المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العطر والطيب


عبدالناصر محمود
04-22-2015, 08:33 AM
العطر والطيب في السنة والأدب والتاريخ
ـــــــــــــــــــــ

(علي محمد سلام)
ـــــــــ

3 / 7 / 1436 هــ
22 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.aperfume.info/wp-content/uploads/2011/12/aoud-el-shams-perfume.jpg


العطر والطيب في السنة والأدب والتاريخ

حلف المطيَّبين:
--------
يروي ابن هشام في السيرة: قال ابن إسحاق: "وليَ قصيُّ بن كلاب البيت وأمْر مكة، وجمَع قومَه مِن منازلِهم، وتملَّك على قومه وأهل مكة، فملَّكوه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كلَّه، وسمَّتْه قريش مُجَمِّعًا؛ لِمَا جمَع من أمرِها، ولمَّا كبر قصيٌّ ورقَّ عظمُه، وكان عبدالدار بِكرَه، وكان عبدمناف قد شرُف في زمان أبيه وذهب كل مذهب، قال قصيٌّ لعبدالدار: أما والله يا بني، لألحقنَّك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تَفتحها له، ولا يَعقد لقريش لواءً لحربِها إلا أنت بيدك، ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلا في دارك، وأعطاه دار الندوة ثم أعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ثم إن بني عبدمناف أجمعوا أمرهم على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبدالدار مما كان قصي جعله لبني عبدالدار، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم؛ لشرفِهم عليهم وفضلهم في قومهم، فأبى بنو عبدالدار، وعقَد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكَّدًا على ألا يتخاذَلوا ولا يسلم بعضهم بعضًا، وأخرج بنو عبدمناف جفنةً مملوءة طِيبًا، فوضعوها في المسجد عند الكعبة لأحلافهم؛ بني أسد، وبني زهرة، وبني تيم، وبني الحارث، ثم غمس القوم أيديهم في الطيب وتعاقَدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسَحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم؛ فسُمُّوا المطيَّبين.

مصعب وكعب (موقفان):

نذكر موقفين لرجلين كان للعطر مع كل منهما مناسبة مختلفة الأثر، فبينما هجر الأول ماله ودلاله وعطره إلى الجهاد في سبيل "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، كان مع الآخر سببًا في مهلكه، وحيلة إلى مقتله.

1 - هذا مصعب بن عمير فتى مكة المدلَّل، وأعطَر أهلها، الذي ولد في حجر النعمة، وشب تحت خمائل الدلال؛ يقول عنه صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأيت مصعبًا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبًّا لله ورسوله))، يا سبحان الله! يتحوَّل هذا الفتى - حديثُ حِسانِ مكة، ولؤلؤة المجالس والندوات - إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء، فيترك العطر والدلال والنعمة، ليهاجر ويكون أول سفراء الإسلام إلى المدينة المنوَّرة يعلِّم المسلمين فيها القرآن الكريم والذِّكر الحكيم، ومنهج الدعوة إلى الله، حتى يُستشهد في سبيلها إلى الفردوس من الجنة، رحمَكَ الله يا مصعب الخير، يا تلميذ النبي صلى الله عليه وسلم في مدرسة الإيمان والجهاد، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

2 - وذاك كعب بن الأشرف طاغوت يهود بني النضير، كان عطره مهلكًا له بعد أن آذى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنشدَ الشِّعر بكاءً لأصحاب القليب مِن قتلى قريش في بدر، وشبَّب بنساء المسلمين، فاحتال الصحابي محمد بن مَسْلَمَةَ لقتله وقال لأصحابه: إذا ما جاء كعب فإني قائل بشَعره فأشمُّه ثم أشمُّكم، فإن رأيتموني استمكنتُ مِن رأسه فدونَكم فاضرِبُوه، ويَنزل كعب متوشحًا وهو ينفح منه رائحة الطيب، ويقول له محمد بن مسلمة: ما رأيت اليوم ريحًا أطيب، قال كعب: عندي أعطر العرب، فقال: أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشمَّ أصحابه، فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتَلوه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر مقتل كعب، والخبر كله ورد في الصحيحين.

