المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هندسة الجمهور


عبدالناصر محمود
04-24-2015, 07:28 AM
هندسة الجمهور*
ــــــــــ


5 / 7 / 1436 هــ
24 / 4 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710523042015084945.jpg


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

الإعلام قادر على إصابة الملايين بطلقة واحدة، كتاب هندسة الجمهور بقلم أحمد فهمي، من مطبوعات مركز البيان للبحوث والدراسات، هل نستطيع أن ننفك عن تأثير وسائل الإعلام، هل إذا كنا أذكياء لن نخدع؟، في الحقيقة هذا السؤال يجب أن نفهم كيف يكون الجواب عليه.
الكتاب جاء ليدعم الطرف الذي لا يدرك حتى أن هناك من يخطط للاستحواذ عليه[1]، الطرف الأول الإعلام طرف كما ذكر الكاتب يعلم ما يفعل وكيف يفعل...[2]، فصول الكتاب تعرض أهم النظريات الإعلامية والنفسية الموظفة في مجال التأثير على الجمهور، أهم الأساليب المتبعة في خداع الجمهور والاستحواذ عليه ثم التحكم فيه فكريا وسلوكيا.

في مقدمة الكتاب ذكر حادثة في عام 1938م صدقها نحو مليون شخص من ستة ملايين متابع، الحادثة هي هبوط مركبة فضائية على أطراف مدينة نيويورك، صدق الناس الحدث بعضهم حملوا أمتعتهم، تحول الحدث بعد أن أنه عمل مسرحي إلى معدد ضخم من الأبحاث والدراسات في مجالات متعددة، نفسية واجتماعية وإعلامية.

هناك في بين الإعلام المطبوع والإذاعة والبث المباشر على الهواء من حيث الاستقبال وردود الأفعال، ومن هنا يتبين قوة تأثير البث المباشر والإذاعة، ترسخت كثير من الديكتاتوريات بفضل الإذاعة يقول جوبلز وزير إعلام هتلر: لم يكن ممكنا لنا تولي السلطة أو استخدامها بالأسلوب الذي فعلنا دون المذياع.
وذكر الكاتب ما ذكره الباحث الإيطالي عن موسوليني، وما كتبه جوي إلمر مرجان عن أنه لا يمكن أن تكون هناك أنة حرة إذا تركزت السيطرة على الإذاعة في أيدي قلة من الناس.
برز إلى عالم الدعاية والإعلام رجل غير التاريخ[3]، وهو إدوارد بيرنيز فماذا أحدث هذا العالم؟ وما هي المصطلحات التي استخدمها؟، ومن أبرز من استفاد منه؟.
بداية بيرنيز كان قد تشرب أفكار خاله عالم النفس البارز سيغموند فرويد فجاء محملا عن اللاوعي وإمكانية برمجة الجمهور، قبل بيرنيز كانت الدعاية تتركز حول جودة المنتج، بعده اكتشف أن إعادة صياغة الجمهور ربما تكون أسهل من تغيير المنتج وهنا يبرز أثر بيرنيز، أبرز المصطلحات المستخدمة هندسة الإجماع أو هندسة القبول، أبرز زبائنه الحكومة الأمريكية، بيرينز حول الجمهور إلى مفعول به.
تساءل الكاتب وحق له أين ذلك الكائن الأسطوري الذي ينفق الملايين من أجل فقط أن ينقل للناس عبر شاشاته الحقيقة دون تزييف؟، وذكر الكاتب المهمة الحقيقة للإعلام حسب واقعه.[4]
في فصل أيها الشعب لست ذكيا إلى هذا الحد، ذكر الكاتب أن بعض الشعوب تتغنى في أناشيدها وشعاراتها بذكائها، وتساءل هل هذا الوصف يكون بالفعل صحيحا؟ هل لأنه موجود في هذا الشعب بعض العباقرة، أن هذا الشعب عبقريا؟، وقدم بعض الدراسات عن ذكاء الشعوب وترتيبها وقدم دراسة توضح هل ممكن أن ينخدع الشعب الذكية بالإعلام؟

ذكر الكاتب أربع سمات رئيسية في الفرق بين إعلام المجتمعات التي تتمتع بالحريات وبين إعلام الدول المحرومة منها:

أولا: مستوى التناقض بين الحقيقة والافتراء.

ثانيا: مستوى الحبكة الإعلامية للأكاذيب.

ثالثا: وجود النخبة المؤثرة المعارضة للخداع.

رابعا: توفر البيئة القانونية الداعمة للحريات.

