المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : داعش والبحث عن خلاص


عبدالناصر محمود
04-22-2015, 08:19 AM
داعش ومحطة جديدة في البحث عن خلاص
ــــــــــــــــــــ

(طوسون البديري)
ــــــــ


3 / 7 / 1436 هــ
22 / 4 / 2015 م
ـــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/21-4-2015.jpghttp://


ما إن ظهرت داعش على السطح وبرزت قوتها وتعاظمت شيئا فشيئا الأ وأصبحت تستولي على حيز كبير من النقاش عبر تساؤلات طبيعية تطرح نفسها لفهم هذا المولود الجديد في منطقتنا المُتعَبة والمُنهَكة، وهي تساؤلات مشروعة كتساؤلات كيف ظهرت؟ ولماذا الأن؟ ولماذا كل هذا العنف المٌمَارس من قَبلها؟ وفي المقابل تُطرح مجموعة أجوبة تحاول جاهدةً تفكيك هذه الأسئلة من قبيل أنها صنيعة غربية ومؤامرة جديدة ٌابتلينا بها لزيادة الأنقسام والتقسيم، وكأن الأمر كان ينقص داعش لتأكيد هذا الأمر الذي نحيا فيه منذ عقود طويلة. أو جواب في المقابل من قبيل أنها وليدة المدونة التراثية التي تحتاج إلى تنقية، كجواب يستبطن جلداً مريراً للذات وهو يطرح أمر صعب المنال، إذ كيف سينقى التراث؟ فالتراث في النهاية لا نستحضره الأ في ضوء إشكالأت نعيشها وهو حضور ليس بموضوعي، ولكن عبر تأويلات ذاتية تستدعيه، وكل تأويل في النهاية يتخذ موقفاً من الواقع الذي يحيا فيه وعلى ضوئه يتم تأويل التراث.
هذه الأجوبة التي يسعى البعض لتقديمها من قبيل أنها صنيعة غربية أو نتاج تراث؛ تتغافل عن جُملة أمور أولها هو أن كل ظاهرة هي وليدة واقعها بالأساس، وهي نتاج طبيعي للحيز الزماني والمكاني التي ولدت فيه أو أنتجت فيه، ونتاج تفاعلات داخلية وتأثيرات خارجية على هذا الحيز. الأمر الثاني هو أن كل ظاهرة تنظيرية أو تنظيمية – والحركات التنظيمية تحتاج في تأسيسها إلى عدة تنظيرية تستند إليها- تنتجان كردة فعل على إشكال في الواقع الذي ظهرت فيه وتحاول تقديم جواب أو خلاص من هذا الأشكال.

الأمر الثالث؛ بما أن الظواهر التنظيرية أو التنظيمية هي وليدة واقعها ونتاج إشكال في الواقع، وهي تطرح نفسها كمحاولة خلاص منه؛ فلا محل من الأعراب لهذه الأدعاءات من قبيل أن داعش صنيعة غربية أو وليدة تراث، فالتأثير الخارجي يظل عند حدود كيفية التعامل والأستفادة، وأما التراث فكما قلنا فهو لا يحضر بذاته ولكن عبر تأويلات تستحضره وفقًا لإطار الواقع الذي تقع فيه الظاهرة كظاهرة داعش، وهي تأويلات تستبطن موقفًا من الواقع، وعلى ضوء ذلك يتم استحضار التراث، فالتراث عامل مساعد لأنه أمر لاحق على التأسيس كآلية تبريرية هامة، فجدلية النص والواقع التي تطرح نفسها أمامنا في ظاهرة كظاهرة داعش أو غيرها؛ لا بد أن ننظر فيها على أسبقية الواقع على النص وخضوع النص لشروط الواقع.
إذًا مادامت الظواهر التنظيرية أو التنظيمية هي وليدة واقع إشكالي أفرز وبشكل طبيعي ظاهرة كظاهرة داعش والتي تبحث عن خلاص لهذا الأشكال الذي أفرزها؛ فما هو ذلك السياق أو الواقع الذي أنتج وصنع ظاهرة كظاهرة داعش؟