العطر والطيب في المثل:
-----------
نقطف بعضًا من أزاهير الأمثال التي فاحت على ألسنة العرب مما قيل عن العطر والطيب مما ذكره الميداني في مجمع الأمثال:

"لا عطر بعد عروس":

أول من قال هذا المثل امرأة من عذرة، يقال لها: أسماء بنت عبدالله، وكان لها زوج من بني عمها يقال له: "عروس"، فمات عنها، وتزوَّجها رجل من غير قومها يقال له: نوفل، وكان أعسر أبخر دميمًا بخيلاً، فلما أراد أن يظعَنَ بها، قالت له: لو أذنتَ لي فرثيتُ ابن عمي وبكيت عند رمسه، فقال: افعلي، فقالت: أبكيكَ يا عروس الأعراسِ، يا ثعلبًا في أهله وأسدًا عند الباس، مع أشياء لا يعلمها الناس، قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمَّة غير نعَّاس، ويُعمِل السيف صبيحات الباس، ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيِّب الخِيمِ الكريم المخبر، مع أشياء لا تُذكَر، قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفًا للخَنا والمُنكَر، طيب النكهة غير أبخَر، أيسر غير أعسَر، فعرف الزوج أنها تُعرِّض به، فلما رحَل بها، قال: ضمِّي إليك عطرك، وقد نظر إلى قشوة (وعاء) عطرِها مطروحة، فقالت: لا عطرَ بعد عروس، فذهبت مثلاً.

"أشأم من عطر مَنْشِم":
------------

وهذا المثل اختلفَت وتعددت طرق روايته كما يلي:

كانت مَنشِم عطَّارة تبيع الطيب، فكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها، وتحالفوا على أن يستميتوا في الحرب، ولا يولُّوا أو يُقتَلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: "قد دقُّوا بينهم عطر مَنشِم"، فلما كثر منهم هذا القول صار مثلاً.

وزعَموا أن هذا المثل قيل في يوم حليمة التي اعتبر يومها من أيام العرب، وقيل فيه: "ما يوم حليمة بسرٍّ"، وكان أبوها الحارث بن أبي شمر ملك الشام قد وجه جيشًا إلى المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة (العراق)، فأخرجت حليمة لقومِها مَراكن (أوعية) الطيب، وكانت تُطيِّبهم كي تؤجِّج نار الحرب في صدورِهم، وقاتَلوا حتى تَفانوا.

وقيل: إن مَنشِم كانت امرأة دخل بها زوجها، فنافرته فدقَّ أنفها بفِهْر (حجر) فخرجت إلى أهلها مدماة، فقيل لها: "بئس ما عطرك به زوجك" وذهبت مثلاً.

ويقال: إن امرأة تُسمى خفرة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها، فأغار عليها قوم أخذوا عطرها وفضَحوها، ولحقَها أهلها فوضعوا السيف فيهم، وقالوا: اقتلوا مَن شمَّ؛ أي: من شم مِن طيبها.

"أطيب نشرًا من الروضة"، "وأطيَب نشرًا من الصِّوار":
والنَّشر هو الريح أو الرائحة الطيبة، والصوار هو الرائحة الطيبة أو القليل من المِسْك، وقد قال الشاعر:
إذا لاحَ الصِّوارُ ذَكَرْتُ لَيلَى
وأذْكُرُها إذا نَفَحَ الصِّوارُ

عطر الربيع:
--------

صور أحد الأدباء الربيع عطارًا فقال: "في الربيع تكتسي الطبيعة بأزهى الألوان، وتَشدو الطيور بأعذب الألحان، وتَشذو الرياض بأعطرِ الريحان، ومن عجب أن الربيع لا يكتفي أن يكون مصورًا بارعًا يملأ الأرض بلوحاته ونقوشه، إنه إلى جانب هذا كله عطار ماهر متفنِّن في صناعة العطور إلى أبعد حدود التفنُّن، وعلى الرغم مما يقضيه من وقت في النقش والتصوير وفي تأليف النغمات الساحرة، أمكنه أن يجد من الزمان نسخة يبتكر فيها ضربًا من العطور وألوانًا يملأ الهواء بأريجها، ويهاجم بها أنوفنا.. رغم أنوفنا، وقد وزع هذه العطور توزيعًا عادلاً بين البراعم والأزهار والأوراق، فلكل زهرة أريجها، ولكل ريحانة شذاها، لا تعتدي واحدة على صاحبتها، ولا تغتصب منها عطرها، وليس يعلم إلا الله خالق الربيع كيف تسنَّى لهذا العطار أن يبتكر هذا العدد الهائل من العطور، ويخص كل زهرة بعطرها، لا يخطئ ولا ينسى فيعطي الياسمين رائحة الورد، أو يخلط رائحة الآس برائحة القرنفل".

