المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البعد عن التعامل الصحيح مع النص


عبدالناصر محمود
04-26-2015, 07:01 AM
البعد عن التعامل الصحيح مع النص وأثره في افتراق الأمة*
ـــــــــــــــــــــــــــــ

7 / 7 / 1436 هــ
26 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_6306.jpg

الدراسة: البعد عن التعامل الصحيح مع النص وأثره في افتراق الأمة(**).
----------------------------

إعداد: الدكتور أنس سليمان المصري النابلسي.
-----------------------------

ــــــــ

لقد أرسل الله- تعالى- خير البشر- محمد صلى الله عليه وسلم موحداً لعقائد المسلمين، وصفوفهم، وقلوبهم، وحرم على لسانه مفارقة حبل الله المتين، والابتعاد عن منهجه القويم، وأمر بالاعتصام بكتابه وسنة نبيه الأمين، على منهج السلف الصالحين، وبفهم صحابته الراشدين.

فنكص على عقبيه كثير من المخالفين، وأخطؤوا فهم كثير من نصوص الدين، وأساؤوا التعامل معها؛ فتعالت أصوات الجاهلين، وتزايدت دعاوى الانسلاخ عن الكتاب والسنة، وانحرف المغرضون عن المنهج الصحيح لتلقي شرائع الإسلام، وفهمها على منهج السلف، فظهر التعصب لفرق ما أنزل الله بها من سلطان، وتساهل المنحرفون في مقاومة البدع، وتركوا سنة النهي عن المنكر، فظهر على إثر ذلك رؤوس الفتن والأهواء، والطاعنين بنصوص الشرع، وفهم السابقين لها، وزعم آخرون فقدان عصمتها، وصلاحها لكل زمان ومكان، فاستبدلوا بها قوانين الكفر، وتأثروا بأفكار المنحرفين عندهم، وحاكوا انتقاداتهم لنصوصهم المحرفة، ووقف كثير من عوام المسلمين موقف الحائر المضطرب، واجتهد المشككون على إخراج الناس عن دينهم، وتطاول الحاقدون من الكفار، والطاعنون بنصوص الشرع متذرعين بانحرافات أصحاب الفهم السقيم لنصوص الدين، وتكالبت ذئاب النصارى والمجوس لنزع الإيمان من قلوب المؤمنين.

كل تلك الآثار ما رفدها إلا بُعد المسلمين عن التعامل الصحيح مع نصوص الشريعة، فأضرمت في صفوف الأمة الافتراق، وساعدت أهل الهوى على الانشقاق.

وفي هذه الدراسة يبحث الباحث تلك الآثار، وكيف ساعدت على افتراق الأمة؟ وما هي العوامل التي تحول دون ذلك؟

وجاءت هذه الدراسة في تمهيد، عرَّف فيه الباحث بالمراد بالنص الشرعي، ثم أردف ذلك حديثه عن آثار البعد عن التعامل الصحيح مع النص الشرعي ودورها في افتراق الأمة، وجاء ذلك في عشر نقاط، ثم ختم البحث بمجموعة من التوصيات.

المقصود بالنص الشرعي:
-------------

في تمهيد هذه الدراسة بين الباحث أن المقصود بالنص الشرعي؛ هو ما رفعه الناقل وميّزه عن كلامه بإسناده إلى الله– سبحانه وتعالى-، أو إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، مستدلاًّ به للحكم على الأشياء، سواء كان على سبيل القطع أو غيره.

مشيراً إلى أن دراسة النص والتعامل معه يقومان على مناهج وآليات منضبطة طالما كان العمل عليها عند سلفنا الصالح، دون الالتفات إلى مناهج الألسُنيات المعاصرة، والمنقولة عن مناهج غربية تُخرج ألفاظ النصوص عن مقصودها، وتعزلها عما وضعت له، وعمّن نسبت إليه؛ كالمناهج البنيوية والحداثية وغيرهما؛ لأن في ذلك تباين واضح في طرق التعامل مع النص واجتماع الأمة على أحكامه ومفاهيمه.