سؤال الحداثة
---------

لا نستطيع باعتقادي أن نفهم ظاهرة داعش بدون وضعها ضمن إطار عام كبير، وأعتقد أن هذا الأطار هو الأصطدام بواقع الحداثة تحت وطأة مدافع نابليون. منذ ذلك الحين والعالم العربي والإسلامي دخل مٌرغَماً داخل هذا الأطار وحاول طوال هذه المدة الطويلة تقديم تنظيرات وتنظيمات باحثةً عن خلاص من هذا السؤال، الأ وهو سؤال الحداثة الذي طرق أبوابنا وفرض نفسه على واقعنا بغير استئذان منا. ذلك الواقع الحداثي الذي فرض نفسه فرضًا أسفر عن تغير كبير في البنى الأجتماعية والقانونية، عبر قوانين جديدة كل الجدة تُستمد من براديغم يخالف التصور الإسلامي – الذي يولي أهمية كبيرة للجانب الأخلاقي في تنظيم مجتمعاته وقوانينه -، وهو براديغم التسيّد، والذي تأسست عليه الحداثة الغربية منذ ولادتها فلسفيًا على يد ديكارت. فواقع العالم الإسلامي العربي الذي كان يتأسس واقعه كما يقول الباحث التونسي محمد الحداد1 على مسارات ثلاث؛ مسار لاهوتي (علم الكلام)، ومسار تفسيري، ومسار قانوني أو فقهي، وعقب الأصطدام بواقع الحداثة والدخول مرغمًا في العصر الحديث؛ سقط كما يقول الحداد المسار الأول وهو ركن اللاهوت، ولم يبق سوى التفسير، والفقه. كما أن واقعه أصبح واقعًا لا تنظمه الشريعة والمقررات الفقهية، وشيئا فشيئًا سيحدث تفريغ للشريعة من مضمونها وتقتصر على مدونة صغيرة، وهي مقررات الأحوال الشخصية، ففقدت الشريعة استقلالها ودورها كفاعل اجتماعي لمصلحة الدولة الحديثة، وأضحت الحاجة إليها مقتصرة على إضفاء الشرعية على مشاريع الدولة التشريعية من خلال اشتقاق مبادىء معينة من الشريعة، وهي مبادىء أعيد تشكيلها وأعيد خلقها لمواءمة ظروف العصر الحديث2. ودخل العالم الإسلامي على أثر ذلك في محاولات لتحقيق الأنسجام ما بين تطلعاتهم الأخلاقية والثقافية من جهة والواقع الأخلاقي للعالم الحديث من جهة أخرى3. والأجوبة التي قامت بتقديم نفسها - سواء أكانت أجوبة تنظيرية أو تنظيمية عملية – في محاولة للرد والأجابة على سؤال الحداثة؛ قامت بالأساس لتوفير حالة انتقال من مرحلة إلى أخرى ندرجها ضمن إجابتين؛ إجابة توفيقية أو تلفيقية، أرادت الجمع ما بين الحداثة والتراث تحت شعار الأصالة والمعاصرة، وإجابة أيديولوجية هووية.

أولًا: الجواب التوفيقي أو التلفيقي
--------------------

وهو جواب قام بالأساس على تساؤل طرحه العالم العربي والإسلامي على نفسه عقب الأصطدام المرير بواقع الحداثة؛ لماذا تأخرنا ولماذا تقدم غيرنا؟4. هذا التساؤل وجوابه كان هو المسيطر على المحاولات التنظيرية والعملية طوال القرن التاسع عشر، ولهذا الجواب سمات عدة تميزه:

§ السمة الأولى: جواب حاول تركيب وتسويغ ومعالجة حضور الجديد المتمثل في الحداثة، والتي تطرح أفكارا وبنى مؤسسية جديدة على الواقع العربي والإسلامي من بوابة التراث ليحوز الشرعية ويتمكن من ترسيخ وجوده. فالتصور والمنهج الوسائلي للحداثة كان هو الحاكم، والأجابات التلفيقية لم تكن سوى ردود تحاول صبغ الشرعية على ذلك المنهج - الذي يتصادم في كثير أو قليل مع التصور الإسلامي - من خلال بوابة التراث.