عبقرية اللغة:
--------------
عرفنا العطر والطيب والشذا والرائحة والعرف، والعبق والضوع والفوح، والأريج والعبير، وكلها كما ترى أسماء عطرة، ونستكمل من ذخائر لغتنا الجميلة ألوانًا وصورًا طيبة من لسان العرب:
الريحان: أطراف كل ما كان من شجر له ريح طيبة.
الفاغية: ورد كل ما كان من شجر له ريح طيبة.
الخزامى: نبت طيب الرائحة، لم نجد من الزهر أطيب نفحةً منه.
الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر ودهن.
السُّكُّ: ضرب مِن الطيب مركب من مسْك ورامك، وهو شيء أسود كالقار يُخلط بالمسْك.
الزعفران: صبْغ معروف من الطيب، خاص بالنساء، ونُهي الرجال عن استعماله، ويقال له: الخلوق، والشعر، والفيد، والجساد، والملاب، والمردقوش.

ومِن أوعية الطِّيب والعطْر:

العتيدة: وعاء الطيب.

اللطيمة: وعاء المسك، أو قطعة مسْك، أو قارة مسك، أو المسك نفسه، كما تقال للعير تحمل المسك.

القشوة: قُفَّة تجعل المرأة فيها طيبها.

الجونة: سليلة مستديرة مغشاة أدمًا تكون مع العطارين يعدُّ فيها الطيب.

ومن أسرار العبقرية في اللغة أن نجد أسماءً للروائح، وأوصافًا للتغير والفساد في الأشياء وتقسيمها لأعضاء الشم في الإنسان والحيوان والطير، وتفصيلاً للمَحمود من الأنوف والمذموم: فالبخر (للفم - رائحة كريهة)، والدفر (لسائر البدن)، والسهك (للعرق)، القتار (للشواء)، والزهومة (للحم)، والوضر (للسمن)، والعطن (للجلد غير المدبوغ)، أما أوصاف التغيُّر والفساد فيقال:
أروَحَ اللحم، وأسنَ الماء، وخنز الطعام، وسنح السمن، وزنخ الدهن، ودخن الشراب، وقتم الجوز، ومذرت البيضة، وخمج التمر، ونمست الغالية.

التفل: ترك الطيب؛ تفل الشيء: تغيَّرت رائحته، ورجل تفل، وامرأة تفلة؛ أي: منتنة وغير متطيبة.
الدفر: النتن، ورجل أدفر، وامرأة دفراء.
الذفر: شدة ذكاء الريح من طيب أو نتن، ولا يقال في شيء من الطيب ذفر إلا المسك.

الرائحة وتمييزها:
-----------

الرائحة هي الإحساس الخاص بالمادة المراد شمُّها الذي ينقله عصب الشم إلى المخ، ولقد جعل الخالق - سبحانه وتعالى - للإنسان حواسَّ خمسًا يتجاوب بها مع الوسط الذي يعيش فيه، وتنقل له ما يدور حوله من أحداث وتفاعُلات طبيعية أو بشرية.

وهذه الحواس هي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وحاسة الشم أقوى هذه الحواس، وثبَت أنها أكثرها اتصالاً بمخ الإنسان.

كيف نشم الرائحة؟
-----------

يوجد داخل الأنف خلايا شميَّة، يتصل بها نهايات عصبية، تتجمع في زوج من الأعصاب الشمية التي تَخترق الحاجز الأنفي في الجمجمة العظيمة لتصل إلى منطقة الشم في المخ، وتدخل الرائحة إلى الأنف على شكل أبخرة أو غازات تتصاعد من مختلف الأشياء المحيطة بنا، والمُتداوَلة بيننا، ولا يُمكن للخلايا الشمية إدراك كنه هذه الغازات أو التعرف عليها إلا بعد ذوبانها في الغشاء المخاطي المائي المغلِّف لهذه الخلايا.

حاسة كيميائية:
----------

حاسة الشم حاسة كيمائية تعتمد على ذوبان الأبخرة والغازات في الغشاء المخاطي، وعندما يصاب الإنسان بنزلة برد، ينتفخ هذا الغشاء ويمنع الروائح من الوصول إلى خلايا الشم داخل الأنف، فلا تشعر بنكهة الشواء أو السمك المقلي، ومن ناحية أخرى فإنك عندما تسد فتحتي أنفك يبدو الثوم أو البصل النِّيء شيئًا حلو المذاق، وتحس أن الفلفل والقرفة والقهوة والكراوية عديمة الرائحة، وتجد أن دخان السجائر يتخذ طعم ورائحة الشياط.