آثار البعد عن التعامل الصحيح مع النص الشرعي ودورها في افتراق الأمة:

كان للبعد عن التعامل الصحيح مع النص الشرعي آثاره الجلية في تفرق كلمة المسلمين، وانقسام صفوفهم، مما ساعد على ضعف بنيانهم المرصوص وتداعيه، وتطاول الحاقدين على اختراق حرمة عقولهم بالتشكيك والتشويش، ومحاولة سلب الركن الوحيد لوحدة المسلمين، وهو اجتماعهم على دين واحد واتباعهم لمنهج واحد، وقد حدد الباحث هذه الآثار فيما يلي:

أولاً: الانسلاخ عن نصوص الشرع وترك مرجعيتها:
--------------------------------


في هذه النقطة أشار الباحث إلى التعامل الفاسد من قبل الفرق الإسلامية وبعض الحداثيين مع النص الشرعي؛ قرآن وسنة، مبينًا أنه نتيجة البعد عن التعامل الصحيح الذي يقود إلى الوحدة والالتئام تفرقت الأمة، وعليه فلا سبيل لمثل هؤلاء أن يتقاطعوا مع من اتخذوا القرآن والسنة منهجاً؛ فضلاً عن اتفاقهم هم أنفسهم أو انصهارهم في بوتقة الوحدة والاعتصام.

ثانياً: انحراف منهج الفهم والاستدلال للنص الشرعي عن الصواب:
-------------------------------------


أوضح الباحث أن من الآثار المهمة المنضوية خلف البعد عن التعامل الصحيح مع النصوص؛ الانحراف عن المنهج القويم الذي عمد إلى العمل به سلف هذه الأمة فضلاً عن عمل نبيها، وهذا الانحراف أحدث خللاً في منهجية البحث والاستدلال في النصوص الشرعية الذي طالما كان محل اتفاق لدى المتقدمين، وأحدث شرخاً في إجماع الأمة على تلك الأصول.

ثالثاً: الخلط بين مهام العقل والنص الشرعي في تنظيم حياة البشر:
---------------------------------------


بين الباحث أن الخلط بين مهام العقل والنص الشرعي في تنظيم حياة البشر كان –مما لا شك فيه- من رواسب علم الكلام وما تم ترجمته من التراث اليوناني؛ إذ لم يكن لهذه المسألة قبل ذلك من طرح؛ لأن السلف الصالح ميّزوا بين صلاحيات كل واحد منهما، واكتملت عندهم الصورة المتوازنة لدور كل منهما.

رابعاً: ظهور الخلل في منهج تلقي النصوص الشرعية والعمل بها:
-------------------------------------

فلقد أدى الانسلاخ عن نصوص الشريعة وترك مرجعيتها، وما لحقه من انحراف منهج الفهم والاستدلال لتلك النصوص إلى ظهور هوّة من الفراغ الديني والفقهي لدى كثير ممن زعموا تراثية النصوص الشرعية.

خامساً: العجز عن القيام بالدعوة إلى الله والرد على شبهات المبطلين:
--------------------------------------


في هذه النقطة أوضح الباحث أن من الآثار الخطيرة للبعد عن التعامل الصحيح مع النصوص الشرعية؛ عدم قدرة الأمة على الدعوة إلى الله بشكل صحيح ومؤثر؛ سواء كانت هذه الدعوة للمسلمين أنفسهم أو غيرهم الأمم الأخرى.

سادساً: جمود الفقه الإسلامي والتقصير في إصدار أحكام صحيحة لما استجد من الحوادث:
---------------------------------------------------


أوضح الباحث أن التعامل الصحيح من النصوص الشرعية، والذي ساد عصر الصحابة والسلف الصالح، وما واكب تلك الأزمان من تطور للعلوم وتجدد للأحكام كان له الأثر الواضح في مسايرة الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان، وملأ الفراغ الشرعي لجميع الأحكام، مهما كانت الوقائع والأحداث، واستجدت المسائل والحوادث، فكان ذلك عاملاً قوياً في الحفاظ على تجدد الفقه الإسلامي، وإبقائه حياً معمولاً به.

