المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وصايا لطلبة العلم


عبدالناصر محمود
04-26-2015, 07:48 AM
وصايا لطلبة العلم
ــــــــــ

(أمين بن عبدالله الشقاوي)
ــــــــــــ

7 / 7 / 1436 هــ
26 / 4 / 2015 م
ــــــــــ

http://i.ytimg.com/vi/aIw8bF0fXtk/maxresdefault.jpg


وصايا لطلبة العلم
------------

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:
فهذه بعض الوصايا التي أوصى بها نفسي وإخواني، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح.

الوصية الأولى: الحرص على طلب العلم الشرعي، قال تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].

وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11].

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يرد الله بهى خيرًا يفقهه في الدين"[1].

قال بعض أهل العلم "من لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا".

روى أبوداود في سننه من حديث أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر"[2].

قال الأوزاعي:
-----------

"الناس عندنا هم أهل العلم، ومن سواهم فليسوا بشيء"، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "حاجة الناس إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه".

وأهل العلم هم القائمون بأمر الله حتى تقوم الساعة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية وثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"[3]- وفي رواية: "قائمة على أمر الله"[4].

قال الإمام أحمد بن حنبل: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟".

وقال أيضًا:

دين النبي محمد آثار
نعم المطية للفتى الأخبار

لا ترغبن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار

ولربما جهل الفتى طرق الهدى
والشمس بازغة لها أنوار

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه في آخر الزمان يرفع العلم، ويكثر الجهل، ورفع العلم بموت حملته.

روى البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"[5].

وفي هذه الحال يكون تعلم العلم وتعليمه أوجب، اوكد، وليعلم أن رأس العلوم كلها هو كتاب الله الكريم، فلنحرص على حفظه وفهمه وتدبره، والعمل به، وكذلك تعلم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتفقه فيها، وليكن أخذنا للعلم من أهله، والأئمة المهديون، حتى لا نقع في الفتاوى المضلة والأهواء المهلكة.

الوصية الثانية: الدعوة إلى الله - عز وجل - قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108] وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: "... لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"[6].

وهذا الحديث يغلط فيه بعض الناس، حيث يقوم بالدعوة، وربما تجرأ على الفتوى وهو من أجهل الناس، وقد يستدل بحديث "بلغوا عني ولو آية"[7]، ولم يعلم المسكين أن تبليغ آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكون إلا بعد فهمها بمراجعة أقوال المفسرين، وشراح الأحاديث حسب الطرق الصحيحة التي سلكها أهل العلم، وبينوها لطلاب العلم.

والدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - والمقصود بها دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل، وقال عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب معاذ بن جبل، وقد أرسله إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الله تعالى: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات.... إلى آخر الحديث"[8]، وروى البخاري من حديث عبدالله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بلغوا عني ولو آية"[9].

قال ابن القيم - رحمه الله -: واذا كانت الدعوة الى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء"[10].

وقال الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله -: "الواجب على جميع القادرين من العلماء، وحكام المسلمين والدعاة الدعوة إلى الله - عز وجل- حتى يصل البلاغ إلى العالم كافة في جميع أنحاء المعمورة، وهذا البلاغ الذي أمر الله به، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [المائدة: 67].

فالرسول عليه البلاغ، وهكذا الرسل جميعًا عليهم البلاغ صلوات الله وسلامه عليهم، وعلى أتباع الرسول أني بلغوا.. إلخ"[11].

الوصية الثالثة: حفظ الوقت، فمن الملاحظ أن بعض الشباب لا يحرص على استغلال وقته، واغتنام نشاطه وشبابه، فتجده ينام الساعات الطوال من غير حاجة، والآخر يضيع وقته في قراءة الجرائد لفترات طويلة، وآخر في الزيارات الكثيرة، وهلم جرا.

روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ و عن ماله من أين اكتسبه؟ و فيم أنفقه؟ و ماذا عمل فيما علم؟"[12]، ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"[13].

ويقول الشاعر:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع

الوصية الرابعة: حسن الخلق، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، روى الترمذي في سننه من حديث أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء"[14]، قال ابن المبارك: "حسن الخلق طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، وأن تحتمل ما يكون من الناس".

وبهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يوصي أصحابه، فروى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة وتمحها، وخالق الناس بخلق حسن"[15].

قال ابن القيم - رحمه الله -:
--------------

"جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه". ا. هـ[16]، ولا يكتمل إيمان عبد ما لم يوفق للخلق الحسن، روى الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا"[17].

ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا، فمن أحب أن يهتدي إلى معالي الأخلاق فليقتد بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فعن أنس - رضي الله عنه - قال: "خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي: أف قط، وما قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟"[18].

الوصية الخامسة: الثبات على هذا الدين، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99] أي الموت، وقال تعالى عن عيسى - عليه السلام -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31]، روى الإمام أحمد من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"[19]، وقد وردت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين أن المتمسكين بدينهم في آخر الزمان الثابتين عليه يكونون غرباء، ولكنهم بذلك ينالون من الأجر مثل ما ناله أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان الإسلام غريبًا، وذلك بصبرهم عليه حال الغربة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"[20]، وجاء في الحديث الآخر أنهم: "أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"[21]، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن القابض على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر، روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم" قالوا: يا نبي الله أومنهم، قال: "بل منكم"[22].

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكر ما يحصل في آخر الزمان من الفتن، قال: "المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر، أو قال: على الشوك"[23].

فأوصي نفسي وإخواني بالثبات على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، والصبر على ذلك قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [يونس: 109]، وقال تعالى: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]، ولا شك أن المسلم في هذه الأزمنة يواجه فتن الشهوات والملذات العظيمة، لكن من استعان بالله أعانه الله، ومن يتصبر يصبره الله، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

جعلنا الله وإياكم منهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

---------------------------------------
[1] البخاري برقم (3116)، ومسلم برقم (1037).
[2] برقم (3641) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/342) برقم (2159).
[3] صحيح البخاري برقم (71)، وصحيح مسلم برقم (1920) واللفظ له.
[4] صحيح البخاري برقم (71).
[5] صحيح البخاري برقم (100)، وصحيح مسلم برقم (1920) واللفظ له.
[6] صحيح البخاري برقم (2942)، وصحيح مسلم برقم (2406).
[7] صحيح البخاري برقم (3461).
[8] صحيح البخاري برقم (1458)، وصحيح مسلم برقم (19) واللفظ له.
[9] سبق تخريجه.
[10] التفسير القيم (ص 319).
[11] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - (1/333) نقلًا عن كتاب نضرة النعيم (5/1959، 1960).
[12] رقم (2416) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/289) برقم (1969).
[13] مستدرك الحاكم (5/435) برقم (7916) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (1077).
[14] (4/362) برقم (2002) وقال: حديث حسن صحيح.
[15] سنن الترمذي برقم (1987) وقال: حديث حسن صحيح.
[16] الفوائد (84-85).
[17] برقم (1162) وقال: حديث حسن صحيح.
[18] سنن الترمذي برقم (2015) وأصله في الصحيحين.
[19] سبق تخريجه.
[20] برقم (145).
[21] قطعة من حديث في مسند الإمام أحمد (11/231) برقم (6650) وقال محققوه: حديث حسن لغيره.
[22] سبق تخريجه.
[23] سبق تخريجه.
----------------------------------------