالي وقف السفن في مهدها قبل خروجها إلى البحار المفتوحة.

وهو حل وإن بدا ناجعا للوهلة الأولى، إلا أنه في الحقيقة غير مجد في ظل الظروف المأساوية التي تزداد في الدول العربية والإسلامية يوما بعد يوم، والتي لا تعمل الدول الأوروبية بطبيعة الحال على تحسينها، الأمر الذي يدفع الناس إلى مواصلة المخاطرة بأرواحهم في سبيل الوصول إلى القارة العجوز.

كما انتقد مقال آخر في الصحيفة نفسها سياسة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي سياسة الحكومة البريطانية، بأنها كانت سببا مباشرا ومتعمدا في غرق هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين في البحر المتوسط، معلقة بأن ما حدث جريمة قتل بل مذبحة، لأن السياسة البريطانية بشأن الهجرة والتضييق فيها تعني لا محالة ترك هؤلاء لحتفهم.

من جهتها أشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى بعض الخيارات لتفادي تكرار المأساة وهي: زيادة الدوريات البحرية والتقاط المزيد من المهاجرين، والثاني تقاسم العبء داخل أوروبا، بينما نشرت صحيفة غارديان أن الاتحاد الأوروبي بصدد شن عمليات عسكرية ضد شبكات المهربين في ليبيا المتورطين في إرسال آلاف الناس إلى حتفهم في البحر المتوسط.

إن الحقيقة التي يمكن للمتابع أن يستخلصها من السياسة الأمريكية الغربية الجديدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي عموما، أن أوروبا تتحمل المسؤولية الأكبر عن غرق الآلاف من البشر في البحر المتوسط مؤخرا، فاختلاق الأزمات وإثارة الفوضى في الدول العربية والإسلامية "الفوضى الخلاقة"، هو السبب الرئيس في ازدياد أعداد المهاجرين غير الشرعيين لأوروبا، و إن لم تحل مشكلات بلدان المهاجرين فإن المأسأة الإنسانية مرجحة للازدياد، والحلول الجزئية والبعيدة عن أصل الداء لم ولن تجدي نفعا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