لكن الابتعاد عن التعامل الصحيح مع النص الشرعي أدى إلى جمود الفقه الإسلامي والتقصير في إصدار أحكام صحيحة لما استجد من الحوادث.

سابعاً: تولّد التعصب والتشدد وسوء التعامل مع الخلاف:
----------------------------------


أكدت هذه النقطة على أنه من أهم أسباب ظهور التعصب والتشدد في الدين، عدم التعامل مع النصوص الشرعية بطريقة صحيحة، والبعد عن استيعابها وإدراكها والتعامل مع مقصدها التي وضعت له، وهذا يؤدي إلى فقدان فقه الخلاف، ومعرفة ما يمكن أن يُقبل فيه الرأي الآخر وما لا يمكن.

ثامناً: تطاول رؤوس الفتن وأهل الأهواء وتجرؤهم على دين الإسلام:
-----------------------------------------


أوضح الباحث أن الضعف الظاهر على المسلمين نتيجة بُعدهم عن شريعتهم التي تُشكل مصدر قوتهم، وتركهم لأسباب الثبات المنهجي والعقدي، والمرجعية الفكرية والدينية من خلال عدم التعامل مع مصادر تلك التشريعات، والمتمثلة في الكتاب والسنة الصحيحة، كل ذلك يفتح باباً لأعداء الدين ورؤوس الفتنة، وأهل الأهواء، والمنافقين ليتجرؤوا على أمة الإسلام، ويُعملوا فيها أسباب الفرقة والانشقاق، ويبحثوا في النصوص الشرعية عن تأويلات وشبهات تدعم ما انحرفوا به من العقائد والمناهج المبتدعة.

تاسعاً: التأثر بالثقافات والأفكار المناقضة للإسلام، وفقدان الهوية الإسلامية:
-------------------------------------------


إن الفراغ الفكري الذي يُحدثه التعامل الفاسد مع النصوص الشرعية سيدفع مثقفي الأمة ومفكريها من غير المتخصصين الشريعة الإسلامية يبحثون عن سبل أخرى وثقافات بديلة، وهذا البحث أياً كانت نتائجه لن يكون متفقاً وفلسفة الإسلام وفكره، ولن يكون مبدؤه قول الله –تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [النساء: 125]؛ وذلك لانعدام وجود ثقافات معاصرة ومدنيات حديثة تتبنى الفكر الإسلامي وفلسفته منهجاً متبعاً لتسيير شؤون حياتهم، وسيفترق القوم كلُّ يبحث عما يناسب هواه، أو مصلحته.

عاشراً: تكالب الحاقدين من أهل الديانات الأخرى على المسلمين:
----------------------------------------


بين الباحث أن ما حدث للمسلمين من البعد عن شرائعهم، وحسن التعامل معها، وما تبع ذلك من افتراق الأمة وتفككها، دفع أولئك الحاقدين إلى حمل معاولهم، والتخطيط للفتك بالإسلام والمسلمين، وإيقاع الفرقة والاختلاف فيما بينهم.

الخاتمة: وفيها خلص الباحث إلى عدة توصيات، وأهمها:
----------------------------

1. وجوب اعتصام المسلمين بالكتاب والسنة والاحتكام إليهما، والتسليم بما فيهما، وتعظيم الانقياد إليهما بكل الأحوال، والاقتداء بالأئمة والسلف العاملين بذلك، والرجوع إلى الثقات من أهل العلم، والدعوة إلى ذلك من خلال جميع المؤسسات الممكنة؛ التربوية منها والتعليمية والإعلامية وغيرها.

2. تأصيل منهج الوسطية، ومعالجة الغلو والتشدد والتقليد الأعمى الذي حذر منه الشرع وذمه، وبناء معنى التسامح، وكشف دور الغلاة الأوائل في تفريق الأمة واختلافها.