§ السمة الثانية: جواب لم يتعامل مع الحداثة على أنها معبرة عن روحية جديدة أصابت الأنسان وغيرت من مقامه داخل الوجود، وأنها إنتاج جديد للمعنى أنتج معه إنسان جديد في نظرته لنفسه ولمحيطه في الوجود.

§ السمة الثالثة: جواب عوض أن ينخرط بالأشتباك مع المعنى والروحية الجديدة التي تطرحها الحداثة لإنتاج معنى جديد من داخل تصوراتنا وذلك بغرض تأسيس لاهوتي جديد كبديل عن اللاهوت الذي سقط وأصبح تراثًا، نظرًا لأنه لاهوت قديم ولا يستطيع أن يتجادل مع المعنى والروحية الجديدة التي تفرضها الحداثة.

§ السمة الرابعة: أنه جواب تم اقتصار اهتمامه على تحديات السؤال التقني والسياسي الذي فرضته الحداثة، وسنجد ذلك جليًا في محاولات المعالجة التي قام بها الأوائل مثل معالجة رفاعة الطهطاوي للتحدي التقني وطرحه لنظرية المنافع العمومية، وعند خير الدين التونسي سنجد نظرية التنظيمات الدنيوية كمعالجة لتحدي البنى السياسية الجديدة التي تطرحها الحداثة في محاولة لتبيئتها.

§ السمة الخامسة: في مقابل الأهتمام بالجانب التقني والسياسي والذي تم على إثره الأهتمام بتطوير الجوانب العلمية والفقهية؛ تم إهمال الجانب الصوفي الفلسفي، بل تم اتهام الشق الصوفي صراحة من رجال التنوير العربي الإسلامي بأنه السبب الرئيسي في تأخر الحالة العربية الإسلامية وعدم مواكبتها للتطور الحاصل، هذا في شق أساسي نقد محق بعد أن استقالت الحالة الصوفية من دورها الأساسي في إنتاج المعنى بعدما تحولت لحالة طٌرقية تُشيع التواكل والتكاسل، ولكن هذا الجانب الصوفي الفلسفي الذي تم إهماله أهميته نابعة من القدرة على إنتاج معنى وروحية جديدة، وهذا هو الأمر الأساسي المطلوب والمفقود حتى الأن، لأي حالة انتقال جذري وتأخرنا في فعل ذلك كان السبب الأساسي في فشلنا في التعاطي مع سؤال الحداثة.

§ السمة السادسة: النظر للحداثة على أنها حالة متكاملة الأركان بشروط ومعايير نهائية وليست أنها كما يقول هابرمس صيرورة لم تكتمل، وهذا الأمر جعلنا أسرى نموذج غير ثابت لأنه نتاج تحولات، فتحولت الحداثة إلى أسطورة لم تستطع أن تفرق كما يقول طه عبدالرحمن ما بين روح الحداثة وتمظهرات وواقع الحداثة5.

في ضوء الأجوبة التلفيقية أو التوفيقية التنظيرية والعملية التي طرحت نفسها؛ كان الواقع الذي نشأت فيه هذه الأجوبة يسيطر عليه بداية تكون جسم سياسي وسلطوي يتشابه كثيرًا مع نموذج الدولة بالمفهوم الحداثي ولكن جوهر هذا التشكل - وهذا سيسبب إشكالات كثيرة طوال مسيرة العالم العربي والإسلامي عقب واقعة الحداثة - جوهر سلطاني، فهذا الجسم الذي نما شيئا فشيئا لم يكن نتاج صيرورة اجتماعية متراكمة ولكنه نتيجة تحول فرضته الإرادة الحاكمة التي أرادت تعزيز شرعيتها وسطوتها، وهذا أمر يوفره ذلك النموذج الجديد، فهو تحول لم يستفد منه المجتمع كثيرًا قدر استفادة الطبقة الحاكمة منه، لأنه تحول تم فرضه على المجتمع قسرًا، فمعه تم اختزال الشرعية في الطبقة الحاكمة بديلًا عن تشظي الشرعيات الذي يتسم به النظام الاجتماعي القديم والوسيط، وتم تأميم أجهزة العنف وإصباغ العنف في جهة واحدة وهي الجهة الحاكمة، وهذا أمر لو أنه تم انتاجه عبر حضور المجتمع ووضع شروطه وليس عبر الأرغام من الطبقة الحاكمة التي أرادت انتقال يعزز من سطوتها وتملكها - وليس تملك وسطوة تكون بيد المجتمع - لكان في بعض جوانبه محمودًا.