إننا لا نتذوق الأطعمة والمشروبات إذا فقدنا حاسة الشم؛ فعندما تتأثَّر أعصاب الشم في الأنف بأبخرة الطعام نحسُّ ونُدرك مذاقها.

إن الحرمان من حاسة الشم عجز كبير؛ ولهذا فإنه يتداول لدى العامة أن الوصف بانعدام الإحساس بالشم عند إنسان يُعتبَر نقيصةً وسبَّة كبيرة.

علاقة الشم بالذوق:
-----------

الأنف أدق حساسيةً من اللسان بدرجة كبيرة، وحاسة الشمِّ سيِّدة حاسة الذوق، إنَّ ما يعتبر إحساسًا بالتذوق هو أيضًا إحساس بالشمِّ؛ ولذا يشكل الشم القطاع الأكبر مما نَعتبره مذاقًا، وعن طريق الأنف نتعرَّف على الطعام الجيد فنُقبل عليه، ونُلقي بالفاسد، وهذا العضو يعمل بدقة تفوق أبرع آلات وأجهزة المعامل الكيميائية، فالشخص العادي يُمكنُه تمييزُ رائحة نقطة من الكافور في أربعمائة ألف نقطة من الماء، أو نقطة من الفانيليا في عشرة ملايين نقطة ماء، لكن لسان الإنسان لا يعرف إلا أربعة مذاقات: الحلو والمر والحامض والمالح، ولولا دقة تمييز الرائحة بالأنف لأصبح ما نأكله شيئًا لا طعم له.

الحيوان وحاسة الشم:
------------

على الرغم من قدرة الإنسان على التمييز بين كثير من الروائح المختلفة بعضها عن بعض، إلا أن من الحيوانات ما يتفوق عليه في حاسة الشم مثل فصيلة الكلاب ومنها الذئاب والثعالب، وتعتبر قدرة الكلاب على تمييز الروائح من المعجزات الحقيقية، وأوضح مثلٍ على ذلك كلاب الصيد والكلاب البوليسية التي تُستخدَم في التعرُّف على الجناة والمجرمين بمجرد شم أي شيء من متعلِّقات هذا الإنسان المجهول؛ كالمنديل، أو القبَّعة، أو القفاز، أو حتى موطئ قدمه؛ لإخراجه من بين المئات من الناس، والعلم يقول: إن الحيوانات - والكلاب خاصة - لها في منطقة المخ مكان لحاسة الشم يَبلغ عشرة أمثال حجم المكان الموجود في مخِّ الإنسان، وفي حياة الغابة حيث يَشتدُّ الصراع الرهيب بين الحيوانات المُفترسة وفرائسها، تلعب حاسة الشم دورًا رئيسيًّا، فيُراعي صيادو الأدغال والغابات ألا يُوجَدوا في مهب الريح؛ حتى لا تَحمل رائحتهم إلى الحيوانات آكلة العشب كالوعول والغزلان والزراف والأرانب البرية فتلوذ بالفرار، أو إلى الوحوش المفترسة كالأسود والفهود والنمور فتتأهَّب للهجوم والافتراس.

رائحة المرض:
----------

توصل العلم إلى أن جسم المريض يكتسب روائح خاصة يُمكن تشخيص المرض على أساسها؛ إذ وجَّه دكتور ليون سميث دعوة لأطباء العالم لكي يُشجِّعوا مَرْضاهم؛ فقد أكد الدكتور سميث أن الأنف في بعض الحالات يمكن أن يكون أكثر دقة من الأجهزة لتشخيص الأمراض، وقد وضع د. سميث قائمة بروائح أنواع الأمراض المختلفة، على سبيل المثال:
التيفود يعطي للجلد رائحة الخبز الأسمر الحديث الصُّنع، والحمى الصفراء تجعل للجلد رائحة تُشبه رائحة محلِّ الجزَّار، والغرغرينا مثل التفاح الأسود.

أصول العطور:
---------
تنقسم العطور بالنسبة للأصول المستخلصة منها إلى: نباتية، وحيوانية، وتخليقية.