في فصل الإعلام والاتصال بعض التعاريف لعلم الاتصال وبعض المصطلحات وفيه تعريف جامع لعلم الاتصال، وفي فصل مكونات عملية الاتصال الجماهيري ورد نموذج لازوريل وهو يتضمن خمس مكونات أساسية لعملية التأثير الإعلامي وهي: من؟المرسل، يقول ماذا؟الرسالة، بأي وسيلة؟، لمن؟ وبأي تأثير؟، واتبعه الكاتب بنموذج مالتيزك الذي يظهر عدد من المتغيرات.
في فصل الإعلام لا يكذب ذكر الكاتب أن الإعلام نجح في أن يصبح في موضع المرجعية، وليس مرجعية معلوماتية فقط بل للقيم والتصورات، وذكر بعض الدراسات التي تثبت ذلك، والتأثير الأخطر للإعلام في أن الإنسان يتفاعل مع الواقع بحسب تصوره له، والذي يكون التصور في واقعنا هو الإعلام.
التلفاز وبسبب ما يتسم به من إثارة وتشويق فإنه يمارس تأثيرا تربويا يفوق ما تمارسه الأسرة أو المدرسة، عندما طولبت عينة من دراسة ميدانية بجامعة ليستر ببريطانيا، بالاختيار بين التصديق بما يقوله الوالدان، أو المدرسة أو التلفاز، اختار 54% تصديق ما يقوله التلفاز، وفي حادثة بشعة شغلت الرأي العام فقد قتل رب أسرة ولك أن تتصور بماذا انشغل الأطفال بعد مقتل أبوهم مباشرة[5].
تحدث الكاتب عن اضطرار الجمهور للتصديق مع علمه بالكذب، وذكر تحليلا لذلك وممكن أن يرجع له القارئ في موضعه[6]، وتحدث عن صدور حكم قضائي يشرع الكذب للسياسيين، فكيف وصلوا لذلك[7].
خصص الكاتب صفحات لكشف خدع الإعلام لا يكذب، وذكر وقرر قبل ذلك أن أغلب وسائل الإعلام لا تتوقف عن الكذب، سواء كانت منصة للسياسيين أو رجال الإعلام
في القاعدة الأول من يدفع للزمار، يختار اللحن، تحدث الكاتب عن تكلفة القنوات الإعلامية، وأن تكلفتها تزيد عن إيراداتها، وتساءل ممن يدفع الفرق؟، وتحدث عن السر وراء الإعلام وأنه يكمن في مزيج ثلاثي يضم ثلاثة أركان المال – السياسة – الإعلام، وذكر نموذج صانه الملوك وهو جاك أبراموف، وفي القاعدة الكثير من النماذج، بل إنه تحدث عن ظاهرة تغيير الولاءات عند الإعلاميين.
في القاعدة الثانية الإعلام يتعلم من بافلوف، ويتضح المزيج بين علم النفس والإعلام، وأورد الكاتب خلاصة ما استفاده الإعلام من حيث: تداعي المعاني، التعزيز أو التدعيم، وأخيرا المحاكاة.
في القاعدة الثالثة الاستعانة بصديق، وهي نقل الرسائل عبر النخب وقادة الرأي الذين لديهم القدرة على إعادة صياغتها ووضعها في إطار ذي دلالة عند الجماعات التي تتبع لهم، وأورد في القاعدة بعض الشواهد، وأورد الأنماط التي يتعامل بها الإعلام مع النخب المؤثرة في الرأي العام وهي: المنع، الاحتواء، الزرع.
وفي القاعدة الرابعة هندسة العقول والمجتمعات، وهو أهم فصل في الكتاب، ابتدأه الكاتب بسؤال ممكن أن تطرحه، وهو: كيف ترى نهاية الصراع بين العرب واليهود في فلسطين؟ ذكر الكاتب أن طارح السؤال سيتفاجأ بإجابات متناقضة لدرجة مضحكة أحيانا، برغم التشابه العام بين هؤلاء الأشخاص في خصائص كثيرة.

فما الذي يجعل الاستجابة متنوعة ومتفاوته تجاه الشيء نفسه إلى هذه الدرجة؟، إنه ما يعرف بــ النظام الإدراكي المعرفي للإنسان.
لا تصدر الاستجابة من الإنسان كرد فعل للواقع المادي بشكل مباشر، وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه هو بكل تركيبته، ومن خلال ما يسقطه الواقع من أفراح وأتراح، وأشواق ومعان، أو رموز وذكريات، وأطماع وأحقاد، ونوايا خيرة وشريرة، ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيدولوجية[8].
وأتمنى أن أطيل هذا الموضوع وأسرده بالكامل، ولكن اللبيب بالإشارة...يكتفي، ومن الأمثلة الطريفة ما يروى عن ماري أنطوانيت ملكة فرنسا قبل الثورة والتي كانت تعيش عيشة مترفة منعزلة عن العالم الخارجي، فقد قيل إن بعض الحراس وجدوا فلاحا مغشيا عليه من فرط الجوع، فأتوا به إليها، فأشفقت عليه وقالت له «يا سيدي، يجب ألا تتبع هذا لرجيم القاسي».