ثانيًا: الجواب الأيديولوجي
----------------

وهو جواب تعزز قيامه عقب سقوط الخلافة وشيوع التصورات الماركسية، وكلا الحدثين أديا إلى إجابة أيديولجية هووية تأثرت بسقوط الخلافة والخوف من ضياع واندثار الذات المسلمة، وراغبة في تأسيس إسلامي جديد يُعيد ذلك الكيان المفقود (الخلافة) لسابق عهده من جديد. وإجابة أيديولجية هووية قومية تأثرت بالأفكار الماركسية وراغبة في تأسيس قومي لإعادة لملمة الذات العربية خوفًا من خطر التفسخ والاندثار.
ما يهمنا هنا ونحن نحاول قراءة كيفية نشوء داعش من خلال التعرف على سمات الجواب الأيديولوجي الإسلامي الذي نشأ عقب سقوط الخلافة:

§ السمة الأولى: أنه جواب لم يستطع المراكمة على الجواب الأول وهو الجواب التلفيقي، ولكنه قام بإدخال الجواب التلفيقي في إطار هووي مريض (وهو أمر وقع فيه الطرفان الإسلامي والقومي).

§ السمة الثانية: أنه جواب في شقه الإسلامي كان على هيئتين؛ هيئة أولى هي الهيئة التي كانت أمينة ووفية إلى حد ما للتصورات التلفيقية والتي طُرحت في الأفق الإسلامي طوال القرن التاسع عشر، ولكن تلك التصورات غُلفت بغلاف الهوية وكانت جماعة الأخوان المسلمين أول تيار مدشن لذلك العهد الجديد.

§ السمة الثالثة: جماعة الإخوان لم تكن جماعة تولي للشق التنظيري أية أهمية تذكر لأنها كانت ترى أن الأولى هو الشق الحركي والاشتغال العملي على العدة التنظيرية التي خلفها الشق التلفيقي، وهي أطروحات كان ينقصها برأي مؤسسيها الاستغلال لتدويرها في إطار اشتغال عملي يوصل للهدف المطلوب وهو إعادة الخلافة.

§ السمة الرابعة: الهيئة الثانية والتي كان أبرز المؤسسين لها سيد قطب؛ وهي هيئة تدخل في قطيعة تامة مع الجواب التلفيقي وسؤاله، والذي قضى فيه فترة قبل انتقاله لتقديم جواب آخر، وقدم خلال فترته الأولى كتاب "العدالة الأجتماعية في الإسلام"، وهو يرى أن الأجوبة السابقة عليه أجوبة تضيع فيه ذواتنا – الواجب استعادتها - لصالح التبعية باتخاذ نموذج الحداثة معيارًا للتأسيس والتقويم للسلوك.

§ السمة الخامسة: جواب سيد قطب كان يستبطن مجموعة من الأسئلة التي أراد من خلالها استعادة تلك الذات من قبيل من نحن؟ وما الذي نريده؟ وما الذي نستطيع أن نقدمه؟

§ السمة السادسة: الاشتغالات العملية على جواب سيد قطب كانت اشتغالات جهادية بالأساس تم استغلال تلك التصورات المثالية التي قام قطب بطرحها في العديد من مؤلفاته مثل الحاكمية والجاهلية والطليعة المؤمنة والاستعلاء والعزلة الشعورية والمفاصلة العقدية على أساس الدين كبديل عن المفاصلة العقدية التي كانت قائمة في تلك الفترة على أساس القومية والعرق؛ وهو استغلال لتبرير التأسيس، وكان نتيجة تلك الاشتغالات الجهادية على أطروحات قطب عسكرة الهوية وإنتاج هوية قاتلة ستكون داعش فيما بعد حلقة من حلقاتها.