1 - العطور من أصل نباتي:
---------------

وهي التي توجد في صورة زيوت طيارة، تُستخرَج من كل أجزاء النبات الزهرية، وكذلك من الأوراق والثمار والسوق واللحاء والجذور، أو توجد على حالة سوائل كثيفة القوام تفرزها بعض الأشجار (الصموغ)، أو توجد على هيئة صلبة (الراتنجات)، ويوضح الجدول التالي دور النبات في إنتاج العطور:
زهور: ياسمين، ورد، فل، قرنفل، بنفسج، نرجس، تمر حنة، برتقال، زنبق.
أوراق: خزامى، نعناع، فلية، ريحان، بنفسج، خيار شمر، صعتَر، جيرانيوم، مردقوش.
ثمار وبذور: ينسون، برجموت، فلفل حلو، حب المسك، حبهان، جوزة طيب، برتقال نارنج.
غصون وقشور: قرفة، برجموت، فلية، ريحان، خشب الأنبياء، خيار شمر، ليمون، جيرانيوم، نارنج، مردقوش.
جذور: زنجبيل، سوس، حشيشة الملائكة، قسط هندي.
أخشاب: سدر خشب ورد، صندل، عود.
صموغ: بلسم، لادن، لبان حلو، مر، جاوي، ميعة.

وتشتهر بعض بلاد العالم بزراعة النباتات العطرية؛ مثل البلاد الواقعة حول حوض البحر الأبيض المتوسط: مصر وسوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب وتركيا وفرنسا وإيطاليا وبلغاريا، ثم البلاد التي تقع حول المحيط الهندي بالقارة الآسيوية، خلا مناطق أخرى في أمريكا وأوروبا.

2 - العطور من أصل حيواني:
-----------------

وهي العطور ذات الروائح القوية النفاذة، التي تُستخدم أصولاً ومواد تثبيت للروائح الأقل والأخف خلال عملية الخلط، وتستخرج من أعضاء بعض الحيوانات مثل:
غزال المسك، وحوت المن، وقط الزباد، وقندس الماء.
(أ) المسك MUSK: وهو أطيب المواد العطرية الحيوانية، وأكثرها استعمالاً وثباتًا، ورائحته أبقى من كل الروائح جميعًا، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أطيَب الطِّيب المِسك))، ويشبه به غيره، ولا يشبه هو بغيره في الطيب، والجيد من هذه المادة يكون جافًّا قاتم اللون، أرجوانيًّا أملس مرَّ المذاق، والشيء الغريب أن المركز منه له رائحة لا تُحمد، ولكنه إذا خُفِّف طاب وأمتع، والمسك إفراز للحويصلات التناسلية للذكَر من غزال المسك (الأيل) الذي يعيش في أعالي جبال هيملايا، وأحسن نوع منه هو مسك تونكين، ويأتي من التبت وسهول كونوكو بالصين؛ حيث تعيش الأيائل على ارتفاع شاهق وبأعداد كبيرة، ويتمُّ فصل الكيس أو الغدة المحتوية على المسك بعد أن يُقتل الأيل، ثم تجفَّف في الشمس على حجر أو تُغطس في زيت حار.

(ب) العنبر Ambergris: مادة عطرية شحمية رمادية اللون، توجد على شكل حصوات تستخرج من أمعاء حوت المن (القيطس) Sperm Whale عندما يُقتل لهذا الغرض، وقد توجد كتل من العنبر طافية على مياه المحيط الهندي وغيره من المناطق الحارة بعد أن يطردها الحيوان المصاب بسوء الهضم بسبب تناوله طعامًا شهيًّا ومحببًا له، وهو سمك السبيدج أو الحبار Castorium، ويكون العنبر أول ما يخرج من جوف الحوت أبيض اللون ثم يتحول تدريجيًّا إلى اللون الأسمر بتأثير العوامل الجوية، والعنبر يذوب في الكحول والأثير والزيوت الطيارة، ويسيح في الماء الساخن، وتُبخِّره الحرارة الشديدة، ويستعمل لشفاء أمراض كثيرة للأعصاب والمعدة، ومثبت قوي للعطور.

(جـ) الزباد: وهي مادة دهنية تستخرج من غدة على شكل جيب بين المستقيم وأعضاء التناسل لذكر وأنثى السنور أو قطِّ الزباد Cevet الذي يعيش في جبال غينيا والحبشة والسنغال، وهي كتلة بيضاء يثخن قوامها ويدكن لونها عند التعرُّض للهواء، رائحتها قوية، تذوب بصعوبة في الكحول وجزئيًّا في الكلورفورم، وكليًّا في الأثير، والمادة كريهة الرائحة تطيب عند التخفيف، ويتم الحصول عليها بكَشطها بمِلعقة من غدد الحيوان الحي من حين لآخر، وهي عملية غاية في القسوة، وذلك من خلال حجز الحيوان في أقفاص خاصة بعد صيده.