وليس هناك غرابة في موقفها هذا لأنها فرضت مخزونها الإدراكي على ما رأته بعيونها، فالجوع الذي حدث للفلاح ليس بسبب الفقر بالنسبة لها، بل هو بسبب الرجيم.
الأشخاص ينظمون معتقداتهم وأفكارهم في أشكال ذات مغزى ومعنى معين، ثم يدركون العالم الخارجي وفق إطار المعنى أو المغزى، وهذا ما يفسر عدم تطابق الفهم والاستجابة للرسالة الإعلامية الواحدة.
وسائل الإعلام تتعامل مع الخريطة الإدراكية وفق ثلاثة إستراتيجيات وهي: التوظيف – التعديل – التنميط، أتمنى من القارئ أن يقرأ هذا الفصل ويفهمه جيدا، حيث فيه أمثلة تبين كيف وظفت الإدراكية، منها: بيل كلينتون وصغر سنه وأثره على ترشحه للرئاسة، وعراب الإستراتيجية إدوارد بيرنيز...إلخ.
القاعدة الخامسة تتلخص في الجواب عن لماذا تدفع مالا لشراء صحيفة؟ لماذا تجلس أمام التلفاز لساعات متتالية؟ ما الذي يدفعك لتكرار هذا السلوك يوميا دون كلل أو ملل؟.

الجواب في نظرية الاستخدامات والإشباعات، وهي أن الإنسان يتابع وسائل الإعلام من إشباع مجموعة من الحاجات والدوافع، وعلى أساس ذلك يحدد نسبة تعرضه لوسائل الإعلام كما وكيفا.
وقسم الحاجات إلى مجموعات خمسة حسب تقسيم العلماء له، وذكر الكاتب الخدع المستخدمة التي منها: إيهام المتلقي بحاجات غير حقيقية، وخدعة الإشباع البديل ومثالها شعب ثائر غاضب من الحكومة، لأسباب مختلفة فقر ظلم فساد، يبادر الإعلام بالتدخل ليقوم بدلا منهم بالنقد العلني للحكومة، والخدعة الأخيرة وهي عبر الحاجة إلى التشويق والإثارة وتتبع الغرائب.
القاعدة السادسة انطلقت في أن وسائل الإعلام تواجه أنماط مختلفة من الجمهور، جمهور المتلقين الخاص، جمهور المتلقين العام، الخاص هم أولئك الذين ينتمون إلى جماعات محددة داخل المجتمع، والعام هم مجموع الشعب.

بذلك يكون على وسائل الإعلام التحرك بحذر داخل المرجعية لكل فئة، ولذلك طورت وسائل الإعلام أساليب متنوعة للالتفاف على المعايير الثقافية والاجتماعية بما يكفل لها تنفيذ رؤيتها دون أن توقع المتلقين في أزمة التناقض ولك أن تقرأها أخي القارئ لكي تعرف بعض النظريات لتمرير بعض الفتوى، استخدام الرأي والرأي الآخر لإحداث سلوكيات مخالفة لتقاليد المجتمع.
فن الوصول إلى الزبون القاعدة السابعة، تتعرض الرسالة الإعلامية إلى مقلصين لها وهما: التشويش، والفقد.
وذكر الكاتب كيف عالجوا المتخصصون هذه الإشكاليات بالتكرار، وذكر الكاتب أهداف التكرار الذي ذكر بعضها غي دورندان، في كتابه الذي وسمه الكاتب بالمهم وهو الدعاية والدعاية السياسية.
إذا كان الجمهور يصدق فلماذا يتوقف الإعلام عن الكذب؟، قاعد ثامنة، ذكر فيه الكاتب أسباب قابلية التصديق، وأسباب الاستمرار في الكذب.

وفي التاسعة ذكر كيفية التلاعب بالعقول، وأهم فكرة في التلاعب بها هي من خلال العقل الباطن، حيث تتحكم دوافع خفية في سلوك الإنسان، وهناك سياقات متعددة يظهر فيها توظيف الإعلام للعاطفة في تحقيق أهدافه، وهي:

1. إثارة المخاوف.
2. أسطورة الصديق.
3. أسطورة العدو...كبش المحرقة.

وأخير الأجندة، ترتيب وسائل الإعلام للمواد الإخبارية والقضايا والموضوعات التي تتناولها في ترتيب يشير إلى الأهمية، وهذا الترتيب يعبر عن سياستها من هذه المواد، وكيف أنه في أحيان تقدم أخبار ومنشورات ليست ذات أهمية ليشعر المتلقي بقلة الأهمية لأخبار ومنشورات عرضت بعدها.


[1] ص [15].
[2] ص [15].
[3] ص [8].
[4] ص [12].
[5] ص [33].
[6] ص [35].
[7] ص [36].
[8] ص [75].
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*{البيان:مركز البحوث والدراسات}
ــــــــــــــــ