الجواب الأيديولوجي الهووي نستطيع أن نقول أنه أسس واقع جديد وفقًا لتأويلات ثلاثة:
---------------------------

· التأويل الأول: هو تأويل جماعة الإخوان المسلمين، وهو تأويل كما قلنا تلفيقي، ووفي إلى حد كبير للتنظيرات التي طرحت في الفترة الأولى عقب الاصطدام بواقع الحداثة مع تغليف ذلك بالهوية.
· التأويل الثاني: هو التأويل القومي والوطني وهو صاحب التأسيس الثاني للدولة العربية عقب رحيل الاستعمار، وهو جواب كان أمينًا لحالة التأسيس الأولى للدولة العربية وقام بتعزيز تأميمه للمجتمع وتغول الآلة الدولتية وقمعها لأي نشاز يشذ عن القاعدة التي تفرضها الدولة.
· التأويل الثالث: وهو التأويل الجهادي داخل إطار الحداثة، وهو كما ذكرنا تأويل قام بالاستناد إلى نصوص سيد قطب، وقام على أساس عسكرة الهوية، وهو تأويل قام عقب انتهاء محنة سجون عبد الناصر، إذ مر بثلاث حقب؛ الحقبة الأولى: بدايات تكون حالة الجهاد الإسلامي داخل إطار واقع الحداثة وذلك عقب انتهاء المحنة في سجون عبدالناصر وتغذي بعض الأفراد على منتجات سيد قطب في فترته

الثانية، والذي انتهى باغتيال السادات، وانتقل مع الجهاد الأفغاني ضد السوفيت إلى حقبة جديدة. الحقبة

الثانية: مرحلة الجهاد العالمي، والذي بدأ مع الجهاد الأفغاني ضد السوفيت وأنتج ذلك تنظيم القاعدة والتي تنامت وبلغت أوجها بضرب البرجين في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وهو تنظيم تقوم استراتجيته على مهاجمة الغرب وكل ما يتصل به من قوات وقواعد خارج الدول الغربية، وهو بذلك يفتقد إلى تحقيق أهداف ملموسة على الأرض مثلما ستفعل داعش لاحقًا.

الحقبة الثالثة: وهي حقبة مهمة لأن في إطاره ستولد ظاهرة داعش التي هي بالأساس موضوع مقالنا، وهي ولادة لها عدة سمات:

§ السمة الأولى: طرحت داعش نفسها بالأساس عقب حالة الفشل التي قامت كردة فعل ضده، والفشل فشلان في الحقيقة، الفشل الأول: فشل كل تلك التنظيرات والاشتغالات العملية التي سبقتها، تلفيقية كانت، أو هووية إسلامية، أو هووية قومية، في تقديم الخلاص المطلوب للمجتمعات العربية والإسلامية. الفشل الثاني فشل ثورات الربيع العربي التي كانت الآمال منعقدة عليها في تقديم الخلاص المطلوب والتي تم انتظاره طوال قرنين من الزمان، ولكن فشلت في الوصول إلى الخلاص المطلوب والذي تم السعي لتحقيقه نتيجة أمرين، الأمر الأول: تآمر الأنظمة القائمة في عالمنا العربي والتي قامت ضدها الثورات، والأمر الثاني: عدم قدرة التيارات الثورية في تقديم المطلوب منها.
§ السمة الثانية: ولادة داعش كانت نتيجة فكرة تقوم على فكرة أقلمة الجهاد ضدًا للجهاد العالمي الذي تعتمده القاعدة، وهذا أمر مرده سببين؛ السبب الأول: هو افتقاد القاعدة للأهداف الواقعية كما يقول هابرمس6، فداعش على ما يبدو استوعبت درس هام وهو أنه لكي تتمكن من تحقيق أهدافك في فرض نموذج ما لابد أن تفرض حالة واقعية على الأرض، وذلك لن يتم إلا عبر تكوين دولة، وبدون دولة لن تجد أهدافك طريقا للتحقق، وليس فقط دولة بل إعلان قيام دولة الخلافة، ذلك الأمر الرمزي سحب ثوب الشرعية من تحت أقدام تنظيم القاعدة ووضعه في حرج بالغ قد يكون سببًا في انتهاء هذا التنظيم يوما ما، كما أنه ساهم في تعزيز قوة تنظيم الدولة عبر التحاق كثيف من أنحاء العالم لدولة الخلافة التي أعلن قيامها. السبب الثاني: نابع من التأثيرات الكبيرة التي قام بها المنضمين من حزب البعث العراقي جراء الانضمام لداعش والتأثيرات طالت البنية الفكرية لداعش، وهؤلاء المنخرطون الجدد للحالة الجهادية الإسلامية المتأسسين فكريًا وفق التصور القومي، ورؤيتهم تقوم على أهمية تأسيس دولة وسلطة بكل أرض يتم تملكها، لأنه هو السبيل الأساسي والوحيد لتحقيق الخلافة الإسلامية، ذلك الوعد المنتظر منذ عقود.
§ السمة الثالثة: أنها "دولة ضد الدولة"7 فداعش تقدم نفسها كجماعة إسلامية تسعى لإحياء مباديء الإسلام الحقيقية عبر تحقيق نظام الخلافة الإسلامية، في حين أنها لو حقق في أمرها لوجدنا أنها تتمثل جوهر الدولة الحديثة التي تسعى هي لمحوها، وهذه مفارقة داعش؛ أنها دولة ضد الدولة"8. كما أن الإرادة التي تتخذ عبرها الأحكام هي "إرادة هوبزية"9 بالأساس وليس كما الادعاء الداعشي بأنها نابعة من إرادة إلهية.

داعش والحاضنة الشعبية
لا نستطيع قراءة ذلك الالتحاق الكثيف لصفوف داعش وحاضنتها الشعبية الواسعة بدون التوقف عند حدث الثورات العربية، تلك الثورات التي قامت نتيجة تبلور ذات بالمعنى الحديث تبحث عن خلاص لها بعد عقود وقرون، تلك الذات التي تبلورت خلال عقود مضت فثارت باحثة عن الحرية للجميع، والعدالة للجميع، والكرامة للجميع. ولكن تلك الذات كُسِرت تحت وطأة الفشل الذي طال تحقيق الآمال التي كان يعول عليها في إحداث نقلة كبيرة في الواقع العربي المتردي، فتحولت تلك الذات تحت وطأة الفشل إلى ذات قاتلة تريد تعويض ما خسرته، ولأنها ترى أن فشلها سيستمر طالما ظلت تلك الأنظمة التي عادت من جديد بعد أن كادت تسقط وتنتهي.
يقول أحد المنتمين لتلك الحاضنة الشعبية (أ.ح): "نحن ما نريده هو العدل ولن يتحقق طالما بقيت تلك الأنظمة قائمة، ولذلك نحن نؤيد أي أحد يحمل السلاح لإسقاط تلك الأنظمة، وتلك معضلة ستقع فيها داعش مستقبلا كلما يتاح لها الاستقرار، لأنها لا تستطيع تحقيق تلك الأمال، لأن ما تحمله ما هو سوى الوجه الآخر القبيح لتلك الأنظمة، وهي بذلك ستدخل في أزمة كبيرة عندما تكتشف الحاضنة وجزء من المنضمين لها ذلك الأمر.