(د) القاسطورة Cuttle Fish: أكثر الأصول الحيوانية استعمالاً، وهي إفراز لحيوان قندس الماء الكندي والروسي Beaver، ويتجمع في كيسين كمثري الشكل بحجم الإصبع بين الفخذين في كل من الذكر والأنثى، والمادة راتنجية تذوب تمامًا في الكحول، وهي قابلة للاشتِعال، ولها رائحة شديدة غير مقبولة، وطعمها مرٌّ، وتسيح بالحرارة.

(هـ) فأر المسك Musk Rat: تستخرج مادة دهنية لها رائحة المسك، من سُرةِ فأر المسك، وهو من فصيلة القوارض، عبارة عن جرذان تعيش على هيئة قطعان برية في شمال أمريكا، ويتم صيدها للحصول على الفراء الثمين والمِسك.

3 - العطور التخليقية:
-----------

ترتفع تكلفة العطور الطبيعية المستخرَجة من النبات ارتفاعًا خطيرًا؛ فأقل من رطل من زيت الياسمين الطيار يُستخرج من طن واحد مِن هذه الزهور، وذلك ما دعا منتجي وصانعي العطور إلى تخليق وابتكار أكثر من ألفي صنف تُماثل رائحة بعض الزهور مثل سوسن الوادي والبنفسج والياسمين، وقد اشتهرت ألمانيا الغربية بتخليق هذه العطور من مواد كيميائية بالمعمل مثل: الأثير والكلوروفورم والبنزين والكحول وثاني كبريتور الكربون.

وبفضل التقدم في ذلك الفرع من علم الكيمياء الذي عرف بـ"كيمياء الروائح العطرية"، والذي يبحث في المركبات الكيميائية للعطور، والأسس التي تقوم عليها، وكيفية تحضيرها، وتجميع مفرداتها على شكل باقات، أصبح من الميسور تخليق وتحضير أي زيت عطري كيميائيًّا الآن.

جدير بالذكر أن نسجد حمدًا لله وإجلالاً وإكبارًا لقدرته - سبحانه وتعالى - ونقف وقفة تأمل وتدبر عند التمييز بين العطور الطبيعية من النبات أو الحيوان والعطور التخليقية، فعندما تَنطلق الرائحة الطبيعية من عقالها يشم الإنسان - يا سبحان الله - عبيرًا متناسقًا جميلاً، له أريج وشذا يأخذ بمجامع القلوب، ويدور العبير حول نفسه على مِحوَر من الانسجام والتوافق بين أجزائه في غير ما تنافر أو نشاز، أما الرائحة التخليقية المصنَّعة - وإن كانت تعطي صورة قريبة الشبه من الأصل إلى حدٍّ ما - لكنها لا تطابقه تمامًا مهما بلغ التركيب من فنون البراعة والإتقان، حتى إن خبراء صناعة العطور يقولون: إنه من الضروري لتقريب مدى الاختلاف بين الروائح الكيميائية التخليقية والروائح الطبيعية أن تدعم المركبات الصناعية دائمًا بما لا يقلُّ عن 1% من الزيوت الطبيعية المشابهة.

تحضير العطور:
----------

تُحضَّر العطور بفصل الزيوت الطيارة من مختلف أجزاء النبات، خلال عدة طرق تتناسب مع طبيعته مثل: الضغط، والعصر، والتقطير، والاستخلاص بالإذابة.

فتستخدم المعاصر الآلية في استخلاص زيوت الثمار الحمضية من قشورها وبذورها مثل البرتقال والنارنج، ويتم العصر تحت ضغط عالٍ حتى يفصل الزيت عن الماء، أو يُستخدم التقطير بجهاز الأنبق فيتمُّ غلْيُ الزهور والأجزاء النباتية، ثم يكثف البخار ويتم فصله عن الزيوت، وبالنسبة للزهور الرقيقة التي تتأثر بالحرارة مثل الياسمين يستخلص الزيت عن طريق النقع في المذيبات.