3. تسليط الدعاة وأهل الاختصاص الضوء على القضايا المسببة للبعد عن النصوص الشرعية، وهجران العمل بها، والمؤدية إلى معارضتها، وتوضيح تلك الأسباب وعواقبها، وبيان خللها ومدى خطورتها، وانحراف من قدم عليها العقل أو الذوق أو الحس أو غير ذلك.

4. بناء الشخصية المسلمة على أساس حق الدفاع عن الدين الإسلامي وحرماته، ووضعها حد فاصل في علاقات الأمة بغيرها.

5. توعية الدعاة والمثقفين والمتعلمين لمنهجية فهم النصوص الشرعية، ومنهجية الرجوع إلى أهل العلم الثقات، وبناء مواقفهم العقلية في التعامل مع المخالف في الأصول أو الفروع، ونشر صورة واضحة عن الإسلام لدى الغربيين، والتعريف بمناهجه الربانية.

6. وضع منهجية علاج تشمل جميع أحوال المخالفين للنصوص الشرعية والتفريق أحوالهم سواء كانوا ممن تعمد الإساءة للنصوص الشرعية، أو من خدعوا أو ضلوا عن غير قصد الإساءة ممن حسنت نيتهم وقصر فهمهم عن إدراك المقصود من النص الشرعي.

7. تكثيف المساقات الدراسية لطلاب التخصصات الشرعية تعالج القضايا الأساسية لمختلف الأسباب المؤدية للبعد عن النص الشرعي، وتأهيلهم للتعامل معها وتوجيهها إلى عمل دراسات متخصصة في وضع استراتيجيات تقليص وقوع الخلاف بين الأمة، ومقاومة الإساءات الموجهة للشريعة وبيان مدى ضررها على وحدة المسلمين.

8. عمل خطط وبرامج وإجراءات لجميع الجاليات المسلمة في بلاد الكفر، من أجل الحفاظ على دينها وحماية هويتها، ودفعهم إلى تنشئة أجيالهم الجديدة على الإسلام، وتهيئة المؤسسات التي تساعدهم على ذلك.

9. تأسيس مراكز دراسات متخصصة لمراقبة حالات الاستشراق والتغريب والحداثة، وتصفيتها من كل ما يساعد على زرع الخلاف بين المسلمين، ومقاومة عمليات التقليد والتطبيع الفكري لدى الغرب، وبناء منهج إسلامي مستقل يتعامل مع كافة الأطراف الفكرية والثقافية والاجتماعية.

10. إنشاء لجان إسلامية قانونية وذات مراجع سياسية للدفاع عن ثوابت الشريعة، ومنع التعدي على النصوص الشرعية، والحفاظ على حرمتها، سواء في داخل المجتمعات الإسلامية أو خارجها.

11. توظيف الجهود الإعلامية والفكرية والثقافية والعاملين في جوانب الأدب والفنون للدفاع عن النص الشرعي وبيان مكانته من الشريعة الإسلامية، وتعظيم الشريعة، والإحجام عن التطاول على الثوابت الإسلامية، والنصوص الشرعية.

12. استغلال مواقف المنصفين من عقلاء الغرب، وتحفيزهم على إعلان مواقفهم، واستنطاقهم، وجعلهم نقطة تحول فكري، وخط دفاعي ضد الطاعنين في الشريعة والمناهضين للنصوص الشرعية.

13. الدعوة إلى مؤتمرات علمية على مستوى عالمي ناطقة بعدة لغات، لتجلية المصطلحات والمفاهيم الإسلامية الغامضة، والمواقف السلبية المسبّقة، والتي تدفع المثقفين من المسلمين وغيرهم إلى بناء مواقف سلبية عن النصوص الشرعية، والمنهج الإسلامي القويم.

ــــــــــــ

(**) من أبحاث مؤتمر "النص الشرعي بين الأصالة والمعاصرة"- الجمعية الأردنية للثقافة المجتمعية- عمان- 7-8 جمادى الآخرة 1433هـ، الموافق 28 ـ 29 / 4 / 2012 م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