خاتمـــــة
-----------

في الختام ما نود التأكيد عليه هو أنه لفهم ظاهرة داعش وأية ظاهرة مثيلة لها؛ ينبغي أن يكون ذلك في ضوء واقعها الذي نشأت فيه، فداعش ليست نتاج مؤامرات مخابراتية (بالتأكيد ثمة أجهزة استخبارتية لدول ما تحاول الاستفادة والاستثمار منها وفق ما تمليه مصالح تلك الدول)، ولا هي وليدة مدونة تراثية (وإن كان هذا لا يمنع الاستفادة من أجزاء من هذه المدونة كآلة تبريرية)، ولكن داعش وليدة ذات جريحة نتيجة التعثر في الوصول للخلاص المطلوب مع الاصطدام بواقع الحداثة منذ ما يربو على قرنين. تلك الذات التي كُسِرت نتيجة الفشل في تحقيق آمالها التي ثارت من أجلها فتحول المسلم عقب ذلك الفشل إلى لقيط يحيا داخل العالم، ورأى في داعش مسارا انقاذيا من ذلك الواقع الأليم الذي يحيا بداخله، وأن حلها التي تطرحه، وهو عسكرة الهوية، هو الحل الخلاصي المطلوب، وهنا نأتي للقول بأن كل المحاولات التنظيرية والعملية للوصول لهذا الخلاص، والتي تصدت لتحقيق حداثة ما؛ فشلت في تحقيق حداثة، أو قامت بإنتاج حداثات مؤقتة. وذلك مرده إلى ما تحدث عنه الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور – في مقدمته لكتاب بشير ديان عن محمد إقبال- إذ يقول: "ثمة بالفعل حداثات عابرة، تسعى لمواءمة تقليد عريق مع موضة يوم واحد. عن هذا الصنف من الحداثات ينشأ في حاضر مباشر، من العَصي أن يبقى بعد مُضي ذلك الحاضر، وثمة حداثات أخرى تنطلق من مًنعرج كبير، من الرجوع إلى الأصول، للبحث فيها عن سُبل الخلاص الحقيقي في وضع تاريخي غير مسبوق"9.
فإذا ما كنا جادين حقيقة في الوصول إلى حالة خلاص صحية مشاركة لصالح عالم أفضل وليس لصالح هوية قاتلة؛ فلابد من إصلاح ما كسر وتهدم نتيجة الاصطدام بالحداثة.
وما الذي كسر وتهدم؟ إنه كما يقول الباحث محمد الحداد "اللاهوت القديم الذي تأسس في العصور الوسيطة وخصوصا اللاهوت الأشعري الذي كان متسيدا الأفق العربي الإسلامي، والمطلوب هو تأسيس لاهوتي جديد لإنتاج مقول جديد حول أنفسنا التي تقع في زمن حديث مغاير لذلك الزمن الذي نشأ فيه ذلك اللاهوت القديم، وهو تأسيس لا يدخل في قطيعة مع تراث أو واقع؛ بل يحاول الاستفادة منهما كلما أمكن له ذلك".[1]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
1. محمد الحداد، ندوة بعنوان "الفكر الديني وسؤال الأصلاح"، مؤسسة بلا حدود، المغرب 2014
2. وائل حلاق، الدولة المستحيلة الأسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة : عمرو عثمان – ومراجعة: ثائر ديب، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت 2014، ص20

3. المصدر نفسه ص33

4. ثمة كتاب لشكيب أرسلان معنون تحت لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرنا؟ وهو يطرح فيه ذلك الهاجس لسؤال الحداثة الذي سيطر على الفكر العربي الإسلامي في محاولة لتقديم إجابة على هذا الهاجس وهي إجابة لم تخرج بالنهاية عن الأجابات التلفقية الأخرى التي انتجت طوال قرن ونصف ومازالت تنتج حتى وقتنا هذا.

5. طه عبدالرحمن،روح الحداثة:المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية،المركز الثقافي العربي،الطبعة الأولى المغرب-بيروت 2006،ص24

6. جيوفانا بواردوري، الفلسفة في زمن الأرهاب حوارات مع هابرمس وجاك دريدا، ترجمة خلدون النبواني – مراجعة فايز الصباغ، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت2003،ص77.

7. طارق عثمان، مفارقات داعش:مفارقات داعش الأمال السياسية التي خابت، ملف تنظيم الدولة الإسلامية: النشأة،التأثير، المستقبل، مركز الجزيرة للدراسات

8. المصدر نفسه

9. المصدر نفسه
----------------------------