مركبات العطور:
------------

تتعدد منتجات العطور بأسماء اصطلاحية كثيرة تجري على الألسنة، ويمكن التعرف عليها من خلال تقسيمها من حيث الأغراض المستعملة من أجلها إلى:
1 - مركبات سائلة: وتمزج فيها الزيوت العطرية بنسب خاصة، ثم يضاف إليها الكحول فتزداد حسنًا وطيبًا بمضي الوقت، وتشمل الآتي:
(أ) الأسنس Essence: ويعني الجوهر الفعال في العطر، وهو إما أن يكون زيتًا خاصًّا بزهرة واحدة أو مجموعة زيوت مشتركة من جملة أسنسات تعطي رائحة مميزة، فتُسمى بوكيه أو باقة.

(ب) ماء الكولونيا Eau de cologne: وهو محلول عطري مخفَّف من الأسنس أو البوكيه في حدود 2%، وكحول 50 - 90%، ماء 10 - 40%.

(جـ) لوسيون Lotion: أي غسول لتعطير الجسم بعد الحمام أو غسيل الوجه واليدين في حدود 5% من الأسنس أو البوكيه، كحول 85%، ماء 10 - 15%.

(د) إكستريه Extract؛ أي: خلاصة محضرة من الزيت العطري أعلى تركيزًا مما سبَق، ولا تزيد عن 10% من الأسنس أو البوكيه، كحول 80%، ماء 10%.

(هـ) فكستر Fixter؛ أي: مثبت يمد تأثير العطر وقتًا طويلاً، وإضافتها ضرورية حتى لا تتبخر رائحته بسرعة، والمثبِّتات إما حيوانية مثل المسك والعنبر والزباد والقسطورة، أو نباتية مثل حب المسك أو الفانيليا والنجيل الهندي، أو تخليقية مثل: بللورات الفانيليين، ومسك إمبريت، مسك إكسلين، إستيرون.

2 - مركبات جافة: وتشمل البخور ذا الرائحة العطرة المُنعِشة، ويُعرض بالأسواق على شكل مسحوق أو عيدان، وتظهَر رائحته بحرقِهِ، ومن أمثلته العود الهندي والصندل.

3 - مركبات البشرة من أجل زينة المرأة والعناية ببشرتها مثل البودرة والكريمات وأحمر الوجنات والشفاه.

4 - مركبات الشَّعر من أجل العناية بتاج الرأس وتصفيفه وتنظيفه وتقويته ومنع تساقطه؛ مثل دهانات الشعر والصبغات.

5 - مركبات الفم والأسنان للمحافظة عليها من خطر التسويس فتستعمل مع فرشاة المعجون، أو البودرة أو الغسول.

6 - مركبات متنوعة لإزالة الشعر، ونظافة الملابس والأواني وتعطير الجو، وقتل الحشرات وامتصاص الروائح الكريهة.

تاريخ العطور:
----------

عرف الإنسان العطور منذ فجر التاريخ، واستعملت الأخشاب العطرية والتوابل في صناعة البخور للمحافل الدينية في مصر وبابل وفارس والصين والهند، ولقد وجد الأثريون قوارير بها عطور في قبر الملك توت عنخ أمون، وقد ظلت محتفظة برائحتها منذ آلاف السنين، وشاعت العطور بإسراف وبذخ عند الإغريق والرومان، أما العرب فقد كشفوا أسرار هذه الصناعة وطرق تَحضيرها، واخترعوا جهاز الأنبيق، وانتشرت في المشرق كله حتى عرفت عند سكان أوروبا بالروائح الشرقية، وفي القرن الثاني عشر حمل العائدون من الحرب الصليبية عطور الشرق من فلسطين إلى أوروبا، وسرعان ما انتشرت في كل القارة، واحتلت العطور المكانة الرفيعة التي هي عليها الآن.

ويُحكى أن محمد بن طغج من أولاد ملوك فرغانة، وكان كل ملوكها يلقب بـ(الإخشيد) وقد حكم مصر والشام (935 - 946م)، وُصِفَ بالثراء وسعة العيش حتى إن "خزانة طيبِه حُملت في إحدى سفراته على أكثر من خمسين جملاً، وأنه كان له بدمشق قبة مُشبكة يتطيب فيها فتصل رائحة الطِّيب إلى أكثر جهات المدينة".

ويذكر أن الملك سعود بن عبدالعزيز - ملك المملكة العربية السعودية - كان يَملك مجموعة من خمسمائة نوع من العطر والطيب.

كما يُروى أن نابليون بونابرت كان يستهلك ستين لترًا من ماء الكولونيا في الشهر، وكان يُعطِّر مناديله برائحة الياسمين.

ومنذ بداية القرن التاسع عشر خطت صناعة العطور خطوات عظيمة في طريق الإنتاج، فأُنتجت زيوت جديدة، وتطور فن الخلط والتقطير، وأدت أبحاث الكيمياء العضوية إلى تخليق آلاف الأنواع من العطور، وكان اختراع مركبات الأيروسول في الخمسينيات مدخلاً لزيادة الإقبال والطلب على العطور، وفتحًا جديدًا في هذه الصناعة.

وتعتبر فرنسا الآن ومدينة جريس Grasse بالذات والتي تقع بالقرب من البحر الأبيض المتوسط في جبال الألب الغربية Maritimes فضلاً عن مدينة النور والجمال (باريس) - المنتِج الأول لأرقى العطور العالمية، ومركز هذه الصناعة في العالم.

استعمالات العطور:
----------

استحدثت في الوقت الحالي استعمالات كثيرة للعطور، سواء على الصعيد العائلي أو الصناعي، وتدخل العطور ومُنتجاتها بأكبر نسبة في صناعة الصابون والمنظفات الصناعية، وفي صناعة الجلد المقلَّد، والبويات، والأحبار، ولعب الأطفال، والورق، والغراء، وفي صناعة الملابس الداخلية، وملابس المطر والأحذية، وتستخدم في المغاسل العامة، وللتغلُّب على الروائح الكريهة وغير المرغوبة في صناعة البلاستيك، ولإضفاء أريج طيب على الزهور الصناعية، وتدخل في صناعة مزيلات رائحة العرق، ومقاومة الروائح الكريهة في دور السيرك والمسارح والمستشفيات والأماكن العامة.

ويجب أن نلفت النظر إلى الأهمية الاقتصادية الكبرى للنباتات الطبية والعطرية لسد حاجة صناعة الأدوية والعطور، وكذلك الأسواق الخارجية، ولقد منَّ الله على بلاد العرب بموقع جغرافي فريد يمتد من حوض البحر الأبيض المتوسِّط المعتدل المناخ، إلى حدود جنوبية استوائية حارة المناخ، إلى حدود شمالية باردة المناخ، بالإضافة إلى مختلف أنواع التربة من الأراضي الصالحة للزراعة أو القابلة للاستصلاح، وكذلك وفرة الأيدي العاملة الرخيصة المدرَّبة على الزراعة والحصاد، وكل ذلك يساعد على نمو هذه الثروة القومية بالتخطيط الشامل على مستوى الدول العربية وحصر كل النباتات الطبية والعطرية التي تنمو بريًّا للتعرف على خصائصها ودراستها علميًّا، ولتعاون مُختلف مراكز البحوث بالدول العربية وتوعية الزراع للتوسُّع في زراعة هذه النباتات.

ونذكِّر بأن سحر الشرق كَمَنَ منذ الأزل في الأعشاب الطبية والعطرية والتوابل، وكانت دائمًا مصدر جذب لعلماء الغرب، والمغامرين الذين يفدون إليه رغم مشقة البُعد وأهوال الطريق برًّا وبحرًا، حيث يكسو الجليد بلادهم أغلب أيام العام.

أمَا آن للشرق أن يصحو من سباته، وللعرب أن يتَّحدوا وينتبهوا إلى خطورة هذا التحدي الحضاري؟! أدعو الله أن يكون ذلك قريبًا.
------------------------------
المصادر:

1 - صحيح البخاري ومسلم، طبعة البابي الحلبي مصر.
2 - سيرة ابن هشام، طبعة البابي الحلبي مصر.
3 - لسان العرب؛ ابن منظور، طبعة دار المعارف - مصر.
4 - مجمع الأمثال؛ الميداني، طبعة البابي الحلبي - مصر.
5 - فقه اللغة وسر العربية؛ الثعالبي، طبعة البابي الحلبي - مصر.
6 - المستطرف في كل فن مستظرف؛ الأبشيهي، طبعة مصطفى الحلبي - مصر.
7 - "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"؛ د. محمد رشاد الطوبي - اقرأ، دار المعارف.
8 - العطور؛ محمد فهمي الفولي، مكتبة الأنجلو المصرية.
9 - صناعة الروائح العطرية؛ أحمد عطية غراب، مكتبة الأنجلو المصرية.

-------------------------------------